النص
عبرانيين 13:13
باختصار
عظة موجهة إلى كنيسة تحت الاضطهاد: يبين كالفن أن أحدا لا يحتمل الألم بصبر من أجل الإنجيل ما لم يكن متيقنا أولا من القضية التي يتألم لأجلها، ثم يدعو المؤمنين إلى الخروج «خَارِجَ ٱلْمَحَلَّةِ» وحمل عار المسيح، وعيونهم مثبتة على القيامة، حيث يكمن كل فرحهم وانتصارهم.
كل التحريضات التي يمكن أن توجه إلينا لنتألم بصبر من أجل اسم يسوع المسيح ودفاعا عن الإنجيل لن يكون لها أي أثر ما لم نكن واثقين من القضية التي نحارب لأجلها. فحين ندعى إلى التخلي عن الحياة، لا بد لنا حتما أن نعرف على أي أساس نفعل ذلك. والثبات المطلوب لا يمكن أن يكون لنا ما لم يكن مؤسسا على يقين الإيمان.
صحيح أنه قد يوجد أناس يعرضون أنفسهم للموت بحماقة دفاعا عن آراء سخيفة وأحلام من نسج أدمغتهم، لكن هذا الاندفاع أحرى أن يعد هوسا لا غيرة مسيحية؛ والحق أنه لا ثبات ولا رشد عند الذين يلقون بأنفسهم إلى الهلاك على هذا النحو، كأنما على غير هدى. ومهما يكن من أمر، فإن الله لا يستطيع أن يعترف بنا شهداء له إلا في قضية صالحة. فالموت مشترك بين الجميع، وأولاد الله يحكم عليهم بالخزي والعذاب كما يحكم على المجرمين؛ لكن الله يميز بينهم، إذ لا يستطيع أن ينكر حقه. فلا بد إذن من جهتنا أن تكون لنا بينة أكيدة لا تخطئ على صحة التعليم الذي نتمسك به؛ ولهذا، كما قلت، لا يمكن أن تؤثر فينا تأثيرا عاقلا أي تحريضات نتلقاها لاحتمال الاضطهاد من أجل الإنجيل، ما لم يكن يقين حقيقي للإيمان قد انطبع في قلوبنا. فليس من الطبيعي أن نخاطر بحياتنا على مجرد احتمال، ولو فعلنا ذلك لكان تهورا لا شجاعة مسيحية. وخلاصة القول إن شيئا مما نفعله لن يرضي الله ما لم نكن مقتنعين تماما بأننا نحتمل الاضطهاد من أجله ومن أجل قضيته، وأن العالم عدونا.
وحين أتكلم عن هذا الاقتناع، لا أعني فقط أنه ينبغي أن نعرف كيف نميز بين الدين الحق وبين ضلالات البشر وحماقاتهم، بل أيضا أنه ينبغي أن نكون مقتنعين تماما بالحياة السماوية وبالإكليل الموعود لنا في العلاء بعد أن نكون قد جاهدنا هنا على الأرض. فلنفهم إذن أن كلا هذين الأمرين ضروري، وأنهما لا ينفصلان أحدهما عن الآخر. فالنقاط التي يجب أن نبدأ بها هي هذه: ينبغي أن نعرف جيدا ما هي مسيحيتنا، وما هو الإيمان الذي علينا أن نتمسك به ونتبعه، وما هي القاعدة التي أعطانا الله إياها؛ وينبغي أن نكون متسلحين بهذا التعليم تسلحا يجعلنا قادرين على أن ندين بجرأة كل الأكاذيب والضلالات والخرافات التي أدخلها الشيطان ليفسد بساطة تعليم الله النقية. ولهذا لا ينبغي أن نتعجب من أننا نرى في يومنا هذا قلة قليلة مستعدة للتألم من أجل الإنجيل، وأن معظم الذين يسمون أنفسهم مسيحيين لا يعرفون ما هو. فالجميع فاترون، إن صح التعبير؛ وبدلا من أن يجعلوا شغلهم الشاغل أن يسمعوا أو يقرأوا، يكتفون بأن يكونوا قد ذاقوا شيئا يسيرا من الإيمان المسيحي. وهذا هو السبب في قلة الحزم، وفي أن الذين يهاجمون يسقطون في الحال. وهذه الحقيقة ينبغي أن تحثنا على أن نبحث في الحق الإلهي بمزيد من الاجتهاد، لكي نكون على يقين راسخ منه.
ومع ذلك، ليس كل المطلوب أن نكون مطلعين جيدا ومتأصلين. فنحن نرى بعضهم يبدون مشبعين تماما بالتعليم الصحيح، ومع ذلك ليس لهم من الغيرة أو المحبة أكثر مما لو لم يعرفوا عن الله إلا خاطرا عابرا. لماذا ذلك؟ لأنهم لم يدركوا قط جلال الكتاب المقدس. والحق أننا، على ما نحن عليه، لو تأملنا جيدا أن الله هو الذي يكلمنا، لأصغينا بلا شك بانتباه أكبر ووقار أعظم. ولو فكرنا أننا حين نقرأ الكتاب نكون في مدرسة الملائكة، لكنا أشد حرصا ورغبة في الانتفاع بالتعليم الذي يقدم لنا.
وها نحن نرى الطريقة الصحيحة للاستعداد للتألم من أجل الإنجيل. أولا: ينبغي أن نكون قد تقدمنا في مدرسة الله إلى حد أن نكون حاسمين في أمر الدين الحق والتعليم الذي علينا أن نتمسك به؛ وأن نحتقر كل حيل الشيطان وخدعه، وكل الاختراعات البشرية، باعتبارها أمورا ليست تافهة فحسب بل جسدية أيضا، لأنها تفسد النقاوة المسيحية؛ وبهذا نختلف، كشهداء المسيح الحقيقيين، عن أصحاب الأوهام الذين يتألمون من أجل سخافات محضة. ثانيا: إذ نكون واثقين من صلاح القضية، ينبغي أن نلتهب حماسة لنتبع الله حيثما يدعونا: ولا بد أن تكون لكلمته عندنا السلطة التي تستحقها، وأن نكون، بعد أن انسحبنا من هذا العالم، كأننا مأخوذون بالشوق في طلب الحياة السماوية.
