فصل 1 · قراءة 11 د

المعمودية بالروح القدس: ما هي وما تفعله

على الرغم من أنّ الكلام قد كثُر جدًّا في هذه الأيام عن المعمودية بالروح القدس، فإنّ ما يُخشى منه أنّ كثيرين ممّن يتحدّثون عنها ويرفعون الصلاة من أجلها ليست لديهم فكرة واضحة ولا محدَّدة عن حقيقة ما هي. غير أنّ الكتاب المقدس، إن نحن درسناه درسًا متأنّيًا، يعطينا عن هذه البركة العجيبة صورةً واضحة، بل محدَّدة إلى حدٍّ يدعو إلى العجب.

1. أوّلًا وقبل كلّ شيء، نجد أنّ في الكتاب المقدس عدّة تسميات مختلفة لهذا الاختبار الواحد بعينه. ففي أعمال الرسل 1:5 قال يسوع: «لأنّ يوحنا عمَّد بالماء، وأمّا أنتم فستتعمَّدون بالروح القدس، ليس بعد هذه الأيام بكثير». وفي أعمال الرسل 2:4، حين تمَّ هذا الوعد، نقرأ: «وامتلأ الجميع من الروح القدس». وفي أعمال الرسل 1:4 يُتحدَّث عن هذا الاختبار عينه بأنّه «موعد الآب»، وفي لوقا 24:49 بهذه العبارة: «وها أنا أُرسل إليكم موعد أبي، فأقيموا في مدينة أورشليم إلى أن تُلبَسوا قوة من الأعالي». وبمقابلة أعمال الرسل 10:44 و45 و47 مع أعمال الرسل 11:15 و16، نجد أنّ العبارات «حلَّ الروح القدس عليهم»، و«عطية الروح القدس»، و«يقبلون الروح القدس» هي كلُّها عبارات مرادفة لقولنا «اعتمدوا بالروح القدس».

2. ونجد في المقام الثاني أنّ المعمودية بالروح القدس اختبار محدَّد بدقّة، يستطيع الإنسان أن يعرف عنه هل ناله أم أنّه لم ينله بعدُ. وهذا ظاهر ظهورًا بيّنًا من الأمر الذي أعطاه مخلّصنا للرسل: «فأقيموا في مدينة أورشليم إلى أن تُلبَسوا قوة من الأعالي» (لوقا 24:49). فلو لم يكن هذا الإلباس بالقوة، أو المعمودية بالروح القدس، اختبارًا محدَّدًا من الوضوح بحيث يستطيع الإنسان أن يعرف هل ناله أم لم ينله، فكيف كان في وسع الرسل أن يعرفوا متى انتهت أيام الانتظار تلك التي أُمروا بها؟ والأمر عينه واضح كلَّ الوضوح من ذلك السؤال المحدَّد جدًّا الذي وجّهه بولس إلى التلاميذ الذين في أفسس.

«هل قبلتم الروح القدس لمّا آمنتم؟» (أعمال الرسل 19:2). لقد كان بولس ينتظر جوابًا محدَّدًا: «نعم» قاطعة أو «لا» قاطعة. فما لم يكن هذا الاختبار محدَّدًا، وعلى صفة يستطيع الإنسان معها أن يعرف هل ناله أم لم ينله، فكيف كان في وسع هؤلاء التلاميذ أن يجيبوا عن سؤال بولس؟ لقد كانوا يعلمون أنّهم لم «يقبلوا» الروح القدس ولم «يعتمدوا به»، ثمّ بعد وقت قصير علموا أنّهم قد «قبلوه» و«اعتمدوا به».

(أعمال الرسل 19:6). واسأل كثيرين في أيامنا هذه ممّن يصلّون طالبين أن يعتمدوا بالروح القدس: «حسنًا يا أخي، هل نلتَ ما طلبتَ؟ هل اعتمدتَ بالروح القدس؟» فيدهش الرجل ويُبهَت. إنّه لم يكن يتوقّع أمرًا من الوضوح بحيث يستطيع أن يجيب عن سؤال كهذا جوابًا قاطعًا بـ«نعم» أو «لا». على أنّنا لا نجد في الكتاب المقدس شيئًا من هذا الارتياب وانعدام الوضوح اللذين كثيرًا ما نصادفهما في كثير من صلواتنا وأحاديثنا في هذه الأيام حول هذا الموضوع. إنّ الكتاب المقدس كتاب واضح جليّ.

