عظة · قراءة 14 د

هوذا حمل الله

صورة John Newton John Newton

النص

يوحنا 1:29

باختصار

يضع نيوتن صرخة المعمدان — «هوذا حمل الله» — في مقابل الخليقة المنظورة كلها، التي لا تكاد عجائبها تحرّك فينا ساكنًا. ويرى أن الحمل الذي يرفع خطية العالم أعظم من كل عمل من أعمال يد الله: إنه الغرض الوحيد الذي يستحق أن يستوقف كل عين. ثم يبيّن لماذا صُوِّر الفادي حملًا — البراءة والوداعة والذبيحة — ويحوّل الإعلان إلى دعوة: أن ننظر فنحيا.

يوحنا 1:29

هُوَذَا حَمَلُ ٱللهِ،

ٱلَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ ٱلْعَالَمِ!

عظيمة وعجيبة هي أعمال الرب الإله القادر على كل شيء! إننا نعيش في وسطها، وقلّة ما تتركه فينا من أثر برهانٌ كافٍ على فسادنا. إنه عظيم حتى في أصغر الأشياء؛ فما من نبتة ولا زهرة ولا حشرة إلا وتحمل ختم الحكمة والقدرة غير المحدودتين. فكم كان ينبغي أن نتأثّر بالتأمّل في الكلّ، لولا أن الخطية أعمت أذهاننا وقسّت قلوبنا! في البدء، إذ كان كل شيء مظلمًا خاليًا بلا هيئة، أخرجت كلمته القديرة النور والحياة والجمال والنظام. أمر الشمس أن تشرق، والكواكب أن تدور. إن اتساع الخليقة يفوق مدى تصوّراتنا بكثير. فالنجوم التي لا تُحصى، والعوالم التي مهما عظُمت في ذاتها لا تكاد تُرى من فرط بُعدها، ليس لها عندنا من نفع مباشر معروف إلا أن توسّع فكرتنا عن عظمة خالقها. إن معرفتنا بنظامنا الشمسي نفسه ضئيلة حقًّا، لكننا نعرف منه ما يكفي لنجعل لامبالاتنا بلا عذر. فمجد الشمس لا بد أن يبهر كل عين، وفي هذا العصر المستنير قلّ من لا يعرف شيئًا عن ضخامة الكواكب وسرعة حركاتها وانتظامها. ثم إن التنوّع الغني الذي يزيّن هذه الخليقة السفلى، واعتماد أجزائها المختلفة بعضها على بعض وارتباطها معًا، وخدمتها عمومًا لراحة الإنسان ساكنها الأول، فضلًا عن حفظ الأفراد وبقاء كل نوع من أنواع الحيوان — كل هذه موضوعات ليست فوق متناول العقول العادية، وهي تفتح مجالًا يكاد لا ينتهي للتأمّل والإعجاب. غير أن أكثر الناس لا يلتفتون إليها. فتعاقب الليل والنهار ودوران الفصول أمور مألوفة عندهم، كأنها يتبع بعضها بعضًا بلا علّة ولا قصد. ومع أن الفلاسفة الذين يتفرّغون علانية لدراسة أعمال الطبيعة تغمرهم آثار حكمة وترتيب يعجزون عن إدراكهما، فقليلون منهم تقودهم معرفتهم بمخلوقاته، التي يتباهون بها، إلى أفكار الخشوع نحو الله. وهكذا يعيش الناس بلا إله في العالم، مع أنهم به يحيون ويتحرّكون ويوجدون، وتحيط بهم بلا انقطاع أوضح البراهين على حضوره وقوّته. وربما أيقظ زلزال أو إعصار مخاوفهم، فأرغم عقولهم على الاقتناع بسلطانه عليهم، ودفعهم إلى التجاء عابر إليه؛ ولكن ما إن يظنّوا أن الخطر قد زال حتى يرتدّوا إلى بلادتهم السابقة.

