فصل 13 · قراءة 6 د

نور لمجتمعك: أن تكوني قدوة

«أنتم نور العالم. لا يمكن أن تُخفى مدينة موضوعة على جبل، ولا يوقدون سراجًا ويضعونه تحت المكيال، بل على المنارة فيضيء لجميع الذين في البيت. فليضئ نوركم هكذا قدّام الناس، لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجّدوا أباكم الذي في السماوات».

متى 5: 14-16 (فان دايك). إنّ أعين الناس عليك، وأنتِ موضع مراقبة منهم. جيرانك يراقبونك. وأقاربك يراقبونك. وأولادك يراقبونك. والشابات في كنيستك يراقبنك. وغير المؤمنين في قريتك يراقبونك. فالطريقة التي تتكلّمين بها، والطريقة التي تحملين بها نفسك وتسيرين بها بين الناس، والطريقة التي تستجيبين بها حين يأتي الضيق، والطريقة التي تعاملين بها زوجك، والطريقة التي تنفقين بها مالك — كل ذلك ملحوظ ومرصود ومنظور إليه. وليس المقصود من هذا كله أن يجعلك قلقة خائفة، بل أن يجعلك منتبهة واعية. إنّ حياتك هي شهادة تشهدينها. فأنتِ إمّا أن تُكرمي اسم المسيح، وإمّا أن تجلبي عليه العار. إنك تعظين كل يوم عظةً بحياتك كلها، سواء قصدتِ ذلك أم لم تقصديه.

وقد قال الرب يسوع إننا نحن نور العالم. ولم يقل: «تستطيعون أن تصيروا نورًا إن اجتهدتم وبذلتم غاية جهدكم». بل قال: «أنتم النور». فإن كنتِ للمسيح، فأنتِ تحملين نوره إلى كل غرفة تدخلينها، وإلى كل حديث تشتركين فيه، وإلى كل دكان تزورينه، وإلى كل بيت تحلّين فيه. فالسؤال ليس هو: هل ستضيئين أم لن تضيئي. بل السؤال هو: هل ستجذب إضاءتك الناس إلى الله، أم ستكون لهم حجر عثرة يعثرون به؟

ودعيني أُريك عددًا من النساء في الكتاب المقدس اللواتي أضأن بنور ساطع في مجتمعاتهنّ.

تأمّلي في أستير. كانت فتاة يهودية صغيرة السنّ، أُخذت إلى دار نساء الملك أحشويروش ملك فارس.

وبعناية الله، اختيرت لتكون ملكة. ولكنّ رجلًا شريرًا اسمه هامان دبّر مؤامرة لإهلاك جميع اليهود في المملكة. فأرسل إليها مردخاي ابن عمّها يقول لها: «ومن يعلم إن كنتِ لوقت مثل هذا وصلتِ إلى الملك؟» فدخلت أستير إلى الملك من غير أن تُدعى، مخاطِرةً بحياتها هي، وشفعت في شعبها. إنّ شجاعتها وحكمتها وتقواها خلّصت أمّة بأسرها. لقد استخدمت المركز الذي أعطاها الله إيّاه لأجل مقاصده هو.

وكلٌّ منّا قد وُضعت في عائلة معيّنة، وفي حيّ معيّن، وفي مكان عمل معيّن، وفي كنيسة معيّنة، وفي مجتمع معيّن. أنتِ هناك لوقت مثل هذا. فلا تضيّعي المركز الذي وضعك الله فيه.

وتأمّلي في راعوث. كانت موآبية، أي غريبة بين شعب إسرائيل. وكان يمكن أن يُنظر إليها بعين الريبة والشك. ولكن، عوضًا عن ذلك، كسبت لها تقواها احترام مدينة بيت لحم كلها. قال لها بوعز: «لأنّ كل أبواب شعبي تعلم أنك امرأة فاضلة».

كل المدينة كانت تعلم ذلك. لقد راقبوها وتابعوها بأعينهم. راقبوا كيف كانت تعمل في الحقول. وراقبوا كيف كانت تعتني بحماتها نُعمي. وراقبوا اتضاعها وأمانتها ووفاءها. لقد كانت حياتها تعظ بصوت أعلى من أي عظة تُلقى من على منبر. ومن خلال شهادتها الهادئة الصامتة، صارت جدّة الملك داود، وواحدة من أجداد يسوع المسيح.