لكن من أغرب الأمور أنه، مع أن نور الله يسطع اليوم أشد مما سطع في أي وقت مضى، هناك نقص مؤسف في الغيرة! وإن لم يملأنا هذا الخاطر خزيا، فذلك أسوأ. فإننا عما قليل سنقف أمام الديان العظيم، حيث سيكشف الإثم الذي نحاول إخفاءه مع توبيخ شديد يجعلنا في غاية الخزي. فإن كنا ملزمين أن نشهد لله بحسب مقدار المعرفة التي أعطانا إياها، فإلام، أسألكم، يرجع أننا باردون وجبناء إلى هذا الحد في الدخول إلى المعركة، مع أن الله قد أظهر نفسه في هذا الزمان إظهارا كاملا حتى ليمكن القول إنه فتح لنا وبسط أمامنا الكنوز العظيمة لأسراره؟ أليس من الممكن أن يقال إننا لا نظن أن لنا شأنا مع الله؟ فلو كان لنا أي اعتبار لجلاله لما جسرنا على أن نحول التعليم الصادر منه إلى نوع من التأمل الفلسفي. وباختصار، لا يمكن إنكار أنه لعار عظيم علينا، إن لم نقل دينونة رهيبة، أننا عرفنا حق الله معرفة جيدة إلى هذا الحد، ولنا هذا القدر الضئيل من الشجاعة للدفاع عنه!
وفوق كل شيء، حين ننظر إلى شهداء الأزمنة الماضية، يحق لنا أن نمقت جبننا! فأكثرهم لم يكونوا أناسا متبحرين في الكتاب المقدس بحيث يقدرون على الجدال في كل موضوع. كانوا يعرفون أن هناك إلها واحدا يجب عليهم أن يعبدوه ويخدموه — وأنهم قد افتدوا بدم يسوع المسيح، لكي يضعوا فيه وفي نعمته ثقتهم بالخلاص — وأنه، لما كانت كل اختراعات البشر مجرد نفاية وحطام، فقد وجب عليهم أن يدينوا كل عبادة للأوثان وكل خرافة. وبكلمة واحدة، كان لاهوتهم في جوهره هذا — هناك إله واحد خلق العالم كله، وأعلن لنا مشيئته بموسى والأنبياء، وأخيرا بيسوع المسيح ورسله؛ ولنا فاد واحد وحيد اشترانا بدمه، وبنعمته نرجو أن نخلص: وكل أوثان العالم ملعونة وتستحق المقت.
وبمذهب لا يحوي إلا هذه النقاط، ذهبوا بجرأة إلى النيران، أو إلى أي نوع آخر من الموت. لم يذهبوا اثنين اثنين أو ثلاثة ثلاثة، بل جماعات كبيرة حتى إن عدد الذين سقطوا بأيدي الطغاة يكاد لا يحصى! أما نحن فعلماء إلى حد لا يفوقنا فيه أحد (أو هكذا نظن على الأقل)، والحق أنه فيما يخص معرفة الكتاب، قد بسطه الله أمامنا بحيث لم ينعم أي عصر سابق بمثل هذه الحظوة. ومع ذلك كله، لا تكاد توجد ذرة من الغيرة. وحين يظهر الناس مثل هذه اللامبالاة، يبدو كأنهم عازمون على إثارة نقمة الله.
فماذا ينبغي أن نفعل إذن لنبعث في صدورنا الشجاعة الحقيقية؟ علينا أولا أن نتأمل كم هو ثمين الاعتراف بإيماننا في نظر الله. إننا قلما ندرك كم يقدره الله، إن كانت حياتنا، التي هي لا شيء، أغلى عندنا منه. وحين يكون الأمر كذلك، نظهر قدرا عجيبا من البلادة. فلا يمكننا أن ننقذ حياتنا على حساب اعترافنا من غير أن نقر بأننا نعدها أثمن من مجد الله ومن خلاص نفوسنا.
لقد استطاع أحد الوثنيين أن يقول: «إنه لأمر بائس أن ينقذ المرء حياته بالتخلي عن الأشياء الوحيدة التي تجعل الحياة جديرة بأن تشتهى!» ومع ذلك لم يعرف هو ولا أمثاله قط لأي غاية وضع الناس في العالم، ولماذا يعيشون فيه. صحيح أنهم عرفوا ما يكفي ليقولوا إن على الناس أن يتبعوا الفضيلة، وأن يسلكوا بأمانة وبلا لوم؛ لكن كل فضائلهم لم تكن إلا طلاء ودخانا. أما نحن فنعرف أفضل بكثير ما يجب أن تكون الغاية الأسمى للحياة، أي أن نمجد الله، لكي يكون هو مجدنا. وحين لا يكون الأمر كذلك، فويل لنا! ولا نستطيع أن نبقى على قيد الحياة على الأرض لحظة واحدة من غير أن نكدس على رؤوسنا مزيدا من اللعنات. ومع ذلك لا نخجل من أن نشتري بضعة أيام نذبل فيها هنا على الأرض، متخلين عن الملكوت الأبدي بانفصالنا عن ذاك الذي بقوته نحفظ في الحياة.
لو سألنا أشد الناس جهلا في العالم، إن لم نقل أشدهم بهيمية، لماذا يعيشون، لما جسروا أن يجيبوا ببساطة أنهم يعيشون ليأكلوا ويشربوا ويناموا؛ فالجميع يعلمون أنهم خلقوا لغاية أسمى وأقدس. وأي غاية نجد إن لم تكن أن نكرم الله، وأن ندع أنفسنا تحت تدبيره، كما يخضع الأولاد لوالدين صالحين؛ حتى إذا أكملنا رحلة هذه الحياة الفانية نقبل في ميراثه الأبدي؟ هذه هي الغاية الرئيسية، بل الغاية الوحيدة. فحين لا نحسب لها حسابا، وننصرف إلى حياة بهيمية هي أسوأ من ألف موت، فبأي عذر نحتج؟ أن نعيش ولا نعرف لماذا، أمر مخالف للطبيعة. وأما أن نرفض الأسباب التي نعيش من أجلها، مدفوعين بشوق أحمق إلى مهلة بضعة أيام نعيشها في العالم ونحن منفصلون عن الله — فلا أدري بأي اسم أسمي هذا الافتتان وهذا الجنون!
