فصل 9 · قراءة 6 د

حفظ القلب: العواطف واللسان والروح الوديع الهادئ

«بل إنسان القلب الخفي في العديمة الفساد، زينة الروح الوديع الهادئ الذي هو قدّام الله كثير الثمن». 1 بطرس 3: 4 (فان دايك) إنّ سفر الأمثال يحذّرنا ويوصينا أن نحفظ قلوبنا بكلّ تحفّظ، لأنّ من القلب تخرج مخارج الحياة كلّها. فكلّ شيء يخرج من فمكِ — كلّ كلمة تنطقين بها لزوجكِ، وكلّ تقويم تقدّمينه لولدكِ، وكلّ تحيّة تُلقينها على جارتكِ، وكلّ شكوى تشتكينها — إنّما يتدفّق أوّلًا من قلبكِ أنتِ. فإن كان قلبكِ مملوءًا سلامًا، فإنّ السلام هو الذي سيخرج منه. وإن كان قلبكِ مملوءًا غضبًا، فإنّ الغضب هو الذي سيخرج منه. وإن كان قلبكِ مملوءًا مرارةً، فإنّ الكلمات المرّة هي التي ستخرج منه. ولهذا السبب عينه قال الربّ يسوع إنّه من فضلة القلب يتكلّم الفم.

لقد أُعطيت المرأة المسيحيّة، بنعمة الله، قلبًا جديدًا. فحين أتيتِ إلى المسيح، نزع عنكِ قلب الحجر وأعطاكِ عوضًا عنه قلب لحم، ووضع روحه في داخلكِ. ولكن مع ذلك كلّه، لا يزال عليكِ أن تتعلّمي يومًا فيومًا أن تسلكي بالروح لا بالجسد. فالعادات القديمة — عادات الغضب والغيرة والخوف والشفقة على الذات والمرارة — لا تزول بين عشيّة وضحاها، بل لا بدّ من إماتتها إماتةً، يومًا واحدًا في كلّ مرّة.

ودعيني أتكلّم معكِ عن عدّة عواطف قد تُقلق المرأة المسيحيّة وتُتعبها، وعن الطريقة التي تعيننا بها الأسفار المقدّسة على معالجتها.

أوّلًا: الغضب. هناك غضب هو في محلّه وفي موضعه — فالربّ يسوع نفسه غضب على الصيارفة في الهيكل. ولكنّ أكثر غضبنا نحن ليس غضبًا بارًّا على الإطلاق، بل هو غضب جسدانيّ. إنّه يأتي لأنّ كبرياءنا قد جُرح، ولأنّنا لم ننل ما أردنا أن ننال، ولأنّ أحدًا قد وقف في طريقنا وخالفنا، ولأنّنا متعبات مرهقات. يقول الكتاب: «اغضبوا ولا تخطئوا. لا تغرب الشمس على غيظكم». ومعنى هذا الكلام أن تعالجي غضبكِ سريعًا ولا تؤجّليه. امضي إلى الله. اعترفي به أمامه. اطلبي منه معونته. وإن كنتِ قد أسأتِ إلى أحد من الناس في غضبكِ، فاذهبي إليه وصالحيه. لا تدعي الغضب يغلي ويختمر في قلبكِ، فإنّه إن فعل ذلك استحال مرارةً، والمرارة سمّ قاتل يقتل الزيجات ويقتل العائلات ويقتل الصداقات.

ثانيًا: الخوف. ما من امرأة على وجه الأرض إلّا ولها مخاوفها. الخوف على سلامة أولادها. الخوف على صحّتها. الخوف من الفقر. الخوف ممّا سيقوله الناس عنها. الخوف من المستقبل المجهول. والكتاب المقدّس يقول لنا مرّةً بعد مرّة: لا تخافي، فإنّي أنا معكِ. وإشعياء 41: 10 آية ثمينة تستحقّ أن تُحفظ عن ظهر قلب: «لا تخف لأنّي معك. لا تتلفّت لأنّي إلهك. قد أيّدتك وأعنتك وعضدتك بيمين برّي». فحين يأتي إليكِ الخوف، كلّمي نفسكِ أنتِ بكلمة الله. صلّي. ثقي. ألقي همّكِ كلّه على الربّ، لأنّه هو يعتني بكِ.

