فصل 11 · قراءة 6 د
الاعتناء بالآخرين: الضيافة والرحمة
«لا تنسوا إضافة الغرباء، لأنّ بها أضاف أناس ملائكةً وهم لا يدرون». عبرانيّين 13: 2 (فان دايك) إنّ قلب الإيمان المسيحيّ هو المحبّة — محبّة الله ومحبّة القريب. وقد قال يسوع إنّ هاتين الوصيّتين تجمعان الناموس كلّه والأنبياء. ومن أجمل الطرق التي تُعبّر بها المرأة المسيحيّة عن هذه المحبّة الضيافةُ والرحمة نحو الآخرين. فهي تفتح بيتها. وهي تقاسم غيرها طعامها. وهي تزور المرضى. وهي تعتني بالأرملة واليتيم.
وهي تُظهر محبّة يسوع بطرق عمليّة ملموسة.
لطالما كانت ثقافة شرق أفريقيا مُقدِّرةً للضيافة. فالغريب الذي يقف على الباب يُرحَّب به. والطعام يُقاسَم حتّى حين يكون قليلًا. والزائر لا يُصرَف قطّ من غير أن يشرب كوب شاي على الأقلّ. وهذه عطيّة جميلة من عطايا ثقافتنا، تتوافق توافقًا وثيقًا مع تعليم الكتاب المقدّس. ولكنّنا نعيش في زمن صارت فيه هذه الفضائل القديمة تحت الضغط. فالحياة صارت أكثر ازدحامًا. والناس صاروا يسكنون في مجمّعات مسوَّرة. والخوف من الغرباء صار أعظم. وكثيرات من النساء يقلن إنّه لا وقت لديهنّ للآخرين. فلا تدعي طرق العالم تزاحم هذه الفضيلة المسيحيّة وتطردها. فالضيافة خدمة من الخدمات.
والكتاب المقدّس مملوء بأمثلة النساء اللواتي اعتنين بالآخرين. تأمّلي في راحاب التي من مدينة أريحا. لم تكن هي مولودةً في شعب الله. وقد عاشت قبلًا حياةً خاطئة. ولكن لمّا جاء الجاسوسان الإسرائيليّان إلى مدينتها، أخفتهما على سطح بيتها وحمتهما من أيدي طالبيهما. واعترفت جهارًا بإيمانها بإله إسرائيل. وبتلك الضيافة الشجاعة خلّصت أهل بيتها كلّهم حين سقطت أريحا. ثمّ إنّها تزوّجت سلمون، وصارت أمًّا لبوعز، وجدّةً كبرى للملك داود، وواحدةً من أجداد يسوع المسيح نفسه. فالمرأة صاحبة القلب الرحيم، ولو لم يكن ماضيها نقيًّا، تقدر أن تصير أمًّا في نسل المسيّا.
وتأمّلي في أرملة صرفة في سفر الملوك الأوّل، في الأصحاح السابع عشر. في أثناء مجاعة رهيبة، جاء النبيّ إيليّا إلى بابها وطلب منها ماءً وخبزًا. فأجابته أنّه لم يبقَ لها سوى حفنة دقيق وقليل من الزيت، وأنّها كانت تتهيّأ لتصنع وجبةً أخيرةً لنفسها ولابنها ثمّ يموتان. ومع ذلك، أعطت بكلمة إيليّا ذلك القليل الذي كان عندها. وهنا ابتدأت المعجزة.
فكوّار الدقيق لم يفرغ، وكوز الزيت لم ينقص، أيّامًا كثيرة. فحين تعطين ما هو عندكِ للربّ ولخدّامه، فإنّ الله هو الذي يضاعفه لكِ ويكثّره. فلا تقولي أبدًا: «ليس عندي شيء أعطيه».
أعطي ما عندكِ، ثمّ انظري ماذا سيصنع الربّ.