ولكن لما كان الاضطهاد دائما قاسيا ومرا، فلنتأمل كيف وبأي وسائل يستطيع المسيحيون أن يتحصنوا بالصبر، حتى يعرضوا حياتهم من أجل حق الله من غير أن يتراجعوا. فالنص الذي قرأناه، إذا فهم فهما صحيحا، كاف لأن يحملنا على ذلك. يقول الرسول: لنخرج من المدينة وراء الرب يسوع، حاملين عاره. فهو يذكرنا أولا، وإن لم تسل السيوف علينا ولم توقد النيران لإحراقنا، بأننا لا نستطيع أن نتحد اتحادا حقيقيا بابن الله ما دمنا متأصلين في هذا العالم. ولهذا فالمسيحي، حتى في وقت الراحة، يجب أن تكون له دائما قدم مرفوعة للمسير إلى المعركة؛ وليس هذا فحسب، بل يجب أن تكون عواطفه منسحبة من العالم، وإن كان جسده ساكنا فيه. ولنفرض أن هذا يبدو لنا للوهلة الأولى صعبا، فلا بد لنا مع ذلك أن نكتفي بكلمات القديس بولس (تسالونيكي الأولى 3)، أننا مدعوون ومعينون للتألم. كأنه قال: هذه هي حالنا كمسيحيين؛ وهذا هو الطريق الذي يجب أن نسلكه إن أردنا أن نتبع المسيح.
وفي الوقت نفسه، تعزية لضعفنا وتخفيفا لما قد يسببه لنا الاضطهاد من ضيق وحزن، توضع أمامنا مكافأة صالحة: فحين نتألم من أجل قضية الله، نكون سائرين خطوة خطوة وراء ابن الله، ويكون هو قائدنا. لو قيل لنا ببساطة إنه لكي نكون مسيحيين يجب أن نجتاز بجرأة كل إهانات العالم، وأن نلاقي الموت في كل حين وبأي طريقة يشاء الله أن يعينها، لربما بدا أن لنا ذريعة للرد بأنه طريق غريب نسلكه على غير هدى. أما حين نؤمر بأن نتبع الرب يسوع، فإن قيادته أصلح وأكرم من أن ترفض. ولكي نتأثر تأثرا أعمق، لا يقال فقط إن يسوع المسيح يسير أمامنا بصفته قائدنا، بل أيضا إننا نصير مشابهين صورته؛ وهكذا يقول القديس بولس في الأصحاح الثامن من الرسالة إلى رومية إن الله قد عين جميع الذين تبناهم أولادا له ليكونوا مشابهين لذاك الذي هو المثال والرأس للجميع.
أنحن مرفهون إلى حد أننا لا نريد أن نحتمل شيئا؟ إذن علينا أن نتخلى عن نعمة الله التي دعانا بها إلى رجاء الخلاص. فهناك أمران لا يمكن أن ينفصلا — أن نكون أعضاء المسيح، وأن نمتحن بضيقات كثيرة. وحري بنا حقا أن نقدر هذه المشابهة لابن الله أكثر بكثير مما نفعل. صحيح أن في التألم من أجل الإنجيل عارا في حكم العالم. ولكن ما دمنا نعلم أن غير المؤمنين عميان، أفلا ينبغي أن تكون لنا عيون أفضل من عيونهم؟ إنه لخزي أن نتألم على أيدي الذين يجلسون على كرسي القضاء، لكن القديس بولس يبين لنا بمثاله أن علينا أن نفتخر بالجلدات التي نحتملها من أجل يسوع المسيح، كعلامات يعرفنا الله بها ويقر بأننا خاصته. ونحن نعلم ما يرويه القديس لوقا عن بطرس ويوحنا (أعمال الرسل 5:41)، أي أنهم كانوا فرحين لأنهم حسبوا مستأهلين أن يحتملوا الخزي والعار من أجل اسم الرب يسوع.
الخزي والكرامة ضدان: هكذا يقول العالم، الذي إذ هو مفتون يحكم على خلاف كل عقل، وبهذا يحول مجد الله إلى هوان. أما نحن، فلا نرفض أن نحتقر في نظر العالم، لكي نكرم أمام الله وملائكته. إننا نرى كم يتعب الطموحون ليتلقوا أوامر ملك، وكم يفاخرون بذلك. وابن الله يقدم لنا أوامره، فيتراجع كل واحد. قل لي، بربك، أنكون بذلك مستحقين أن يكون لنا أي شيء مشترك معه؟ ليس هنا ما يجتذب طبيعتنا الحسية، لكن هذه مع ذلك هي شعارات النبل الحقيقية في السماوات. فالسجن والنفي وسوء السمعة تعني في تصور الناس كل ما هو جدير بالذم؛ ولكن ما الذي يمنعنا من أن ننظر إلى الأمور كما يحكم الله فيها ويعلنها، إلا عدم إيماننا؟ لذلك فليكن لاسم ابن الله عندنا كل الوزن الذي يستحقه، لكي نتعلم أن نحسب كرامة أن يطبع علينا علاماته. فإن فعلنا غير ذلك، كان جحودنا لا يطاق.
