فصل 3 · قراءة 23 د
كيف تُنال المعمودية بالروح القدس
لقد بلغنا الآن نقطةً يستولي فيها على النفس إحساسٌ عميق بأنه لا بد لنا أن نعتمد بالروح القدس. وهنا يواجهنا السؤال العملي فلا مهرب منه: كيف لنا أن ننال هذه المعمودية بالروح القدس التي نحن في أشدّ الحاجة إليها؟ وهذا السؤال أيضًا قد أجابت عنه كلمة الله إجابةً في غاية الوضوح والصراحة. فالكتاب المقدس يشير إلى طريقٍ يتألف من سبع خطواتٍ بسيطة، يستطيع أن يسلكها كل من يشاء أن يسلكها؛ ومن سلك هذه الخطوات السبع دخل إلى هذه البركة دخولًا مقطوعًا به لا يخالطه شكٌّ البتة. وقد يبدو هذا الكلام جازمًا إلى حدٍّ بعيد، غير أن كلمة الله جازمةٌ بالقدر نفسه في ما يتعلق بنتيجة سلوك هذه الخطوات التي تشير هي إليها.
والخطوات السبع جميعها مذكورةٌ في أعمال الرسل 2:38 أو مضمَّنةٌ فيه: «توبوا وليعتمد كل واحدٍ منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا، فتقبلوا عطية الروح القدس…». والخطوات الثلاث الأولى تبرز في هذه الآية بجلاءٍ خاص وتمييزٍ ظاهرٍ لا لبس فيه ولا غموض. وأما سائر الخطوات، وهي مضمَّنةٌ في الآية تضمينًا واضحًا، فتبرز على نحوٍ أكثر تحديدًا في مواضع أخرى سنرجع إليها فيما بعد.
1. والخطوتان الأوليان توجدان كلتاهما في كلمة «توبوا». فما معنى هذه الكلمة، «توبوا»؟
معناها: غيّروا أذهانكم؛ ولكن غيّروها في ماذا؟ في الله، وفي المسيح، وفي الخطية. وأما تعيين الأمر الذي يقع فيه تغيير الذهن في كل موضعٍ بعينه، فمردّه إلى السياق. وههنا يكون الفكر الأول والأبرز هو تغيير الذهن من جهة المسيح. فإن بطرس كان قد وجّه إلى سامعيه لتوّه تلك التهمة المرعبة، وهي أنهم صلبوا ذاك الذي جعله الله ربًّا ومسيحًا. فلما «نُخِسوا في قلوبهم» بهذه التهمة، إذ حملتها إلى ضمائرهم قوةُ الروح القدس، صرخ سامعوه قائلين: «ماذا نصنع أيها الرجال الإخوة؟» فأجابهم بطرس: «توبوا». أي غيّروا أذهانكم من جهة المسيح. انتقلوا من حالةٍ ذهنية مبغِضة للمسيح صالبةٍ له، إلى حالةٍ ذهنية قابلةٍ للمسيح. اقبلوا يسوع مسيحًا وربًّا. فهذه إذًا هي الخطوة الأولى نحو المعمودية بالروح القدس: أن تقبل يسوع مسيحًا وربًّا. 2. والخطوة الثانية توجد هي أيضًا في كلمة «توبوا». فمع أن تغيير الذهن من جهة يسوع هو الفكر الأول البارز، فلا بد أن يكون هناك أيضًا تغييرٌ للذهن من جهة الخطية: تغييرٌ ينقل الذهن من حالةٍ محبّةٍ للخطية متساهلةٍ معها منغمسةٍ فيها، إلى حالةٍ مبغِضةٍ للخطية نابذةٍ لها. وهذه هي الخطوة الثانية: أن تنبذ الخطية، كل خطية، وأية خطيةٍ كانت. وههنا نلتقي بواحدةٍ من أشيع العقبات التي تحول دون نوال الروح القدس. فهناك شيءٌ يتمسك به الإنسان، نشعر نحن في أعماق قلوبنا، بدرجةٍ من الوضوح تقلّ أو تكثر، أنه غير مرضٍ لله. فإن كنا سننال الروح القدس، فلا بد من فحصٍ للقلب بالغِ الأمانة، بالغِ الدقة والاستقصاء.
ونحن لا نقدر أن نجري هذا الفحص بأنفسنا فحصًا مُرضيًا؛ بل لا بد أن يجريه الله هو. فإن شئنا أن ننال الروح القدس، فعلينا أن نخلو بالله وحده، وأن نسأله أن يفحصنا فحصًا دقيقًا، وأن يُظهر إلى النور كل ما لا يرضيه فينا. (مزمور 139:23-24) ثم علينا بعد ذلك أن ننتظره حتى يفعل ذلك.
ومتى أُعلن لنا الأمر الذي لا يرضيه، وجب أن يُنحّى في الحال. وإن لم يُظهَر شيءٌ إلى النور بعد انتظارٍ صبورٍ أمين، جاز لنا أن نستنتج أنه ليس في الطريق شيءٌ من هذا القبيل، وأن نمضي إلى الخطوات التالية. غير أنه لا ينبغي لنا أن نتعجّل هذا الاستنتاج. فإن الخطية التي تعوق البركة قد تكون أمرًا يبدو في ذاته صغيرًا جدًا، تافهًا لا وزن له. ويروي السيد فيني عن فتاةٍ كانت في اهتمامٍ عميق من جهة المعمودية بالروح القدس. فكانت ليلةً بعد ليلة تجاهد في الصلاة مجاهدةً شديدة، ومع ذلك لم تأتِ البركة المشتهاة.