وتأمّلي في ليدية. فلمّا آمنت بالمسيح في مدينة فيلبي، لم تحتفظ بإيمانها لنفسها وحدها. بل اعتمد أهل بيتها جميعًا. وفتحت بيتها لبولس وللخدّام المرتحلين. وفي بيتها هي غُرست كنيسة فيلبي. وهكذا امتدّ أثر رجوعها إلى الله حتى شمل مجتمعًا بأكمله.

وفي بلادنا نحن نرى النمط نفسه يتكرّر. فحين وصل الإنجيل إلى أوغندا في أواخر القرن التاسع عشر، كان من أوائل الشهود وأشجعهم فتيةٌ حديثو الإيمان في البلاط الملكي. ولمّا طالبهم الملك موانغا بأن ينكروا المسيح، رفضوا. فأُحرق شبّان وصبيان في ناموغونغو سنة 1886. أمّا النساء المسيحيات اللواتي نجون فقد واصلن الشهادة. وكانت إحداهنّ سارة نالوانغا، التي عاشت إلى شيخوخة متقدّمة، وكانت تروي قصة تلك الأيام الأولى للمؤمنين الأصغر سنًّا. وهكذا صار دم الشهداء بذارًا للكنيسة. واليوم تُدعى أوغندا أحيانًا «لؤلؤة أفريقيا»، ويرجع بعض ذلك إلى التراث المسيحي العميق الذي غرسه أولئك الشهود الأمناء.

وبعد جيل واحد، اجتاحت نهضةُ شرق أفريقيا أوغندا ورواندا وتنزانيا وكينيا. وكان من أبرز ملامح تلك الحركة «السلوك في النور» — أي حياة مكشوفة صادقة يُعترف فيها بالخطية، ويُسعى فيها إلى المصالحة، وتُحرس فيها طهارة القلب. وكانت النساء من أقوى الشهود في تلك الأيام. كنّ يقفن في الاجتماعات ويشهدن بما صنعه الله.

وكنّ يعترفن بخطاياهنّ علانيةً أمام الجميع — لا بالخوض في التفاصيل المُخزية، بل بالإقرار بالنعمة التي حرّرتهنّ وأطلقتهنّ. وكنّ يرنّمن ترانيم النصرة والغلبة بلسان السواحيلية وبلسان اللوغندية.

وكان غير المؤمنين، إذ يراقبون هؤلاء النساء اللواتي تغيّرن، يقولون: «ماذا جرى لها؟ إني أريد ما عندها». هذا هو معنى أن تكوني نورًا.

ودعيني أتكلّم بطريقة عملية عن الكيفية التي تستطيعين بها أن تكوني قدوة في مجتمعك اليوم.

أولًا، كوني امرأة أهلًا لأن يُعتمد عليها. أوفي بكلمتك ولا تُخلفيها. فإن قلتِ إنك ستحضرين الاجتماع، فاحضري في الموعد المحدَّد. وإن قلتِ إنك ستسدّدين الدَّين، فسدّديه. وإن قلتِ إنك ستساعدين في الطبخ، فتعالي واحضري فعلًا. إنّ المرأة المسيحية التي يمكن الوثوق بها شيء نادر وجميل.

ثانيًا، كوني لطيفة مع كل الناس. سلّمي على الجيران. وابتسمي للأطفال. وتكلّمي بلطف مع سائق الأجرة، ومع بائع السوق، ومع الحارس، ومع العاملة في البيت. لا تتكبّري على أحد. ولا تعاملي الناس معاملة مختلفة بسبب غناهم أو مكانتهم بين الناس. فإنّ الرب يسوع عامل الفقير والغني، والمتعلّم وغير المتعلّم، والمُكرَّم والمنبوذ، بالمحبة نفسها.

ثالثًا، كوني سخيّة. فإذا احتاج جار من جيرانك، فساعديه إن استطعتِ. وإذا كان قريب لك يكافح في ضيقه، فشاركيه ممّا عندك. وحين يُمرَّر طبق التقدمة، فأعطي بسرور. وحين يشاركك أحد خبرًا سارًّا، فافرحي معه. إنّ العالم مملوء بقلوب ضيّقة مغلقة. فليكن قلبك أنتِ مفتوحًا على مصراعيه.

رابعًا، كوني أمينة صادقة في كل شيء. لا تكذبي. ولا تغشّي. ولا تعطي موازين زائفة في السوق.

ولا تدفعي رشوة. ولا تقبلي رشوة. ولا تسرقي الكهرباء أو الماء. ولا تتهاوني في عملك وتختصري الطريق حين لا يكون صاحب العمل ناظرًا إليك. إنّ سمعةً بالأمانة أثمن من الذهب.

