عظة · قراءة 18 د

مديح بولس للمحبة المسيحية

صورة Martin Luther Martin Luther

النص

1 كورنثوس 13

باختصار

يقرأ لوثر أصحاح بولس العظيم توبيخًا للمعلّمين والوعّاظ المتكبّرين: ألسنة الناس والملائكة، وكلّ علم، وإيمان ينقل الجبال، بل موت الشهيد نفسه — كلّ ذلك بلا محبة لا شيء. ويضع المحبة فوق كلّ موهبة بوصفها ثمر الروح نفسه، وأصدق علامة على المسيحي الحقيقي.

1. غاية بولس في هذا الأصحاح أن يُسكت المسيحيين المتعالين ويُذلّهم، ولا سيما المعلّمين والوعّاظ. فالإنجيل يمنح معرفة غزيرة بالله وبالمسيح، ويهب مواهب عجيبة كثيرة، كما يعدّدها بولس في رومية 12 وفي كورنثوس الأولى 12. فهو يخبرنا أن لبعضهم موهبة الكلام، ولبعضهم التعليم، ولبعضهم تفسير الكتاب، ولآخرين التدبير، وهلمّ جرًّا. فعند المسيحيين غنًى عظيم من المعرفة الروحية، وكنوز عظيمة من المواهب الروحية. وقد صار واضحًا للجميع ما معنى الله والمسيح والضمير والحياة الحاضرة والحياة الآتية وما شابه ذلك. غير أنّ قليلين جدًّا هم الذين يُحسنون استعمال هذه المواهب وهذه المعرفة، فيتّضعون ليخدموا غيرهم كما تُملي المحبة. بل كلّ واحد يطلب كرامته ومنفعته، راغبًا في أن ينال الحظوة والصدارة على الآخرين.

2. نرى اليوم كيف منح الإنجيلُ الناسَ معرفةً تفوق كلّ ما عرفه العالم من قبل، وأسبغ عليهم قدرات جديدة. فقد انهالت عليهم مواهب شتّى ووُزّعت بينهم، فعادت عليهم بالكرامة. لكنهم يمضون غير مبالين. لا أحد يفكّر كيف يخدم إخوته من البشر بالمحبة المسيحية لما فيه نفعهم. بل كلّ واحد يطلب لنفسه المجد والكرامة، والمنفعة والثروة. ولو استطاع أحدهم أن يظفر لنفسه بأن يكون وحده العالِم القدير في الإنجيل، وأن يكون سائر الناس تافهين لا نفع فيهم، لفعل ذلك عن طيب خاطر؛ ولسرّه أن يُعدّ وحده السيّد الفهيم. وهو في الوقت نفسه يتظاهر باتّضاع عميق وانسحاق عظيم، ويعظ بالمحبة والإيمان. لكنه يستثقل أن يمسّ بخنصره في العمل ما يعظ به. وهذا يفسّر لماذا امتلأ العالم بالمتعصّبين والمنشقّين، ولماذا يريد كلّ إنسان أن يسود الآخرين جميعًا ويتقدّمهم. وهؤلاء أشدّ تعاليًا ممّن علّموهم. وبولس هنا يهاجم هذه الأرواح المحبّة للمجد الباطل، ويحكم عليها بأنها لا شيء على الإطلاق، مهما عظمت معرفتها وكانت مواهبها أعظم، ما لم تتّضع وتستعمل مواهبها في خدمة الآخرين. وإلى هؤلاء الغلاظ الوضعاء يتوجّه بكلام كثير وحديث مطوّل، في أمر يفرغ منه في مواضع أخرى بكلمات قليلة؛ كما حين يقول (فيلبي 2:3-4): «بِتَوَاضُعٍ، حَاسِبِينَ بَعْضُكُمُ ٱلْبَعْضَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. لَا تَنْظُرُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لِآخَرِينَ أَيْضًا». وعلى سبيل الإيضاح، يُصدر الحكم على نفسه لو كان مستحقًّا مثل هذا اللوم، لكي يُنذر بذلك إنذارًا أشدّ وقعًا الآخرين الذين يقصرون كثيرًا عن منزلته. فيقول: «إِنْ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةِ ٱلنَّاسِ وَٱلْمَلَائِكَةِ».