لو عاملنا الله بحسب ما نستحق، أفلا يكون له سبب عادل ليؤدبنا كل يوم بألف طريقة؟ بل أكثر من ذلك، لا تكفي مئة ألف ميتة لجزء يسير من آثامنا! فإن كان، في صلاحه غير المحدود، يضع كل زلاتنا تحت قدمه ويمحوها، وبدلا من أن يعاقبنا بحسب ما نستحق، يدبر وسيلة عجيبة ليحول ضيقاتنا إلى كرامة وامتياز خاص، إذ بها نؤخذ إلى الشركة مع ابنه، أفلا يجب أن يقال، حين نزدري بهذه الحال السعيدة، إننا حقا لم نحرز إلا تقدما ضئيلا في التعليم المسيحي؟
ولهذا فإن القديس بطرس، بعد أن يحضنا (بطرس الأولى 4:15) على أن نسلك في خوف الله بنقاوة لا نتألم معها كلصوص وزناة وقتلة، يضيف في الحال أنه إن كان لا بد أن نتألم كمسيحيين، فلنمجد الله على البركة التي يمنحنا إياها بذلك. وليس بلا سبب يتكلم هكذا. فمن نحن، أسألكم، حتى نكون شهودا لحق الله ومحامين ندافع عن قضيته؟ ها نحن ديدان مسكينة من التراب، مخلوقات ملؤها الباطل والكذب، ومع ذلك يستخدمنا الله للدفاع عن حقه — وهي كرامة لا تخص حتى ملائكة السماء! أفلا يكفي هذا الاعتبار وحده ليلهبنا لنقدم أنفسنا لله فيستخدمنا بأي طريقة في هذه الخدمة الكريمة؟
غير أن كثيرين لا يستطيعون أن يمتنعوا عن مخاصمة الله، أو على الأقل عن التذمر عليه لأنه لا يسند ضعفهم أكثر. يقولون: إنه لأمر غريب جدا كيف أن الله، بعد أن اختارنا أولادا له، يسمح بأن يدوسنا الأشرار ويعذبونا. وأنا أجيب: حتى لو لم يكن واضحا لماذا يفعل ذلك، فله أن يمارس سلطانه علينا ويعين نصيبنا كما يشاء. ولكن حين نرى أن يسوع المسيح هو مثالنا، أفلا ينبغي، من غير أن نبحث أكثر، أن نحسب سعادة عظيمة أننا صرنا مثله؟ على أن الله يوضح جدا ما هي الأسباب التي من أجلها يسره أن نضطهد. فلو لم يكن لنا إلا الاعتبار الذي يقترحه القديس بطرس (بطرس الأولى 1:7)، لكنا متكبرين حقا إن لم نرض به. فهو يقول إنه إذ كان الذهب والفضة، وهما معدنان فانيان، يمحصان ويمتحنان بالنار، فمن المعقول تماما أن يمتحن هكذا إيماننا الذي يفوق كل غنى العالم.
كان من السهل حقا على الله أن يكللنا في الحال من غير أن يطلب منا خوض أي معارك؛ ولكن كما أنه يسره أن يملك المسيح في وسط أعدائه إلى انقضاء العالم، كذلك يسره أن نحتمل نحن، وقد وضعنا في وسطهم، ظلمهم وعنفهم إلى أن ينقذنا. أنا أعلم حقا أن الجسد يتمرد حين يؤتى به إلى هذه النقطة، ولكن لا بد مع ذلك أن تكون الغلبة لمشيئة الله. فإن شعرنا في أنفسنا ببعض النفور، فلا عجب في ذلك؛ لأنه أمر طبيعي جدا فينا أن نتهرب من الصليب. ومع ذلك فلا نقصر في التغلب عليه، عالمين أن الله يقبل طاعتنا، بشرط أن نأسر كل مشاعرنا ورغباتنا ونخضعها له.
حين ذهب الأنبياء والرسل إلى الموت، لم يكن ذلك من غير أن يشعروا بشيء من الميل إلى التراجع. قال ربنا يسوع المسيح لبطرس: «وَيَحْمِلُكَ حَيْثُ لَا تَشَاءُ». (يوحنا 21:18.) فحين تثور فينا مخاوف الموت هذه، لنتغلب عليها، أو بالأحرى ليتغلب الله عليها؛ وفي الوقت نفسه، لنكن على يقين من أننا نقدم له ذبيحة مرضية حين نقاوم ميولنا ونقهرها لكي نضع أنفسنا بالكامل تحت أمره: هذه هي الحرب الرئيسية التي يريد الله أن يخوضها شعبه. فهو يريدهم أن يجاهدوا لقمع كل فكر وشعور متمرد يحيد بهم عن الطريق الذي يرسمه لهم. والتعزيات وافرة إلى حد أنه يحق القول إننا أسوأ من جبناء إن نحن تخاذلنا!
في الأزمنة القديمة، لم يكن جمهور غفير من الناس يرفضون، في سبيل إكليل بسيط من الأوراق، أي عناء أو ألم أو مشقة؛ بل لم يكن يكلفهم الموت شيئا، ومع ذلك كان كل واحد منهم يجاهد على مجرد احتمال، لا يعلم أيربح الجائزة أم يخسرها. أما الله فيضع أمامنا الإكليل الذي لا يفنى، الذي به نصير شركاء في مجده: وهو لا يريد أن نجاهد على غير هدى، بل لنا جميعا وعد بالجائزة التي نسعى إليها. أفلنا إذن أي سبب لنرفض الجهاد؟ أنظن أنه قيل عبثا عن يسوع المسيح: «إِنْ كُنَّا قَدْ مُتْنَا مَعَهُ فَسَنَحْيَا أَيْضًا مَعَهُ»؟ إن انتصارنا معد، ومع ذلك نفعل كل ما في وسعنا لنتهرب من المعركة.
لكن يقال إن كل ما نعلمه في هذا الموضوع مناف للحكم البشري. وأنا أعترف بذلك. ولهذا حين يعلن مخلصنا: «طُوبَى لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ ٱلْبِرِّ» (متى 5:10)، فإنه ينطق بفكرة لا يتقبلها العالم بسهولة. بل على العكس، يريد أن يحسب سعادة ما يعده حكم الحواس شقاء. نبدو لأنفسنا بائسين حين يتركنا الله لتدوسنا قسوة أعدائنا وطغيانهم؛ لكن الخطأ هو أننا لا ننظر إلى مواعيد الله، التي تؤكد لنا أن كل شيء سيؤول إلى خيرنا. إننا نكتئب حين نرى الأشرار أقوى منا، واضعين أقدامهم على رقابنا؛ لكن هذا الاضطراب ينبغي بالأحرى، كما يقول القديس بولس، أن يجعلنا نرفع رؤوسنا. ولما كنا ميالين أكثر مما ينبغي إلى الانشغال بالأمور الحاضرة، فإن الله، إذ يسمح بأن يساء إلى الصالحين وأن يتسلط الأشرار، يبين بعلامات واضحة أن يوما آت سيرد فيه كل ما هو الآن مضطرب إلى نظامه. فإن بدا الموعد بعيدا، فلنسرع إلى العلاج، ولا نتملق أنفسنا في خطيتنا؛ لأنه من المؤكد أنه لا إيمان لنا إن لم نستطع أن نمد أنظارنا إلى مجيء يسوع المسيح.