فما الذي يستطيع أن يستوقف انتباه مخلوقات كهذه، أو أن يليّن قساوتها؟ انظروا عجيبةً أخرى أعظم من كل ما سبق: آخر ثمار الصلاح الإلهي وأسماها! لقد أحبّ الله الخطاة المتمرّدين الجاحدين حتى عيّن لهم مخلّصًا في شخص ابنه الوحيد. وقد رأى الأنبياء ظهوره في الجسد من بعيد، وأنبأوا بعواقبه السعيدة: أن حضوره سيحوّل البرية إلى بستان مثمر، وأنه آتٍ ليعطي العمي بصرًا والموتى حياة، وليطلق المأسورين أحرارًا، ويحلّ الأحمال الثقيلة، ويبارك المتعبين بالراحة. غير أن هذا التغيير لم يكن ليتمّ بمجرد كلمة قدرة، كما حين قال: «لِيَكُنْ نُورٌ»، فَكَانَ نُورٌ (تكوين 1:3). لقد كان عظيمًا أن يُخرج العالم بكلمة من العدم، لكنّ أعظم منه بكثير أن يفدي الخطاة من الشقاء. فالخلاص الذي هو رئيسه، وإن كان مجانيًّا لنا، لا بد أن يكلّفه غاليًا. فقبل أن تُمنح رحمة الله فعلًا لمذنبين كهؤلاء، كان لا بد من إيفاء حقوق عدله، ومطالب ناموسه، وكرامة حكمه. وقد أشار تأسيس الذبائح منذ القديم، واستمرار تقديمها زمنًا طويلًا، إشارةً واضحة إلى ضرورة الكفّارة؛ ولكن الكفّارة الحقيقية الكاملة ما كان يمكن أن يقدّمها إلا المسيّا. فدم الحيوانات المذبوحة لم يكن يستطيع أن يرفع الخطية، ولا أن يُظهر برّ الله في غفرانها. وكان هذا هو العمل المعيَّن المعهود به إلى المسيّا، وهو وحده القادر على إتمامه. ومن أجل هذا الغرض قال: «هَأَنَذَا جِئْتُ» (مزمور 40:7). وبهذا المعنى نفسه، لمّا رآه يوحنا، أشار إليه أمام تلاميذه قائلًا: «هُوَذَا حَمَلُ ٱللهِ»!

وهناك ثلاث نقاط تعرض نفسها لتأمّلنا:

أولًا: اللقب المعطى هنا للمسيّا: حمل الله.

ثانيًا: فاعلية ذبيحته: إنه يرفع الخطية.

ثالثًا: مداها: خطية العالم.

أولًا

إنه حمل الله. فخروف الفصح، والحملان التي كانت تُقدَّم كل يوم صباحًا ومساءً بحسب ناموس موسى، كانت من تعيين الله؛ أما هذا الحمل فكان، فوق ذلك، من إعداده هو. أما تلك فلم تكن سوى رموز نبوية. ومع كثرتها كانت كلها عاجزة عن أن تطهّر مقدّميها من الذنب (عبرانيين 10:1)؛ وقد أُبطلت جميعها حين قدّم المسيّا نفسه قربانًا واحدًا، مرة واحدة إلى الأبد، فوضع حدًّا للخطية، وأتى ببرّ أبدي لخير جميع الذين يؤمنون باسمه.

