فصل 3 · قراءة 5 د

أن تُخبّئي كلمة الله في قلبكِ

«خَبَأْتُ كَلامَكَ في قَلبي لِكَيلا أُخطِئَ إلَيكَ». مزمور 119: 11 (فان دايك) — إن كانت الصلاة هي نَفَس المرأة المسيحيّة، فإنّ كلمة الله هي طعامها اليوميّ. فقد قال ربّنا يسوع إنّه «لَيسَ بِالخُبزِ وَحدَهُ يَحيا الإنسانُ، بَل بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخرُجُ مِن فَمِ اللهِ». وأنتِ لا يمكن أن تفكّري في البقاء بلا طعام أيّامًا متتالية — فإنّكِ تضعفين وتمرضين. ومع ذلك، فكم من امرأة مسيحيّة تمضي يومًا بعد يوم، وأسبوعًا بعد أسبوع، من غير أن تقرأ الكتب المقدّسة أو تسمعها أو تتأمّل فيها؟ فهل نعجب بعد ذلك إن شعرنا بالضعف الروحيّ وبالحيرة، وتقاذفتنا كلّ ضيقة تمرّ بنا؟

والكتاب المقدّس ليس كتابًا عاديًّا كسائر الكتب. فقد كُتب على مدى نحو ألف وخمسمئة سنة، بأقلام أكثر من أربعين كاتبًا بشريًّا مختلفًا، وبثلاث لغات، وفي ثلاث قارّات. ومع ذلك كلّه، فله رسالة واحدة عظيمة، وله مؤلّف واحد عظيم — هو روح الله القدّوس. وكلّ كلمة فيه «نافِعٌ لِلتَّعليمِ وَالتَّوبيخِ، لِلتَّقويمِ وَالتَّأديبِ الَّذي في البِرِّ». وحين تقرأين الكتاب المقدّس، فإنّكِ تسمعين صوت الله نفسه وهو يكلّمكِ أنتِ.

وعلى مدى آلاف السنين، لم يكن أكثر المؤمنين قادرين على أن يقرأوا الكتب المقدّسة بأنفسهم. فقد كانت تُنسَخ باليد، وكانت النسخة الواحدة من الكتاب المقدّس قد تكلّف أكثر ممّا تكسبه عائلة كاملة في سنة واحدة.

ولمّا اخترعت المطبعة في أوروبّا في القرن الخامس عشر، ولمّا بدأت ترجمة الكتاب المقدّس إلى لغات الناس العاديّين، تغيّر وجه العالم كلّه. والآن، ها نحن هنا في شرق أفريقيا، عندنا الكتاب المقدّس بكثير من لغاتنا نحن — باللوغندا، والسواحيليّة، والكينيارواندا، والرونيانكولي، واللوو، وبغيرها كثير. فيا لها من عطيّة عظيمة! فلا تعتبريها أمرًا بديهيًّا. فهناك نساء في أنحاء أخرى من العالم اليوم يمشين ساعات طويلة لكي يجدن نسخة واحدة من الكتب المقدّسة.

ويحدّثنا الكتاب المقدّس عن نساء أحببن كلمة الله. فمريم، أمّ يسوع، حين سمعت رسالة الملاك جبرائيل، أجابت بترنيمة نسمّيها اليوم «تُعَظِّمُ نَفْسي الرَّبَّ». وإن قرأتِها بتدقيق، فسترين أنّ كلّ سطر فيها تقريبًا هو اقتباس من أسفار العهد القديم أو إشارة إليها. كانت مريم فتاة صغيرة، ربّما في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة من عمرها، وكانت تعرف كتابها معرفة عميقة، حتّى إنّها حين امتلأت من الروح القدس، تدفّقت كلمة الله من فمها تسبيحًا. ويقول لنا الكتاب المقدّس إنّ مريم «كانَت تَحفَظُ جَميعَ هذا الكَلامِ مُتَفَكِّرَةً بِهِ في قَلبِها».