ولكي لا يترك الله وسيلة من شأنها أن تحفزنا إلا استخدمها، يضع أمامنا المواعيد من جهة والإنذارات من جهة أخرى. فإن شعرنا بأن المواعيد ليس لها تأثير كاف، فلنقوها بإضافة الإنذارات إليها. صحيح أنه لا بد أن نكون في غاية الانحراف حتى لا نثق بمواعيد الله ثقة أكبر، حين يقول الرب يسوع إنه سيعترف بنا أننا خاصته أمام أبيه، بشرط أن نعترف به قدام الناس. (متى 10:32؛ لوقا 12:8.) فما الذي يمنعنا من تقديم الاعتراف الذي يطلبه؟ ليفعل الناس أقصى ما في وسعهم، فلن يستطيعوا أن يفعلوا أسوأ من أن يقتلونا! أفلا تعوضنا الحياة السماوية عن ذلك؟ لا أجمع هنا كل الشواهد الكتابية المتعلقة بهذا الموضوع: فهي تتكرر مرارا كثيرة حتى ينبغي أن نكتفي بها كل الاكتفاء. وحين يأتي الجهاد، إن لم تكف ثلاثة شواهد أو أربعة، فلا شك أن مئة شاهد ينبغي أن تجعلنا منيعين ضد كل التجارب المضادة.
ولكن إن لم يستطع الله أن يربحنا إليه بالوسائل اللطيفة، أفلا نكون مجرد جذوع خشب إن أخفقت إنذاراته أيضا؟ إن يسوع المسيح يستدعي كل الذين أنكروا الحق خوفا من الموت الزمني ليمثلوا أمام كرسي الله أبيه، ويقول إنه حينئذ سيسلم الجسد والنفس كلاهما إلى الهلاك. (متى 10:28؛ لوقا 12:5.) ويقول في موضع آخر إنه سينكر كل الذين أنكروه قدام الناس. (متى 10:33؛ لوقا 12:10.) هذه الكلمات، إن لم نكن فاقدي الإحساس تماما، كفيلة بأن تجعل شعر رؤوسنا يقف. ومهما يكن من أمر، فهذا القدر مؤكد: إن لم تحركنا هذه الأمور كما ينبغي، فلا يبقى لنا إلا «قُبُولُ دَيْنُونَةٍ مُخِيفٌ». (عبرانيين 10:27.) وإذ لم تجد كل كلمات المسيح نفعا، نقف مدانين بعدم إيمان فاضح.
عبثا نحتج بأنه ينبغي أن نعامل بالشفقة لأن طبيعتنا ضعيفة إلى هذا الحد؛ فإنه قيل على العكس إن موسى، إذ نظر إلى الله بالإيمان، تقوى حتى لم يستسلم لأي تجربة. ولهذا، حين نكون لينين سريعي الانحناء هكذا، فتلك علامة واضحة، لا أقول على أنه لا غيرة لنا ولا ثبات، بل على أننا لا نعرف شيئا لا عن الله ولا عن ملكوته. وحين نذكر بأنه ينبغي أن نكون متحدين برأسنا، يبدو لنا أن القول بأننا بشر ذريعة جميلة للإعفاء. ولكن ماذا كان الذين سلكوا الطريق قبلنا؟ والحق أنه لو لم يكن لنا إلا التعليم النقي، لكانت كل الأعذار التي نقدمها تافهة؛ أما وقد كانت لنا أمثلة كثيرة جدا ينبغي أن تمدنا بأقوى البراهين، فنحن أشد استحقاقا للدينونة.
هناك أمران ينبغي تأملهما. الأول أن جسد الكنيسة كله بوجه عام كان دائما، وسيبقى إلى المنتهى، عرضة لأن يضايقه الأشرار، كما قيل في المزامير (مزمور 129:1): «كَثِيرًا مَا ضَايَقُونِي مُنْذُ شَبَابِي... عَلَى ظَهْرِي حَرَثَ ٱلْحُرَّاثُ. طَوَّلُوا أَتْلَامَهُمْ». فالروح القدس هناك يستحضر الكنيسة القديمة، لكي لا نعد الأمر جديدا أو مزعجا حين يصنع بنا مثله في يومنا هذا، بعد أن نكون قد عرفنا ضيقاتها جيدا. والقديس بولس أيضا، إذ يقتبس من مزمور آخر (رومية 7:36؛ مزمور 44:22) قولا جاء فيه: «قَدْ حُسِبْنَا مِثْلَ غَنَمٍ لِلذَّبْحِ»، يبين أن ذلك لم يكن لعصر واحد فقط، بل هو الحال المعتادة للكنيسة، وسيبقى كذلك.
لذلك، حين نرى كيف تداس كنيسة الله في يومنا هذا من أهل العالم المتكبرين، وكيف ينبح عليها واحد ويعضها آخر، وكيف يعذبونها ويتآمرون عليها، وكيف تهاجمها بلا انقطاع كلاب مسعورة ووحوش ضارية، فليذكرنا ذلك بأن الأمر نفسه قد جرى في كل الأزمنة الغابرة. صحيح أن الله يعطيها أحيانا هدنة ووقتا للانتعاش، ولهذا قيل في المزمور المقتبس آنفا: «قَطَعَ رُبُطَ ٱلْأَشْرَارِ»؛ وفي موضع آخر (مزمور 125:3): «يكسر عصاهم، لئلا يرتد الصالحون إذا اشتد عليهم الضغط». ولكن مع ذلك قد سره أن تظل كنيسته تجاهد ما دامت في هذا العالم، وراحتها مذخرة في الأعالي في السماوات. (عبرانيين 3:9.)
على أن عاقبة ضيقاتها كانت دائما سعيدة. فعلى كل حال، قد جعل الله أنها، وإن ضغطتها نكبات كثيرة، لم تسحق قط سحقا تاما؛ كما قيل (مزمور 7:15): «لم يبلغ الأشرار بكل جهودهم ما كانوا يرمون إليه». والقديس بولس يفتخر بهذه الحقيقة، ويبين أن هذا هو المسلك الذي يسلكه الله دائما برحمته. فيقول (كورنثوس الأولى 4:12) إننا نحتمل الضيقات، لكننا لسنا في كرب؛ نفتقر، لكننا لا نترك معدمين؛ مضطهدين لكن غير متروكين؛ مطروحين لكننا لا نهلك؛ حاملين في جسدنا في كل مكان إماتة الرب يسوع، لكي تظهر حياته في أجسادنا المائتة. وإذ كانت هذه، كما نرى، هي العاقبة التي أعطاها الله في كل الأزمنة لاضطهادات كنيسته، فينبغي أن نتشجع، عالمين أن آباءنا، وقد كانوا بشرا ضعفاء مثلنا، كانت لهم الغلبة دائما على أعدائهم بثباتهم في الاحتمال.