4. أي: وإن كانت لي القدرة على أن أعلّم وأعظ بقوّة تفوق قوّة أيّ إنسان أو ملاك، بكلام بالغ العذوبة، ورسالتي تزخر بالحقّ والسموّ، وإن كنت أقدر على هذا «وَلَكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ»، ولا أطلب إلا كرامتي ومنفعتي لا منفعة قريبي، «فَقَدْ صِرْتُ نُحَاسًا يَطِنُّ أَوْ صَنْجًا يَرِنُّ». بعبارة أخرى: «لعلي بذلك أعلم الآخرين شيئا، وأملأ آذانهم صوتا، لكني أمام الله لا أكون شيئا». فكما أنّ الساعة أو الجرس لا قدرة له على أن يسمع صوته، ولا ينتفع من دقّته، كذلك الواعظ الذي تعوزه المحبة لا يفهم هو نفسه شيئًا ممّا يقول، ولا يحسّن بذلك مقامه أمام الله. نعم، له معرفة كثيرة، لكنه إذ لا يضعها في خدمة المحبة، فالعيب في نوع معرفته. كورنثوس الأولى 8:1-12. ولخيرٌ له أن يكون أبكم أو عديم البلاغة، إن كان يعلّم بالمحبة والوداعة، من أن يتكلّم كملاك وهو لا يطلب إلا مصلحته. «وَإِنْ كَانَتْ لِي نُبُوَّةٌ».

5. التنبّؤ، بحسب الأصحاح 14، هو القدرة، بإلهام الروح القدس، على فهم الأنبياء والكتب المقدسة فهمًا صحيحًا وتفسيرها. وهذه موهبة فائقة الامتياز. أما «وَأَعْلَمُ جَمِيعَ ٱلْأَسْرَارِ» فهو القدرة على إدراك المعنى الروحي للكتاب المقدس، أو إشاراته الرمزية، كما يفعل بولس حين يجعل (غلاطية 4:24-31) سارة وهاجر رمزًا للعهدين، وإسحاق وإسماعيل رمزًا للشعبين، أي اليهود والمسيحيين. وكذلك يفعل المسيح (يوحنا 3:14) حين يجعل حيّة موسى النحاسية رمزًا لنفسه على الصليب؛ وكذلك حين يظهر إسحاق وداود وسليمان وغيرهم من شخصيات التاريخ المقدس رموزًا للمسيح. هذا المعنى المستتر الخفيّ تحت المعنى الأول للرواية يسمّيه بولس «سرا». أما «العلم» فهو فهم الأمور العملية، كالحرية المسيحية، أو إدراك أنّ الضمير غير مقيّد. فكأنّ بولس يقول: «وإن فهم أحد الكتب المقدسة في معناها الظاهر ومعناها الخفي معا، وإن عرف كل شيء عن الحرية المسيحية وعن السيرة اللائقة، فإن لم تكن له محبة، وإن لم يخدم قريبه بتلك المعرفة، فلا نفع في ذلك كله البتة؛ وهو في نظر الله لا شيء».

6. تأمّل كيف يكبح بولس رذيلة المجد الباطل المشينة بقوّة ولطف معًا. فهو لا يعتدّ حتى بتلك المواهب السامية، المواهب الفائقة الرقّة والجاذبية والامتياز، التي تولّد بطبيعتها الكبرياء والتعالي وإن كانت تستجلب إعجاب الناس وتقديرهم. فمن ذا الذي لا يظنّ أنّ الروح القدس يسكن سكنى ظاهرة حيث توجد مثل هذه الحكمة، ومثل هذا الفهم للكتب المقدسة؟ إنّ رسالتَي بولس إلى أهل كورنثوس موجّهتان كلّهما تقريبًا ضدّ هذه الرذيلة بعينها، لأنها تُحدث أذًى كثيرًا حيث تتسلّط. ففي تيطس 1:7 يذكر أولًا بين فضائل الأسقف أن يكون «non superbus»، أي غير متكبّر. بعبارة أخرى، ألّا يترفّع بسبب منصبه وكرامته وفهمه، ويحتقر الآخرين بالمقارنة معه. لكنّ بولس يقول قولًا غريبًا: «وَإِنْ كَانَ لِي كُلُّ ٱلْإِيمَانِ حَتَّى أَنْقُلَ ٱلْجِبَالَ، وَلَكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلَسْتُ شَيْئًا».

المحبة ثمر الروح المقبول بالإيمان.

7. نحن نقرّ، وهو حقّ لا ريب فيه، بأنّ الإيمان هو الذي يبرّر ويطهّر. رومية 1:17؛ 10:10؛ أعمال الرسل 15:9. ولكن إن كان يبرّر ويطهّر، فلا بدّ أن تكون المحبة حاضرة. فالروح لا يسعه إلا أن يهب المحبة مع الإيمان. والحقّ أنه حيث يوجد الإيمان الحقيقي يسكن الروح القدس، وحيث يكون الروح القدس لا بدّ أن تكون المحبة وكلّ فضيلة. فكيف إذن يتكلّم بولس كأنّ الإيمان بلا محبة أمر ممكن؟ نجيب: لا يجوز أن يُفهم هذا النصّ الواحد على أنه ينقض ويناقض كلّ تلك النصوص التي تنسب التبرير إلى الإيمان وحده. بل إنّ السفسطائيين أنفسهم لم ينسبوا التبرير إلى المحبة، ولا يمكن ذلك، لأنّ المحبة أثرٌ، أو ثمرٌ، للروح الذي يُقبَل بالإيمان.

