فصل 6 · قراءة 7 د
رعاية الجيل الآتي: تربية أولاد أتقياء
«وَلْتَكُنْ هذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ عَلَى قَلْبِكَ، وَقُصَّهَا عَلَى أَوْلاَدِكَ، وَتَكَلَّمْ بِهَا حِينَ تَجْلِسُ فِي بَيْتِكَ، وَحِينَ تَمْشِي فِي الطَّرِيقِ، وَحِينَ تَنَامُ وَحِينَ تَقُومُ». تثنية 6: 6-7 (فان دايك) ليس على وجه الأرض حقل إرساليّة أعظم من بيتك أنتِ. فالأولاد الذين وضعهم الله بين يديك وجعلهم في رعايتك هم جيل الكنيسة الآتي، وهم الذين سيقودون قريتك وبلدتك وأمّتك في الغد. والطريقة التي يُربَّون بها هي التي ستحدّد أيتقدّم الإنجيل في شرق أفريقيا في السنين المقبلة أم يتراجع إلى الوراء. وليس أحد من الناس، تحت الله، له في الطفل تأثير أعظم في سنيّه الأولى من التأثير الذي لأمّه.
وقد أعطى الله في العهد القديم وصايا واضحة للوالدين. فالشِّما، في الأصحاح السادس من سفر التثنية، تأمر الوالدين أن يعلّموا أولادهم وصايا الله باجتهاد. وكلمة «باجتهاد» كلمة مهمّة. فليس المقصود تعليمًا عابرًا، ولا شيئًا يُصنع صباح الأحد وحده، بل تعليمًا دائمًا مستمرًّا، منسوجًا في كلّ لحظة من لحظات الحياة. حين تمشين، وحين تجلسين، وحين تنامين، وحين تقومين — ينبغي أن يُنطق بحقّ الله، وأن يُعاش أمام العيون، وأن يُكرَّر.
تأمّلي في يوكابد، أمّ موسى. لقد عاشت في ظلّ مرسوم فرعون الرهيب القاضي بأن يُطرح كلّ مولود عبرانيّ ذكر في نهر النيل. ولكنّها خافت الله أكثر ممّا خافت فرعون. فأخفت طفلها ثلاثة أشهر كاملة. ولمّا لم تعد تقدر أن تخفيه أكثر من ذلك، صنعت له سفطًا صغيرًا من البرديّ، وطلته بالزفت، ووضعت ابنها فيه، ثمّ وضعته بين الحلفاء على حافّة النهر. ووقفت ابنتها مريم على مقربة منه تراقب ما يجري. فلمّا وجدت ابنة فرعون الطفل، تقدّمت مريم وعرضت أن تدعو له امرأة عبرانيّة ترضعه. وبتدبير الله العجيب، استُؤجرت يوكابد لترضع ابنها هي. فقضى موسى سنيّ حياته الأولى — ولعلّها ثلاث سنوات أو أربع، وهي المدّة التي كان الأولاد يرضعون فيها في ذلك الزمان — في حضن أمّه وبين ذراعيها، يسمع عن إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب. لم يكن عندها إلّا سنوات قليلة قصيرة تسكب فيها في ابنها قبل أن يُسلَّم إلى قصر فرعون. ولكنّ تلك السنوات كفت. فقد استقرّت هويّة موسى.
عرف من هو. وعرف لمن هو. وبعد عقود كثيرة من السنين، اختار أن يتألّم مع شعب الله على أن يتمتّع بلذّة الخطيّة إلى حين. أيّتها الأمّهات، لا تستهنّ أبدًا بقيمة تلك السنوات الأولى. فكلّ ما تغرسينه في السنوات الخمس الأولى من حياة الطفل سيحمل ثمرًا مدى العمر كلّه.
وتأمّلي في حنّة مرّةً أخرى. لمّا نالت ابنها صموئيل، لم تتشبّث به ولم تمسكه لنفسها. بل فطمته أوّلًا، ثمّ أتت به إلى خيمة الاجتماع وأسلمته إلى الربّ ليخدمه هناك كلّ أيّام حياته.
وكانت في كلّ سنة تأتي إليه بجبّة صغيرة قد صنعتها له بيديها. تخيّلي ذلك معي. في كلّ سنة كانت تخيط جبّةً وتحملها إلى ابنها الذي كان يخدم في بيت الله. فنشأ صموئيل وترعرع في حضرة الربّ. لقد نذرته أمّه لله قبل أن يولد، ثمّ ظلّت تستثمر فيه حتّى بعدما فارق بيتها ومضى. فانذري أولادك لله، يا أختي. لا في حفل تبريك الأطفال فحسب، بل في كلّ يوم من أيّامك. ضعيهم على مذبح الربّ في الصلاة. وثقي بالله أنّه سيستخدمهم لمجده هو.
