فصل 10 · قراءة 6 د

العمل الدؤوب والأهداف التقيّة والحياة المجتهدة

«تُنطّق حقويها بقوّة وتشدّد ذراعيها». أمثال 31: 17 (فان دايك) يتخيّل بعض الناس أنّ المرأة المسيحيّة إنّما يُقصد بها أن تكون امرأةً سلبيّةً، ناعمةً، متّكلةً على غيرها في كلّ شيء. ولكنّ الكتاب المقدّس يرسم لنا صورةً مختلفةً جدًّا عن ذلك. فمن سفر التكوين إلى سفر الرؤيا، نجد أنّ نساء الله كلّهنّ نساء قويّات، مجتهدات، أمينات في أعمالهنّ. فامرأة أمثال 31 تُنطّق حقويها بقوّة. وتقوم إذ الليل بعد. وتتأمّل حقلًا فتأخذه. وتشعر أنّ تجارتها جيّدة. وسراجها لا ينطفئ في الليل. والعزّ والبهاء لباسها.

لقد أعطاكِ الله قدراتٍ ومواهب. أعطاكِ قوّةً في جسدكِ، وفهمًا في عقلكِ، وإبداعًا في قلبكِ، ومهارةً في يديكِ. وهو يتوقّع منكِ أن تستعمليها كلّها. ففي مثل الوزنات، أعطى السيّد كلّ واحد من عبيده شيئًا على قدر طاقته، وكان يتوقّع من كلّ واحد منهم أن يتاجر بما أخذه وأن يأتي بربح. أمّا العبد الذي خبّأ وزنته في الأرض فقد دُعي شرّيرًا وكسلان. وليس الله مسرورًا حين تدفن بناته مواهبهنّ في التراب.

ودعيني أتكلّم عن أربعة أنواع من العمل — العمل الجسديّ، وتدبير شؤون البيت، والعمل الذي يدرّ دخلًا، والعمل لأجل الملكوت. وكلّ نوع منها هو جزء من دعوة المرأة المسيحيّة.

أوّلًا: العمل الجسديّ. في كثير من الثقافات الأفريقيّة، تقوم النساء بمعظم الأعمال الجسديّة الشاقّة. نحن نستقي الماء، ونشتغل في الحقول والحدائق، ونحمل الأحمال الثقيلة، ونطبخ على النار، ونغسل الثياب بأيدينا. فلا تحسبي هذا العمل دون كرامتكِ. ففي عيني الله، كلّ عمل شريف هو عمل كريم. فالربّ يسوع نفسه اشتغل نجّارًا. وأمّه مريم لا شكّ أنّها كانت تحمل الماء وتطحن الحبّ كسائر نساء زمانها. وبولس، ذلك الرسول العظيم، كان يصنع الخيام بيديه هو. فاعملي عملكِ من القلب كما للربّ ليس للناس. وكلّ ما تجده يدكِ لتفعله فافعليه بقوّتكِ.

ثانيًا: تدبير شؤون البيت. وهذا هو عمل إدارة موارد البيت لسدّ حاجات العائلة. وقد كانت امرأة أمثال 31 ماهرةً في هذا الأمر. فهي تطلب صوفًا وكتّانًا. وكانت تشتري الطعام بحكمة. وكانت تصنع الثياب بيديها.

وكانت تنظر في ما ستحتاج إليه العائلة في الشهور الآتية فتستعدّ لذلك قبل أوانه. وفي زماننا نحن، يشمل تدبير شؤون البيت وضع الميزانيّة، والتسوّق بحرص، وطبخ وجبات مغذّية وفي متناول اليد، وحفظ الطعام وتخزينه، ورتق الثياب وترقيعها عوض شراء الجديد دائمًا، وتعليم الأولاد كيف يساعدون. فالمرأة الماهرة في تدبير شؤون بيتها تستطيع أن تمدّ دخلًا صغيرًا حتّى تصير عائلتها حسنة التغذية، حسنة الكسوة، آمنة مطمئنّة.

ثالثًا: العمل الذي يدرّ دخلًا. لم تكن امرأة أمثال 31 ملازمةً لبيتها وحافظةً له فحسب، بل كانت أيضًا امرأة أعمال وتجارة. فهي تتأمّل حقلًا فتأخذه. وبثمر يديها تغرس كرمًا. وهي تصنع الكتّان الفاخر وتبيعه. وتُسلّم المناطق إلى التجّار. وقد ائتمنها زوجها على موارد العائلة كلّها، فأنمتها هي وضاعفتها له. وهذه صورة جميلة حقًّا.