فهذا اللقب، «حمل الله»، يشير إذن إلى قيامه طوعًا مقام الخطاة، لكي ينال الذين استحقّوا الموت، بآلامه وموته، الحياة الأبدية به ومن أجله. لقد كان الجنس البشري كله مُدانًا بتعدّي ناموس الله، وفي حال من الغربة عنه. وكانت للناموس الذي كسروه عقوبةٌ مقرونة به في حال العصيان، فصاروا، بوصفهم مذنبين، معرَّضين لها. ومع أنه من التجاسر لديدان مثلنا أن نحكم، بمقتضى مبادئ من عندنا، هل كان في وسع ديّان الكون صاحب السيادة أن يعفو عن هذه العقوبة من غير إيفاء، بما يتّفق مع مجده، أم لا؛ فإننا، إذ قد تفضّل علينا بإعلان مشيئته في هذا الأمر، نستطيع أن نتكلّم بثقة أكبر، ونؤكّد أن ذلك ما كان يتّفق مع حقّه وقداسته وحكمه الأدبي، لأن هذا هو إعلانه هو. فلنا الآن أن نوقن أن غفران خاطئ واحد، بل خطية واحدة، بعمل رحمة محضة ومن غير اعتبار يتوسّط، ما كان ليتّفق مع صرامة الناموس ومع حقّ المشترِع وعدله. لكن الرحمة قصدت غفران خطاة لا يُحصون، كل منهم مثقل بخطايا لا تُحصى. وكان الإعلان بأن الله رحيم على هذا النحو سيُدوَّن ويُذاع علنًا عبر تعاقب طويل من العصور، ويمتدّ إلى خطايا لم تُرتكب بعد. ومثل هذا العمل من أعمال النعمة، بهذا الشمول وبلا تحفّظ، قد يقود الناس (ناهيك عن الكائنات العاقلة الأسمى) إلى أفكار مستخفّة بقداسة الله، بل قد يشجّعهم على الخطية على رجاء الإفلات من العقاب، ما لم يقترن بتدبير يُظهر أن ممارسته لرحمته في انسجام تامّ مع كرامة جميع كمالاته. أما كيف يمكن لله أن يكون بارًّا ويبرّر في الوقت نفسه أولئك الذين دانهم قضاؤه العادل، فتلك معضلة أعظم من أن تحلّها العقول المحدودة (رومية 3:26). ولكن في هذا يتمجّد الله. فقد اقترحت حكمته، وقدّمت محبّته، الوسيلة الكافية، بل الوسيلة الوحيدة الممكنة. وأعلن لأبوينا الأوّلين قصده، الذي أتمّه في ملء الزمان، أن يرسل ابنه «مَوْلُودًا مِنِ ٱمْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ ٱلنَّامُوسِ»، ليفتدي الخطاة من لعنة الناموس (غلاطية 4:4-5)، بأن يحملها هو عنهم. وإذا اعتبرنا جلال شخصه وكمال طاعته، فإن آلامه وموته من أجل خطايا ليست خطاياه قد أظهرت شناعة الخطية وشدّة غضب الله عليها في نور أقوى بكثير مما كان يمكن أن يُظهره تنفيذ الحكم في المذنبين أنفسهم. وهي تُظهر كذلك عدالة هذا الحكم، إذ لم يستطع جلال الكفيل ولا قداسته أن يعفياه من الألم؛ ومع أنه كان حبيب الله، لم يُشفَق عليه. هذا ما أفهمه بالكفّارة والإيفاء عن الخطية.