إنّه في أمر الخلاص من الوضوح بحيث يستطيع الرجل العارف بكتابه أن يقول قاطعًا «نعم» أو «لا» جوابًا عن هذا السؤال: «هل أنت مخلَّص؟» وهو في أمر «المعمودية بالروح القدس» على القدر عينه من الوضوح، حتى إنّ الرجل العارف بكتابه يستطيع أن يقول قاطعًا «نعم» أو «لا» جوابًا عن هذا السؤال: «هل اعتمدتَ بالروح القدس؟» وقد يوجد من الناس من هم مخلَّصون ولكنّهم لا يعلمون ذلك، لأنّهم لا يفهمون كتبهم المقدسة؛ غير أنّ من امتيازهم أن يعلموا ذلك. وقد يوجد أيضًا من الناس من قد اعتمدوا بالروح القدس ولكنّهم لا يعرفون الاسم الكتابيّ لهذا الذي جاءهم؛ غير أنّ من امتيازهم أن يعرفوا.

3. المعمودية بالروح القدس عملٌ من أعمال الروح القدس، منفصل عن عمله التجديديّ ومتميّز عنه. فأن يجدّدك الروح القدس شيء، وأن تعتمد بالروح القدس شيء آخر مختلف، شيء أبعد من ذلك. وهذا ظاهر من أعمال الرسل 1:5، حيث قال يسوع: «وأمّا أنتم فستتعمَّدون بالروح القدس، ليس بعد هذه الأيام بكثير». فهم لم يكونوا حينئذ بعدُ «قد اعتمدوا بالروح القدس»، ولكنّهم كانوا قد وُلدوا ثانيةً من قبلُ. بل إنّ يسوع نفسه كان قد نطق بذلك عنهم؛ إذ قال لهؤلاء الرجال أنفسهم في يوحنا 15:3: «أنتم الآن أنقياء لسبب الكلام الذي كلّمتكم به».

(يعقوب 1:18؛ 1 بطرس 1:23). وقال في يوحنا 13:10: «وأنتم طاهرون، ولكن ليس كلُّكم»، مستثنيًا من قوله «أنتم طاهرون» الرجلَ الواحد غير المخلَّص الذي في جماعة الرسل، وهو يهوذا الإسخريوطي (انظر يوحنا 13:11). فالرسل، ما خلا يهوذا الإسخريوطي، كانوا حينئذ رجالًا قد تغيّروا فعلًا، ولكنّهم لم يكونوا بعدُ «قد اعتمدوا بالروح القدس». ومن هذا يظهر جليًّا أنّ الولادة الثانية شيء، وأنّ المعمودية بالروح القدس شيء آخر مختلف، شيء أبعد من ذلك. فقد يولد الإنسان ثانيةً ومع ذلك لا يكون بعدُ قد اعتمد بالروح القدس.

والأمر عينه ظاهر من أعمال الرسل 8:12-16. فههنا نجد جماعة من المؤمنين قد اعتمدوا. ولا شكّ أنّه كان في هذه الجماعة من المؤمنين المعتمدين رجال مخلَّصون. غير أنّ السجلّ يخبرنا أنّه لمّا نزل بطرس ويوحنا «صلّيا لأجلهم لكي يقبلوا الروح القدس، لأنّه لم يكن قد حلَّ بعدُ على أحد منهم». فمن الواضح إذًا أنّ الإنسان قد يكون مؤمنًا، بل رجلًا مخلَّصًا، ومع ذلك لا تكون له المعمودية بالروح القدس. وبعبارة أخرى، إنّ المعمودية بالروح القدس شيء متميّز عن عمله الخلاصيّ وأبعد منه. فليس كلُّ مخلَّص له المعمودية بالروح القدس، وإن كان كلُّ مخلَّص — كما سنرى فيما بعد — يستطيع أن ينال هذه المعمودية.

فإذا كان الإنسان قد اختبر عمل الروح القدس المُغيِّر في داخله، فهو رجل مخلَّص؛ ولكنّه مع ذلك ليس مؤهَّلًا للخدمة إلى أن ينال، فوق هذا العمل وزيادةً عليه، المعمودية بالروح القدس.

4. إنّ المعمودية بالروح القدس مقترنة في كلّ حين بالشهادة وبالخدمة.

فتأمّل بعناية كلَّ فقرة من فقرات الكتاب ذُكرت فيها المعمودية بالروح القدس، فترى أنّها مقترنة بالشهادة وبالخدمة، وأنّها إنّما هي لأجل الشهادة والخدمة (انظر مثلًا أعمال الرسل 1:5 و8؛ وأعمال الرسل 2:4؛ وأعمال الرسل 4:31 و33). وهذا سيظهر ظهورًا في غاية الجلاء حين نصل إلى النظر فيما تفعله المعمودية بالروح القدس. فالمعمودية بالروح القدس ليست للتطهير من الخطية، بل لمنح القوة على الخدمة.