وفي ذات ليلة، بينما هي في الصلاة، عرض لها أمرٌ من أمور زينة الرأس، كان قد طالما أقلقها وأزعجها من قبل؛ فمدّت يدها إلى رأسها، ونزعت الدبابيس وطرحتها بعيدًا عنها، وفي الحال جاءت البركة. وكان هذا في ذاته أمرًا صغيرًا، أمرًا ما كان ليبدو في نظر الناس خطيةً يُعتدّ بها. ومع ذلك فقد كان أمر خلافٍ قائمٍ بين هذه المرأة وبين الله، فلما سُوّي هذا الأمر جاءت البركة. «وكل ما ليس من الإيمان فهو خطية» (رومية 14:23). فلا يهم كم يكون الأمر صغيرًا في ذاته: إن كانت تحوم حوله أسئلةٌ وشكوك، فلا بد من تنحيته إن كنا سننال المعمودية بالروح القدس. فالخطوة الثانية نحو المعمودية بالروح القدس هي أن تُنحّي كل خطية.
3. والخطوة الثالثة توجد في هذه الآية عينها: «وليعتمد كل واحدٍ منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا». فإنه عقب معمودية يسوع مباشرةً، لا قبل ذلك، نزل عليه الروح القدس. (لوقا 3:21-22) ففي معموديته اتضع يسوع، وهو في ذاته بلا خطية، حتى يأخذ لنفسه موضع الخاطئ، ثم رفعه الله من بعد ذلك رفعةً عاليةً بإعطائه إياه الروح القدس، وبتلك الشهادة المسموعة: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت». فهكذا يجب علينا نحن أيضًا أن نتضع لنقدّم اعترافًا علنيًّا بخطيتنا، ورفضًا لها ونبذًا، وقبولًا ليسوع المسيح، بالطريقة التي عيّنها الله وحدّدها، أي بالمعمودية. فالمعمودية بالروح القدس ليست لذاك الذي يأخذ موضعه في الخفاء كخاطئٍ ومؤمنٍ بالمسيح، بل هي لذاك الذي يفعل ذلك علانيةً على رؤوس الأشهاد. وبالطبع قد تسبق المعمودية بالروح القدس معمودية الماء، كما حدث في حالة أهل بيت كرنيليوس. (أعمال الرسل 10:47) غير أن هذه كانت بالبداهة حالةً استثنائية، وقد تبعتها معمودية الماء في الحال.
ولا يخالجني شكٌّ كبير في أنه قد وُجد بين المسيحيين من لم يؤمنوا بمعمودية الماء ولم يمارسوها، مثل «الأصدقاء» أو «البروتستانت»، ممن نالوا المعمودية بالروح القدس وأعطوا البرهان عليها؛ إلا أن الموضع الذي بين أيدينا يعرض بلا ريبٍ الترتيب الطبيعي المألوف.
4. والخطوة الرابعة مضمَّنةٌ تضمينًا واضحًا في الآية التي كنا ندرسها (أعمال الرسل 2:38)، غير أنها تبرز بجلاءٍ أكبر في أعمال الرسل 5:32: «والروح القدس أيضًا الذي أعطاه الله للذين يطيعونه». فالخطوة الرابعة هي الطاعة. فما معنى الطاعة؟
إنها لا تعني مجرد أن نفعل بعض الأمور التي يأمرنا الله بها، ولا كثيرًا منها، ولا حتى معظمها. بل إنها تعني التسليم الكامل التامّ لمشيئة الله. فالطاعة هي موقفٌ للإرادة كامنٌ خلف أفعال الطاعة المفردة وسابقٌ لها. وهي تعني أنني آتي إلى الله وأقول: «أيها الآب السماوي، ها أنا ذا، وها كل ما لي. أنت قد اشتريتني بثمنٍ عظيم، وأنا أقرّ بملكيتك التامة لحياتي. فخذني وخذ كل ما أملك، واصنع بي كما تشاء. أرسلني إلى حيث تشاء أن ترسلني، واستخدمني كيفما تختار أن تستخدمني. إني أسلّم نفسي وكل ما لي تسليمًا كاملًا، بلا شرطٍ ولا قيد، وإلى الأبد، بين يديك ولأجل مقاصدك.
» ولما وُضعت المحرقة على المذبح كاملةً تامّةً، لم يُمسَك عنها جزءٌ ولا بعض جزء، حينئذ «خرجت نارٌ من عند الرب» وقبلت العطية (لاويين 9:24)؛ وهكذا حين نأتي نحن بأنفسنا محرقةً كاملة للرب، ونضع ذواتنا نحن على المذبح، حينئذ تنزل النار ويقبل الله العطية. وههنا نلمس بأيدينا العائق الذي يحول دون المعمودية بالروح القدس في حياة كثيرين من الناس: ليس هناك تسليمٌ كامل، ولا الإرادة موضوعةٌ مطروحة، ولا القلب يصرخ قائلًا: «يا رب، افعل ما تشاء، حيثما تشاء، كيفما تشاء». فهذا رجلٌ من الناس يشتهي المعمودية بالروح القدس لكي يكرز أو يعمل بقوةٍ في مدينة بوسطن، والله إنما يريده أن يكون في بومباي.
وذاك يشتهيها لكي يكرز أمام جماهير عريضة يقبل عليها الناس، والله إنما يريده أن يعمل بين الفقراء. وفي أحد المؤتمرات أعربت فتاةٌ عن رغبةٍ قوية في أن يتكلم أحدٌ عن المعمودية بالروح القدس. فنفذت تلك الموعظة إلى قلبها نفوذًا، وبلغت منه بقوة. وكانت قد مكثت زمانًا في ضيقٍ عميق في نفسها، حين سألتها: وما هو الشيء الذي تشتهينه؟ فصرخت قائلة: «آه، لا أستطيع أن أرجع إلى بالتيمور حتى أعتمد بالروح القدس». «هل وُضعت إرادتكِ؟» «لا أدري».