ثانيًا

إن فاعلية هذه الكفّارة كاملة. فحمل الله، إذ ذُبح هكذا، يرفع الخطية، من جهة ذنبها ومن جهة دنسها معًا. لقد نجا بنو إسرائيل من الموت وشُفوا من جراحهم بالنظر إلى حيّة النحاس (عدد 21:9). وحمل الله غرضٌ معروض لا على بصرنا الجسدي، بل على عين الذهن، وهي في الإنسان الساقط عمياء بالطبيعة؛ غير أن رسالة الإنجيل، التي يحييها عمل الروح القدس القدير، قد عُيّنت لتفتحها. فكلّ «مَنْ يَرَى ٱلِٱبْنَ وَيُؤْمِنُ بِهِ» على هذا النحو (يوحنا 6:40) يُنقَذ من الذنب والدينونة، ويتبرّر من كل خطية. وله الحقّ أن يحتجّ بآلام حمل الله دفعًا لآلامه هو، وبطاعة المخلّص كلها حتى الموت أساسًا لقبوله للحياة وسندًا له. ومتى أُزيل الذنب، أي الاستحقاق للعقاب، صار للنفس طريق مفتوح للدخول إلى الله، وتهيّأت لقبول البركات منه. فكما أن الشمس، ينبوع النور، تملأ العين التي كانت عمياء في اللحظة التي تنال فيها البصر، كذلك الله، ينبوع الصلاح، ينير جميع خلائقه العاقلة بحسب طاقتها، ما لم تكن الخطية قد أعمتها وجعلتها عاجزة عن الشركة معه. والآن يُقبَل المخلّص ويُتوَّج ملكًا في القلب، ومن ملئه تُستمدّ حياة النعمة وتُحفظ. وهكذا لا يُرفع ذنب الخطية فحسب، بل محبّتها وسلطانها أيضًا، إذ تُخضعهما النعمة، ويتبرّأ منهما من كل قلبه الخاطئُ المؤمن المغفور له. والدم الذي يحرّره من الضيق يُبقي في قلبه ذكرى حيّة للخطر العظيم والشقاء اللذين أُنقذ منهما، ويملؤه شكرًا لمنقذه، ويمدّه بدافع ثابت مُلزِم إلى طاعة فرحة شاملة.

ثالثًا

إن المدى المقصود لهذا الرفع المجاني للخطية، بتقدمة حمل الله، معبَّر عنه بطريقة واسعة غير محدّدة: إنه يرفع خطية العالم. ولا حاجة إلى أن أخبر كثيرين من سامعيّ بما قام من مجادلات حادّة مطوّلة حول مدى موت المسيح. وأخشى ألّا تكون فوائد هذه المجادلات على قدر غيرة المتجادلين. أما أنا فأودّ ألّا أُعرف بأي اسم إلا اسم مسيحي، وألّا أتبنّى تبنّيًا أعمى أي نظام سوى الكتاب المقدس. وعادتي أن أجتهد في أن أعظ القلب والضمير، وأن أتجنّب قدر ما أستطيع كل المسائل الخلافية. ولكن بما أن الموضوع قائم الآن أمامي مباشرة، فسأغتنم الفرصة، وأكشف لكم ببساطة وأمانة ما في قلبي من آراء بشأنه.

فإن استُنتج أنه قصد فعلًا وأراد خلاص جميع الناس، لأن موت المسيح يُقال هنا إنه يرفع خطية العالم، أو (كما يعبّر هذا الإنجيلي في موضع آخر) خطايا «كُلِّ ٱلْعَالَمِ» (يوحنا الأولى 2:2)، فإن الواقع يناقض هذا الاستنتاج. إذ من المؤكّد أن الناس لن يخلصوا جميعًا (متى 7:13-14). ويُخشى أن يهلك في خطاياهم معظمُ الذين تُرسَل إليهم كلمة خلاصه. فإن كان لا يمكن أن يخيب قصده، وكثيرون يهلكون فعلًا، فلا يمكن أن يكون قصده الثابت أن يخلص جميع الناس خلاصًا نهائيًّا مطلقًا.