وثمّة خطٌّ من التعليم، قد تقدّمت به جماعة من الناس جادّة كلَّ الجدّ ولكنّها مخطئة، وقد أوقع هذا التعليم عقيدة المعمودية بالروح القدس كلَّها في العار. وهو يجري على هذا النحو: القضية الأولى: هناك اختبار أبعد (أو بركة ثانية) بعد التجديد، ألا وهو المعمودية بالروح القدس. وهذه القضية صحيحة، ويسهل إثباتها من الكتاب المقدس. القضية الثانية: هذه المعمودية بالروح القدس يمكن أن تُنال في الحال. وهذه القضية أيضًا صحيحة، ويسهل إثباتها من الكتاب المقدس. القضية الثالثة: هذه المعمودية بالروح القدس هي استئصال الطبيعة الخاطئة. وهذه القضية غير صحيحة. فليس ثمّة سطر واحد من الكتاب المقدس يمكن أن يُذكر ليدلّ على أنّ المعمودية بالروح القدس هي تطهير الطبيعة الخاطئة.

والنتيجة المستخلَصة من هذه القضايا الثلاث — اثنتان منها صحيحتان وواحدة كاذبة — كاذبة بالضرورة. فالمعمودية بالروح القدس ليست للتطهير من الخطية، بل للتقوية على الخدمة. نعم، إنّ التطهير من الخطية هو حقًّا عمل من أعمال الروح القدس.

وفوق ذلك كلّه، هناك عمل آخر من أعمال الروح القدس، به يتأيّد المؤمن بالقوة في الإنسان الباطن، حتى يحلَّ المسيح بالإيمان في قلبه، ولكي يمتلئ إلى كلّ ملء الله.

(أفسس 3:16-19). وهناك عمل للروح القدس هو من الصفة التي بها يصير المؤمن «معتَقًا من ناموس الخطية والموت» (رومية 8:2)، وبالروح «يميت أعمال الجسد» (رومية 8:13). وإنّه لامتيازنا أن نسلك كلَّ يوم وكلَّ ساعة في قوة الروح، حتى تبقى الطبيعة الجسدية في موضع الموت. غير أنّ هذا ليس هو المعمودية بالروح، ولا هو استئصال الطبيعة الخاطئة. وليس هو أمرًا يتمّ مرّة واحدة إلى الأبد، بل هو أمر لا بدّ من المحافظة عليه لحظةً فلحظة: «اسلكوا بالروح فلا تكمّلوا شهوة الجسد» (غلاطية 5:16). وفي حين نلحّ على أنّ المعمودية بالروح إنّما هي في المقام الأوّل لغرض التقوية على الخدمة، ينبغي أن يُضاف أنّ ارتقاءً أدبيًّا عظيمًا يصحب هذه المعمودية (انظر أعمال الرسل 2:44-46؛ وأعمال الرسل 4:31-35). وهذا لا بدّ أن يكون كذلك، بحكم الخطوات التي لا بدّ للإنسان أن يخطوها لينال هذه البركة.

5. وسنحصل على صورة أوضح وأوفى بعدُ عن حقيقة المعمودية بالروح القدس، وذلك متى لاحظنا ما الذي تفعله هذه المعمودية. وهذا الأمر مذكور في إيجاز في أعمال الرسل 1:8: «لكنّكم ستنالون قوة متى حلَّ الروح القدس عليكم، وتكونون لي شهودًا» إلى آخره.

إنّ المعمودية بالروح القدس تمنح «قوة»، أي قوةً للخدمة. غير أنّ هذه القوة لن تُظهر نفسها بالكيفية عينها تمامًا في كلّ فرد من الأفراد.

وهذا يظهر بغاية الوضوح في 1 كورنثوس 12:4-13: «فأنواع مواهب موجودة، ولكنّ الروح واحد. فإنّه لواحد يُعطى بالروح كلامُ حكمة، ولآخر كلامُ علم بحسب الروح الواحد، ولآخر إيمان بالروح الواحد، ولآخر مواهب شفاء بالروح الواحد، ولآخر عمل قوات، ولآخر نبوّة، ولآخر تمييز الأرواح، ولآخر أنواع ألسنة، ولآخر ترجمة ألسنة.

ولكنّ هذه كلَّها يعملها الروح الواحد بعينه، قاسمًا لكلّ واحد بمفرده كما يشاء».