وهي تعلّمنا أنّ المرأة المسيحيّة تستطيع، بل ينبغي لها في كثير من الأحوال، أن تسهم في دخل عائلتها بجهدها واجتهادها هي. فكثيرات من النساء في شرق أفريقيا هنّ العمود الفقريّ لاقتصاد عائلاتهنّ. أنتِ تبيعين في السوق. وأنتِ تديرين صالونًا صغيرًا. وأنتِ تربّين الدجاج وتبيعين البيض. وأنتِ تزرعين الفاصولياء والماتوكي للبيع. وأنتِ تخيطين الثياب. وأنتِ تصنعين المشغولات اليدويّة. وأنتِ تعلّمين في المدرسة. وأنتِ تعملين ممرّضةً أو موظّفةً في الحكومة. وكلّ هذا عمل صالح يكرّم الله، متى عُمل بأمانة واستقامة، ومتى لم يزاحم عائلتكِ وسلوككِ مع الربّ.

ودعيني أتكلّم عن وضع أهداف تُرضي الله. فالأهداف أمر مهمّ. فالسفينة التي لا دفّة لها تنجرف حيثما حملها التيّار. والحياة التي بلا أهداف تنجرف هي أيضًا كذلك. يقول الكتاب المقدّس إنّه بلا رؤيا يجمح الشعب. وأنتِ، كامرأة مسيحيّة، ينبغي أن تكون لكِ أهداف لحياتكِ الروحيّة، ولعائلتكِ، ولأمورك الماليّة، ولعملكِ، ولخدمتكِ.

أهداف روحيّة. لعلّكِ تقرئين هذه السنة الكتاب المقدّس كلّه من أوّله إلى آخره. ولعلّكِ تحفظين اثنتين وخمسين آيةً عن ظهر قلب. ولعلّكِ تبتدئين وقتًا يوميًّا للصلاة ولتدوين ما يعلّمكِ الربّ إيّاه. ولعلّكِ تقرئين كتابًا مسيحيًّا واحدًا عن الزواج، أو عن الصلاة، أو عن التلمذة.

أهداف عائليّة. لعلّكِ تبتدئين هذه السنة عبادةً عائليّةً في كلّ مساء. ولعلّكِ تخصّصين وجبةً واحدةً مميّزةً في كلّ أسبوع، تجلس فيها العائلة كلّها معًا من غير مشتّتات.

ولعلّكِ تعلّمين أولادكِ مهارةً واحدةً جديدة.

أهداف ماليّة. لعلّكِ توفّرين في هذه السنة مبلغًا معيّنًا من المال في كلّ شهر. ولعلّكِ تسدّدين دَينًا عليكِ. ولعلّكِ تبتدئين تجارةً صغيرةً جانبيّة. ولعلّكِ تقدّمين للربّ عطيّةً أكبر ممّا قدّمتِ له في السنة الماضية.

أهداف في العمل. لعلّكِ تتعلّمين في هذه السنة مهارةً جديدةً تعينكِ على كسب أفضل ممّا تكسبين. ولعلّكِ تلتحقين بدورة تدريبيّة قصيرة. ولعلّكِ تصيرين أكثر تنظيمًا أو أكثر إتقانًا في العمل الذي تعملينه أصلًا.

أهداف في الخدمة. لعلّكِ تنضمّين هذه السنة إلى شركة النساء. ولعلّكِ تعلّمين في مدرسة الأحد. ولعلّكِ تزورين أرملةً واحدةً أو مريضًا واحدًا في كلّ أسبوع. ولعلّكِ تتلمذين امرأةً أصغر منكِ سنًّا.

اكتبي أهدافكِ على ورق. صلّي لأجلها. راجعيها مع زوجكِ إن كنتِ متزوّجة. وشاركي بعضها مع صديقة تقيّة تستطيع أن تسألكِ عنها وتُعينكِ على الوفاء بها. وفي آخر السنة، راجعي ما صنعه الله.