8. يمكن أن يُجاب عن السؤال بثلاثة أجوبة. أولًا، لا يشير بولس هنا إلى الإيمان المسيحي، الذي تصحبه المحبة حتمًا، بل إلى إيمان عامّ بالله وبقدرته. ومثل هذا الإيمان موهبة، كموهبة الألسنة مثلًا، وموهبة العلم، والنبوّة، وما شابهها. وثمّة ما يدعو إلى الاعتقاد بأنّ يهوذا صنع معجزات مع أنه كان خلوًا من الإيمان المسيحي، بحسب يوحنا 6:70: «وَوَاحِدٌ مِنْكُمْ شَيْطَانٌ». وهذا الإيمان العامّ، العاجز عن أن يبرّر أو يطهّر، يدع الإنسان العتيق باقيًا برذائله، كما تفعل مواهب العقل والصحة والفصاحة والغنى.

9. والجواب الثاني: مع أنّ بولس يشير إلى الإيمان المسيحي الحقيقي، فهو يقصد أولئك الذين بلغوا الإيمان حقًّا وصنعوا به معجزات، لكنهم يسقطون من النعمة بسبب الكبرياء، فيخسرون إيمانهم. كثيرون يبدأون ولا يثبتون. إنهم كالبذار في الأرض المحجرة، سرعان ما يسقطون من الإيمان. فتجارب المجد الباطل أقوى من تجارب الشدائد. ومن كان له الإيمان الحقيقي وكان في الوقت نفسه قادرًا على صنع المعجزات، فالأرجح أن يطلب الكرامة ويقبلها بلهفة تُسقطه من المحبة والإيمان كليهما.

10. والجواب الثالث: إنّ بولس، في سعيه إلى إظهار ضرورة المحبة، يفترض شرطًا مستحيلًا. كأن أقول مثلًا: «لو كنت إلها وأعوزك الصبر، لما كنت شيئا». أي إنّ الصبر جوهريّ للألوهة إلى حدّ أنّ الألوهة نفسها لا يمكن أن توجد بدونه، وهي قضية صادقة بالضرورة. فمعنى بولس إذن ليس أنّ الإيمان يمكن أن يوجد بلا محبة، بل على العكس: إنّ المحبة من جوهر الإيمان إلى حدّ أنّ الإيمان الذي ينقل الجبال نفسه لا يكون شيئًا بلا محبة، لو أمكننا أن نفصل بينهما ولو في الذهن. والجواب الثالث يروقني أكثر بكثير، وإن كنت لا أرفض الجوابين الآخرين، ولا سيما الأول. فإنّ أول مقدّمات بولس نفسها مستحيلة: «إن كنت أتكلم بألسنة الملائكة». فالتكلّم بلسان ملائكي مستحيل على الإنسان، وهو يؤكّد هذه الاستحالة بوضوح إذ يميّز بين ألسنة الناس وألسنة الملائكة. فليس ثمّة لسان ملائكي؛ وإن كان الملائكة قد يكلّموننا بلسان بشري، فالناس لا يستطيعون قطّ أن يتكلّموا بألسنة الملائكة.

11. فكما ينبغي أن نفهم العبارة الأولى، «إن كنت أتكلم بألسنة الملائكة»، بمعنى: لو كان ممكنًا لي، وهو مستحيل، أن أتكلّم بألسنة الملائكة، كذلك ينبغي أن نفهم العبارة الثانية، «وَإِنْ كَانَ لِي كُلُّ ٱلْإِيمَانِ حَتَّى أَنْقُلَ ٱلْجِبَالَ»، بمعنى: لو كان ممكنًا، وهو مستحيل، أن يكون لي مثل هذا الإيمان. ومستحيلة كذلك قضية فهم جميع الأسرار، فيجب أن نأخذها بمعنى: لو أمكن لأحد أن يفهم جميع الأسرار، وهو غير ممكن. فيوحنا، في الأصحاح الأخير من إنجيله، يؤكّد أنّ العالم لا يسع الكتب التي يمكن أن تُكتب عن أمور الملكوت. إذ لا يستطيع إنسان قطّ أن يسبر أغوار هذه الأسرار. وطريقة بولس في التعبير ليست إلا طريقة شائعة جدًّا، كقولنا: «ولو كنت مسيحيا، لو لم أؤمن بالمسيح لما كنت شيئا»؛ أو: «ولو كنت أميرا، لو لم تحكم الناس ولم تملك شيئا لما كنت شيئا». - «وَإِنْ أَطْعَمْتُ كُلَّ أَمْوَالِي».