لقد كانت امرأة تتأمّل في كلمة الله وتتفكّر فيها.

وقد كتب الرسول بولس رسالة إلى معاونه الشابّ تيموثاوس، وذكّره فيها بذلك الإيمان الذي سكن أوّلًا في جدّته لوئيس وفي أمّه أفنيكي. وقال له إنّه منذ طفوليّته وهو يعرف الكتب المقدّسة، تلك الكتب القادرة أن تحكّمه للخلاص، بالإيمان الذي في المسيح يسوع. فمَن الذي علّم تيموثاوس هذه الكتب المقدّسة وهو بعدُ طفل صغير؟ إنّها أمّه وجدّته هما اللتان علّمتاه. ولم تنتظرا حتّى يكبر. ولم تقولا في أنفسهما: «حين يصير أكبر سنًّا، سنرسله إلى مدرسة الكتاب المقدّس». بل بدأتا تعلّمانه وهو ما يزال صبيًّا صغيرًا. وكانت النتيجة أنّ تيموثاوس صار واحدًا من رعاة الكنيسة الأولى العظام، ورفيقًا حبيبًا للرسول بولس.

وفي سفر أعمال الرسل، الإصحاح السابع عشر، جاء الرسل إلى مدينة تُدعى بيرية. وقد قيل عن أهل بيرية إنّهم كانوا «أشرَفَ مِنَ الَّذينَ في تَسالونيكي»، لأنّهم «قَبِلوا الكَلِمَةَ بِكُلِّ نَشاطٍ فاحِصينَ الكُتُبَ كُلَّ يَومٍ» ليروا هل الأمور التي كان بولس يكرز بها هي هكذا. ولاحظي معي — إنّهم لم يقبلوا كلام بولس لمجرّد أنّه رسول. بل قابلوه بالكتاب المقدّس وفحصوه. وهذا مثال حسن لنا نحن أيضًا. فنحن نعيش في زمن ترتفع فيه أصوات كثيرة تعلّم أمورًا تبدو حسنة في ظاهرها، ولكنّها ليست موافقة لكلمة الله. وأسلم ما تفعلينه هو أن تعرفي كتابكِ معرفة جيّدة، حتّى إذا تكلّم معلّم كاذب، استطعتِ أن تقولي في قلبكِ: «هذا الكلام لا يوافق ما تعلّمه الكتب المقدّسة».

والآن دعيني أتكلّم بطريقة عمليّة. كيف تصيرين امرأة تعرف كلمة الله؟ دعيني أعطيكِ ستّ عادات بسيطة.

أوّلًا، اقرئي الكتاب المقدّس كلّ يوم. ابدئي بعشر دقائق أو خمس عشرة دقيقة في اليوم. واقرئي سفرًا كاملًا من أسفار الكتاب من أوّله إلى آخره. وإنجيل مرقس مكان جيّد للبداية، لأنّه قصير ومملوء بالأحداث. ثمّ اقرئي إنجيل يوحنّا لعمقه. واقرئي سفر التكوين لكي تفهمي البداية. واقرئي المزامير للصلاة والتسبيح. واقرئي سفر الأمثال — إصحاحًا واحدًا في كلّ يوم، بحسب رقم اليوم من الشهر — لكي تنالي حكمة للحياة اليوميّة.

ثانيًا، احفظي الكتاب المقدّس عن ظهر قلب. ابدئي بآية واحدة في كلّ أسبوع. واكتبيها على ورقة صغيرة واحمليها معكِ في جيبكِ. واقرئيها حين تطبخين، وحين تمشين في الطريق، وحين تستريحين. وفي نهاية السنة تكونين قد خبّأتِ في قلبكِ اثنتين وخمسين آية.

ويقول المزمور 119: 11: «خَبَأْتُ كَلامَكَ في قَلبي لِكَيلا أُخطِئَ إلَيكَ».

