فصل 2 · قراءة 9 د
ضرورة المعمودية بالروح القدس وإمكانها
وقبيل أن يُرفع المسيح إلى السماء بزمن قصير، وقد كان قد أودع تلاميذَه الكرازةَ بالإنجيل، ألقى عليهم هذه الوصية المهيبة كلَّ المهابة بشأن ابتداء ذلك العمل العظيم الذي وضعه في أيديهم: «وها أنا أُرسل إليكم موعد أبي، فأقيموا في مدينة أورشليم إلى أن تُلبَسوا قوة من الأعالي» (لوقا 24:49). وليس ثمّة أدنى شكّ فيما عناه يسوع بقوله «موعد أبي»، ذلك الموعد الذي كان عليهم أن ينتظروه قبل أن يبتدئوا الخدمة التي كان قد ائتمنهم عليها؛ فإنّنا نقرأ في أعمال الرسل 1:4-5 أنّ يسوع «أوصاهم أن لا يبرحوا من أورشليم، بل ينتظروا موعد الآب»، وهو الموعد القائل: «لأنّ يوحنا عمَّد بالماء، وأمّا أنتم فستتعمَّدون بالروح القدس، ليس بعد هذه الأيام بكثير». فـ«موعد الآب»، الذي كان الإلباس بالقوة أن يأتي من خلاله، إنّما هو المعمودية بالروح القدس (أعمال الرسل 1:8). وهكذا أوصى المسيح تلاميذه وصيةً صارمة ألّا يتجاسروا على القيام بالعمل الذي دعاهم إليه إلى أن يكونوا قد نالوا المعمودية بالروح القدس، بوصفها الإعداد اللازم الذي لا غنى عنه البتّة لذلك العمل.
وهؤلاء الرجال الذين قال لهم يسوع هذا الكلام كانوا في الظاهر قد نالوا من قبلُ إعدادًا وافيًا للعمل الذي بين أيديهم. فقد تتلمذوا للمسيح نفسه أكثر من ثلاث سنين، وسمعوا من فمه تلك الحقائق العظيمة التي كان عليهم أن ينادوا بها في العالم. وكانوا شهود عيان لمعجزاته ولموته وقيامته، وكانوا على وشك أن يكونوا شهود عيان لصعوده. والعمل الذي كان أمامهم إنّما هو أن يخرجوا لينادوا بما قد رأته عيونهم وما قد سمعته آذانهم من فم المسيح نفسه. أفلم يكونوا مستعدّين تمام الاستعداد لهذا العمل؟ هكذا يبدو لنا نحن. ولكنّ المسيح قال: «لا. إنّكم غير مستعدّين البتّة، حتى إنّه لا يجوز لكم أن تخطوا خطوة واحدة بعدُ.
فهناك إعداد آخر أبعد من ذلك، لا غنى عنه البتّة للخدمة الفعّالة، فعليكم أن تمكثوا في أورشليم إلى أن تنالوه. وهذا الإعداد الأبعد هو المعمودية بالروح القدس. فمتى نلتموها — وليس قبل ذلك — تكونون مستعدّين لأن تبتدئوا العمل الذي دعوتُكم إليه». فإن كان المسيح لم يأذن لهؤلاء الرجال، الذين نالوا مثل هذه التلمذة النادرة للعمل الذي دعاهم إليه دعوةً محدَّدة واضحة، أن يقوموا بهذا العمل من دون أن ينالوا، فوق ذلك كلّه، المعمودية بالروح القدس — فماذا يكون شأننا نحن إن نحن قمنا بالعمل الذي دعانا إليه قبل أن ننال، فوق أيّ قدر من التحصيل والتلمذة قد نكون نلناه لهذا العمل، المعمودية بالروح القدس؟ أليس ذلك أشدَّ التجاسر جرأةً؟
ولكنّ هذا ليس كلَّ شيء. فإنّنا نقرأ في أعمال الرسل 10:38: «يسوع الذي من الناصرة، كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة، الذي جال يصنع خيرًا ويشفي جميع المتسلَّط عليهم إبليس». ومتى نظرنا في الأناجيل التماسًا لتفسير هذه الكلمات، وجدنا هذا التفسير في لوقا 3:21-22، وفي لوقا 4:1-14 و15 و18 و21. فنحن نجد أنّه عند معمودية يسوع عند نهر الأردن، وفيما هو يصلّي، حلَّ عليه الروح القدس. ثمّ إنّه، وهو «ممتلئ من الروح القدس»، اجتاز في اختبار التجربة. ثمّ إنّه، «بقوة الروح»، ابتدأ خدمته، وأعلن عن نفسه أنّه «ممسوح ليبشّر»، وذلك لأنّ «روح الربّ عليه». وبعبارة أخرى، إنّ يسوع المسيح لم يدخل قطّ في الخدمة التي جاء لأجلها إلى هذا العالم إلّا بعد أن اعتمد بالروح القدس.