12. بعبارة أخرى: «لو عملت كل الأعمال الصالحة التي على الأرض ولم تكن لي محبة، إذ لم أطلب فيها إلا كرامتي ومنفعتي لا منفعة قريبي، لكنت مع ذلك هالكا». فبذكره أعمالًا خارجية عظيمة كبذل المال والحياة، يشمل بولس كلّ الأعمال الممكن عملها، لأنّ من يعمل هذه يعمل أيّ عمل كان. وكذلك حين يشير إلى الألسنة يشمل كلّ الأقوال والتعاليم الصالحة؛ وفي النبوّة والفهم والإيمان يجمع كلّ حكمة ومعرفة. قد يخاطر بعضهم بالجسد والمال من أجل مجد زمني. هكذا فعل الرومان والوثنيون؛ لكن لمّا كانت المحبة غائبة وكانوا لا يطلبون إلا مصالحهم، فإنهم في الواقع لم يبذلوا شيئًا. ولمّا كان من المستحيل عمومًا أن يعطي الناس كلّ مالهم ويسلّموا أجسادهم لتُحرق، فلا بدّ أن يكون المعنى: «لو أمكنني أن أعطي كل أموالي للفقراء، وأسلم جسدي ليحرق».

13. لا يثبت استدلال السفسطائيين الباطل حين يستنتجون من هذا النصّ بخبث نظريةً مفادها أنّ الإيمان المسيحي ليس فعّالًا في محو الخطية والتبرير. فهم يقولون إنّ الإيمان لا بدّ أن يُزيَّن بالمحبة قبل أن يستطيع أن يبرّر؛ لكنّ التبرير وخصائصه المميّزة أيضًا فوق إدراكهم. فالتبرير يسبق المحبة بالضرورة. إذ لا يحبّ المرء حتى يصير تقيًّا وبارًّا. فالمحبة لا تجعلنا أتقياء، بل متى صار المرء تقيًّا كانت المحبة هي الثمرة. فالإيمان والروح والتبرير أثرها وثمرها المحبة، لا أنّ المحبة زينة وتكملة لها فحسب. نحن نؤكّد أنّ الإيمان وحده يبرّر ويخلّص. لكن لكي لا نخدع أنفسنا ونتّكل على إيمان زائف، يطلب الله منّا المحبة برهانًا على إيماننا، حتى نكون على يقين من أنّ إيماننا إيمان حقيقي.

طبيعة المحبة المسيحية.

«ٱلْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ».

14. والآن يبدأ بولس بذكر طبيعة المحبة، ليمكّننا من أن ندرك أين توجد المحبة الحقيقية والإيمان الحقيقي. فالمعلّم المتكبّر لا يملك الفضائل التي يعدّدها الرسول. وإذ تعوزهم هذه، فمهما كثرت المواهب التي نالها المتكبّرون بالإنجيل، فهم خلوٌ من المحبة. أولًا، المحبة «تَتَأَنَّى». أي إنها صبورة؛ ليست مفاجئة ولا سريعة الغضب، ولا متعجّلة إلى الانتقام أو نفاد الصبر أو الغضب الأعمى. بل تحتمل الأشرار والضعفاء بصبر حتى يلينوا. أما المعلّمون المتكبّرون فلا يعرفون إلا أن يدينوا الآخرين ويحكموا عليهم ويحتقروهم، بينما يبرّرون أنفسهم ويعظّمونها.

15. ثانيًا، المحبة «تَرْفُقُ». أي إنّ التعامل معها سهل لطيف؛ ليست عابسة المنظر؛ لا تتجاهل أحدًا؛ ترفق بجميع الناس، قولًا وفعلًا وسلوكًا.

16. ثالثًا، المحبة «لَا تَحْسِدُ»، أي لا تحسد غيرها ولا تستاء من ازدهارهم إن فاقها؛ ولا تضنّ على أحد بمال أو كرامة. أما المعلّمون المتكبّرون فحسودون

وغير رفقاء. يضنّون على كلّ من سواهم بالكرامة والمقتنيات جميعًا. وإن تظاهروا بشفاههم بغير ذلك، فهذه الصفات ظاهرة جليّة في أعمالهم.

17. رابعًا، المحبة «لَا تَتَفَاخَرُ». إنها تنفر من الخبث، ومن المكر والخداع والمراوغة. أما الأرواح المتكبّرة المخادعة فلا تقدر أن تمتنع عن مثل هذا السلوك، لكنّ المحبة تتعامل بصدق واستقامة ووجهًا لوجه.

18. خامسًا، المحبة «لَا تَنْتَفِخُ» كما ينتفخ المعلّمون الكذبة، الذين ينفخون أنفسهم كالأفاعي.

19. سادسًا، المحبة «لَا تُقَبِّحُ» على طريقة الغضوبين النافدي الصبر المعاندين، الذين يزعمون أنهم على حقّ دائمًا، ويقاومون جميع الناس ولا يذعنون لأحد، ويصرّون على أن يخضع لهم كلّ فرد، وإلا أشعلوا العالم نارًا، وهاجوا وماجوا، وصرخوا وتذمّروا، وتعطّشوا إلى الانتقام. إلى هذا تقود الكبرياء المنفوخة والتعالي اللذان تكلّمنا عنهما الآن.