ثالثًا: الغيرة. وهذه خطيّة خفيّة ماكرة وخطرة. هي خطيّة قايين الذي قتل أخاه هابيل لأنّ الله قبل قربان هابيل ولم يقبل قربانه هو. وهي خطيّة مريم أخت موسى التي ضُربت بالبرص حين حسدت أخاها. وهي خطيّة إخوة يوسف الذين باعوه وأسلموه إلى العبوديّة. والغيرة إنّما تأتي حين نقارن أنفسنا بغيرنا من الناس. بيتها أفضل من بيتي. زوجها أفضل من زوجي. أولادها أحسن سلوكًا من أولادي. مالها أكثر من مالي. هي أجمل منّي. هي أوقر منّي وأكرم في الكنيسة. فمتى جاءتكِ هذه الأفكار فتوبي عنها سريعًا. افرحي مع الفرحين. اشكري الله على كلّ ما أعطاكِ إيّاه. لا تقارني نفسكِ بأحد، فإنّ لله طريقًا مختلفًا لكلّ ابنة من بناته.

رابعًا: المرارة. يحذّرنا كاتب الرسالة إلى العبرانيّين أن نلاحظ بجدّ واجتهاد لئلّا يطلع أصل مرارة فيصنع انزعاجًا فينا. والمرارة تنشأ عادةً من جرح — من أذًى عميق لم يلتئم بعد.

لعلّ زوجًا قد خيّب رجاءكِ. ولعلّ فردًا من أفراد عائلتكِ قد غشّكِ وخدعكِ. ولعلّ راعيًا من الرعاة قد آذاكِ. ولعلّ صديقةً حميمةً قد خانتكِ. فإن لم تعالجي ذلك الجرح بالصلاة والغفران، وكثيرًا ما يكون ذلك أيضًا بمشورة من مسيحيّين حكماء، صار الجرح أصلًا راسخًا.

وذلك الأصل ينمو وينمو حتّى يسمّم كلّ شيء في حياتكِ. لا بدّ لكِ أن تغفري. والغفران لا يعني أنّ ما فعله الآخر بكِ كان صوابًا. ولا يعني دائمًا أنّكِ ستعودين صديقةً لذلك الشخص، ولا سيّما إن كان مستمرًّا في إيذائكِ. إنّما الغفران أن تُسلّميه إلى الله، وأن ترفضي أن تدعي خطيّته تتسلّط على قلبكِ بعد اليوم.

خامسًا: الشفقة على الذات. وهذه خطيّة شائعة جدًّا بين النساء، وهي خفيّة جدًّا. تهمس في الأذن: «ما من أحد يفهمني. ما من أحد يهتمّ بأمري. إنّي أتعب هذا التعب كلّه ولا أحد يقدّر ذلك». الشفقة على الذات تحصر انتباهكِ كلّه في نفسكِ أنتِ. وهي تتغذّى على التذمّر في الخفاء. وهي تقود إلى الكآبة والحقد. وعلاجها هو العبادة والخدمة. ارفعي عينيكِ إلى الربّ. عُدّي بركاتكِ واحدةً واحدة.

ثمّ اذهبي بعد ذلك واخدمي إنسانًا آخر غيركِ. فحين تسكبين حياتكِ لأجل الآخرين، يملأ الربّ هو كأسكِ أنتِ.

والآن دعينا نتكلّم عن اللسان. يقول سفر يعقوب إنّ اللسان هو نار، وإنّه هو عالم الإثم.

هو يقدر أن يبارك، ويقدر أن يلعن. ويقدر أن يبني، ويقدر أن يهدم. ويقدر أن ينطق بالحقّ، ويقدر أن ينشر الكذب. ومن بين كلّ المجالات التي يجب على المرأة المسيحيّة أن تُخضعها لسلطان الربّ، لعلّ اللسان هو أهمّها جميعًا.

ويحذّرنا سفر الأمثال مرّةً بعد مرّة من المرأة المخاصمة. فهو يقول: «السكنى في زاوية السطح خير من امرأة مخاصمة وبيت مشترك». ويقول أيضًا: «السكنى في أرض برّيّة خير من امرأة مخاصمة حرِدة». وليس الكتاب المقدّس قاسيًا على النساء — فإنّه يوجّه التحذيرات نفسها إلى الرجال أيضًا بصور أخرى — ولكنّه صادق أمين لا يجامل. فالزوجة التي لسانها حادّ قادرة أن تُبعد زوجها عنها وتطرده من بيته. وقادرة أن تجعل أولادها يخافون منها. وقادرة أن تملأ بيتها كلّه توتّرًا وضيقًا.