فإن كان يسوع المسيح، الذي حُبل به بقوة الروح القدس حبلًا يفوق الطبيعة، ابنُ الله الوحيد، الذي هو إلهيّ، إلهٌ حقّ من إلهٍ حقّ، وهو مع ذلك إنسان حقيقيّ — إن كان المسيح، «تاركًا لنا مثالًا لكي نتبع خطواته»، لم يجترئ على الخدمة التي أرسله الآب لأجلها إلى أن اعتمد هكذا بالروح القدس، فماذا يكون شأننا نحن إن تجرّأنا على أن نفعل ذلك؟
فإن نحن تجرّأنا على فعل ذلك، في ضوء هذه الوقائع المسجَّلة، بدا الأمر إساءةً تتجاوز حدَّ التجاسر. ولا شكّ أنّ كثيرين قد فعلوه عن جهل، ولكن هل يسعنا أن نحتجّ بالجهل بعد الآن؟ إنّ المعمودية بالروح القدس إعداد لازم لكلّ خدمة مثمرة للمسيح، في كلّ خطّ من خطوط الخدمة.
وقد تكون لنا دعوة واضحة إلى الخدمة، واضحة إلى أقصى ما يمكن أن تكون، كما كانت للرسل؛ ولكنّ الوصية ملقاة علينا كما أُلقيت عليهم: أنّه قبل أن نبتدئ تلك الخدمة، لا بدّ لنا أن «نقيم في المدينة إلى أن نُلبَس قوة من الأعالي». وهذا الإلباس بالقوة إنّما يكون بالمعمودية بالروح القدس. وما من شكّ أنّ قليلة هي الأخطاء التي نرتكبها في أيامنا هذه وهي أعظم من هذا الخطأ: أن نقيم رجالًا ليعلّموا صفوف مدارس الأحد، وليقوموا بالخدمة الشخصية، بل ليكرزوا بالإنجيل أيضًا، لمجرّد أنّهم قد اهتدوا ونالوا قدرًا معيّنًا من التعليم، ربّما يشمل دورة جامعية ودراسة في مدرسة لاهوتية، ولكنّهم لم يعتمدوا بعدُ بالروح القدس.
إنّ كلّ رجل يشتغل في العمل المسيحي ولم يكن قد نال المعمودية بالروح القدس، ينبغي له أن يوقف عمله في مكانه ذاك حيث هو، وألّا يمضي فيه قُدُمًا إلى أن يكون قد «لُبس قوة من الأعالي». ولكن ماذا يكون من أمر عملنا في أثناء انتظارنا؟
وماذا فعل العالم في تلك الأيام العشرة التي كان التلاميذ الأوّلون ينتظرون فيها؟
لقد كانوا وحدهم يعرفون الحقّ المخلِّص، ومع ذلك لزموا الصمت طاعةً لأمر الربّ. فلمّا جاءت القوة، أنجزوا في يوم واحد أكثر ممّا كانوا سينجزونه في سنين لو أنّهم مضوا في عصيان متجاسر لوصية المسيح؛ وهكذا نحن أيضًا، بعد أن ننال المعمودية بالروح القدس، ننجز في يوم واحد أكثر ممّا كنّا ننجزه قطّ في سنين بغير قوّته. وأيّام تُقضى في الانتظار، لو كان الانتظار ضروريًّا، لكانت أيّامًا أُحسن إنفاقها؛ غير أنّنا سنرى فيما بعد أنّه لا حاجة بنا إلى أن نقضي أيّامًا في الانتظار. وقد يُقال إنّ الرسل كانوا قد خرجوا في جولات تبشيرية في أثناء حياة المسيح، قبل أن يعتمدوا بالروح القدس.
وهذا صحيح، ولكنّ ذلك كان قبل أن يُعطى الروح القدس، وقبل أن تُعطى الوصية: «فأقيموا في مدينة أورشليم إلى أن تُلبَسوا قوة من الأعالي».