إن العدد العظيم جدًّا من الذين كانوا أمواتًا بالذنوب والخطايا، والذين سيوجدون عن يمينه في يوم ظهوره العظيم، كثيرًا ما يُتحدَّث عنهم بلغة خاصة مميّزة. فهم يُدعَون خرافه (يوحنا 10:11، 16) التي بذل نفسه عنها؛ ومختاريه (مرقس 13:27)، وخاصّته (يوحنا 13:1)؛ والذين وُهب لهم أن يؤمنوا باسمه (فيلبي 1:29)، والذين سُرّ الآب بأن يعيّنهم سابقًا للتبنّي (أفسس 1:5). وقد كانوا بالطبيعة «أَبْنَاءَ ٱلْغَضَبِ كَٱلْبَاقِينَ أَيْضًا» (أفسس 2:3)، وليسوا في ذواتهم أكثر ميلًا إلى قبول الحقّ من الذين يرفضونه بعناد وإلى النهاية. ومتى صاروا راغبين، فإنما يُجعلون كذلك في يوم القدرة الإلهية (مزمور 110:3)؛ وإن تميّزوا عن غيرهم، فالنعمة هي التي تميّزهم (كورنثوس الأولى 4:7). والنصوص الكتابية في هذا المعنى لا تُحصى؛ ومع أن براعة كثيرة قد بُذلت لتلطيفها وجعلها تنطق بلغة فرضية ما، فإنها في ذاتها من الوضوح بحيث يقرؤها حتى الراكض. ليست لغة التخمين، بل لغة الوحي، هي التي تقول إن «ٱلَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ٱبْنِهِ» (رومية 8:29). ومع أن بعض الجادّين يُربكون أنفسهم بتفكيرات مؤلمة لا داعي لها بشأن سيادة الله في معاملته للبشر، فإنهم جميعًا، إن كانوا روحيين ومستنيرين حقًّا، يقفون على هذه الأرض عينها في اختبارهم الشخصي. فكثيرون ممن يبدون مخالفين لنا في طريقة الاحتجاج يتّفقون معنا تمامًا حين يتحدّثون ببساطة عمّا صنعه الله لنفوسهم. فهم يعرفون، ويعترفون بذلك بمثل استعدادنا، أنه وجدهم أولًا حين لم يكونوا يطلبونه، وأنهم لولا ذلك لما طلبوه أصلًا ولما استطاعوا؛ ولا يستطيعون أن يقدّموا لخلاصهم من العالم سببًا أفضل من هذا: أنه شاء الرب أن يجعلهم له شعبًا (صموئيل الأول 12:22)

ولكنّي، من جهة أخرى، لا أرى أن معنى العبارة يُشرح شرحًا كافيًا بالقول إن العالم، والعالم كله، قد ذُكرا لكي يعلّمانا أن ذبيحة حمل الله لم تكن مقصورة، كالتقدمات اللاوية، على أمة إسرائيل وحدها، بل إنها نافعة لخطايا عدد محدّد من الأشخاص يُدعَون المختارين، مشتّتين بين أمم كثيرة، وموجودين في أحوال وظروف متنوّعة جدًّا من الحياة البشرية. هذا هو الحقّ بلا ريب، إلى الحدّ الذي يبلغه؛ لكنه، في ما أرى، لا يوافق تمامًا طريقة الكتاب المقدس في العرض. أما أن هناك اختيارًا للنعمة، فهذا ما نتعلّمه بوضوح؛ ومع ذلك لم يُقل إن يسوع المسيح جاء إلى العالم ليخلّص المختارين، بل إنه «جَاءَ إِلَى ٱلْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ ٱلْخُطَاةَ»، «لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ» (تيموثاوس الأولى 1:15؛ لوقا 19:10). وعلى هذا الأساس أرى أن للخدّام تفويضًا بأن يكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها، وأن يخاطبوا ضمير كل إنسان قدّام الله؛ وأن كل من يسمع هذا الإنجيل قد نال بذلك تفويضًا وتشجيعًا، بل أمرًا، بأن يلجأ إلى يسوع المسيح طلبًا للخلاص. وأن الذين يرفضون إنما يُقصون أنفسهم بذلك ويهلكون، لا لأنه لم يكن لهم قطّ، ولا كان يمكن أن يكون لهم، أي نصيب في كفّارته، بل لمجرّد أنهم لا يريدون أن يأتوا إليه لتكون لهم حياة. إني أعرف شيئًا من الاعتراضات والمماحكات الفضولية الشائعة في هذا الموضوع، وأعرف أنه قد يُضيَّق عليّ بصعوبات لا أستطيع أن أحلّها بما يُرضي تمامًا أصحاب العقول الباحثة المولعة بالتأمّل النظري. ولست أفشل إذ ألاقي أمورًا تفوق إدراك قواي الضئيلة في كتاب أومن أنه موحى به ممّن طرقه وأفكاره أعلى من طرقنا وأفكارنا «كَمَا عَلَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ عَنِ ٱلْأَرْضِ» (إشعياء 55:8-9). ولكنّي أومن أن التفكيرات الباطلة، وعناد الإرادة، والتعلّق بالأسماء والأحزاب، والميل إلى استقاء آرائنا من الأنظمة البشرية بدلًا من تكوينها بدرس الكتاب المقدس درسًا دقيقًا متواضعًا مع الصلاة طلبًا للتعليم الإلهي، هي المصادر الرئيسية لحيرتنا ومنازعاتنا.