وفي المقابل، تأمّلي في امرأة أمثال 31. «تفتح فمها بالحكمة وفي لسانها سنّة المعروف». يا له من وصف جميل بديع! كلامها كلّه حكمة. وكلامها كلّه لطف. إنّها لا تتكلّم لكي تجرح. ولا تتكلّم باستهتار وقلّة اكتراث. ولا تنمّ على أحد من الناس. ولا تهدم غيرها بلسانها. ومتى تكلّمت هي، تدفّقت الحكمة من فمها.

ودعيني أتكلّم بصورة عمليّة جدًّا. احفظي لسانكِ في السوق حيث تجتمع النساء. لا تشاركي في النميمة على نساء أخريات، ولا على عائلات أخرى، ولا على كنائس أخرى. وإن ابتدأ غيركِ بالنميمة، فالتمسي سببًا للانصراف، أو حوّلي مجرى الحديث بلطف. واحفظي لسانكِ في البيت. لا تكلّمي زوجكِ بحدّة. لا تُلحّي عليه باللوم. لا تجيبي أولادكِ بغضب. واحفظي لسانكِ في الكنيسة. لا تنتقدي الراعي أمام الناس. لا تنشري الإشاعات عن سائر الأعضاء. واحفظي لسانكِ في هاتفكِ وعلى الإنترنت. فكم من امرأة مسيحيّة أهلكت شهادتها بما كتبته في مجموعات واتساب أو على فيسبوك.

وتأمّلي في مثال مريم أمّ ربّنا. حين جاءها من الملاك ذلك الخبر المرهب المخيف، أنّها ستلد ابن الله وهي عذراء غير متزوّجة، ماذا صنعت هي؟ لم تجادل. ولم تركض إلى الجيران لتخبرهم. بل قالت: «هوذا أنا أمة الربّ. ليكن لي كقولك». وفيما بعد، حين جرت الأمور العظيمة حول الطفل يسوع — إذ جاء الرعاة، وجاء المجوس، ونُطق بنبوّات عجيبة غريبة — يقول الكتاب إنّها كانت تحفظ جميع هذا الكلام متفكّرةً به في قلبها. لقد كانت امرأة ذات روح هادئ. لم تكن محتاجة أن تقول كلّ ما كان يخطر لها على بال. كانت تحفظ الحقّ عميقًا في قلبها، وترفعه إلى الله في الصلاة. وهذا هو نوع الروح الذي يُسرّ به الربّ.

على أنّ الروح الوديع الهادئ لا يعني امرأة لا تتكلّم البتّة. ولا يعني امرأة توافق على الخطيّة وتسكت عنها، أو امرأة تدع الناس يدوسون عليها. فأبيجايل تكلّمت بجرأة أمام داود فخلّصت أهل بيتها كلّهم. وأستير تكلّمت بجرأة أمام الملك فخلّصت شعبها كلّه. وبنات صلفحاد تكلّمن بجرأة أمام موسى فنِلن ميراثهنّ. إنّما الروح الوديع الهادئ هو روح خاضع لسلطان الروح القدس. إنّه لا يتكلّم بتهوّر وعجلة. ولا يتكلّم عن غضب. ومتى تكلّم فإنّه يتكلّم بالنعمة والحقّ معًا.

صلاة — أيّها الروح القدس، تعالَ وافحص قلبي اليوم. أرني الغضب والخوف والغيرة والمرارة والشفقة على الذات التي سمحت لها أن تتأصّل فيّ. إنّي أعترف لك بهذه الخطايا كلّها.

اغسلني ونقّني بدم يسوع. اجعل يا ربّ حارسًا لفمي، واحفظ أنت باب شفتيّ. أعطني زينة الروح الوديع الهادئ، تلك الزينة الكثيرة الثمن في عينيك. واجعل كلماتي تحمل الحياة لا الموت. واجعل قلبي موضعًا يسكن فيه سلامك ويستقرّ. باسم يسوع، آمين.

صفحة 1 / 5 · 6 دقيقة متبقية في الفصل