وأمّا بعد ذلك، فقد كان الخروج بغير هذا الإلباس بالقوة عصيانًا وتجاسرًا معًا؛ ونحن إنّما نعيش اليوم بعد أن أُعطي الروح القدس، وبعد أن أُعطيت الوصية القائلة بأن «نقيم إلى أن نُلبَس قوة». وننتقل الآن إلى مسألة إمكان المعمودية بالروح القدس. أهذه المعمودية بالروح القدس هي لنا نحن أيضًا؟
وهذا سؤال له في كلمة الله أوضح جواب وأصرحه وأكثره مباشرةً. فنحن نقرأ في أعمال الرسل 2:39: «لأنّ الموعد هو لكم ولأولادكم ولكلّ الذين على بُعد، كلّ من يدعوه الربّ إلهنا». فما هو «الموعد» الذي تتحدّث عنه هذه الفقرة؟ فإذا رجعنا إلى العددين الرابع والخامس من الأصحاح السابق له، قرأنا: «بل ينتظروا موعد الآب»، «لأنّ يوحنا عمَّد بالماء، وأمّا أنتم فستتعمَّدون بالروح القدس، ليس بعد هذه الأيام بكثير».
وأيضًا نقرأ في العدد الثالث والثلاثين من الأصحاح الثاني: «وإذ أخذ موعد الروح القدس من الآب». ويبدو من الواضح أنّ «الموعد» المذكور في العدد التاسع والثلاثين لا بدّ أن يكون هو عينه «الموعد» المذكور في العدد الثالث والثلاثين، وهو «الموعد» المذكور في العددين الرابع والخامس من الأصحاح السابق؛ أي موعد المعمودية بالروح القدس. وهذه النتيجة يجعلها السياق جليّةً واضحة: «توبوا وليعتمد كلُّ واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا، فتقبلوا عطية الروح القدس» إلى آخره.
فالموعد إذًا في هذا العدد إنّما هو موعد عطية الروح القدس، أي المعمودية بالروح القدس.
(أعمال الرسل 10:45 مع أعمال الرسل 11:15-16). فلمن هذه العطية؟ «لكم»، يقول بطرس لليهود الذين كان يخاطبهم في تلك اللحظة. ثمّ إذ ينظر من فوق رؤوسهم إلى الجيل التالي: «ولأولادكم». ثمّ إذ ينظر على امتداد كلّ العصور الآتية من تاريخ الكنيسة، إلى الأمم كما إلى اليهود: «ولكلّ الذين على بُعد، كلّ من يدعوه الربّ إلهنا». إنّ المعمودية بالروح القدس هي لكلّ ابن من أبناء الله في كلّ عصر من عصور تاريخ الكنيسة. فإن لم تكن لنا حيازةً اختبارية، فذلك لأنّنا لم نأخذ (والمعنى الدقيق لكلمة «تقبلوا» في العدد الثامن والثلاثين هو تأخذوا) ما قد أعدّه الله لنا في مخلّصنا المُمجَّد.
(أعمال الرسل 2:33؛ يوحنا 7:38-39). جاءني مرّةً أحد خدّام الإنجيل بعد محاضرة كنتُ قد ألقيتُها عن المعمودية بالروح القدس، وقال لي: «إنّ الكنيسة التي أنتمي إليها تعلّم أنّ المعمودية بالروح القدس كانت للعصر الرسولي وحده». فكان الجواب: «لا يهمّ ما تعلّمه الكنيسة التي تنتمي أنت إليها، ولا ما تعلّمه الكنيسة التي أنتمي أنا إليها. ماذا تقول كلمة الله؟»
وقُرئ أعمال الرسل 2:39: «لأنّ الموعد هو لكم ولأولادكم ولكلّ الذين على بُعد، كلّ من يدعوه الربّ إلهنا». وسألتُه. فأجاب: «نعم، لقد دعاني بالتأكيد». «فهل الموعد لك أنت؟» «نعم، إنّه لي». وقد كان كذلك بالفعل. وهو لكلّ ابن من أبناء الله يقرأ هذه الصفحات. فما أعظم إثارةً هذا الفكر: أنّ المعمودية بالروح القدس، أي الإلباس بقوة من الأعالي، هي لي أنا شخصيًّا! غير أنّ لهذا الفكر المفرح فرحًا لا يُنطق به جانبه المهيب. فإن كان يجوز لي أن أعتمد بالروح القدس، فيجب عليّ أن أعتمد بها.
فإن كنتُ معمَّدًا بالروح القدس، أفلا تخلص إذًا على يديّ نفوسٌ ما كانت لتخلص هكذا لو لم أكن معمَّدًا هذه المعمودية؟ فإن لم أكن إذًا مستعدًّا لأن أدفع ثمن هذه المعمودية، ومن ثمّ لم أعتمد بها، أكون مسؤولًا أمام الله عن كلّ تلك النفوس التي كان يمكن أن تخلص، ولكنّها لم تخلص على يديّ لأنّي لم أكن معمَّدًا بالروح القدس.