كثيرًا ما يُصوَّر مدى الكفّارة كأنما أُجري حساب لمقدار الألم الذي كان لا بد أن يحتمله الكفيل لكي يكفّر تكفيرًا دقيقًا عن مجموع خطايا جميع المختارين؛ فتألّم بهذا المقدار بالضبط لا أكثر؛ ولمّا استُوفي هذا المطلوب تمامًا قال: «قَدْ أُكْمِلَ»، ونكّس رأسه وأسلم الروح (يوحنا 19:30). غير أن دقّة الحساب هذه لا تبدو مشابهة لذلك الجلال والعظمة اللذين لا حدّ لهما، واللذين يغمران الذهن المتأمّل حين يتأمّل تدبير الله في العالم الطبيعي. فحين يروي الله الأرض يرويها بغزارة (مزمور 65:10). فهو لا يحصر المطر في البقاع المزروعة أو القابلة للاستصلاح، بل بسخاء في الجود يليق به تسكب سحبه الماء بالغزارة نفسها على الجبل الأجرد، والبرية الموحشة، والمحيط الذي لا مسالك فيه. فلماذا لا نقول مع الكتاب إن المسيح مات لإظهار برّ الله (رومية 3:25-26)، ولإعلان أنه بارّ حين يبرّر الفجّار الذين يؤمنون بيسوع؟ وعلى قدر ما نعلم، فإن هذا الإظهار نفسه لشرّ الخطية واستحقاقها للعقاب، بآلام الفادي وموته، ربما كان ضروريًّا بالقدر نفسه، ولو كان عدد المختارين أقلّ بكثير مما سيظهر عليه حين يجتمعون كلهم أمام عرش المجد. فلو أن الله خلق هذه الأرض لسكنى إنسان واحد فقط، وشاء أن يمنحه النوع نفسه والمقدار نفسه من النور الذي نتمتّع به، لكانت الشمس المجيدة نفسها، التي تكفي الآن لإنارة ملايين البشر وإبهاجهم، ضرورية لخدمة ذلك الشخص الواحد. وهكذا، ربما لو شاء أن يخلّص خاطئًا واحدًا فقط، بطريقة تكشف أسمى كشف ممكن عن عدله ورحمته، لما أمكن ذلك إلا بالطريقة نفسها التي اختارها لخلاص الجموع التي لا تُحصى، والتي ستتّحد في اليوم العظيم في ترنيمة التسبيح للحمل الذي أحبّها وغسّلها من خطاياها بدمه. وكما أن في الشمس من النور ما يكفي لعيون (لو وُجد من يقدر على رؤيتها) بعدد أوراق الأشجار وأعشاب الأرض، كذلك في يسوع، شمس البرّ، «فِدًى كَثِيرٌ»، وهو غنيّ بالرحمة «لِجَمِيعِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ بِهِ» (مزمور 130:7؛ رومية 10:12)؛ وهو يدعو الخطاة بلا استثناء، ممّن تُرسَل إليهم كلمة خلاصه، حتى أقاصي الأرض، أن يلتفتوا إليه ليخلصوا (إشعياء 45:22)