20. سابعًا، المحبة «لَا تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا». لا تطلب الترقّي المالي؛ ولا الكرامة ولا المنفعة ولا الراحة؛ ولا صون الجسد والحياة. بل تخاطر بهذا كلّه في ... لا وجود لشيء اسمه كنيسة المسيح ولا لمسيحيين حقيقيين. وأرواح ضالّة كثيرة، ولا سيما الأدعياء الأشدّاء في [ملاحظة المحرّر: ينقطع النصّ هنا فجأة]

21. ثامنًا، المحبة «لَا تَحْتَدُّ» من الظلم ونكران الجميل؛ إنها وديعة. أما المعلّمون الكذبة فلا يحتملون شيئًا؛ لا يطلبون إلا منفعتهم وكرامتهم، على حساب الآخرين.

22. تاسعًا، المحبة «لَا تَظُنُّ ٱلسُّؤَ». ليست مرتابة؛ بل تحمل كلّ شيء على أحسن محمل، وتتقبّل كلّ شيء بحسن نيّة. أما المتكبّرون فمرتابون بلا حدّ؛ إذ يحرصون دائمًا على ألّا يُستهان بهم، يحملون كلّ شيء على أسوأ محمل، كما فسّر يوآب أعمال أبنير. صموئيل الثاني 3:25. وهذه رذيلة مخزية، والمبتلون بها يصعب التعامل معهم.

23. عاشرًا، المحبة «لَا تَفْرَحُ بِٱلْإِثْمِ». تحتمل هذه الكلمات تفسيرين: الأول أنها تشير إلى فرح الإنسان بشروره هو. فسليمان (أمثال 2:14) يتكلّم عن «ٱلْفَرِحِينَ بِفَعْلِ ٱلسُّوءِ». ومثل هؤلاء لا بدّ أن يكونوا إمّا فاجرين غاية الفجور وقحين، من طراز الزواني والأوغاد؛ وإمّا مرائين لا يدركون شرّ سلوكهم، من طراز الهراطقة والمنشقّين، الذين يفرحون حين ينجح خبثهم تحت اسم الله والحقّ. لست أقبل هذا التفسير، بل الآخر. فمعنى بولس أنّ المعلّمين الكذبة بلغ بهم الخبث أن يؤثروا، فوق كلّ شيء، أن يسمعوا أنّ غيرهم يخطئ ويضلّ ويلحقه العار؛ ودافعهم إلى ذلك ليس إلا أن يظهروا هم مستقيمين أتقياء. هكذا كان موقف الفرّيسي من العشّار في الإنجيل. لكنّ رحمة المحبة تمتدّ إلى ما هو أبعد بكثير من خطاياها هي، فتصلّي من أجل الآخرين.

24. حادي عشر، المحبة «تَفْرَحُ بِٱلْحَقِّ». وهذا دليل على أنّ العبارة السابقة يجب أن تُفهم على أنها تشير إلى الشماتة بخطية الآخر وسقوطه. فالفرح بالحقّ ليس إلا الابتهاج بصلاح الآخر واستقامته. وكذلك تحزن المحبة لخطأ الآخر. أما المتكبّرون فيشقّ عليهم أن يعلموا باستقامة أحد سواهم؛ لأنهم يتوهّمون أنّ هذه الاستقامة تنتقص من منفعتهم وكرامتهم.

25. ثاني عشر، المحبة «تَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ». إنها تعذر كلّ زلّة في جميع الناس، مهما بدا المرء ضعيفًا أو ظالمًا أو أحمق، ولا يستطيع أحد أن يرتكب خطأ أعظم من أن تتغاضى عنه. أما في عيون المتكبّرين فلا يقدر أحد أن يُحسن، إذ يجدون دائمًا ما يستخفّون به ويلومونه على أنه لا يُحتمل، ولو اضطرّوا إلى نبش إساءة قديمة ليعثروا على الأذى.

26. ثالث عشر، المحبة «تُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ». لا يشير بولس هنا إلى الإيمان بالله، بل إلى الثقة بالناس. ومعناه: المحبة ذات طبع واثق جدًّا. فصاحبها يصدّق جميع الناس ويثق بهم، حاسبًا إيّاهم عادلين مستقيمين مثله. لا يتوقّع مكرًا ولا التواءً، بل يدع نفسه تُخدع وتُضلَّل ويُستهزأ بها ويُحتال عليها، كما يشاء كلّ إنسان، ويسأل: «أتظن حقا أن الناس بهذا الشر؟». إنه يقيس جميع القلوب بقلبه، ويخطئ بمنتهى البشاشة. لكنّ هذا الخطأ لا يضرّه. فهو يعلم أنّ الله لا يمكن أن يتخلّى عنه، وأنّ من يخدع المحبة إنما يخدع نفسه. أما المتكبّرون، على النقيض، فلا يثقون بأحد، ولا يصدّقون أحدًا، ولا يطيقون أن يُخدعوا.