«أتشتهين أن ترجعي إلى بالتيمور لتكوني هناك عاملةً مسيحية؟» «نعم». «أمستعدةٌ أنتِ أن ترجعي إلى بالتيمور وتكوني خادمةً في بيت، إن كان ذلك هو الموضع الذي يريدكِ الله فيه؟» «لا، لست مستعدة». «إذًا لن تنالي المعمودية بالروح القدس أبدًا حتى تصيري مستعدةً لذلك. أفتضعين أنتِ إرادتكِ؟» «لا أستطيع». «أمستعدةٌ أنتِ أن يضعها الله عنكِ؟»
«نعم». «حسنًا، إذًا اسأليه أن يفعل ذلك».
فأُطرق الرأس في صلاةٍ قصيرة لكنها جادّةٌ عميقة. «أسمع الله تلك الصلاة؟» «لا بد أنه سمعها، فقد كانت حسب مشيئته؛ نعم، لقد سمعها». «فالآن اسأليه أن يعطيكِ المعمودية بالروح القدس». فأُطرق الرأس ثانيةً، وصعدت إلى الله تلك الصلاة القصيرة الجادّة. ثم كان صمتٌ قصير، وانتهى الجهاد، وجاءت البركة، وذلك حين سُلِّمت الإرادة. وما أكثر الذين يحجمون عن هذا التسليم الكامل لأنهم يخافون مشيئة الله. إنهم يخشون أن تكون مشيئة الله أمرًا مروّعًا مخيفًا.
فاذكر أنت من هو الله؛ إنه أبونا. وما كان لأبٍ أرضيٍّ قطّ مشيئةٌ نحو أولاده بمثل هذه المحبة وهذا الحنان الذي لمشيئته هو نحونا نحن. «لا يمنع خيرًا عن السالكين بالكمال». (رومية 8:32) «الذي لم يشفق على ابنه، بل بذله لأجلنا أجمعين، كيف لا يهبنا أيضًا معه كل شيء؟» فليس في مشيئة الله شيءٌ البتة يُخاف منه أو يُتَّقى. بل إن مشيئة الله تثبت دائمًا في العاقبة والنهاية أنها أفضل ما في كون الله كله وأحلاه.
5. والخطوة الخامسة توجد في لوقا 11:13: «فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة، فكم بالحري الآب الذي من السماء يعطي الروح القدس للذين يسألونه!» والسؤال المقصود في هذه الآية هو ذلك السؤال الذي ينطلق من شوقٍ حقيقيٍّ شديد. وهذا ما يبرزه السياق الذي وردت فيه: «اسألوا تُعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يُفتح لكم».
ولاحظ أيضًا مَثَل الصديق الملحّ الوارد قبل ذلك مباشرةً. فمن الظاهر البيّن أن السؤال الذي في ذهن المسيح ليس هو سؤال رغبةٍ عابرةٍ فاترة، بل هو سؤال شوقٍ شديدٍ متأجّج.
وفي سفر إشعياء، في الأصحاح الرابع والأربعين والعدد الثالث، موضعٌ بالغ الدلالة والإيحاء: «لأني أسكب ماءً على العطشان، وسيولًا على اليابسة. أسكب روحي على نسلك». فما معنى أن يكون الإنسان عطشان؟ إن الإنسان متى عطش لم تكن له إلا صرخةٌ واحدةٌ ليس غير: «ماء! ماء! ماء!» حتى إن كل مسامّ الجسد يبدو أن لها صوتًا تصرخ به وتنادي: «ماء». فهكذا حين يكون لقلوبنا نحن صرخةٌ واحدة: «الروح القدس، الروح القدس، الروح القدس»، حينئذ يسكب الله السيول على الأرض اليابسة، ويسكب روحه هو علينا. فهذه إذًا هي الخطوة الخامسة: الشوق الشديد المتأجّج إلى المعمودية بالروح القدس.
فإلى أي ذروةٍ من الشوق بلغ التلاميذ الأولون في اليوم العاشر من انتظارهم المتلهّف! وقد امتلأت نفوسهم العطشى في ذلك اليوم حين «حضر يوم الخمسين». وما دام الإنسان يظن أنه يستطيع أن يمضي في طريقه على نحوٍ ما بغير المعمودية بالروح القدس، وما دام يلتمس شيئًا من قبيل العلم والتحصيل أو أساليب العمل المحكمة التدبير، فإنه لن ينالها. وكثيرون من الخدام يفوتهم اليوم ملء القوة الذي أعدّه الله لهم، لا لشيءٍ إلا لأنهم غير مستعدين أن يعترفوا بالنقص الذي لازمهم كل هذه السنين.
والحق أنه لاعترافٌ مُذِلٌّ مهين، غير أن ذلك الاعتراف المذِلّ نفسه يكون طليعةً لبركةٍ عجيبة. إلا أن غير قليلين، لعدم استعدادهم لتقديم هذا الاعتراف النافع، يفتّشون هنا وهناك عن حيلةٍ لامعة في التفسير للالتفاف حول المعنى الواضح البسيط لكلمة الله والتخلّص منه، وهم بذلك إنما يغشّون أنفسهم فيحرمونها ملء قوة الروح الذي يتلهّف الله أن يسكبه عليهم؛ بل هم فوق ذلك يعرّضون للخطر المصالح الأبدية للنفوس المتّكلة على خدمتهم، تلك النفوس التي كان يمكن أن تُربَح للمسيح لو كانت لهم قوة الروح القدس التي كان في مقدورهم أن ينالوها.