وتأمّلي في أفنيكي ولوئيس، أمّ تيموثاوس وجدّته. يكتب بولس أنّ الإيمان العديم الرياء الذي في تيموثاوس سكن أوّلًا في جدّته لوئيس وفي أمّه أفنيكي. ثلاثة أجيال من الإيمان في بيت واحد. ومع ذلك كان أبو تيموثاوس يونانيًّا، وعلى الأرجح لم يكن مؤمنًا.
وأحيانًا يقع على أمّ تقيّة وجدّة تقيّة أن تحملا الثقل الروحيّ للعائلة كلّها. وقد حملتاه بأمانة. فصار تيموثاوس راعيًا ورفيقًا قريبًا لبولس. يا أختي، سواء أكان زوجك قائدًا روحيًّا قويًّا أم لم يكن، فأنتِ تقدرين أن تكوني أفنيكي ولوئيس. تقدرين أن تربّي أولادًا يعرفون الأسفار المقدّسة منذ نعومة أظفارهم.
والآن دعيني أتكلّم كلامًا عمليًّا. كيف تربّين أولادًا أتقياء في شرق أفريقيا اليوم، وهناك مؤثّرات كثيرة تشدّ في الاتّجاه المضادّ — الفقر، وضغط الأقران، والتسلية الفاسدة، ومدارس لا تعلّم القيم المسيحيّة، بل وأقارب غير مؤمنين؟
أوّلًا، أقيمي في بيتك عبادة عائليّة. في كلّ يوم إن أمكن ذلك. اجمعي العائلة كلّها، ولو لعشر دقائق أو خمس عشرة دقيقة. اقرئي مقطعًا قصيرًا من الكتاب المقدّس. واشرحيه بكلمات بسيطة. وصلّوا. ورنّموا ترنيمة تسبيح. فإن كان أولادك صغارًا، فاجعليها قصيرة. وكلّما كبروا، اجعليها أغنى. لا تتركي هذا حتّى حين تكونين متعبة. ولا حين يكون البيت مشغولًا بأمور كثيرة. فمواظبتك على العبادة العائليّة ستشكّل أولادك أكثر من أيّة عظة يسمعونها يوم الأحد.
ثانيًا، علّميهم أن يصلّوا. علّميهم صلوات بسيطة في البداية. اشكري الله على الطعام. واشكري الله على اليوم. وصلّوا لأجل «بابا» حين يكون غائبًا في عمله. وصلّوا لأجل الخالة المريضة.
وكلّما كبروا، علّميهم أن يصلّوا صلاةً أعمق. علّميهم أن يصلّوا لأنفسهم، ولأصدقائهم، ولمعلّميهم، ولأمّتهم كلّها. فالطفل الذي يتعلّم الصلاة وهو صغير يصير رجلًا مصلّيًا حين يكبر.
ثالثًا، علّميهم الطاعة. فالكتاب المقدّس يوصي الأولاد أن يكرموا والديهم وأن يطيعوهم. وهذه هي أوّل وصيّة بوعد. والطفل الذي لا يتعلّم أن يطيع أباه وأمّه سيصعب عليه فيما بعد أن يطيع صاحب عمل، أو راعيًا، أو الربّ نفسه. فلا تخافي من التأديب. يقول سفر الأمثال إنّ من يمنع عصاه يمقت ابنه، وأمّا من أحبّه فيطلب له التأديب. غير أنّ التأديب يجب ألّا يكون قطّ بغضب ولا بقسوة. بل ينبغي أن يكون بمحبّة، ومع شرح للسبب، ويتبعه غفران ومودّة. وينبغي ألّا يشكّ أولادك يومًا في أنّك تحبّينهم، حتّى في الساعة التي تضطرّين فيها إلى تقويمهم.
رابعًا، علّميهم الفرق بين الصواب والخطأ في أمور الحياة اليوميّة. علّميهم أن يكونوا صادقين في كلامهم. وعلّميهم أن يجتهدوا في دروسهم. وعلّميهم أن يكونوا لطفاء مع إخوتهم وأخواتهم. وعلّميهم أن يكونوا معينين في أعمال البيت — فالأولاد كما البنات ينبغي أن يتعلّموا جلب الماء، والكنس، والمساعدة في الطبخ. وعلّميهم أن يحترموا من هم أكبر منهم سنًّا. وعلّميهم الاحتشام في اللباس وفي الكلام. وعلّميهم أن يبتعدوا عن رفقاء السوء، فإنّ المعاشرات الرديّة تفسد الأخلاق الجيّدة.