27. رابع عشر، المحبة «تَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ». المحبة لا تيأس من أيّ إنسان، مهما بلغ شرّه. إنها ترجو الأفضل. وكما يُفهم من هنا، تقول المحبة: «يجب علينا حقا أن نرجو ما هو أفضل». ومن الواضح من هذا أنّ بولس لا يشير إلى الرجاء في الله. فالمحبة فضيلة تمثّل خصوصًا التفاني من أجل القريب؛ فخيره غايتها في الفكر والعمل. ورجاء المحبة، كثقتها، كثيرًا ما يكون في غير موضعه، لكنها لا تستسلم أبدًا. المحبة لا ترفض إنسانًا؛ ولا تيأس من قضية. أما المتكبّرون فسرعان ما ييأسون من الناس عمومًا، ويرفضونهم كأنهم لا قيمة لهم.

28. خامس عشر، المحبة «تَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ». تصبر على كلّ أذى يحلّ بها، وكلّ ضرر يلحقها؛ تصبر حين تكون ثقتها ورجاؤها في الناس في غير موضعهما؛ تصبر حين تلحقها خسارة في الجسد أو المال أو الكرامة. إنها تعلم أنه لم يقع عليها أذى، لأنّ لها إلهًا غنيًّا. أما المعلّمون الكذبة فلا يصبرون على شيء، وأقلّ ما يصبرون عليه الغدر ونقض العهد المقطوع.

29. سادس عشر، «اَلْمَحَبَّةُ لَا تَسْقُطُ أَبَدًا»؛ أي إنها تثبت إلى الأبد، في الحياة الآتية أيضًا. لا تستسلم أبدًا، ولا تسمح لشرّ الناس أو نكرانهم الجميل أن يعوقها أو يهزمها، كما يفعل أهل العالم والقدّيسون الكذبة، الذين ما إن يلمسوا ازدراءً أو نكرانًا للجميل حتى ينكفئوا، غير راغبين في أن يصنعوا خيرًا بعد لأحد، فيصيرون قساة لا إنسانية فيهم، مبغضين للبشر تمامًا كتيمون في صيته عند اليونانيين. أما المحبة فلا تفعل ذلك. لا تدع شرّ الناس يجعلها شرّيرة، ولا يعوقها عن فعل الخير. بل تواصل فعل الخير في كلّ مكان، معلّمةً وناصحةً، معينةً وخادمةً، مع أنّ خدماتها وإحساناتها لا بدّ أن تُكافأ لا بالخير بل بالشرّ. المحبة تبقى ثابتة راسخة؛ تدوم وتصبر في هذه الحياة الأرضية وفي الحياة الآتية أيضًا. ويضيف الرسول: «وَأَمَّا ٱلنُّبُوَّاتُ فَسَتُبْطَلُ، وَٱلْأَلْسِنَةُ فَسَتَنْتَهِي، وَٱلْعِلْمُ فَسَيُبْطَلُ». فهو يمدح المحبة فوق كلّ المواهب الأخرى، بوصفها عطية لا تزول أبدًا، ولا حتى في الحياة الآتية. أما تلك المواهب الأخرى، التي يفتخر بها الرسل الكذبة، فلا تُعطى إلا لهذه الحياة الحاضرة، لتخدم في القيام بالوظيفة الخادمة. النبوّة والألسنة والعلم كلّها لا بدّ أن تنتهي؛ لأنّ كلّ فرد في تلك الحياة سيدرك بنفسه إدراكًا كاملًا، ولن تكون حاجة إلى أن يعلّم أحدٌ غيره. وكذلك كلّ الفوارق وكلّ التفاوت لن يبقى لها وجود. فلا حاجة إلى علم ولا إلى تنوّع المواهب؛ إذ يكون الله نفسه الكلّ في كلّ نفس. كورنثوس الأولى 15:28.

30. هنا يعبّر بولس عن الفرق بين حياة الإيمان هنا على الأرض وتلك الحياة السماوية حياة الرؤية الإلهية. فهو يريد أن يعلّم أنّ لنا في هذه الحياة وفي تلك المقتنى نفسه، لأنه الإله نفسه والكنوز نفسها التي لنا هنا بالإيمان وهناك بالعيان. ففي الأشياء نفسها لا فرق؛ وإنما الفرق في معرفتنا. لنا الإله نفسه في الحياتين، لكن على نحو مختلف من الاقتناء. فطريقة اقتناء الله في هذه الحياة هي الإيمان. والإيمان رؤية ناقصة غامضة، تستلزم الكلمة، والكلمة بدورها تسري بواسطة الخدمة والألسنة والنبوّة. فبدون الكلمة لا يستطيع الإيمان أن يحيا. أما طريقة اقتناء الله في الحياة الآتية فليست الإيمان بل العيان. وهذه معرفة كاملة، تُغني عن الكلمة، وكذلك عن الوعظ والألسنة والنبوّة. فهذه إذن لا بدّ أن تزول. ويتابع بولس،

«نَعْلَمُ بَعْضَ ٱلْعِلْمِ وَنَتَنَبَّأُ بَعْضَ ٱلتَّنَبُّؤِ».