غير أن هناك آخرين قادهم الله بنعمته إلى أن يروا أن في خدمتهم شيئًا ناقصًا، وأن هذا الشيء الناقص ليس بأقلّ من تلك المعمودية بالروح القدس الجوهرية كل الجوهرية، التي بغيرها يكون الإنسان غير مؤهَّلٍ البتة لخدمةٍ مقبولةٍ عند الله مثمرةٍ في الناس؛ فاعترفوا بنقصهم هذا في اتضاعٍ وصراحةٍ بلا مواربة، وسيقوا أحيانًا إلى ذلك العزم الذي علّمهم الله إياه، وهو ألّا يمضوا قُدُمًا في عملهم حتى يُسدّ هذا النقص، فانتظروا الله الآب في شوقٍ متلهّف إلى إتمام وعده، وكانت النتيجة خدمةً متغيّرةً قام كثيرون يباركون الله من أجلها ويحمدونه. وليس يكفي أن يكون الشوق إلى المعمودية بالروح القدس شوقًا شديدًا؛ بل لا بد أن يكون له أيضًا الدافع الصحيح. فهناك شوقٌ إلى المعمودية بالروح القدس أنانيٌّ محضٌ لا شيء فيه سوى الأنانية.
فما أكثر الذين يشتهون المعمودية بالروح القدس اشتهاءً شديدًا، لا لشيءٍ إلا ليكون الواحد منهم واعظًا عظيمًا، أو عاملًا شخصيًّا عظيمًا، أو ذائع الصيت على نحوٍ من الأنحاء بوصفه مسيحيًّا. فهو إنما يطلب مكسبه هو ومجده هو ليس إلا. وفي نهاية الأمر ليس الروح القدس هو الذي يطلبه، بل كرامة نفسه، وليست المعمودية بالروح القدس عنده إلا وسيلةً إلى تلك الغاية. وإن من أخفى الفخاخ التي يقودنا إليها الشيطان وأشدّها خطرًا على النفس، ذلك الفخّ الذي فيه نطلب الروح القدس، وهو أجلّ العطايا كلها وأرهبها، لأجل غاياتنا نحن.
فلا يجوز أن يكون الشوق إلى الروح القدس شوقًا إلى أن نجعل ذلك الأقنوم الأسمى الإلهي خادمًا لغاياتنا نحن الدنيّة، بل لا بد أن يكون الشوق إليه لمجد الله. ولا بد أن ينبع من إدراكٍ في النفس بأن الله والمسيح إنما يُهانان بخدمتي العديمة القوة، ويُهانان بخطية الناس الذين هم حولي، تلك الخطية التي لا سلطان لي عليها الآن ولا قدرة، وبأنه هو يتمجّد ويتكرّم إن أنا نلت المعمودية بروح الله. وثمة موضعٌ من أرهب مواضع العهد الجديد كلها يمسّ هذه النقطة بعينها. (أعمال الرسل 8:18-24) «ولما رأى سيمون أنه بوضع أيدي الرسل يُعطى الروح القدس، قدّم لهما دراهم قائلًا: أعطياني أنا أيضًا هذا السلطان، حتى أيّ من وضعت عليه يديّ يقبل الروح القدس».
فههنا شوقٌ قويّ من جهة سيمون، لكنه كان شوقًا دنسًا أنانيًّا بكل معنى الكلمة، من أوله إلى آخره، وجواب بطرس المرعب جديرٌ بالانتباه والتأمل والتفكّر. أفليس اليوم كثيرون ممن يشتهون المعمودية بالروح القدس بقصدٍ دنسٍ أنانيٍّ مثله؟
فحسنٌ بكل من يشتهي المعمودية بالروح القدس ويسعى في طلبها أن يسأل نفسه هذا السؤال: لماذا هو يشتهيها؟
فإن وجدت أنك لا تشتهيها إلا لأجل رضاك أنت أو مجدك أنت، فاسأل الله أن يغفر لك فكر قلبك هذا، وأن يمكّنك أن ترى كم أنت محتاجٌ إليها لمجده هو، وأن تشتهيها أنت لتلك الغاية.
6. والخطوة السادسة في هذه الآية عينها. (لوقا 11:13) «فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة، فكم بالحري الآب الذي من السماء يعطي الروح القدس للذين يسألونه!» فالخطوة السادسة هي أن تسأل. أي أن تطلب من الله بركةً محدَّدةً بعينها طلبًا مباشرًا صريحًا. فمتى قُبل المسيح مخلّصًا وسيّدًا، واعتُرف به هكذا أمام الناس، ومتى نُحّيت الخطية وطُرحت، ومتى كان هناك تسليمٌ محدَّدٌ كاملٌ للإرادة، ومتى وُجد الشوق الحقيقي المقدَّس، حينئذ يأتي ذلك الفعل البسيط الأخير: أن تسأل الله هذه البركة المباشرة.
فإنها تُعطى استجابةً لصلاةٍ جادّةٍ، مباشرةٍ، محدَّدةٍ، مؤمنةٍ بما تطلب.