فالكلمة المحفوظة في القلب سلاح في وجه التجربة. وحين يهمس العدوّ في أذنكِ، تستطيعين أن تضربيه وتطرحيه أرضًا بسيف الروح.

ثالثًا، تأمّلي فيما تقرئينه. والتأمّل معناه أن تفكّري في الآية بعمق، وأن تمضغيها وتجترّيها، وأن تقلّبيها في ذهنكِ مرّة بعد مرّة. واطرحي على النصّ أسئلة. ماذا يقول لي هذا النصّ عن الله؟ وماذا يقول لي عن نفسي أنا؟ هل فيه وعد أتمسّك به؟ هل فيه وصيّة ينبغي أن أطيعها؟ هل فيه خطيّة ينبغي أن أتجنّبها؟ هل فيه مثال ينبغي أن أقتدي به؟

رابعًا، ادرسي الكتاب المقدّس مع نساء أخريات. اجتمعن معًا — ربّما بضع نساء من كنيستكِ أو من جيرانكِ — واقرأن سفرًا كاملًا من أسفار الكتاب. وتحدّثن معًا عمّا تعلّمتنّه. وصلّين معًا. فهذا النوع من الشركة يقوّي الجميع.

خامسًا، اجلسي تحت تعليم سليم. واظبي على كنيسة تؤمن بالكتاب المقدّس ويُكرَز فيها بالكتب المقدّسة بأمانة. واسمعي العظات بانتباه. ودوّني ملاحظاتكِ إن كنتِ تعرفين القراءة والكتابة. وإن كانت هناك برامج إذاعيّة سليمة أو تسجيلات لوعّاظ موثوقين في منطقتكِ، فاستخدميها بحكمة.

سادسًا، علّمي غيركِ ما تتعلّمينه أنتِ. فليس هناك طريقة أفضل لفهم الكتاب المقدّس من أن تعلّميه لإنسان آخر، ولو كان طفلًا صغيرًا. فحين تشرحين آية لابنكِ أو لابنتكِ، ستجدين مرارًا كثيرة أنّ الله يعلّمكِ أنتِ تعليمًا أعمق ممّا كان عندكِ من قبل.

ودعيني أختم هذا الفصل ببعض الآيات التي ينبغي لكلّ امرأة مسيحيّة أن تحفظها عن ظهر قلب.

اكتبيها عندكِ على ورقة. وتعلّميها في هذه السنة. يوحنّا 3: 16. رومية 8: 28. مزمور 23. أمثال 3: 5 و6.

أمثال 31: 30. إشعياء 41: 10. فيلبّي 4: 6 و7. فيلبّي 4: 13. 2 تيموثاوس 3: 16 و17. غلاطية 5: 22 و23. والصلاة الربّانيّة في متّى 6. والإرساليّة العظمى في متّى 28: 19 و20. فهذه كلّها ستكون «سِراجًا لِرِجلِكِ» و«نورًا لِسَبيلِكِ» كلّ أيّام حياتكِ.

صلاة: أيّها الآب الذي في السماء، أشكركَ من أجل أنّكَ أعطيتنا كلمتكَ المقدّسة. اغفر لي كلّ تلك المرّات التي أهملتُ فيها كلمتكَ. وأعطني جوعًا إلى الكتب المقدّسة، جوعًا أشدّ من جوعي إلى الطعام نفسه. «اكشِفْ عَن عَينَيَّ فَأَرى عَجائِبَ مِن شَريعَتِكَ». وخبّئ أنتَ كلمتكَ عميقًا في قلبي، لكيلا أخطئ إليكَ.

واجعلني امرأةً تحبّ كلمتكَ، وامرأةً تحيا بحسب كلمتكَ، وامرأةً تعلّم كلمتكَ للجيل الآتي من بعدها. باسم يسوع أصلّي، آمين.

صفحة 1 / 4 · 5 دقيقة متبقية في الفصل