فصل 1 · قراءة 5 د

متجذّرة في المسيح: هويّتكِ الحقيقيّة

«فَخَلَقَ اللهُ الإنسانَ على صورَتِهِ. على صورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وأُنثى خَلَقَهُم». تكوين 1: 27 (فان دايك) — قبل أن نتكلّم عمّا تفعله المرأة المسيحيّة، ينبغي لنا أوّلًا أن نفهم مَن هي. فكثير من الحَيرة والاضطراب الذي يملأ حياتنا إنّما يأتي من نسياننا لهويّتنا الحقيقيّة. وحين لا تعرف المرأة مَن هي في المسيح، فإنّها تحاول أن تجد قيمتها في زوجها، أو في أولادها، أو في تعليمها، أو في جمالها، أو في وظيفتها، أو فيما يقوله الناس عنها. وكلّ واحد من هذه الأمور يمكن أن يُنتزَع منها في لحظة واحدة. أمّا الهويّة التي يمنحها الله لكِ فلا يقدر أحد أن ينتزعها منكِ أبدًا.

ويعلّمنا الكتاب المقدّس ثلاث حقائق عظيمة عن حقيقة مَن أنتِ. الحقيقة الأولى: أنّكِ مخلوقة على صورة الله.

والحقيقة الثانية: أنّكِ مفديّة بدم يسوع المسيح. والحقيقة الثالثة: أنّكِ مملوءة بالروح القدس، وأنّكِ مفروزة لأعمالٍ صالحة قد سبق الله نفسه فأعدّها لكِ.

تأمّلي معي في الحقيقة الأولى. ففي الإصحاح الأوّل من سفر التكوين، لمّا خلق الله هذا العالم، نطق بكلمته فكانت النجوم، وملأ البحار بالأسماك وملأ السماوات بالطيور، وجَبَل وحوش البرّيّة. ولكنّه حين جاء إلى خلق الجنس البشريّ، صنع أمرًا مختلفًا عن كلّ ما سبق. فقال: «نَعمَلُ الإنسانَ على صورَتِنا كَشَبَهِنا». ثمّ يقول لنا النصّ بكلّ وضوح إنّه خلقهم ذكرًا وأنثى، وإنّ كليهما على صورته هو. ومعنى هذا الكلام أنّكِ، بصفتكِ امرأة، لستِ انعكاسًا ناقصًا ولا أقلّ شأنًا لله. بل أنتِ حاملة كاملة لصورة الله الحيّ. فعقلكِ، وعواطفكِ، وإرادتكِ، وقدرتكِ على المحبّة، وعلى الإبداع، وعلى التفكير، وعلى العبادة — كلّ هذه إنّما جاءت من الله، وهي تعكس شيئًا من طبيعته.

والحقيقة الثانية هي أنّكِ مفديّة. فسقوط آدم وحوّاء أدخل الخطيّة والموت إلى هذا العالم، ونحن جميعًا قد أخطأنا وأعوزنا مجد الله. ولكنّ الله، في رحمته، أرسل ابنه الوحيد يسوع المسيح، الذي وُلد من امرأة، والذي عاش حياة كاملة بلا عيب ولا خطيّة، والذي مات على الصليب من أجل خطايانا، والذي قام من بين الأموات في اليوم الثالث. وحين تضعين إيمانكِ كلّه في يسوع، تُغسَل خطاياكِ جميعًا فلا يبقى لها أثر. ولا تبقين بعد اليوم تحت أيّ حكم بالدينونة. بل تصيرين ابنةً بالتبنّي في عائلة الله نفسها. ويقول الكتاب المقدّس إنّ «كلَّ الذين قَبِلوهُ أعطاهُم سُلطانًا أن يَصيروا أولادَ اللهِ».

فكّري قليلًا في معنى هذا الكلام. أنتِ ابنة مَلِك الملوك. فذاك الإله نفسه الذي صنع جبال روينزوري، والذي بسط مياه بحيرة فيكتوريا، والذي علّق كلّ نجم في السماء — هذا الإله يدعوكِ ابنته. ويكتب الرسول بولس أنّنا «ورَثَةُ اللهِ ووارثونَ مع المسيح». ومهما تكن حالتكِ على هذه الأرض، وسواء أكنتِ تسكنين في بيت صغير يقطر سقفه ماءً أم في دار واسعة في المدينة، فإنّ ميراثكِ الحقيقيّ محفوظ لكِ في السماء، وهو أعظم بما لا يُقاس من كلّ ما يستطيع هذا العالم أن يقدّمه لكِ.

والحقيقة الثالثة هي أنّ الروح القدس نفسه يسكن في داخلكِ. فحين أتيتِ إلى المسيح، لم يترككِ الله وحدكِ تحاولين أن تحيَي الحياة المسيحيّة بقوّتكِ أنتِ. بل أعطاكِ روحه القدّوس، الذي يعزّيكِ، والذي يعلّمكِ، والذي يبكّتكِ على الخطيّة، والذي يمنحكِ القوّة لكي تحيَي حياة مقدّسة. وذاك الروح نفسه الذي أقام يسوع المسيح من بين الأموات هو ساكن فيكِ أنتِ. فأنتِ لستِ ضعيفة. بل أنتِ مملوءة بقوّة الله القديرة العظيمة.