في أوّل درسي للمعمودية بالروح القدس، لاحظتُ أنّ الذين اعتمدوا بها هذه المعمودية كانوا في مواضع كثيرة «يتكلّمون بألسنة»، وكان السؤال يتردّد كثيرًا في ذهني: إن اعتمد الإنسان بالروح القدس، أفلا يتكلّم بألسنة؟ ولكنّي لم أرَ أحدًا يتكلّم بها، فكنتُ كثيرًا ما أتساءل في نفسي: أفي الناس اليوم أحد قد اعتمد حقًّا بالروح القدس؟ وقد جلا لي هذا الأصحاحُ الثاني عشر من رسالة كورنثوس الأولى تلك المسألة، ولا سيّما حين وجدتُ بولس يسأل الذين كانوا قد اعتمدوا بالروح القدس: «ألعلّ الجميع يتكلّمون بألسنة؟» (1 كورنثوس 12:30). ولكنّي وقعتُ بعد ذلك في خطأ آخر، وهو أنّ كلّ من ينال المعمودية بالروح القدس لا بدّ أن ينال قوةً بوصفه مبشّرًا أو كارزًا بالكلمة. وهذا أيضًا مناقض على السواء لتعليم هذا الأصحاح، وهو أنّ «أنواع مواهب موجودة، ولكنّ الروح واحد». وثمّة ثلاثة شرور تنشأ من الخطأ الذي ذكرتُه للتوّ: أوّلها خيبة الرجاء. فكثيرون يطلبون المعمودية بالروح القدس متوقّعين قوةً بوصفهم مبشّرين، والله لم يدعُهم إلى ذلك العمل، والقوة الآتية من المعمودية بالروح القدس تُظهر نفسها فيهم بطريقة أخرى؛ وقد نشأت من هذا السبب حالات كثيرة من خيبة الرجاء المرّة والقنوط الذي يكاد يكون يأسًا.

والشرّ الثاني أخطر من الأوّل، ألا وهو التجاسر. فإنّ رجلًا لم يدعُه الله إلى عمل المبشّر أو الخادم يندفع إلى ذلك العمل اندفاعًا لأنّه قد نال — أو لأنّه يظنّ أنّه قد نال — المعمودية بالروح القدس. وكم من رجل قد قال: «كلُّ ما يحتاج إليه الإنسان لكي ينجح كارزًا هو المعمودية بالروح القدس». وهذا القول غير صحيح؛ فإنّه محتاج إلى دعوة إلى ذلك العمل بعينه، وهو محتاج أيضًا إلى درس كلمة الله الذي يُعدّه لذلك العمل.

والشرّ الثالث أعظم من هذا أيضًا، وهو اللامبالاة. فكثيرون يعلمون أنّهم غير مدعوّين إلى عمل الكرازة؛ ومن ذلك مثلًا الأمّ ذات البيت الملآن بالأولاد، فهي تعلم هذا. فإن ظنّوا إذًا أنّ المعمودية بالروح القدس إنّما تمنح قوةً على الكرازة لا غير، لم يكن الأمر عندهم ذا شأن شخصيّ البتّة. ولكنّنا متى جئنا إلى رؤية الحقّ، وهو أنّ المعمودية بالروح، مع أنّها تمنح قوة، فإنّ الكيفية التي تُظهر بها تلك القوة نفسَها متوقّفة على العمل الذي دعانا الله إليه، وأنّه لا يمكن أن يُعمل عمل فعّال بدونها — حينئذ ترى الأمُّ أنّها محتاجة إلى هذه المعمودية كحاجة الكارز إليها سواءً بسواء، لأجل ذلك العمل الذي هو أهمّ الأعمال جميعًا وأقدسها: أن تربّي أولادها «بتأديب الربّ وإنذاره».

وقد قابلتُ في الآونة الأخيرة أمًّا هي في غاية السعادة. فمنذ بضعة أشهر سمعت بالمعمودية بالروح القدس، فطلبتها ونالتها. فهتفت في فرح وهي تقصّ عليّ قصّتها: «آه، منذ أن نلتُها صرتُ قادرة أن أنفذ إلى قلوب أولادي، وهو أمر لم أستطعه قطّ فيما مضى».

