فصل 2 · قراءة 5 د
خدمة الصلاة العظيمة
«صَلُّوا بِلا انقِطاعٍ». 1 تسالونيكي 5: 17 (فان دايك) — من بين كلّ الأعمال التي تستطيع المرأة المسيحيّة أن تعملها، ليس هناك عمل أعظم قوّةً من الصلاة. فالمرأة الجاثية على ركبتيها تستطيع أن تغيّر مجرى التاريخ. وتستطيع أن تهدم حصون العدوّ. وتستطيع أن تحرّك يد الله لكي يشفي، ويخلّص، ويعول، ويحمي. لقد قامت ممالك وسقطت ممالك بسبب نساء مصلّيات. وعائلات بأكملها جاءت إلى المسيح بسبب صلوات أمينة رفعتها في الخفاء أمّ أو جدّة. فلا تظنّي أبدًا أنّ الصلاة عمل صغير.
ويعطينا الكتاب المقدّس تعليمات واضحة عن الصلاة. فنحن مدعوّون أن نصلّي بلا انقطاع. ونحن مدعوّون أن نصلّي لأجل أعدائنا ولأجل الذين يضطهدوننا. ونحن مدعوّون أن نصلّي لأجل الملوك وكلّ الذين هم في منصب، «لكَي نَقضِيَ حَياةً مُطمَئِنَّةً هادِئَةً». ونحن مدعوّون أن نصلّي بعضنا لأجل بعض لكي نُشفى.
ونحن مدعوّون أن نصلّي في الخفاء، لأنّ أبانا الذي يرى في الخفاء هو الذي سيجازينا علانية. ونحن مدعوّون أن نصلّي بإيمان راسخ، غير مرتابين في شيء. ونحن مدعوّون أن نصلّي باسم يسوع المسيح. وأخيرًا، نحن مدعوّون أن نصلّي بقوّة الروح القدس.
ودعيني أعرّفكِ على حنّة. وقصّتها مكتوبة في الإصحاح الأوّل من سفر صموئيل الأوّل. كانت حنّة متزوّجة من رجل اسمه ألقانة، ولكنّها لم تكن تقدر أن تلد أولادًا. وفي تلك الثقافة، كان هذا عارًا كبيرًا وحزنًا ثقيلًا. وكانت الزوجة الأخرى، فننّة، تسخر منها بسبب ذلك. وسنةً بعد سنة، كانت حنّة تصعد إلى خيمة الربّ في شيلوه، وسنةً بعد سنة كانت تبكي. ثمّ جاء يوم واحد غيّرت فيه صلاتُها كلَّ شيء. فدخلت إلى بيت الربّ وسكبت قلبها أمامه. وصلّت من أعماق نفسها حتّى إنّ شفتيها كانتا تتحرّكان من غير أن يُسمَع لها صوت. فظنّ عالي الكاهن أنّها سكرى، ولكنّها لم تكن سكرى بالخمر — بل كانت سكرى بالحزن وبشوقها الشديد إلى أن يسمعها الله. ونذرت نذرًا: إن أعطاها الله ابنًا، فإنّها تكرّسه للربّ كلّ أيّام حياته.
وقد سمع الله لحنّة. فحبلت وولدت صموئيل. وكبر صموئيل حتّى صار واحدًا من أعظم الأنبياء في تاريخ إسرائيل كلّه. وهو الذي مسح الملك داود، ذلك الرجل الذي حسب قلب الله، والذي جاء من نسله يسوع المسيح. فكّري في هذا الأمر قليلًا، يا أختي.
فنسل الملك داود كلّه، ذلك النسل الذي انتهى إلى ميلاد مخلّصنا، إنّما جاء عن طريق صلاة مستجابة رفعتها امرأة باكية. فلا تحتقري أبدًا دموعكِ أمام الربّ.
ثمّ هناك حنّة النبيّة، في الإصحاح الثاني من إنجيل لوقا. كانت امرأة مسنّة، أرملة منذ أكثر من ستّين سنة حين نلتقي بها في النصّ. ويقول الكتاب المقدّس إنّها كانت «لا تُفارِقُ الهَيكَلَ، عابِدَةً بِأَصْوامٍ وَطَلِباتٍ لَيلًا وَنَهارًا». وحين أحضر مريم ويوسف الطفل يسوع إلى الهيكل، رأته حنّة، وعرفت مَن هو، وشكرت الله. فسنوات الصلاة الطويلة هي التي أعدّتها لكي تعرف المسيّا في اللحظة التي جاء فيها. إنّ الصلاة تدرّب عينيكِ على أن تريا ما لا يستطيع الآخرون أن يروه.
وقد علّمنا الربّ يسوع نفسه كيف ينبغي لنا أن نصلّي. فعلّمنا أن نبدأ صلاتنا بالعبادة — «لِيَتَقَدَّسِ اسمُكَ». وعلّمنا أن نصلّي لكي تتمّ مشيئة الله — «لِيَأْتِ مَلَكوتُكَ. لِتَكُنْ مَشيئَتُكَ». وعلّمنا أن نطلب منه حاجاتنا اليوميّة — «خُبزَنا كَفافَنا أعطِنا اليَومَ». وعلّمنا أن نطلب المغفرة لأنفسنا وأن نغفر نحن أيضًا للآخرين. وعلّمنا أن نطلب الحماية من التجربة والنجاة من الشرّير. وفي كلّ مرّة تصلّين فيها الصلاة الربّانيّة، إنّما تصلّين صلاةً أعطانا إيّاها يسوع نفسه.