وقد ادّعى بعضهم جادّين أنه لا ينبغي لنا أن نصلي طالبين الروح القدس. ويعلّلون ذلك على هذا النحو: «إن الروح القدس قد أُعطي للكنيسة في يوم الخمسين عطيةً ثابتةً دائمة». وهذا صحيح، غير أن ما أُعطي للكنيسة لا بد لكل مؤمنٍ أن يمتلكه لنفسه. وقد قيل في هذه النقطة قولٌ حسن: إن الله قد أعطى المسيح للعالم فعلًا (يوحنا 3:16)، ولكن لا بد لكل فردٍ أن يمتلكه بفعلٍ شخصيّ لينال الفائدة الشخصية من العطية؛ وهكذا لا بد لكل فردٍ أن يمتلك شخصيًّا عطية الله التي هي الروح القدس لينال الفائدة الشخصية منها.
ثم يُحتجّ بعد ذلك احتجاجًا آخر بأن كل مؤمنٍ له الروح القدس. وهذا أيضًا صحيحٌ بمعنًى من المعاني. «ولكن إن كان أحدٌ ليس له روح المسيح فذلك ليس له».
(رومية 8:9) غير أنه، كما رأينا من قبل، من الممكن تمامًا أن يكون للإنسان شيءٌ، بل الكثير، من حضور الروح وعمله في القلب، ومع ذلك يقصّر عن ذلك الملء الخاص والعمل الخاص المعروف في الكتاب المقدس بالمعمودية بالروح القدس أو الامتلاء منه. وردًّا على كل الاستدلالات الخادعة في هذا الموضوع، نضع قول المسيح البسيط: «فكم بالحري الآب الذي من السماء يعطي الروح القدس للذين يسألونه».
» وفي أحد المؤتمرات، حيث كان قد أُعلن أن الكاتب سيتكلم في هذا الموضوع، قال له أخٌ من الإخوة: «أرى أنك ستتكلم عن المعمودية بالروح القدس». «نعم». «إنه أهمّ موضوعٍ في البرنامج كله؛ فاحرص أن تقول لهم ألّا يصلّوا طالبين الروح القدس». «لن أقول لهم ذلك قطعًا ولا بحال؛ لأن يسوع نفسه قال: فكم بالحري الآب الذي من السماء يعطي الروح القدس للذين يسألونه». «آه، ولكن ذلك كان قبل يوم الخمسين». «فماذا عن أعمال الرسل 4:31؟ أكان ذلك قبل يوم الخمسين أم بعده؟» «بعده، بالطبع». «ولما صلّوا تزعزع المكان الذي كانوا مجتمعين فيه، وامتلأ الجميع من الروح القدس».
«فماذا عن الأصحاح الثامن من أعمال الرسل؟ أكان ذلك قبل يوم الخمسين أم بعده؟» «بعده، بالطبع».
«حسنًا، اقرأ الأعداد من الرابع عشر إلى السادس عشر».
فقُرئت الأعداد: «بطرس ويوحنا، اللذان لما نزلا صلّيا لأجلهم لكي يقبلوا الروح القدس، لأنه لم يكن قد حلّ بعدُ على أحدٍ منهم، فقبلوا الروح القدس». وفي وجه كل الاستنتاجات والاستدلالات يقف هذا التعليم الواضح لكلمة الله، بالوصية وبالمثال معًا، أن الروح القدس إنما يُعطى استجابةً للصلاة. هكذا كان الأمر في يوم الخمسين؛ وهكذا ظلّ الأمر منذ ذلك الحين إلى اليوم. والذين قابلتهم من الناس ممن يعطون أوفر برهانٍ على حضور الروح وقوته في حياتهم وفي عملهم، هم قومٌ يؤمنون بالصلاة طلبًا للروح القدس. وقد كان للكاتب امتيازٌ لا يُوصَف بلسان أن يصلي مع كثيرين من الخدام والعاملين المسيحيين طلبًا لهذه البركة العظيمة، ثم يعلم بعد ذلك منهم أنفسهم أو من غيرهم بالقوة الجديدة التي دخلت خدمتهم، وما هي إلا قوة الروح القدس نفسه.
7. والخطوة السابعة والأخيرة توجد في مرقس 11:24: «كل ما تطلبونه حينما تصلّون، فآمنوا أن تنالوه، فيكون لكم». فمواعيد الله، حتى أشدّها جزمًا وأبعدها عن كل قيدٍ وشرط، لا بد أن تُمتلَك بالإيمان وتُجعل لنا به. ففي يعقوب 1:5 نقرأ: «وإنما إن كان أحدكم تعوزه حكمة، فليطلب من الله الذي يعطي الجميع بسخاءٍ ولا يعيّر، فسيُعطى له».
وهذا بلا شكّ جازمٌ كل الجزم، مطلقٌ بلا قيدٍ ولا شرط، ولكن اسمع ما يقوله الكاتب بعده مباشرةً: «ولكن ليطلب بإيمانٍ غير مرتابٍ البتة، لأن المرتاب يشبه موجًا من البحر تخبطه الريح وتدفعه. فلا يظنّ ذلك الإنسان أنه ينال شيئًا من عند الرب». فلا بد إذًا من الإيمان لكي نجعل لنا مواعيد الله الجازمة المطلقة، مثل الموعد الذي في لوقا 11:13 وأعمال الرسل 2:38-39.