إنما أتناول هذه النقطة باختصار لأنتقل إلى الثانية، وهي أمس بغرضنا، أي أن علينا أن ننتفع بالأمثلة الخاصة للشهداء الذين سبقونا. وهؤلاء لا يقتصرون على اثنين أو ثلاثة، بل هم، كما يقول الرسول (عبرانيين 12:1): «سَحَابَةٌ مِنَ ٱلشُّهُودِ مِقْدَارُ هَذِهِ». وبهذا التعبير يلمح إلى أن عددهم عظيم إلى حد ينبغي معه، إن صح القول، أن يستغرق نظرنا بالكامل. ولكي لا أطيل، سأذكر فقط اليهود الذين اضطهدوا من أجل الدين الحق، في ظل طغيان الملك أنطيوخس وبعد موته بقليل كذلك. لا يمكننا أن نحتج بأن عدد المتألمين كان قليلا، فقد كانوا كأنهم جيش عظيم من الشهداء. ولا يمكننا أن نقول إنهم كانوا أنبياء أفرزهم الله من عامة الشعب، فقد كان النساء والأطفال الصغار جزءا من تلك الجماعة. ولا يمكننا أن نقول إنهم نجوا بثمن زهيد، فقد عذبوا بأقسى ما يمكن من القسوة. ولهذا نسمع ما يقوله الرسول (عبرانيين 11:35)، أن بعضهم شدوا كالطبول، ولم يقبلوا النجاة لكي ينالوا قيامة أفضل؛ وآخرين جربوا في هزء وجلد، أو في قيود وحبس؛ وآخرين رجموا أو نشروا؛ وآخرين طافوا هنا وهناك، تائهين في جبال ومغاير.
فلنقارن الآن حالهم بحالنا. إن كانوا قد احتملوا هكذا من أجل الحق الذي كان في ذلك الوقت غامضا إلى هذا الحد، فماذا ينبغي أن نفعل نحن في النور الساطع الذي يشرق الآن؟ إن الله يكلمنا فما لفم؛ وقد فتح الباب العظيم لملكوت السماوات، ويسوع المسيح يدعونا إليه، بعد أن نزل إلينا لكي يكون لنا، إن صح القول، حاضرا أمام عيوننا. فأي عار علينا أن تكون لنا غيرة أقل في التألم من أجل الإنجيل من أولئك الذين لم يحيوا المواعيد إلا من بعيد — والذين لم يفتح لهم إلا باب صغير يدخلون منه إلى ملكوت الله، ولم يكن لهم من يسوع المسيح إلا تذكار ورمز؟ هذه أمور لا يمكن التعبير عنها بكلمة كما تستحق، ولذلك أترك لكل واحد أن يتأملها بنفسه.
إن التعليم الذي قررناه الآن، لكونه عاما، ينبغي أن يطبقه جميع المسيحيين عمليا، كل واحد منهم بحسب حاجته. أقول هذا لكي لا يظن الذين لا يرون أنفسهم في خطر ظاهر أنه أمر لا لزوم له بالنسبة إليهم. إنهم ليسوا في هذه الساعة في أيدي الطغاة، ولكن كيف يعلمون ما يعتزم الله أن يفعل بهم فيما بعد؟ لذلك ينبغي أن نكون متسلحين مسبقا، حتى إذا حل اضطهاد لم نكن نتوقعه، لا نؤخذ على غرة. ولكنني أخشى كثيرا أن هناك آذانا صماء كثيرة في هذا الشأن. فالذين هم في مأمن ورخاء أبعد ما يكونون عن الاستعداد لاحتمال الموت عند الحاجة، حتى إنهم لا يكلفون أنفسهم عناء خدمة الله في حياتهم. ومع ذلك يبقى صحيحا أن هذا الاستعداد للاضطهاد ينبغي أن يكون شغلنا المعتاد، ولا سيما في الأزمنة التي نعيش فيها.
ثم إن الذين يدعوهم الله إلى التألم من أجل الشهادة لاسمه ينبغي أن يبينوا بالأفعال أنهم قد تدربوا تدريبا كاملا على الاحتمال الصبور. فحينئذ ينبغي أن يستعيدوا في أذهانهم كل التحريضات التي أعطيت لهم في الأزمنة الماضية، وأن ينهضوا كما يهب الجندي إلى السلاح حين يدوي البوق. ولكن ما أبعد النتيجة عن ذلك! فالسؤال الوحيد هو كيف يجدون حيلا للهرب. أقول هذا عن الأكثرية؛ لأن الاضطهاد محك حقيقي يتبين الله به من هم خاصته. وقليلون هم الأمناء إلى حد أن يكونوا مستعدين لملاقاة الموت بجرأة.
إنه لأمر أشبه بالمسخ أن يجرؤ أناس يفاخرون بأن لهم شيئا قليلا من الإنجيل على أن يفتحوا أفواههم لينطقوا بمثل هذه المراوغات. فبعضهم يقول: ماذا نربح من الاعتراف بإيماننا أمام قوم معاندين قد عزموا عمدا على محاربة الله؟ أليس هذا طرحا للدرر قدام الخنازير؟ كأن يسوع المسيح لم يعلن بوضوح (متى 8:38) أنه يريد أن يعترف به بين المعوجين والأشرار. فإن لم يتعلموا بذلك، فسيبقون على الأقل مخزيين؛ ولهذا فالاعتراف رائحة سرور ذكية أمام الله، وإن كان رائحة موت للمرفوضين. وهناك من يقولون: ما نفع موتنا؟ أليس بالأحرى أن يصير عثرة؟ كأن الله ترك لهم أن يختاروا الموت حين يستحسنونه ويجدون الفرصة مواتية. بل على العكس، إننا نبرهن على طاعتنا بأن نترك في يده النفع الذي سينتج عن موتنا.