إنّ الروح القدس نفسه هو الذي يقرّر كيف تُظهر القوة نفسَها في كلّ حالة بعينها؛ «الروح... قاسمًا لكلّ واحد بمفرده كما يشاء» (1 كورنثوس 12:11). ولنا حقٌّ أن نشتهي بحرارة «المواهب الحسنى» (1 كورنثوس 12:31)، ولكنّ الروح القدس سيّد مطلق، وهو — لا نحن — الذي يجب أن يفصل في الأمر في نهاية المطاف. فليس لنا إذًا أن نختار موهبة من المواهب ثمّ ننتظر من الروح القدس أن يمنحنا تلك الموهبة التي اخترناها نحن بأنفسنا؛ وليس لنا أن نختار حقلًا من حقول الخدمة ثمّ ننتظر من الروح القدس أن يمنحنا قوة في ذلك الحقل الذي اخترناه نحن لا هو. بل الأحرى بنا أن نعترف بلاهوت الروح وسيادته، وأن نضع أنفسنا تحت تصرّفه علنًا، لكي يختار هو الموهبة التي «يشاء» فيمنحنا إيّاها، ولكي يختار لنا الحقل الذي «يشاء» ويمنحنا القوة التي تؤهّلنا للحقل الذي اختاره هو لنا.

عرفتُ مرّةً ابنًا من أبناء الله، سمع بالمعمودية بالروح القدس وبالقوة التي تنتج عنها، فترك بتضحية عظيمة العملَ الدنيويّ الذي كان مشتغلًا به، ودخل في عمل المبشّر. غير أنّ القوة التي كان ينتظرها في ذلك الخطّ من الخدمة لم تأتِ في إثر ذلك. فوقع الرجل في شكّ عظيم وفي ظلمة عظيمة، إلى أن قيد إلى أن يرى أنّ الروح القدس إنّما يقسم «لكلّ واحد بمفرده كما يشاء». وحينئذ تخلّى عن أن يختار لنفسه حقله ومواهبه، ووضع نفسه تحت تصرّف الروح القدس ليختار هو له.

وفي النتيجة الأخيرة، منح الروحُ القدس هذا الرجلَ قوةً بوصفه مبشّرًا وكارزًا بالكلمة. فعلينا إذًا أن نسلّم أنفسنا تسليمًا مطلقًا للروح القدس لكي يعمل هو كما يشاء.

على أنّه، وإن كانت القوة التي تأتي بها المعمودية بالروح القدس تُظهر نفسها بطرق مختلفة في أفراد مختلفين، فستكون هناك قوة على كلّ حال. فبقدر ما هو مؤكَّد أنّ الرجل قد اعتمد بالروح القدس، تكون هناك قوة جديدة، قوة ليست له هو، «قوة العليّ»! وسِيَر رجال الإيمان حافلة بأمثلة رجال عملوا بأقصى ما استطاعوا، إلى أن قيدوا يومًا من الأيام إلى أن يروا أنّ هناك اختبارًا كهذا، هو المعمودية بالروح القدس، فطلبوه ونالوه؛ ومن تلك الساعة دخلت خدمتَهم قوةٌ جديدة غيّرت طابعها تغييرًا تامًّا.

وفِنِي، وبرينِرد، ومودي أمثلة على ذلك. غير أنّ الحالات من هذا القبيل ليست محصورة في بضعة رجال استثنائيين، بل هي آخذة في الشيوع.

وقد قابل كاتب هذه السطور بنفسه، وراسل، مئاتٍ في الاثني عشر شهرًا الماضية، كان في وسعهم أن يشهدوا للقوة الجديدة التي منحها الله لهم بالمعمودية بالروح القدس. وكان هؤلاء المئات من الرجال والنساء في كلّ فروع الخدمة المسيحية. فكثيرون منهم كانوا خدّامًا للإنجيل، وآخرون عاملين في الإرساليات، وأمناءَ في جمعية

الشبان المسيحية، ومعلّمي مدارس الأحد، وعاملين في الخدمة الشخصية، وآباءً، وأمّهات.

وما من شيء يفوق ما في كثير من هذه الشهادات من وضوح ويقين وفرح. فالذي هو لنا وعدًا في كلمات المسيح، قد ناله كثيرون، ويستطيع الجميع أن ينالوه، اختبارًا مفرحًا: «لكنّكم ستنالون قوة متى حلَّ الروح القدس عليكم».

وخلاصةُ ما جاء في هذا الفصل هي هذه: إنّ المعمودية بالروح القدس هي أن يحلَّ روح الله على المؤمن، فيمتلك قواه ومَلَكاته، ويمنحه مواهب ليست له بحسب الطبيعة، ولكنّها تؤهّله للخدمة التي دعاه الله إليها.

صفحة 1 / 9 · 11 دقيقة متبقية في الفصل