31. «نَعْلَمُ بَعْضَ ٱلْعِلْمِ»؛ أي إننا في هذه الحياة نعلم علمًا ناقصًا، لأنها حياة إيمان لا عيان. ونحن «نَتَنَبَّأُ بَعْضَ ٱلتَّنَبُّؤِ»؛ أي تنبّؤًا ناقصًا، لأنّ مادّة نبوّتنا هي الكلمة والوعظ. غير أنّ العلم والنبوّة كليهما لا يكشفان أقلّ ممّا يراه الملائكة، أي الإله الواحد. «وَلَكِنْ مَتَى جَاءَ ٱلْكَامِلُ فَحِينَئِذٍ يُبْطَلُ مَا هُوَ بَعْضٌ». ويبرهن على هذا بالتشبيه، فيقابل بين الطفل والرجل. فالأطفال، وهم بعدُ ضعفاء، يحتاجون إلى اللعب؛ إنه بديل لهم عن الوظيفة والعمل. وكذلك نحن في الحياة الحاضرة أضعف بكثير من أن نعاين الله. وإلى أن نصير قادرين، لا بدّ لنا من أن نستعمل وسيلة الكلمة والإيمان، الملائمة لحدودنا. «فَإِنَّنَا نَنْظُرُ ٱلْآنَ فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ، لَكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ».

32. الإيمان، كما يخبرنا بولس، كالمرآة، كاللغز. فالوجه الحقيقي ليس في المرآة؛ بل صورته فقط. وكذلك الإيمان لا يعطينا وجه الألوهة الأزلية المتلألئ، بل مجرّد صورة له، صورة مستمدّة من الكلمة. وكما يشير اللغز الغامض إلى شيء أكثر ممّا يعبّر عنه، كذلك يوحي الإيمان بشيء أوضح ممّا يدركه. لكن في الحياة الآتية تكون المرآة واللغز، والإيمان وبرهانه، قد زالت كلّها. فينكشف وجه الله ووجهنا كلّ منهما للآخر بوضوح. يقول بولس: «ٱلْآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ ٱلْمَعْرِفَةِ، لَكِنْ حِينَئِذٍ سَأَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ». أي إنّ الله يعرفني الآن معرفة كاملة واضحة جليّة؛ لا حجاب مظلمًا عليّ. أما من جهته هو، فحجاب مظلم يحجبه عنّي. وبالوضوح الكامل نفسه الذي يعرفني به الآن، سأعرفه حينئذ، بلا حجاب. سيُرفع الحجاب، لا عنه بل عنّي؛ لأنه لا حجاب عليه.

أعظم الفضائل المسيحية المحبة.

«أَمَّا ٱلْآنَ فَيَثْبُتُ: ٱلْإِيمَانُ وَٱلرَّجَاءُ وَٱلْمَحَبَّةُ، هَذِهِ ٱلثَّلَاثَةُ وَلَكِنَّ أَعْظَمَهُنَّ ٱلْمَحَبَّةُ».

33. لقد أخطأ السفسطائيون في هذه الآية خطأً بارعًا. فجعلوا الإيمان أدنى من المحبة بكثير بسبب قول بولس إنّ المحبة أعظم من الإيمان وأعظم من الرجاء. وكعادتهم، يتشبّث عقلهم الأهوج تشبّثًا أعمى بظاهر اللفظ. يقتطعون منه قطعة ويتجاهلون الباقي. وهكذا يعجزون عن فهم مقصد بولس؛ إذ لا يدركون أنّ معنى بولس في عظمة المحبة معبَّر عنه في النصّ وفي سياقه معًا. فممّا لا يمكن أن يُجادَل فيه يقينًا أنّ الرسول يشير هنا إلى صفة الدوام أو الزوال في المحبة وفي المواهب الأخرى على التوالي، لا إلى مرتبتها أو قوّتها. أما من جهة المرتبة، فالإيمان، بل الكلمة أيضًا، يفوق المحبة؛ لأنّ الكلمة هي «قُوَّةُ ٱللهِ لِلْخَلَاصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ». رومية 1:16. ومع ذلك لا بدّ للكلمة أن تزول. أما المحبة، مع أنها ثمر الكلمة وأثرها، فلن تُبطل أبدًا. الإيمان يقتني الله نفسه. إنه يقتني الأشياء ويستطيع أن ينجزها؛ ومع ذلك لا بدّ أن ينتهي. والمحبة تعطي القريب وتباركه، نتيجةً للإيمان، ولن تُبطل أبدًا.