وتأمّلي في المرأة الشونميّة مرّةً أخرى، في سفر الملوك الثاني، في الأصحاح الرابع. لقد لاحظت النبيّ أليشع وهو عابر في مدينتها. فدعته إلى بيتها ليأكل. وأدركت أنّه رجل الله. بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، فبنت له عليّةً صغيرةً على السطح ليستريح فيها كلّما مرّ بها. وبسبب ضيافتها الأمينة، أعطاها الله ابنًا وهي عاقر، بل أقام ذلك الابن أيضًا من الموت حين مات فيما بعد. فالمرأة التي تفتح بيتها لخدّام الله لن تعوزها بركة الله أبدًا.
وتأمّلي في مريم ومرثا في بيت عنيا. لقد كان بيتهما مكانًا شعر فيه يسوع نفسه بالترحيب والمحبّة. فمرثا خدمت بنشاط عظيم. ومريم جلست عند قدميه وتعلّمت منه. وكان يسوع يحبّ أن يأتي إلى بيتهما. مكث معهما. وأكل معهما. وبكى عند قبر أخيهما. ثمّ أقام لعازر من الأموات. فضيافتهما هي التي فتحت الباب لواحدة من أعظم المعجزات في الكتاب المقدّس كلّه. فأيّة معجزة عسى الله أن يصنعها في بيتكِ أنتِ، لو فتحتِه له؟
وتأمّلي في دوركاس مرّةً أخرى، التي كانت تصنع الثياب للأرامل. وتأمّلي في مريم التي في أورشليم، في سفر أعمال الرسل، في الأصحاح الثاني عشر، التي استُخدم بيتها مكانًا لاجتماع الكنيسة الأولى. وتأمّلي في فيبي، شمّاسة الكنيسة التي في كنخريا، التي صارت مساعدةً لكثيرين. امرأة بعد امرأة، وصفحة بعد صفحة، يكرّم الكتاب المقدّس اللواتي اعتنين بغيرهنّ.
ودعيني أتكلّم بصورة عمليّة. كيف تمارسين الضيافة والرحمة في حياتكِ اليوم؟
افتحي بيتكِ للناس. لستِ محتاجةً إلى بيت كبير. ولستِ محتاجةً إلى أثاث فاخر. ولستِ محتاجةً إلى أن تقدّمي وليمةً كبيرة. إنّما الذي تحتاجين إليه حقًّا هو قلب مرحّب. ادعي أحدًا من الكنيسة إلى غداء يوم الأحد — لعلّها أرملة، أو شابّ يسكن وحده، أو واعظ زائر، أو جار من الجيران لم يؤمن بعد. قاسميه ما طبختِ من طعام. صلّي قبل الطعام. ودعيه يرى عائلتكِ ويشعر بمحبّة المسيح في بيتكِ.
زوري المرضى. فكثيرون في مجتمعاتنا مرضى — بالملاريا، وبفيروس نقص المناعة، وبالسرطان، وبالسلّ، وبأمراض الحياة العاديّة. وزيارة من أخت مسيحيّة، مع كلمة صلاة، ولعلّها هديّة صغيرة من طعام أو فاكهة، تقدر أن تكون تشجيعًا عظيمًا جدًّا.
وحين تكلّم الربّ يسوع عن يوم الدينونة قال: «مريضًا فزرتموني». فحين تزورين أنتِ المرضى باسمه، إنّما تزورين في الحقيقة الربّ نفسه.
واذكري الأرامل. فالأرامل في مجتمعاتنا كثيرًا ما يواجهن ضيقات عظيمة. فقد يفقدن أرضهنّ التي يعشن منها. وقد يُقطعن عن عائلاتهنّ. وقد يشعرن أنّهنّ منسيّات مهملات. والكتاب المقدّس يقول لنا إنّ الديانة الطاهرة النقيّة عند الله الآب هي هذه: افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقتهم. فابحثي عن أرملة واحدة في كنيستكِ. وزوريها. وصلّي معها. وأعينيها إن استطعتِ. وستنالين بركةً أعظم بكثير ممّا أعطيتِ.