خامسًا، كوني ذات وقار وكرامة. البسي ملابس محتشمة. وتكلّمي بضبط النفس. ولا تُفرطي في الشرب. ولا تكوني صخّابة مخاصِمة. ولا تُصغي إلى نميمة العالم وبذاءته ولا تشتركي فيها. سيري بين الناس بالثقة الهادئة التي تليق بابنة للملك.

سادسًا، اشهدي بالإنجيل وأخبري به. فإن عُرفتِ بأنك مسيحية محبّة لطيفة يُعتمد عليها، فسيسألك الناس في نهاية الأمر عمّا يجعلك مختلفة عن غيرك. وحين يسألونك، كوني مستعدة أن تحدّثيهم عن يسوع. قال بطرس: «مستعدين دائمًا لمجاوبة كل من يسألكم عن سبب الرجاء الذي فيكم، بوداعة وخوف». لستِ محتاجة أن تكوني واعظة. إنما أنتِ محتاجة أن تكوني شاهدة.

سابعًا، أحبّي أعداءك. فسيكون هناك أناس لا يحبّونك. وسيكون هناك جيران يسيئون معاملتك. وسيكون هناك أفراد من عائلتك ينمّون عليك ويتكلّمون عليك من ورائك. وربما يكون هناك أيضًا أناس في داخل الكنيسة نفسها يثيرون المتاعب والمشاكل. فلا تجازي أحدًا عن شرّ بشرّ. باركي لاعنيك.

وصلّي لأجل الذين يسيئون إليك ويطردونك. وهذه الوصية هي من أصعب وصايا ربّنا على النفس، ولكنها في الوقت نفسه من أقوى الشهادات وأشدّها تأثيرًا في عالم مظلم.

ثامنًا، ليكن بيتك أنتِ شهادة ناطقة. فكما قلنا من قبل، إنّ البيت الذي تدبّرينه وتحفظينه — بسلامه، ونظامه، ومحبته، وحسن ضيافته — هو عظة صامتة يتلقّاها كل من يدخل بابه.

تاسعًا، عيشي والأبدية نصب عينيك. تذكّري دائمًا أنّ هذا العالم ليس هو بيتك. إنما أنتِ عابرة فيه مجتازة. فمدح الناس لك، ونجاح هذه الحياة الحاضرة، والغنى الذي تجمعينه وتكدّسينه — لا شيء من ذلك كله يذهب معك إلى السماء. إنما الأمر المهمّ هو: هل عشتِ للمسيح، وأحببتِ الآخرين باسمه، وكنتِ أمينة للدعوة التي دعاك إليها؟ فحين تعيشين والأبدية نصب عينيك، فإنك تعيشين حياة مختلفة عن حياة سائر الناس. لا تفزعين ولا تضطربين حين يأتي الضيق. ولا تتشبّثين بشدّة بأشياء ستزول وتنقضي. ويكون لك سلام في قلبك، لأنّ كنزك في السماء، حيث لا يُفسد سوس ولا صدأ.

فليضئ نورك أنتِ يا أختي. ليضئ في بيتك، وفي شارعك، وفي قريتك، وفي مكان عملك، وفي كنيستك، وفي مجموعاتك على الواتساب، وفي كل مكان من الأماكن التي وضعك الله فيها.

لا تخفيه. ولا تخفّفي من ضوئه خوفًا ممّا سيفكّر فيه الآخرون. إنّ مدينة موضوعة على جبل لا يمكن أن تُخفى.

أنتِ هي تلك المدينة. والعالم كله يراقب وينظر. فأضيئي أنتِ لمجد أبيك الذي في السماوات.

صلاة. أيها الآب، اجعلني نورًا في مجتمعي. ولتُشِر حياتي كلها إلى يسوع. ولتحمل كلماتي حقّك أنت. ولتحمل أعمالي محبتك أنت. واغفر لي تلك الأوقات التي خفت فيها نوري أو صار مخفيًّا مستورًا. واملأني من جديد بروحك القدوس. واستخدمني في المكان الذي وضعتني فيه.

ودع عائلتي وجيراني وأهل مجتمعي كلهم يرونك أنت من خلالي، ويمجّدونك بسبب شهادتي لك. باسم يسوع، نور العالم، آمين.

صفحة 1 / 5 · 6 دقيقة متبقية في الفصل