إنّي كثيرًا ما أرتعد على إخوتي في العمل المسيحي وعلى نفسي أنا أيضًا. لا لأنّنا نعلّم الناس ضلالًا مميتًا؛ فإنّ بعضهم مذنب حتى بهذا أيضًا، ولكنّي لستُ أشير إلى ذلك الآن. ولا لأنّنا لا نعلّم الحقّ الكامل كما هو في يسوع. ولا بدّ من الاعتراف بأنّ كثيرين ممّن لا يعلّمون ضلالًا صريحًا لا يكرزون مع ذلك بإنجيل كامل، ولكنّي لستُ أشير إلى ذلك أيضًا. إنّما أرتعد على أولئك الذين يكرزون بالحقّ، الحقّ كما هو في يسوع، ويكرزون بالإنجيل في بساطته وفي نقاوته وفي ملئه، ولكنّهم يكرزون به «بكلام الحكمة المُقنِع» لا «ببرهان الروح والقوة» (1 كورنثوس 2:4)، يكرزون به بنشاط الجسد لا بقوة الروح القدس.
وما من شيء في الوجود أشدّ إماتةً من الإنجيل مجرَّدًا من قوة الروح. «لأنّ الحرف يقتل، ولكنّ الروح يحيي».
إنّ الكرازة بالإنجيل، سواء من على المنبر أو في السبل الأكثر هدوءًا، لَعملٌ مهيب إلى حدّ مخيف. فهي تعني الموت أو الحياة لمن يسمعونها، وكونها تعني الموت أو الحياة إنّما يتوقّف إلى حدّ بعيد جدًّا على ما إذا كنّا نكرز بها بغير المعمودية بالروح القدس أم بها.
لا بدّ لنا أن نعتمد بالروح القدس. ويُحتجّ أحيانًا بأنّ «المعمودية بالروح القدس» إنّما قُصد بها منح القوة على صنع المعجزات لا غير، وأنّها كانت تخصّ العصر الرسولي وحده. وتأييدًا لهذا الموقف، يُزعم أنّ المعمودية بالروح القدس كانت تتبعها المعجزات على وتيرة واحدة تقريبًا. وأمّا كون هذا الموقف لا يقوم على أساس يُدافَع عنه، فيظهر: (1) من كون المسيح نفسه قد أعلن أنّ الغرض من المعمودية بالروح القدس هو منح القوة على الشهادة، لا القوة على صنع المعجزات على وجه الخصوص (أعمال الرسل 1:5-8؛ لوقا 24:48-49).
(2) ومن كون بولس قد علّم تعليمًا صريحًا أنّ هناك أنواع مواهب، وأنّ «عمل قوات» إنّما هو واحد فقط من مظاهر المعمودية بالروح القدس المتعدّدة (1 كورنثوس 12:4 و8-10).
(3) ومن كون بطرس يعلن إعلانًا صريحًا أنّ «عطية الروح القدس»، أي «الموعد»، إنّما هي لكلّ المؤمنين في كلّ الأجيال (أعمال الرسل 2:38-39)؛ ومن الظاهر بمقابلة أعمال الرسل 2:39 مع لوقا 24:49، ومع أعمال الرسل 1:4-5، ومع أعمال الرسل 2:33، وبمقابلة أعمال الرسل 2:38 مع أعمال الرسل 10:45 ومع أعمال الرسل 11:15-16، أنّ كلًّا من هاتين العبارتين، «الموعد» و«عطية الروح القدس»، إنّما تشير إلى المعمودية بالروح القدس.
فإن أخذنا المعجزات بالمعنى الواسع، أي كلّ النتائج التي تعملها قوة تفوق الطبيعة، صحَّ حينئذ أنّ كلّ من اعتمد بالروح القدس ينال حقًّا قوةً على صنع المعجزات؛ لأنّ كلّ من اعتمد بها ينال قوة ليست له بحسب الطبيعة، بل قوة فوق الطبيعة، هي قوة الله نفسه. وأمّا نتيجة المعمودية بالروح القدس التي كانت أظهر النتائج وأشدَّها جوهرية، فهي القوة على الإقناع.
(أعمال الرسل 2:4 و37 و41؛ أعمال الرسل 4:8-13؛ أعمال الرسل 4:31 و33؛ أعمال الرسل 9:17 و20-22). ويبدو أنّه لم تكن هناك أيّ مظاهر لقوة صنع المعجزات في أعقاب معمودية بولس بالروح القدس مباشرةً، مع أنّه صار في وقت لاحق موهوبًا في هذا الاتّجاه موهبةً فريدة. فإنّما القوة على الشهادة ليسوع بأنّه ابن الله هي التي نالها في اتّصال مباشر بالمعمودية بالروح القدس.