صورة Susanna Wesley

Susanna Wesley — السيرة

1669–1742

لكي نصوغ عقول الأطفال، فإنّ أوّل ما ينبغي فعله هو أن نقهر إرادتهم ونأتي بهم إلى مزاجٍ مطيع. أمّا تنوير الفهم فهو عملٌ يحتاج إلى وقت، ولا بدّ أن يمضي مع الأطفال بدرجاتٍ بطيئة؛ لكنّ إخضاع الإرادة أمرٌ يجب أن يُنجَز دفعة…
سوزانا ويسلي، رسالة إلى جون ويسلي، 1732

لم تعِظ سوزانا ويسلي عظةً واحدة قطّ، ولم تنشر كتابًا، ولم تؤسّس كنيسة. قضت حياتها كلّها بين جدران دار قسٍّ ريفيّة في أراضي لينكولنشير المنبسطة والمستنقعيّة، تُنجب الأولاد وتدفنهم، وتُعلّمهم حروفهم وصلواتهم، وتحفظ بيتًا متماسكًا عبر الفقر والحريق والقطيعة. ومع ذلك، خرج من ذلك المطبخ العاديّ اثنان من أكثر الحيوات أثرًا في تاريخ المسيحيّة، وتعلّمت حركةٌ بأكملها أن تدعوها أمّها لها. إنّها قصّة نعمةٍ مختبئة في مجرى الأيّام العاديّة، وإيمانٍ واجه حزنًا حقيقيًّا دون أن يتزعزع، وصلاةٍ تشابكت مع ساعات النهار حتى صارت هي البنية ذاتها لبيتٍ بأكمله.

ابنة منشقٍّ

وُلدت باسم سوزانا آنسلي في لندن في 20 يناير 1669، أصغر نحو خمسةٍ وعشرين ولدًا للدكتور صمويل آنسلي، أحد كبار قساوسة المنشقّين. نشأت في بيتٍ عامرٍ بالعلم والقناعة الصارمة. كان بيت أبيها ملتقى للقساوسة والعلماء والمفكّرين المسيحيّين، فصار النقاش اللاهوتيّ الجادّ الذي ملأ غرفه هو الهواء الذي تنفّسته أصغر آل آنسلي. ومع أنّ فتيات إنجلترا في القرن السابع عشر نادرًا ما نلن أيّ تعليمٍ أكاديميّ رسميّ، فقد كان لسوزانا مطلق التصرّف في كتب أبيها، وكان تعليمها — الذي وجّهته بنفسها في معظمه — واسعًا: اللاهوت والفلسفة، وقبل كلّ شيء الدراسة العميقة الدقيقة للكتاب المقدّس. وفي الثالثة عشرة من عمرها كانت قد شقّت طريقها فكريًّا — على نحوٍ لافت — عبر جدالات عصرها، واختارت لنفسها كنيسة إنجلترا على عدم امتثال أبيها. تلك العادة المبكّرة من الإيمان المفحوص المستقلّ لم تفارقها قطّ. وفي عام 1688، وهي في التاسعة عشرة، تزوّجت صمويل ويسلي، رجل دينٍ طَموحًا وصعب المراس، واستقرّت معه في نهاية المطاف في دار قسّ إبورث، حيث ستقضي بقيّة أيّامها.

لم يكن زواجهما سهلًا، ولم تتظاهر سوزانا بغير ذلك قطّ. كان المال شحيحًا دائمًا؛ وسُجن صمويل بتهمة الدَّين؛ وكان طبعه وطبعها قد يتصادمان. وفي عام 1701 وقعا في خلافٍ مرير حين رفضت سوزانا، بوازع ضميرها، أن تقول «آمين» على صلاة زوجها من أجل الملك ويليام، الذي لم تكن تعدّه ملك إنجلترا الشرعيّ. فأقسم صمويل ألّا يعيش معها حتى تتراجع، وترك البيت كلّيًّا بضعة أشهر. كان انفصالًا مؤلمًا وعلنيًّا، وهو يكشف عن امرأةٍ لم تكن لتتخلّى عن ضميرها ولو للزوج الذي كانت ملزَمة بإكرامه. انتهت القطيعة، ووُلد آخر أولادهما، تشارلز، بعد مصالحتهما؛ لكنّ سوزانا حملت قناعاتها غير منحنية إلى آخر حياتها.