فأولا إذن، يجب على الإنسان المسيحي، أينما كان، أن يعزم، على الرغم من المخاطر والتهديدات، على أن يسلك ببساطة كما أمر الله. ليحترس قدر ما يستطيع من افتراس الذئاب، ولكن لا يكن ذلك بمكر جسدي. وفوق كل شيء، ليضع حياته في يدي الله. أفعل ذلك؟
فإن اتفق أن وقع في أيدي العدو، فليفكر أن الله، إذ رتب الأمر هكذا، يسره أن يتخذه واحدا من شهود ابنه، ولذلك لا سبيل له إلى التراجع من غير أن ينقض عهده مع ذاك الذي وعدناه بكل واجب في الحياة وفي الموت — ذاك الذي نحن له وإليه ننتمي، حتى لو لم نكن قد قطعنا أي وعد.
وإذ أقول هذا، لا أضع الجميع تحت ضرورة الاعتراف الكامل التام بكل ما يؤمنون به، حتى لو طلب منهم ذلك. وأنا أعلم أيضا الاعتدال الذي راعاه القديس بولس، مع أنه لم يكن إنسان قط أشد منه عزما على الدفاع بجرأة عن قضية الإنجيل كما ينبغي. ولهذا ليس بلا سبب يعدنا ربنا بأن يعطينا، في مثل هذه المناسبة، «فَمًا وَحِكْمَةً» (لوقا 21:15)؛ كأنه قال إن عمل الروح القدس ليس فقط أن يقوينا لنكون جريئين شجعانا، بل أيضا أن يعطينا فطنة وتمييزا، ليرشدنا في المسلك الذي يحسن أن نتخذه.
وخلاصة الأمر كله أن الذين هم في مثل هذه الشدة ينبغي أن يطلبوا وينالوا هذه الفطنة من فوق، غير متبعين حكمتهم الجسدية في البحث عن نوع من الثغرة يفلتون منها. وهناك من يقولون لنا إن ربنا نفسه لم يعط جوابا للذين استجوبوه. لكنني أرد: أولا، إن هذا لا يلغي القاعدة التي أعطانا إياها بأن نعترف بإيماننا حين يطلب منا ذلك. (بطرس الأولى 3:15.) ثانيا، إنه لم يلجأ قط إلى أي تمويه لينقذ حياته؛ وثالثا، إنه لم يعط قط جوابا ملتبسا إلى حد لا يتضمن شهادة كافية لكل ما كان عليه أن يقوله؛ وفضلا عن ذلك، كان قد أجاب من قبل أولئك الذين جاؤوا يستجوبونه من جديد، لا بقصد أن يحصلوا على معرفة، بل لمجرد أن ينصبوا له الفخاخ ليوقعوه.
فليكن ثابتا إذن بين جميع المسيحيين أنه لا ينبغي أن يعدوا حياتهم أثمن من الشهادة للحق، إذ يريد الله أن يتمجد بها. أعبثا يطلق اسم الشهود (فهذا هو معنى كلمة شهيد) على جميع الذين عليهم أن يجيبوا أمام أعداء الإيمان؟ أليس ذلك لأنه أراد أن يستخدمهم لمثل هذه الغاية؟ وهنا لا ينبغي لأحد أن ينظر إلى رفيقه، لأن الله لا يكرم الجميع بالدعوة على حد سواء. ولما كنا ميالين إلى النظر هكذا، وجب علينا أن نكون أشد حذرا منه. فبطرس، بعد أن سمع من فم ربنا يسوع (يوحنا 21:18) أنه سيقاد في شيخوخته إلى حيث لا يشاء، سأل: ماذا سيكون من أمر رفيقه يوحنا؟ وليس بيننا واحد لم يكن ليطرح السؤال نفسه بسهولة؛ لأن الفكرة التي تثور في أذهاننا في الحال هي: لماذا أتألم أنا دون غيري؟ بل على العكس، يحضنا يسوع المسيح جميعا بوجه عام، وكل واحد منا بوجه خاص، على أن نكون «مُسْتَعِدِّينَ»، حتى إذا دعا هذا أو ذاك، نخرج كل في دوره.
لقد شرحت فيما سبق كم نكون غير مستعدين لاحتمال الاستشهاد إن لم نكن متسلحين بالمواعيد الإلهية. ويبقى الآن أن أبين بشيء من التفصيل ما هو مضمون هذه المواعيد وغايتها — لا لأعددها كلها بالتفصيل، بل لأبين الأمور الرئيسية التي يريدنا الله أن نرجوها منه، ليعزينا في ضيقاتنا. وهذه الأمور، إذا أجملناها، ثلاثة. الأول أنه، لما كانت حياتنا وموتنا في يده، فإنه سيحفظنا بقدرته حتى لا تنتزع شعرة من رؤوسنا بغير إذنه. فينبغي إذن للمؤمنين أن يكونوا على يقين، في أي أيد وقعوا، من أن الله لم يتخل عن الرعاية التي يبسطها على أشخاصهم. ولو انطبع هذا الاقتناع جيدا في قلوبنا، لتحررنا من معظم الشكوك والحيرة التي تعذبنا وتعوقنا عن أداء واجبنا.
نرى الطغاة وقد أطلق لهم العنان: فيبدو لنا عندئذ أن الله لم تعد لديه أي وسيلة لخلاصنا، ونجرب بأن ندبر شؤوننا بأنفسنا كأنه لم يعد هناك ما ينتظر منه. بل على العكس، ينبغي أن نعد عنايته، كما يكشفها لنا، حصنا منيعا. فلنجتهد إذن في أن نتعلم كل ما يتضمنه القول إن أجسادنا في يدي الذي خلقها. ولهذا السبب أنقذ شعبه أحيانا بطريقة معجزية وفوق كل توقع بشري، كما أنقذ شدرخ وميشخ وعبدنغو من أتون النار، ودانيال من جب الأسود، وبطرس من سجن هيرودس حيث كان مقفلا عليه ومقيدا بالسلاسل ومحروسا حراسة مشددة. فبهذه الأمثلة أراد أن يشهد أنه يكبح أعداءنا، وإن لم يبد الأمر كذلك، وأن له القدرة أن ينتشلنا من وسط الموت حين يشاء. لا أنه يفعل ذلك دائما؛ ولكنه إذ يحتفظ لنفسه بالسلطان أن يتصرف فينا للحياة وللموت، يريدنا أن نكون على يقين تام بأننا في رعايته؛ حتى إنه مهما حاول الطغاة، وبأي غضب اندفعوا علينا، فله وحده أن يدبر حياتنا.