واعتني باليتامى. ففي أوغندا وشرق أفريقيا يتامى كثيرون — بعضهم بسبب فيروس نقص المناعة والإيدز، وبعضهم بسبب الحرب، وبعضهم بسبب الفقر. وكنيسة يسوع المسيح ينبغي أن تكون أوّل من يعتني بهؤلاء الأولاد. وقد لا تستطيعين أن تتبنّي يتيمًا، ولكنّكِ تستطيعين أن تساعدي. تكفّلي بأقساط مدرسة طفل إن كنتِ قادرة. زوري دارًا للأيتام. صلّي لأجل الأولاد الذين فيها. احملي إليهم ثيابًا أو طعامًا. أحبّيهم باسم يسوع.
وامدّي يدكِ إلى الفقراء. قد لا يكون عندكِ أنتِ الكثير. ولكن يكاد لا يخلو الأمر من إنسان هو أفقر منكِ. فقاسميه ما عندكِ. لقد أعطت الأرملة في الهيكل فلسين صغيرين، فقال يسوع إنّها أعطت أكثر من الأغنياء كلّهم. فليست العبرة بالمقدار، بل العبرة بالقلب.
ورحّبي بالغرباء في كنيستكِ. فحين يأتي شخص جديد إلى شركتكم، اذهبي وسلّمي عليه. رحّبي به. اسأليه عن اسمه. ادعيه إلى بيتكِ ليأكل معكم. فكثيرون قد ابتعدوا عن الكنائس لأنّ أحدًا لم يكلّمهم حين جاؤوا. فلا تدعي هذا يحدث في كنيستكِ أنتِ.
وأصغي إلى الناس. فأعظم خدمة تستطيعين أن تقدّميها أحيانًا ليست طعامًا ولا مالًا، بل هي عطيّة الأذن المصغية. فالأخت المثقلة قد تحتاج إلى من يسمع قصّتها، وإلى من يبكي معها، وإلى من يصلّي معها. فكوني أنتِ ذلك الإنسان.
ودعيني أحدّثكِ عن مسيحيّة في أفريقيا أظهرت رحمةً عجيبة. ماري سليسور، تلك المرسَلة الإسكتلنديّة التي ذكرناها من قبل، تبنّت أولادًا كثيرين متروكين في نيجيريا.
وقد كان عندها في وقت من الأوقات تسعة أيتام يسكنون معها، أولاد كانوا سيموتون لولا عنايتها بهم.
وقد كتبت مرّةً أنّ محبّة المرأة تقدر أن تشفي كلّ شيء تقريبًا. وليست هذه مبالغةً عاطفيّة.
فإنّ محبّة المرأة المسيحيّة، المملوءة من الروح القدس، قوّة شافية عظيمة في عالم مكسور محطّم.
وفكرة أخيرة. للضيافة والرحمة حدود، ولا بدّ لنا أن نكون حكيمات. فأنتِ لا تستطيعين أن تعيني كلّ إنسان. وعليكِ أوّلًا أن تعتني بأهل بيتكِ أنتِ. وعليكِ أن تحمي نفسكِ وعائلتكِ ممّن يريدون أن يؤذوكِ. ولكن ضمن تلك الحدود، هناك عادةً ما هو أكثر بكثير ممّا تفعلينه الآن. فاطلبي من الربّ أن يريكِ شخصًا واحدًا، أو عائلةً واحدة، أو أرملةً واحدة، أو يتيمًا واحدًا، أو جارًا واحدًا، يريد هو أن تسكبي حياتكِ فيه في هذا الموسم. ثمّ ابذلي نفسكِ في تلك الخدمة بفرح.
صلاة — يا أبا المراحم، أعطني أنت قلبًا رحيمًا. افتح عينيّ لكي أرى من حولي من هم في العوز والحاجة. وافتح يديّ لكي أعطي ما هو عندي. وافتح بيتي لكلّ من يحتاج إلى ترحيب. وافتح شفتيّ لكي أصلّي لأجل المرضى والمتألّمين. أعنّي أن أذكر الأرامل وأن أذكر اليتامى. وأعنّي أن أحبّ قريبي كنفسي. واجعلني قناةً تجري فيها محبّتك في هذا العالم المكسور. باسم يسوع، الذي تحنّن على الجموع، آمين.