بيتٌ كثير الأولاد، كثير القبور

من بين تسعة عشر ولدًا أنجبتهم، مات تسعة منهم في المهد، ومن هؤلاء زوجان من التوائم، واختنق واحدٌ منهم عرَضًا حين ضغطت عليه من التعب مربّية مُنهَكة. وعاش عشرة فقط حتى بلغوا سنّ الرشد. ويستحيل أن يقرأ المرء سيرتها دون أن يحسب حساب ذلك الثقل الثقيل من الأولاد المدفونين، ولم تُخفِ سوزانا ذلك الحزن خلف تقواها. حزِنت، ثمّ مضت، وسكبت نفسها في الباقين. عقدت العزم على أن تعلّم كلّ ولدٍ بنفسها، مقتنعةً بأنّ التعليم يجب أن يصوغ العقل والخُلُق معًا، وفعلت ذلك بانضباطٍ صار أسطوريًّا. كانت المدرسة تبدأ في عيد ميلاد الطفل الخامس؛ وتُتعلَّم الأبجديّة في يومٍ واحد؛ وكان كلّ صباحٍ ومساءٍ يُفتَتح ويُختَتم بقراءة المزامير والكتاب المقدّس. رأت أنّ أوّل واجبٍ على الوالد المسيحيّ هو أن يعلّم الطفل الطاعة، وكتبت عن ذلك بوضوح.

لكي نصوغ عقول الأطفال، فإنّ أوّل ما ينبغي فعله هو أن نقهر إرادتهم ونأتي بهم إلى مزاجٍ مطيع. أمّا تنوير الفهم فهو عملٌ يحتاج إلى وقت، ولا بدّ أن يمضي مع الأطفال بدرجاتٍ بطيئة؛ لكنّ إخضاع الإرادة أمرٌ يجب أن يُنجَز دفعةً واحدة، وكلّما كان أبكر كان أفضل.

— سوزانا ويسلي، رسالة إلى جون ويسلي، 1732

قد يبدو هذا قاسيًا على المسامع الحديثة، وقد كان صارمًا بالفعل؛ لكنّ هدفها لم يكن قطّ مجرّد السيطرة. أرادت أن يتحرّر كلّ طفلٍ من طغيان إرادته الذاتيّة كي يتمكّن العقل والدين من التجذّر. وقابلت الصرامة بعنايةٍ حانية مدهشة. ففي ذلك البيت الكبير خصّصت مساءً ثابتًا كلّ أسبوع لتخلو بكلّ طفلٍ على حِدة، تحدّثه عن نفسه واحدًا واحدًا. وبعد سنوات، حين طلب منها ابنها الراشد جون أن تدوّن طريقتها، فعلت، وصارت الرسالة التي بعثتها إليه عام 1732 واحدةً من أعزّ وثائق التربية المسيحيّة. وراء الطريقة كانت تكمن قناعةٌ عمّا يكونه الطفل حقًّا.

لا يسعني إلّا أن أنظر إلى كلّ نفسٍ تتركها تحت رعايتي كوزنةٍ عُهد بها إليّ أمانةً من الربّ العظيم.

— سوزانا ويسلي

شُعلةٌ منتشلة من النار

وقد أُضرِمت تلك الأمانة المقدّسة بيضاءَ متوهّجة بالحادثة التي جاءت لتحدّد قصّة عائلتها. ففي فبراير 1709 اشتعلت النار في دار قسّ إبورث ليلًا. فرّت الأسرة إلى الظلام، ولم يدركوا إلّا بعد أن اجتمعوا في الخارج أنّ طفلًا واحدًا، هو جون ذو الخمس سنوات، ما زال محبوسًا عند نافذةٍ علويّة. فشكّل الجيران سُلّمًا بشريًّا وانتشلوه لحظاتٍ قبل أن ينهار السقف. تلقّت سوزانا ابنها كمن أُقيم من الموت، ولم تنسَ ذلك قطّ. وكان جون نفسه يتحدّث طوال حياته عن كونه «شعلة منتشلة من النار». وفي أوراقها الخاصّة كتبت أمّه عزمًا بشأن الصبيّ الذي كادت تفقده.