وفي تاريخ الكنيسة، ربّما لا توجد أمّ مصلّية أشهر من مونيكا. فقد كانت أمّ أغسطينوس، الذي صار واحدًا من أعظم المعلّمين الذين عرفتهم الكنيسة على مرّ العصور.
ولكن قبل أن يصير أغسطينوس رجل الله، كان متمرّدًا. فقد جرى وراء ملذّات العالم، وتبع معلّمين كذبة، وكسر قلب أمّه مرّة بعد مرّة. وقد صلّت مونيكا لأجله سنين طويلة — يقول بعضهم إنّها صلّت نحو ثلاثين سنة. وبكت لأجله. وتبعته من شمال أفريقيا إلى إيطاليا. ولم تستسلم قطّ. ثمّ في يوم من الأيّام، سمع أغسطينوس صوت طفل يقول: «خُذ واقرأ، خُذ واقرأ». ففتح الكتب المقدّسة، وقرأ فقرة من رسالة رومية، وسلّم حياته للمسيح. وقد كتب فيما بعد أنّه مدين بخلاصه لدموع أمّه. فيا أختي، إن كنتِ تصلّين لأجل ابن ضالّ أو ابنة ضالّة، أو لأجل زوج لا يعرف الربّ بعدُ، فلا تستسلمي. لقد صلّت مونيكا ثلاثين سنة. وصلواتكِ أنتِ ليست ضائعة.
وفي زمن أقرب إلينا وفي مكان أقرب إلينا، نجد أنّ نهضة شرق أفريقيا، التي بدأت في ثلاثينيّات القرن العشرين واستمرّت في العقود التالية، إنّما وُلدت في الصلاة. ففي تلال رواندا، وفي أوغندا، وفي كينيا، بدأت مجموعات صغيرة من المسيحيّين تجتمع وتصلّي بحرارة عظيمة. واعترفوا بخطاياهم بعضهم لبعض. وسلكوا في النور. فحلّ روح الله عليهم. وانتشرت النهضة إلى تنزانيا، وإلى الكونغو، ثمّ إلى أنحاء العالم. وقد كان للنساء دور مركزيّ في هذه الحركة. فصلّين في بيوتهنّ، وشهدن للمسيح في الأسواق، وأسّسن شركات ما تزال قائمة إلى يومنا هذا. لقد نزلت نار تلك النهضة لأنّ نساءً ورجالًا كانوا مستعدّين أن يصلّوا.
فكيف إذًا تبنين لنفسكِ حياة صلاة؟ دعيني أقترح عليكِ بضع خطوات بسيطة. أوّلًا، اختاري وقتًا.
وليس من الضروريّ أن يكون وقتًا طويلًا في البداية. فخمس دقائق في الصباح الباكر، قبل أن يستيقظ الأولاد، بداية جيّدة. وكلّما نَمَت حياة الصلاة عندكِ، ستشتهين وقتًا أطول مع الربّ لا وقتًا أقصر.
ثانيًا، اختاري مكانًا. فقد قال يسوع أن ادخل إلى مخدعك، أي إلى مكان منفرد بعيد عن العيون. ولعلّه يكون ركنًا في غرفة نومكِ، أو مقعدًا تحت شجرة، أو موضعًا في الحديقة. ثالثًا، استخدمي ترتيبًا بسيطًا.
قد تبدئين بالشكر، ثمّ بالاعتراف بالخطيّة، ثمّ بالشفاعة لأجل الآخرين، ثمّ بطلباتكِ الخاصّة. رابعًا، صلّي الكتاب المقدّس نفسه. افتحي كتابكِ على المزامير، أو على صلوات بولس في رسالة أفسس أو رسالة كولوسي، وارفعيها أنتِ صلاةً راجعة إلى الله. خامسًا، احتفظي بقائمة للصلاة. اكتبي فيها أسماء زوجكِ، وأولادكِ، وراعي كنيستكِ، وجيرانكِ، ورئيس بلادكِ، والمرسلين، والضالّين. وصلّي من خلال تلك القائمة بانتظام. سادسًا، صلّي على مدار النهار كلّه. وأنتِ تطبخين، وأنتِ تغسلين، وأنتِ تمشين إلى الحقل، ارفعي قلبكِ إلى الربّ.
ولا تفقدي شجاعتكِ حين لا ترين جوابًا فوريًّا. فتوقيت الله ليس هو توقيتنا نحن.
فهو أحيانًا يجيب في اللحظة نفسها التي نطلب فيها. وأحيانًا ينتظر. وأحيانًا يجيب بطرق لم نكن نتوقّعها البتّة. ولكنّه في كلّ حين يسمع. إنّ «طَلِبَةَ» المرأة البارّة «تَقتَدِرُ كَثيرًا في فِعلِها».
صلاة: أيّها الربّ يسوع، علّمني أن أصلّي. أعترف أمامكَ أنّني كثيرًا ما أكون مشغولة أكثر ممّا ينبغي، ومشتّتة أكثر ممّا ينبغي، ومتعبة أكثر ممّا ينبغي، فلا آتي إلى عرشكَ. فاغفر لي أنتَ. واجذبني ثانيةً إلى ذلك المكان الخفيّ. أعطني قلب حنّة، تلك المرأة التي سكبت نفسها أمامكَ. وأعطني إيمان حنّة النبيّة، تلك التي سهرت وانتظرت مجيء المسيّا. واجعلني امرأة صلاة، حتّى تنال البركةَ عائلتي، وكنيستي، وأمّتي، وجيلي كلّه، لأنّني ركعتُ على ركبتيّ أمامكَ. باسمكَ القدير أصلّي، آمين.