خامسًا، احكي لهم القصص. فلطالما كانت الأمّهات الأفريقيّات راويات قصص بارعات. احكي لهم قصص الكتاب المقدّس — نوح والطوفان، وداود وجليات، ودانيال في جبّ الأسود، والسامريّ الصالح، والابن الضالّ. واحكي لهم قصص شهداء أوغندا، وقصّة كيزيتو الصغير ومباغا وغيافييرا، الذين آثروا الموت على أن ينكروا إيمانهم. واحكي لهم عن ماري سليسور، تلك المرأة الاسكتلنديّة الصغيرة التي ذهبت إلى غرب أفريقيا وأنقذت حياة التوائم الذين كانوا يُتركون في العراء ليموتوا. واحكي لهم عن سمعان نسيبامبي، الذي صلّى لأجل نهضة في أوغندا. فالقصص تُدخل الحقّ إلى القلب بطريقة لا تقدر عليها المحاضرات أبدًا.
سادسًا، كوني حاضرةً معهم. فالأولاد لا يعبأون بالهدايا الثمينة قدر ما يعبأون بوقتك، وبانتباهك، وبحنانك عليهم. اجلسي معهم. وأصغي إليهم. وتعلّمي أسماءهم، وأسماء أصدقائهم، ومخاوفهم، وأحلامهم. واعرفي ما يجري في مدرستهم، وما يجري في قلوبهم، وما يجري في حياتهم.
فالأولاد الذين يشعرون في بيوتهم بأنّهم معروفون ومحبوبون أقلّ ميلًا كثيرًا إلى الجري وراء العالم بحثًا عن محبّة في مكان آخر.
سابعًا، عيشي أنتِ ما تعلّمين. فالأولاد يتعلّمون ممّا تفعلينه أكثر ممّا يتعلّمون ممّا تقولينه لهم.
فإن قلتِ لهم لا تكذبوا ثمّ سمعوك أنتِ تكذبين على الجارة، فإنّهم سيتعلّمون منك الكذب. وإن قلتِ لهم اغفروا ثمّ رأوك تضمرين الضغائن في قلبك، فإنّهم سيضمرون الضغائن هم أيضًا. وإن قلتِ لهم صلّوا ثمّ لم يروك أنتِ تصلّين قطّ، فإنّهم لن يصلّوا. أمّا إن عشتِ أنتِ ما تعلّمين به، فإنّ ذلك سيُكتب على ألواح قلوبهم.
ولا تيأسي إن لم يُظهر أولادك ثمر تعليمك في الحال. فبعض الأولاد يقبلون الإيمان سريعًا. وآخرون يمرّون بموسم من التيه والضلال قبل أن يرجعوا إلى البيت.
تذكّري أغسطينوس وأمّه مونيكا. فقد سبقت اهتداءه ثلاثون سنة من الدموع والصلاة. فداومي أنتِ على الزرع. وداومي على الصلاة. فالله الذي ابتدأ عملًا صالحًا في بيتك أمين ليكمّله إلى النهاية.
وأمر آخر أقوله. لعلّ بعضكنّ ممّن يقرأن هذه السطور ليس لهنّ أولاد من أصلابهنّ. فلعلّ الله لم يعطك أولادًا بعد. ولعلّه اختار لحياتك طريقًا آخر. فلا تظنّي أنّ هذا الفصل لا يعنيك أنتِ. فقد يعطيك الله بنات أخ وأبناء أخت تسكبين فيهم حياتك. وقد يعطيك بنات روحيّات في الإيمان. وقد يعطيك خدمة للأيتام — والله يعلم أنّ في شرق أفريقيا أيتامًا كثيرين يحتاجون إلى خالات مسيحيّات. فالقلب الأموميّ الذي وضعه الله فيك يقدر أن يربّي أولادًا كثيرين، سواء أخرجوا من جسدك أم لم يخرجوا.
صلاة: يا أبتاه، أحمل إليك الأولاد الذين وضعتهم أنت في حياتي. وأشكرك من أجلهم جميعًا. أعنّي أن أراهم كما تراهم أنت — نفوسًا أبديّة قد ائتمنتني أنت عليها ووضعتها في يدي. أعطني القوّة لأعلّمهم طرقك باجتهاد. وأعطني الحكمة حين يلزمني أن أقوّمهم. وأعطني الصبر حين أتعب وأعيا. واسترهم برحمتك أنت حين أخفق أنا وأقصّر. خلّصهم يا ربّ.
وادعُهم إلى ملكوتك. واستخدمهم لتحقيق مقاصدك أنت في هذا الجيل. واجعل بيتي مكانًا تُعرف فيه أنت وتُحَبّ، ومكانًا يتعلّم فيه الجيل الآتي أن يسلك معك. باسم يسوع، آمين.