ودعيني أريكِ بعض النساء في الأسفار المقدّسة اللواتي كنّ مجتهدات في العمل وكانت لهنّ أهداف. تأمّلي في ليدية في سفر أعمال الرسل، في الأصحاح السادس عشر. كانت هذه المرأة بيّاعة أرجوان من مدينة ثياتيرا. وكان الأرجوان بضاعةً فاخرة، ويغلب على الظنّ أنّ تجارتها كانت مربحةً جدًّا. فلمّا سمعت بولس يكرز عند شاطئ النهر، قبلت المسيح، واعتمد أهل بيتها كلّهم. ثمّ فتحت بيتها لبولس وللفريق الذي كان معه، فوُلدت كنيسة فيلبّي في بيتها. فها هي امرأة أعمال، تستخدم تجارتها لدعم الإنجيل، وتفتح بيتها لأجل الملكوت.

وتأمّلي في دوركاس، التي تُدعى أيضًا طابيثا، في سفر أعمال الرسل، في الأصحاح التاسع. كانت هذه المرأة تسكن في مدينة يافا. ويقول الكتاب إنّها كانت ممتلئةً أعمالًا صالحة وإحسانات كانت تعملها. ولمّا ماتت، وقفت أرامل المدينة كلّهنّ يبكين ويُرين الأقمصة والثياب التي كانت دوركاس تصنعها لهنّ حين كانت معهنّ. لقد أخذت مهارتها في الإبرة والخيط واستعملتها لتكسو بها الفقراء. ولمّا أقامها بطرس من الأموات، استمرّت خدمتها. فمهاراتكِ أنتِ — أيًّا كانت تلك المهارات — يمكن أن تُستعمل لمجد الله ولخير الآخرين.

وتأمّلي في المرأة السامريّة عند البئر، في إنجيل يوحنّا، الأصحاح الرابع. قبل أن يلتقي بها يسوع، كانت امرأةً محطّمة. وبعد أن التقت بيسوع، ركضت إلى المدينة وأخبرت الجميع عنه. وقد جاءت شهادتها الجريئة بكثيرين من السامريّين إلى الإيمان. فالخدمة ليست للرعاة وحدهم، بل هي لكلّ مؤمن ومؤمنة.

وتحذير واحد ونحن نختم هذا الفصل. العمل والأهداف أمران حسنان، ولكنّهما ليسا كلّ شيء. فإن استولى عملكِ على حياتكِ كلّها، وإن دفعت أهدافكِ سلوككِ مع الله خارجًا، وإن زاحمت تجارتكِ زوجكِ وأولادكِ، فهناك أمر ما قد اختلّ ترتيبه. قال يسوع إنّ الآب قد أحصى شعور رؤوسكم جميعها. فهو يعتني بكِ، وهو الذي سيدبّر لكِ كلّ حاجتكِ. فلا تعملي سبعة أيّام في الأسبوع.

أكرمي يوم الراحة. استريحي. اعبدي. ثقي. يقول الكتاب إنّه إن لم يبنِ الربّ البيت فباطلًا يتعب البنّاؤون. فأنتِ تقدرين أن تعملي بجدّ واجتهاد، ولكنّ الله هو الذي يُعطي النموّ.

وأخيرًا، اعملي عملكِ بأمانة واستقامة. لا تغشّي في السوق. ولا تنقصي المكيال والميزان.

لا تكذبي على الزبائن. لا تدفعي للعمّال أقلّ ممّا اتّفقتِ معهم عليه. لا تأخذي الرشوة. لا تشاركي في الفساد لكي تتقدّمي على غيركِ. فالله الذي يراكِ يعلم إن كانت تجارتكِ تُدار في النور أم في الظلمة. والمرأة المسيحيّة صاحبة العمل التي تُعرف بالأمانة ستكون، على المدى الطويل، أكثر بركةً من التي تسلك الطرق الملتوية. وليست الاستقامة هي الطريق السهل، بل هي الطريق الضيّق. ولكنّها هي طريق البركة.

صلاة — يا ربّ، أنت إله يعمل ولا يكلّ. فمنذ البدء تعبت وكددت لتخلق السماوات والأرض. علّمني أنا أن أعمل باجتهاد ومهارة. وأعطني قوّةً أحتمل بها تعبي.

أعطني حكمةً لأضع أهدافًا تُرضيك، ولأسعى في أثرها. اجعل يديّ نافعتين وذهني صافيًا واضحًا. وبارك عمل يديّ لكي أعول عائلتي، وأعطي لملكوتك، وأكون بركةً لغيري من الناس. احفظني من الكسل، واحفظني أيضًا من أن أجعل العمل صنمًا أعبده.

واجعل كلّ ما أفعله إنّما هو لمجدك أنت، باسم يسوع، آمين.

صفحة 1 / 5 · 6 دقيقة متبقية في الفصل