إنّي أعتزم أن أكون أكثر عنايةً على نحوٍ خاصّ بنفس هذا الطفل، الذي أعددتَ له برحمةٍ عظيمة، أكثر ممّا كنتُ في أيّ وقتٍ مضى، حتى أبذل جهدي لأغرس في عقله مبادئ دينك الحقّ والفضيلة. يا ربّ، امنحني النعمة لأفعل ذلك بإخلاصٍ وحكمة، وبارك محاولاتي بنجاحٍ صالح.

— سوزانا ويسلي، تأمّل خاصّ

تحت المئزر

لم تكن الصلاة، بالنسبة إلى سوزانا ويسلي، ملجأً عارضًا؛ بل كانت الانضباط الذي يُنظّم كلّ شيءٍ سواه. ففي خضمّ ضجيج بيتٍ ملآن بالأولاد وزحامه، أفرزت وقتًا كلّ يومٍ لتخلو مع الله، وحرسته بشدّة. وحين كانت تعجز عن مغادرة الغرفة، كانت ببساطة ترفع مئزرها الطويل فوق رأسها، وكان كلّ طفلٍ في البيت يعرف أنّ الأمّ حين تكون تحت مئزرها فهي مع الله ولا يجوز إزعاجها إلّا في أشدّ الحاجة. وتحت تلك الخيمة المنزليّة الصنع كانت تقرأ كتابها المقدّس، وتفحص ضميرها، وتشفع لأهل بيتها بأسمائهم.

جاء الجواب على تلك الصلوات بطرقٍ استطاعت أن تراها. فالطفل المنتشَل من اللهيب كبر ليصير جون ويسلي، وبعده تشارلز، وحملا معًا بشارة الولادة الجديدة عبر بريطانيا والمستعمرات الأمريكيّة، فأشعلا النهضة الإنجيليّة العظمى وأسّسا الحركة الميثوديّة التي يُعَدّ أتباعها اليوم بعشرات الملايين. وبصمات سوزانا في كلّ مكانٍ منها: في «منهجها» المولود من دار قسّها المنظَّمة؛ وفي حبّها للترنيمة والمزمور؛ وفي إصرارها على أنّ الدين مسألة قلبٍ يُجدَّد.

واعظةٌ في المطبخ

ثمّة مشهدٌ آخر من إبورث ينتمي إلى هذه القصّة. فخلال غيابٍ طويل لزوجها، بدأت سوزانا تعقد عبادات مساء الأحد في مطبخ دار القسّ لأولادها هي، تقرأ عظةً وترنّم مزمورًا. فطلب الخدم أن يحضروا، ثمّ الجيران، حتى تضخّم الاجتماع الصغير إلى مئتَي نفسٍ، أكثر ممّا كان يملأ كنيسة الأبرشيّة. وحين بلغ الخبر صمويل واعترض بأنّه غير لائقٍ بامرأة، أجابت بأنّها لا تستطيع بضميرها أن تتخلّى عن خيرٍ بهذا الوضوح، وأنّه إن كان يرغب حقًّا في إيقافه فعليه أن يأمرها صراحةً ويتحمّل مسؤوليّة ذلك أمام الله. لكنّه لم يفعل. وفي عصرٍ لم يمنح النساء منبرًا، صارت سوزانا ويسلي، دون أن تقصد ذلك قطّ، واعظةً من نوعٍ ما لقريتها.