ودعيني أُريكِ هذه الحقيقة في حياة امرأة واحدة من نساء الكتاب المقدّس. ففي الإصحاح الرابع من إنجيل يوحنّا، نقرأ عن امرأة سامريّة. جاءت إلى البئر في حرّ النهار، وأغلب الظنّ أنّها فعلت ذلك لأنّها كانت تخجل أن تأتي في الصباح مع سائر النساء. كانت قد تزوّجت خمس مرّات، والرجل الذي كان معها في ذلك الحين لم يكن زوجها. كانت حياتها محطَّمة.

كانت قد بَنَت هويّتها كلّها على علاقات ظلّت تخذلها مرّة بعد مرّة. ولكنّ يسوع لاقاها هناك عند البئر. كان يعرف عنها كلّ شيء، ومع ذلك لم يَدِنها. بل عرض عليها ماءً حيًّا. وأخبرها مَن هو المسيّا الحقيقيّ. فركضت راجعة إلى قريتها وقالت للناس جميعًا: «تعالَوا انظُروا إنسانًا قال لي كلَّ ما فَعَلتُ». فآمن كثيرون بسبب شهادتها. وتلك المرأة نفسها، التي كانت تختبئ من جيرانها خجلًا، صارت أوّل مَن حمل البشارة إلى أهل قريتها. لقد غيّر يسوع هويّتها.

أو تأمّلي في مريم المجدليّة. يخبرنا الكتاب المقدّس أنّ يسوع أخرج منها سبعة شياطين. فقبل أن تلتقي بيسوع، كانت حياتها عذابًا لا يُحتمل. وبعد أن التقت به، تبعته، وساندت خدمته، ووقفت عند الصليب حين هرب معظم التلاميذ، وكانت أوّل مَن رأى الربّ القائم من الأموات في صباح أحد القيامة. فذاك الذي عرفها تمام المعرفة هو نفسه الذي أعطاها اسمًا جديدًا ودعوة جديدة.

وفي تاريخ الكنيسة، نرى هذه الحقيقة نفسها معاشة بأجمل صورة. تأمّلي في بربتوا، تلك الشابّة من شمال أفريقيا التي عاشت نحو سنة 200 للميلاد. لم تكن قد تجاوزت الثانية والعشرين من عمرها، وكانت أُمًّا حديثة العهد بالأمومة، وطفلها ما يزال يرضع من ثديها، حين أُلقي القبض عليها لأنّها مسيحيّة. وتوسّل إليها أبوها أن تجحد إيمانها وتُنقذ حياتها. فرفضت.

وقد كتبت في السجن يوميّات ما تزال محفوظة إلى يومنا هذا. وسجّلت فيها أنّها تعرف مَن هي — أَمَة ليسوع المسيح. وكانت تلك الهويّة أقوى من دموع أبيها، وأقوى من محبّتها لطفلها هي، وأقوى من الخوف من الموت. ومضت إلى حَلْبة الوحوش وهي ترنّم المزامير، وماتت في سبيل ربّها. وظلّت الكنيسة الأولى تذكر اسمها قرونًا طويلة. لقد أعطتها هويّتها في المسيح قوّةً لم يستطع شيء أن ينتزعها منها.

فيا أختي، على أيّ شيء بُنِيَت هويّتكِ أنتِ اليوم؟ إن كانت مبنيّة على مظهركِ الخارجيّ، فإنّ المظهر كلّه إلى زوال. وإن كانت مبنيّة على ما يقوله زوجكِ عنكِ، فهو ليس إلّا إنسانًا، وقد يخذلكِ. وإن كانت مبنيّة على نجاح أولادكِ أو فشلهم، فهم بعدُ خطاة قد يُحزنون قلبكِ. وإن كانت مبنيّة على ما يفكّر فيه جيرانكِ، فإنّهم سيحكمون عليكِ بمقاييس متغيّرة لا تثبت على حال. فالمسيح وحده هو الصخرة.

وفيه وحده تكون هويّتكِ راسخة لا تتزعزع.

خصّصي لنفسكِ وقتًا هادئًا في هذا الأسبوع لكي تتأمّلي في حقيقة مَن أنتِ في المسيح. واكتبي هذه الحقائق بيدكِ على ورقة أمامكِ. ثمّ ردّديها بصوت مسموع. قد تقولين: «أنا ابنة الله. أنا مخلوقة على صورته. أنا مفديّة بدم يسوع. أنا مملوءة بالروح القدس. أنا محبوبة بمحبّة أبديّة. ولا شيء يقدر أن يفصلني عن محبّة الله التي في المسيح يسوع ربّي». وحين يهمس لكِ العدوّ بالأكاذيب، أجيبيه بحقّ كلمة الله.

صلاة: أيّها الآب السماويّ، أشكركَ من كلّ قلبي لأنّكَ أنتَ الذي خلقتني على صورتكَ. وأشكركَ لأنّكَ أرسلتَ ابنكَ يسوع لكي يموت عن خطاياي، ولكي يجعلني ابنةً لكَ. وأشكركَ لأنّ روحكَ القدّوس ساكن في داخلي. اغفر لي كلّ تلك المرّات التي بنيتُ فيها هويّتي على أمور زائلة لا تدوم ولا تبقى. وعلّمني في هذا اليوم أن أعرف حقًّا مَن أنا فيكَ أنتَ. وأعطني الشجاعة لكي أسلك في تلك الحقيقة، حتّى أمجّدكَ أنتَ في كلّ ما أفعله. باسم يسوع المسيح، ربّي ومخلّصي، آمين.

صفحة 1 / 4 · 5 دقيقة متبقية في الفصل