وإن سمح للطغاة بأن يقتلونا، فليس ذلك لأن حياتنا ليست عزيزة عليه، ولا لأنها ليست مكرمة عنده أكثر مما تستحق مئة مرة. وإذ كان الأمر كذلك، فبعد أن أعلن بفم داود (مزمور 116:13) أن «عَزِيزٌ فِي عَيْنَيِ ٱلرَّبِّ مَوْتُ أَتْقِيَائِهِ»، يقول أيضا بفم إشعياء (إشعياء 26:21) إن الأرض ستكشف الدم الذي يبدو مستورا: «فَتَكْشِفُ ٱلْأَرْضُ دِمَاءَهَا». فليسرف أعداء الإنجيل إذن ما شاؤوا في سفك دماء الشهداء، فإنهم سيقدمون عنها حسابا رهيبا حتى آخر قطرة منها. إنهم في يومنا هذا ينغمسون في سخرية متكبرة وهم يسلمون المؤمنين إلى النيران؛ وبعد أن يستحموا في دمائهم، يسكرون بها إلى حد أنهم يحسبون كل ما يرتكبونه من قتل مجرد لهو احتفالي. ولكن إن كان لنا صبر لننتظر، فسيبين الله في النهاية أنه لم يقدر حياتنا عبثا بهذه القيمة العالية. وفي الوقت نفسه، لا يعثرنا أن تبدو حياتنا مبذولة لتثبيت الإنجيل، الذي يفوق في قيمته السماء والأرض.
ولكي نكون أكثر يقينا من أن الله لا يتركنا كأننا متروكون في أيدي الطغاة، لنتذكر تصريحات يسوع المسيح، حين يقول (أعمال الرسل 9:4) إنه هو نفسه يضطهد في أعضائه. لقد قال الله من قبل (زكريا 2:8): «من يمسكم يمس حدقة عيني». ولكن هنا يقال بصراحة أكبر بكثير إننا إن تألمنا من أجل الإنجيل، فكأن ابن الله نفسه هو المتألم في شخصه. فلنعلم إذن أنه لا بد أن ينسى يسوع المسيح نفسه قبل أن يكف عن التفكير فينا ونحن في السجن، أو في خطر الموت من أجل قضيته؛ ولنعلم أن الله سيأخذ إلى قلبه كل الإهانات التي يوقعها الطغاة بنا، كأنها أوقعت بابنه نفسه.
فلننتقل الآن إلى النقطة الثانية التي يعلنها الله لنا في وعده لتعزيتنا. وهي أنه سيسندنا بقوة روحه حتى إن أعداءنا، مهما فعلوا، وحتى لو كان الشيطان على رأسهم، لن ينالوا منا شيئا. ونحن نرى كيف يظهر مواهبه في مثل هذه الشدة؛ فالثبات الذي لا يقهر، الظاهر في الشهداء، يبرهن بوفرة وجمال على أن الله يعمل فيهم بقوة. ففي الاضطهاد أمران ثقيلان على الجسد: تحقير الناس وإهانتهم، والعذابات التي يقاسيها البدن. والله يعد بأن يمد لنا يده بفاعلية تجعلنا نغلب كليهما بالصبر. وما يقوله لنا هكذا يثبته بالواقع. فلنأخذ إذن هذا الترس لنصد به كل المخاوف التي تهاجمنا، ولا نحصر عمل الروح القدس في حدود ضيقة إلى حد أن نظن أنه لن يهزم بسهولة كل قسوة البشر.
ومن هذا القبيل كان لنا، بين أمثلة أخرى، مثال جدير بالذكر على نحو خاص. فقد قبض على شاب عاش معنا هنا زمنا في مدينة تورناي، وحكم عليه بأن يقطع رأسه إن هو تراجع عن إيمانه، وبأن يحرق حيا إن ثبت على عزمه. وحين سئل ماذا ينوي أن يفعل، أجاب ببساطة: «إن الذي سيعطيني نعمة لأموت بصبر من أجل اسمه، سيعطيني حتما نعمة لأحتمل النار». وينبغي أن نتلقى هذا القول لا على أنه قول إنسان فان، بل على أنه قول الروح القدس، ليؤكد لنا أن الله ليس أقل قدرة على أن يقوينا ويجعلنا غالبين للعذابات منه على أن يجعلنا نخضع طوعا لموت أخف. وفضلا عن ذلك، كثيرا ما نرى أي ثبات يعطيه لمجرمين تعساء يتألمون بسبب جرائمهم. لا أتكلم عن المتقسين، بل عن الذين يستمدون العزاء من نعمة يسوع المسيح، وبواسطته يحتملون بقلب مطمئن أقسى عقاب يمكن أن يوقع بهم. ومثال جميل على ذلك نراه في اللص الذي تاب عند موت ربنا. أفيكون الله، الذي يعين المجرمين المساكين بهذه القوة وهم يقاسون عقاب آثامهم، مقصرا في حق شعبه وهم يجاهدون من أجل قضيته، حتى لا يعطيهم شجاعة لا تقهر؟
والنقطة الثالثة التي ينبغي تأملها في المواعيد التي يعطيها الله لشهدائه هي الثمر الذي ينبغي أن يرجوه من آلامهم، وفي النهاية، إن اقتضى الأمر، من موتهم. وهذا الثمر هو أنهم، بعد أن يمجدوا اسمه — وبعد أن يبنوا الكنيسة بثباتهم — سيجمعون مع الرب يسوع في مجده الخالد. ولكن لما كنا قد تكلمنا عن هذا فيما سبق بشيء من الإسهاب، فيكفي هنا أن نذكر به. فليتعلم المؤمنون إذن أن يرفعوا رؤوسهم نحو إكليل المجد والخلود الذي يدعوهم الله إليه، حتى لا يترددوا في مفارقة الحياة الحاضرة لقاء مثل هذا الجزاء؛ ولكي يكونوا على يقين تام من هذه البركة التي لا تقدر بثمن، فليضعوا دائما نصب أعينهم المشابهة التي تكون لهم هكذا مع ربنا يسوع المسيح؛ ناظرين الموت في وسط الحياة، كما أنه هو، بعار الصليب، بلغ القيامة المجيدة، التي فيها تكمن كل سعادتنا وفرحنا وانتصارنا.
ملكية عامة. النص المصدر من الطبعة الأصلية.