فههنا إذًا نكتشف سبب الإخفاق في حالاتٍ كثيرةٍ جدًا في الدخول إلى بركة المعمودية بالروح القدس. والإخفاق إنما هو لأن الخطوة الأخيرة لم تُتَّخَذ، وهي خطوة الإيمان البسيطة. فهم لا يؤمنون، ولا ينتظرون في ثقةٍ ويقين، وهكذا يكون لنا مثالٌ آخر من الأمثلة على أناسٍ «لم يدخلوا لعدم الإيمان» (عبرانيين 4:6). وما أكثر الذين يُحرَمون الدخول إلى أرض اللبن والعسل هذه لا لشيءٍ إلا بسبب عدم الإيمان هذا وحده. وينبغي أن يُضاف إلى ذلك أن هناك إيمانًا يتجاوز مجرد الانتظار والترقّب، إيمانًا يمدّ يده ببساطةٍ فيأخذ ما يسأله. وهذا ما يبرز بوضوحٍ تامّ في مرقس 11:24: «كل ما تطلبونه حينما تصلّون، فآمنوا أن تنالوه، فيكون لكم». وإني لأذكر كم أربكتني هذه الآية إرباكًا شديدًا حين لاحظتها أول مرة.
ولما فحصت النصّ اليوناني لهذا الموضع، رأيت أن الآية صحيحةٌ كما هي، ولكن ما معناها؟ لقد بدت لي خلطًا عجيبًا غريبًا في الأزمنة: «آمنوا أنكم قد نلتم (فعلًا)، فيكون لكم». ثم انحلّ هذا اللغز الظاهر بعد زمنٍ طويل من ذلك، وأنا أدرس رسالة يوحنا الأولى.
قرأت في الأصحاح الخامس، في العددين الرابع عشر والخامس عشر: «وهذه هي الثقة التي لنا عنده: أننا إن طلبنا شيئًا حسب مشيئته يسمع لنا. 15 وإن كنا نعلم أنه مهما طلبنا يسمع لنا، نعلم أن لنا الطلبات التي طلبناها منه». فحين أطلب شيئًا من الله، فأول ما ينبغي لي أن أتحقق منه هو هذا: أهذا الطلب حسب مشيئته أم ليس هو حسب مشيئته؟ فمتى استقرّ هذا الأمر وثبت، ومتى وجدت أنه حسب مشيئته، ومتى كان الشيء المطلوب موعودًا به صراحةً في كلمته مثلًا، حينئذ أعلم أن الصلاة مسموعة، وأعلم فوق ذلك أن «لي الطلبة التي طلبتها منه». وأنا أعلمها لأنه هو نفسه يقول ذلك صريحًا واضحًا؛ وما امتلكته هكذا بإيمانٍ بسيطٍ كإيمان الأولاد بكلمته المجرّدة، فإنه «سيكون لي» في الاختبار.
فحين يتنازل لي عن قطعة أرضٍ ذاك الذي له عليها سندُ ملكيةٍ صحيحٌ لا نزاع فيه، تصير هي لي بمجرد أن يُحرَّر السند حسب الأصول ويُسجَّل في السجلات، وإن كان قد يمضي بعض الوقت قبل أن أدخل أنا إلى التمتع الاختباري بها. فهي لي بمعنًى من المعاني منذ لحظة تسجيل السند، وستكون لي بالمعنى الآخر فيما بعد. وعلى المنوال نفسه، ما إن نرفع نحن إلى الله، وقد استوفينا شروط الصلاة الغالبة، طلبةً من أجل «شيءٍ حسب مشيئته»، حتى يصير من امتيازنا أن نعلم علم اليقين أن الصلاة مسموعة، وأن الأمر الذي طلبناه منه قد صار لنا. فطبّق هذا الآن على المعمودية بالروح القدس. لقد استوفيت أنا شروط نوال هذه البركة التي ذُكرت آنفًا.
فأنا أسأل الله الآب، ببساطةٍ وتحديدٍ لا غموض فيه، أن يعطيني المعمودية بالروح القدس. ثم أقف وأقول في نفسي: «أكانت تلك الصلاة حسب مشيئته؟» نعم، فلوقا 11:13 يقول ذلك: «فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة، فكم بالحري الآب الذي من السماء يعطي الروح القدس للذين يسألونه؟» وأعمال الرسل 2:38-39 يقول: «توبوا وليعتمد كل واحدٍ منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا، فتقبلوا عطية الروح القدس. 39 لأن الموعد هو لكم ولأولادكم ولكل الذين على بعد، كل من يدعوه الرب إلهنا». فالصلاة من أجل المعمودية بالروح القدس هي صلاةٌ «حسب مشيئته»، إذ هي موعودٌ بها وعدًا محدَّدًا صريحًا واضحًا. فأنا أعلم إذًا أن الصلاة مسموعة، وأن لي الطلبة التي طلبتها منه. (1 يوحنا 5:14-15) أي أن لي المعمودية بالروح القدس.
ولي إذًا الحق أن أقوم عن ركبتيّ وأقول، بسلطان كلمة الله الكافي كل الكفاية: «لي المعمودية بالروح القدس»؛ وسيكون لي فيما بعد في التمتع الاختباري ذاك الذي قد امتلكته بالإيمان البسيط؛ لأن الله قد قال، وهو لا يقدر أن يكذب ولا أن يخلف وعده: «كل ما تطلبونه حينما تصلّون، فآمنوا أن تنالوه، فيكون لكم».
وأيّ قارئٍ لهذا الكتاب يستطيع عند هذه النقطة بعينها أن يضعه من يده؛ فإن كان المسيح قد قُبل مخلّصًا وربًّا، واعتُرف به علانيةً هكذا بالطريقة التي عيّنها الله، وإن كانت الخطية قد فُتّش عنها في القلب ونُحّيت وطُرحت، وإن كان قد حدث تسليمٌ كامل للإرادة وللذات لله، وإن كان هناك شوقٌ حقيقيّ، لأجل مجد الله، إلى الاعتماد بالروح القدس — إن كانت هذه الشروط كلها قد استُوفيت، فإنك تستطيع أن تجثو أمام الله في هذه اللحظة عينها، وتسأله أن يعمّدك أنت بالروح القدس، ثم تستطيع، متى صعدت تلك الصلاة، أن تقول: «تلك الصلاة قد سُمعت، ولي ما طلبت، لي المعمودية بالروح القدس»، ولك بعد ذلك الحق كل الحق أن تقوم وتخرج إلى عملك واثقًا أنك ستكون في ذلك العمل صاحب قوة الروح القدس.