رسائل إلى ابنيها

لم تُغلَق حجرة صفّ سوزانا حقًّا قطّ. فحين غادر ابناها إبورث إلى الجامعة ثمّ إلى خدماتٍ خاصّة بهما، تبعهما تعليمها ببساطة عبر البريد، في رسائل طويلة محكمة الحجّة عن الصلاة والطاعة والانضباط الأخلاقيّ وطبيعة التعبّد المسيحيّ الحقّ. لم تنشر شيئًا في حياتها، ومع ذلك صارت هذه الرسائل، مع تأمّلاتها الخاصّة، كنزًا لأجيالٍ من المسيحيّين في حدّ ذاتها، وهي تُظهر عقلًا لاهوتيًّا ذا عمقٍ حقيقيّ يعمل على طاولة المطبخ. وأشهر جملةٍ كتبتها على الإطلاق كانت نصيحتها لجون في كيفيّة التعرّف على الخطيّة حيث لا يسمّي الكتاب المقدّس قاعدة، وهو تعريفٌ سيحمله معه طوال حياته.

كلّ ما يُضعِف عقلك، ويُفسِد رقّة ضميرك، ويُعتِّم إحساسك بالله… فذلك الشيء خطيّةٌ لك.

— سوزانا ويسلي، رسالة إلى جون ويسلي

إنّها سوزانا في صورةٍ مصغّرة: لا قائمة محظورات، بل دعوةٌ إلى فحص النفس الأمين أمام الله. تسري الموضوعات الكبرى في تعليمها عبر مراسلاتها كلّها: أنّ الانضباط ضروريّ للنموّ الروحيّ، وأنّ على كلّ مؤمنٍ أن يُجيب شخصيًّا أمام الله عن حال نفسه، وأنّ الوالدين يحملان واجبًا مقدّسًا لأجل إيمان أولادهما. والحركة التي بناها ابناها، بلقاءاتها الطبقيّة وفحصها للنفس وتعبّدها المنظَّم، تحمل سمات هذه القناعات الثلاث.

رنّموا مزمور تسبيح

كانت سنواتها الأخيرة أهدأ، وطُبِعت في النهاية بسلامٍ طالما التمسته. مات صمويل عام 1735، وغادرت سوزانا الأرملة إبورث في نهاية المطاف إلى لندن، حيث قضت سنواتها الأخيرة قرب أولادها، وراقبت بفرحٍ هادئ أولى بشائر النهضة الميثوديّة التي كان ابناها يقودانها. ماتت في 23 يوليو 1742، عن ثلاثٍ وسبعين سنة، وقد اجتمع عدّة من أولادها الراشدين حول فراشها. وقبل أن يخونها النطق أوصتهم وصيّةً أخيرة جمعت حياتها كلّها في جملةٍ واحدة.

يا أولادي، حالما أُطلَق، رنّموا مزمور تسبيحٍ لله.

— سوزانا ويسلي، كلماتها الأخيرة

ولمّا رحلت، فعلوا. سجّل جون ويسلي، الذي وعظ في جنازتها في حقول بانهيل أمام ما وصفه بأنّه من أكثر الجموع مهابةً رآها في حياته، تلك اللحظة في مذكّراته: «دون أيّ صراعٍ أو علامةٍ أو أنين، أُطلِقت النفس إلى الحرّيّة.» دُفنت بين المنشقّين وقدّيسي تلك المقبرة الشهيرة، مثوًى لائقٌ لابنة منشقٍّ عبرت إلى الكنيسة ووهبتها اثنين من أسطع أنوارها.

لم تترك سوزانا ويسلي وراءها نُصبًا عظيمًا من صنع يديها. لكنّها تركت شيئًا أندر من ذلك بكثير: بيتًا منظَّمًا بالمحبّة والصلاة حتى بنى الله منه نهضةً كاملة. إنّها تُذكّر كلّ مؤمنٍ عاديّ، ولا سيّما كلّ والدٍ منهَك، بأنّ ملكوت الله يأتي في الأغلب الأعمّ لا عبر المنصّات والجموع الغفيرة، بل عبر الأمانة في الغرف الصغيرة، وعبر أمٍّ تحت مئزرها ترفع أولادها واحدًا واحدًا بأسمائهم أمام عرش النعمة. لقد غيّر ابناها العالم؛ لكنّها هي التي علّمتهما أن يصلّيا، وعلّمتهما أن يرنّما، وكان ذلك وحده كافيًا.

لا توجد كتب أو عظات في المكتبة بعد لهذا الكاتب.