34. فقول بولس إنّ المحبة أعظم من الإيمان والرجاء يُقصد به التعبير عن دوام المحبة، أو بقائها الأبدي. فالإيمان، لكونه محدودًا في الزمن بالمقارنة مع المحبة، يأتي دونها في المرتبة بسبب هذا البقاء المؤقّت. وبالحقّ نفسه أستطيع أن أقول إنّ ملكوت المسيح على الأرض أعظم من المسيح. ولا أعني بذلك أنّ الكنيسة في ذاتها أفضل من المسيح وأعلى مرتبة، بل مجرّد أنها تغطّي من الأرض جزءًا أعظم ممّا جاله هو؛ فقد كان هنا ثلاث سنين فقط قضاها في نطاق محدود، أما ملكوته فكائن منذ البدء ويمتدّ بامتداد الأرض. وبهذا المعنى، المحبة أطول وأعرض من الإيمان ومن الرجاء. فالإيمان يتعامل مع الله في القلب فقط وفي هذه الحياة، أما علاقات المحبة بالله وبالعالم كلّه فأبدية. ومع ذلك، فكما أنّ المسيح أفضل وأعلى وأثمن من الكنيسة المسيحية بما لا يُقاس، وإن كنّا نراه يتحرّك في حدود أضيق وكفرد واحد، كذلك الإيمان أفضل وأعلى وأثمن من المحبة، وإن كان بقاؤه محدودًا ولا موضوع له إلا الله وحده.

35. غاية بولس من تمجيد المحبة على هذا النحو أن يوجّه ضربة إلى المعلّمين الكذبة، وأن يُبطل افتخارهم بالإيمان وبسائر المواهب حين تكون المحبة غائبة. وفكرته هي: «إن لم تكن لكم المحبة، التي تثبت إلى الأبد، فإن كل ما سواها مما تفتخرون به فان، وستفنون معه. ومع أن كلمة الله والمواهب الروحية أبدية، فإن الوظيفة الخارجية والمناداة بالكلمة، وكذلك استعمال المواهب على تنوعها، ستنتهي، وهكذا يصير مجدكم وكبرياؤكم رمادا». إذن فالإيمان يبرّر بالكلمة ويُثمر المحبة. ولكن بينما تزول الكلمة والإيمان كلاهما، يثبت البرّ والمحبة، اللذان يُحدثانهما، إلى الأبد؛ كما يبقى البناء المشيَّد بمعونة السقالات بعد أن تُزال السقالات.

36. تأمّل كم هي صغيرة كلمة «المحبة» وكم يسهل النطق بها! فمن كان يظنّ أنه سيجد بولس ينسب إلى هذه الفضيلة الواحدة كلّ هذه الفضيلة الثمينة والقوّة، في مقابل كلّ هذا الشرّ؟ هذا في ظنّي هو تعظيم المحبة ورسم صورتها. إنه حديث عن الفضيلة والرذيلة أفضل ممّا في كتابات الوثنيين. والنموذج الذي يقدّمه الرسول حقيق بأن يُخجل المعلّمين الكذبة، الذين يُكثرون الكلام عن المحبة ولا توجد فيهم فضيلة واحدة من الفضائل التي يذكرها. فكلّ صفة من صفات المحبة يسمّيها تعني المعلّمين الكذبة مضروبين مهاجَمين. وكلّما عظّم المحبة ووصف قواها، وجّه في الوقت نفسه طعنة إلى الذين تنقصهم أيّ واحدة منها. فحسنٌ إذن أن نضيف، إذ يصف ملامحها واحدة واحدة، هذا التعليق: «أما أنتم فتفعلون خلاف ذلك تماما».

37. من أعجب العجب أن يملك معلّمون خلوٌ من المحبة مواهب كالتي ذكرها بولس هنا، أعني التكلّم بالألسنة، والتنبّؤ، وفهم الأسرار؛ وأن يكون لهم إيمان، وأن يبذلوا أموالهم ويسلّموا أنفسهم لتُحرق. فقد رأينا أيّ فظائع تنشأ حيث تغيب المحبة؛ فمثل هؤلاء متكبّرون، حسودون، منتفخون، نافدو الصبر، متقلّبون، كذبة، سامّون، مرتابون، خبثاء، مزدرون، مُرّو النفس، نافرون من الخدمة، عديمو الثقة، أنانيون، طامعون في الجاه، متعالون. فكيف يمكن أن يُزعم باتّساق أنّ أناسًا من هذا الطراز يستطيعون بالإيمان أن ينقلوا الجبال، ويسلّموا أجسادهم لتُحرق، ويتنبّأوا، وما إلى ذلك؟ الأمر تمامًا كما قلت. فبولس يطرح قضية مستحيلة، مشيرًا إلى أنهم، إذ هم خلوٌ من المحبة، لا يملكون تلك المواهب حقًّا، بل يتّخذون اسمها ومظهرها فحسب. ولكي يجرّدهم منها، يسلّم جدلًا بأنهم ما ليسوا هم في الحقيقة.

الشواهد الكتابية في هذه العظة 1 كورنثوس 13
المواضيع الحياة الأعمق

ملكية عامة. النص المصدر من الطبعة الأصلية.