ولكن قائلًا سيقول: «أما ينبغي لي أن أعلم أن لي المعمودية بالروح القدس قبل أن أبدأ العمل؟» بلى بالتأكيد ينبغي، ولكن كيف نعلم؟ إني لا أعرف طريقًا لمعرفة أيّ شيءٍ كان أفضل من كلمة الله. وإني لأصدّق كلمة الله قبل مشاعري في كل يومٍ وكل حين. فكيف نعامل طالبًا قد قبل المسيح، لكنه يعوزه اليقين بأن له الحياة الأبدية؟ إننا لا نطلب منه أن ينظر إلى مشاعره، بل نأخذه إلى موضعٍ من الكتاب مثل يوحنا 3:36. فنقول له أن يقرأه، فيقرأ: «الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية». فنسأله: «ومن الذي يقول هذا؟» «الله هو الذي يقوله». «أهو صحيح؟»
«آه، بالتأكيد هو صحيح؛ فإن الله هو الذي يقوله». «فمن الذي يقول الله إن له الحياة الأبدية؟» «إنه الذي يؤمن بالابن». «أتؤمن أنت بالابن؟» «نعم». «فماذا لك إذًا؟» «لا، لست أدري، لست أشعر بعدُ أن لي حياةً أبدية». «ولكن ماذا يقول الله؟» «الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية». «أفتصدّق الله أم مشاعرك؟»
فنمسك الطالب عند هذه النقطة بعينها ولا نتركه، حتى يقول، على كلمة الله البسيطة المجرّدة، سواءٌ أوُجد شعورٌ أم لم يوجد: «أنا أعلم أن لي حياةً أبدية لأن الله يقول ذلك»، ثم يأتي الشعور بعد ذلك. فعامل نفسك في أمر المعمودية بالروح القدس تمامًا كما تعامل طالبًا في أمر اليقين.
تيقّن أنك قد استوفيت الشروط، ثم اسأل ببساطة، وطالِب، واعمل. ولكن قائلًا سيقول: «أيكون الأمر تمامًا كما كان قبلًا؟ أفلا يكون هناك أيّ إعلانٍ ولا ظهور؟» بلى بكل تأكيد، سيكون هناك إعلانٌ ما.
فـ«لكل واحدٍ يُعطى إظهار الروح للمنفعة». (1 كورنثوس 12:7) ولكن ما طبيعة هذا الإظهار وما صفته، وأين لنا أن نراه؟ وعند هذه النقطة بعينها يخطئ كثيرون من الناس ويضلّون. فلعلهم قرأوا سيرة السيد فيني أو سيرة جوناثان إدواردز، وذكروا كيف اجتاحت هذين الرجلين أمواجٌ عظيمة من انفعالٍ كهربائيّ، حتى اضطرّا أن يسألا الله أن يرفع عنهما يده، لئلا يموتا من فرط تلك النشوة الغامرة. أو لعلهم ذهبوا إلى اجتماعٍ من الاجتماعات، وسمعوا شهاداتٍ عن اختباراتٍ مماثلة لهذه، فصاروا هم أيضًا يتوقعون شيئًا من هذا القبيل.
وأنا لا أنكر حقيقة مثل هذه الاختبارات ولا أجحدها. فشهادة رجالٍ كفيني وإدواردز جديرةٌ بأن تُصدَّق وتُقبل ولا تُردّ. بل هناك سببٌ أقوى من ذلك يمنعني من إنكارها. غير أني، مع تسليمي بحقيقة هذه الاختبارات، أسأل هذا السؤال: أين في العهد الجديد سطرٌ واحد يصف اختبارًا كهذا في ارتباطه بالمعمودية بالروح القدس؟ فإن كل إظهارٍ للمعمودية بالروح القدس في العهد الجديد إنما كان في قوةٍ جديدة في الخدمة. انظر مثلًا في 1 كورنثوس 12، حيث يُعالَج هذا الموضوع أوفى معالجةٍ وأدقّها، ولاحظ طبيعة المظاهر المذكورة هناك. ومن المرجّح جدًا أن الرسل كانت لهم اختباراتٌ مشابهة لاختبارات فيني وإدواردز وغيرهما، ولكنهم إن كانت لهم مثل هذه الاختبارات، فإن الروح القدس منعهم من تدوينها وحفظهم من ذلك. وحسنًا فعل، لأنهم لو رووا لنا مثل هذه الأمور لكنا التمسنا هذه الأمور وطلبناها بدلًا من الإظهار الأهمّ، وهو القوة في الخدمة.
ولكن سؤالًا آخر سيُطرَح: «أما انتظر الرسل عشرة أيام، أفلا يجوز أن يكون علينا نحن أيضًا أن ننتظر؟» لقد أُبقي الرسل منتظرين عشرة أيام بالفعل، غير أن السبب في ذلك مذكورٌ في أعمال الرسل 2:1: «ولما حضر يوم الخمسين» (وحرفيًّا: ولما كان يوم الخمسين يتمّ). ففي مقاصد الله الأزلية وفي خططه الأزلية، وفي رموز العهد القديم، كان يوم الخمسين قد عُيّن موعدًا لإعطاء الروح القدس، ولم يكن الروح ليُعطى حتى يتمّ يوم الخمسين ويحضر؛ ولكننا لا نقرأ عن أي انتظارٍ البتة بعد يوم الخمسين. ففي أعمال الرسل 4:31 لم يكن هناك انتظار: «ولما صلّوا تزعزع المكان الذي كانوا مجتمعين فيه، وامتلأ الجميع من الروح القدس». أعمال الرسل 4:31. ولما نزل بطرس ويوحنا إلى السامرة، ووجدا أن أحدًا من المهتدين الجدد لم يكن قد اعتمد بالروح القدس، «صلّيا لأجلهم لكي يقبلوا الروح القدس»، فقبلوه هناك في ذلك الحين وفي ذلك المكان. (أعمال الرسل 8:15، 17) ولم يُضطرّ بولس الطرسوسي هو أيضًا إلى الانتظار في الأصحاح التاسع من أعمال الرسل. فقد دخل عليه حنانيا وأخبره بهذه العطية العجيبة، وعمّده، ووضع يديه عليه، «وللوقت جعل يكرز في المجامع بالمسيح أن هذا هو ابن الله». (أعمال الرسل 9:17-20)
ولم يكن هناك انتظارٌ في أعمال الرسل 19. فقبل أن يفرغ بطرس تمامًا من عظته، جاءت المعمودية بالروح القدس. (أعمال الرسل 10:44-46، أعمال الرسل 11:15-16) وفي الأصحاح التاسع عشر من أعمال الرسل لم يكن هناك انتظار. فما إن أعلن بولس لتلاميذ أفسس عطية الروح القدس، واستُوفيت الشروط، حتى تبعت البركة.
(أعمال الرسل 19:1-6) وإنما يضطرّ الناس إلى الانتظار حين لا يستوفون الشروط: حين لا يُقبل المسيح قبولًا تامًّا، أو لا تُنحّى الخطية، أو لا يوجد تسليمٌ كامل، أو شوقٌ حقيقيّ، أو صلاةٌ دقيقةٌ محدَّدة، أو إيمانٌ بسيطٌ يأخذ لتوّه بناءً على الكلمة المجرّدة. وغياب بعضٍ من هذه الأمور هو الذي يُبقي كثيرين منتظرين أكثر من عشرة أيام أحيانًا. ولكن ليس ثمة حاجةٌ لأيّ قارئٍ لهذا الكتاب أن ينتظر عشر ساعات. فأنت تستطيع أن تنال المعمودية بالروح القدس في هذه اللحظة عينها، إن شئت.
جاءني ذات مرةٍ شابٌّ في جدّيةٍ عظيمة وانشغالٍ شديد بشأن هذا الأمر. قال لي: «سمعت عن المعمودية بالروح القدس منذ زمنٍ مضى، وما زلت أطلبها منذئذ، ولكني لم أنلها بعد». «هل وُضعت إرادتك؟» «أخشى أن تكون هذه هي المشكلة بعينها». «أفتضعها أنت؟» «أخشى أني لا أستطيع». «أمستعدٌّ أنت أن يضعها الله عنك؟» «نعم». «فاسأله إذًا أن يفعل». فجثونا معًا في الصلاة، وسأل الله أن يضع إرادته عنه. «أسمع الله تلك الصلاة؟»
«لا بد أنه سمعها، فقد كانت حسب مشيئته». «فهل وُضعت إرادتك؟» «لا بد أنها وُضعت».
«فاسأل الله إذًا أن يعطيك المعمودية بالروح القدس». ففعل ذلك. «أكانت تلك الصلاة حسب مشيئته؟» «نعم». «أسُمعت؟» «لا بد أنها سُمعت». «أنلت إذًا المعمودية بالروح القدس؟» «لست أشعر بها». «ليس هذا هو ما سألتك عنه؛ اقرأ تلك الأعداد مرةً ثانية». وكان الكتاب المقدس مفتوحًا أمامه عند 1 يوحنا 5:14-15، فقرأ: «وهذه هي الثقة التي لنا عنده: أننا إن طلبنا شيئًا حسب مشيئته يسمع لنا». «مهلًا لحظةً واحدة؛ أكانت تلك الصلاة حسب مشيئته؟» «كانت كذلك بالتأكيد». «أفسُمعت؟» «نعم، سُمعت». «تابع القراءة». «وإن كنا نعلم أنه مهما طلبنا يسمع لنا، نعلم أن لنا الطلبات التي طلبناها منه».
«نعلم ماذا؟» «أن لنا الطلبة التي طلبناها منه». «وما كانت تلك الطلبة؟»
«المعمودية بالروح القدس». «أهي لك؟» «لست أشعر بها، ولكن الله يقول ذلك، فلا بد أنها لي».
وبعد أيامٍ قليلة لقيته مرةً ثانية وسألته إن كان قد نال حقًّا وبالفعل ما أخذه بالإيمان البسيط. فأجاب، وعلى وجهه نظرة فرحٍ وابتهاج: «نعم». ثم غاب عن ناظريّ نحو سنتين من الزمان، فوجدته بعدها يستعدّ للخدمة، وقد صار يكرز فعلًا، وكان الله يكرم كرازته ويباركها بنفوسٍ تخلص، ثم استخدمه بعد قليل مع آخرين وسيلةَ بركةٍ عظيمة للمعهد اللاهوتي الذي كان يدرس فيه.
وكان قد عزم أيضًا على أن يخدم المسيح في حقل الإرساليات الخارجية. وما طالب به هو ونال بالإيمان البسيط، يستطيع أيّ قارئٍ لهذا الكتاب أن يطالب به وينال بالطريقة نفسها.