إن الله، في ظلّ تدبير الإنجيل وبواسطته، «يَأْمُرُ جَمِيعَ ٱلنَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنْ يَتُوبُوا» (أعمال الرسل 17:30). فجميع الناس إذن، في كل مكان، يُشجَّعون على رجاء الغفران، بحسب الترتيب الذي يرسمه الإنجيل؛ وإلا لكانت التوبة مستحيلة وعديمة الجدوى. ولذلك فإن الأمر بالتوبة يتضمّن تفويضًا بالإيمان باسم يسوع بوصفه رافع خطية العالم. ولا يقولنّ أحد إن دعوة الناس إلى الإيمان، وهو فعل يفوق قدرتهم الطبيعية، سخرية بهم. فهناك وسائل مقرّرة لنيل الإيمان، ليس الامتثال لها فوق قدرتهم الطبيعية، ما لم يكونوا معاندين عن عمد. ولنا كلمة الله سندًا لما نقول. «ٱللهُ لَا يُشْمَخُ عَلَيْهِ» (غلاطية 6:7)، ولا هو يسخر بخلائقه. فربّنا لم يسخر بالرئيس الشاب حين قال له إنه إن باع ما يملكه على الأرض وتبعه، يكون له كنز في السماء (لوقا 18:22). أفلم يكن لهذا الرئيس قدرة على أن يبيع أملاكه؟ لا أشكّ في أنه هو نفسه ظنّ أن له القدرة على بيعها لو شاء. لكنه، إذ كان يحبّ ماله أكثر مما يحبّ المسيح، ويفضّل الكنوز الأرضية على السماوية، لم تكن له إرادة أن يتخلّى عنها. وانعدام الإرادة في كائن أدبي هو انعدام القدرة بأقوى معانيها. فلا يتجاسرنّ أحد على أن يقدّم لخالقه أعذارًا ما كان هو ليقبلها في شؤونه الخاصة. فإن قلت عن إنسان إنه كذّاب إلى حدّ أنه لا يستطيع أن ينطق بكلمة صدق، وفاجر إلى حدّ أنه لا يستطيع أن يتكلّم بلا حلف، وغير أمين إلى حدّ أنه لا يستطيع أن يفوّت فرصة للغشّ أو السرقة، فهل تتحدّث عن عجزه عن فعل الخير تخفيفًا لذنبه، ولأنك تظنّ أن ذلك يبرّئه من اللوم؟ لا شكّ أنك ترى أنه كلما ازداد نفورًا من فعل الخير واعتيادًا على الشرّ، كان أسوأ. فالإنسان الذي يستطيع أن يكذب ويحلف زورًا، وأن يخدع ويسلب، لكنه عدوّ للحقّ والصلاح إلى حدّ أنه لا يستطيع أن يفعل شيئًا لطيفًا أو مستقيمًا، لا بد أنه شخص بغيض حقًّا! فلا تحكم على نفسك حكمًا أرفق، إن كنت تستطيع أن تحبّ العالم واللذّة الحسّية، ولكنك لا تستطيع أن تحبّ الله؛ وإن كنت تستطيع أن تخاف دودة مثلك، لكنك تعيش بلا مخافة الله؛ وإن كنت تستطيع أن تدوس شرائعه بجسارة، لكنك لا تريد، ولذلك لا تستطيع، أن تتواضع أمامه وتطلب رحمته بالطريقة التي عيّنها. لا يمكننا أن ننسب إلى نعمة الله أكثر مما ينبغي؛ ولكن يجب أن نحترس لئلّا نقدّم، بحجّة تعظيم نعمته، أعذارًا للكسالى وغير الأمناء يغطّون بها عنادهم وشرّهم (متى 25:16). إن الله منعم، ولكن ليكن الإنسان مسؤولًا بحقّ عن شرّه، ولا يتجاسر على أن يعرض قضيته بطريقة تجعل، بالنتيجة المنطقية، الله القدوس علّةً للخطية التي يبغضها وينهى عنها.

ويمكن تلخيص الأمر كله في نقطتين أوصيكم بأن تولوهما انتباهكم الجادّ؛ ولا بد أن يكون شغل حياتي تأكيدهما، وأرجو ألّا أندم على تأكيدهما، لا في ساعة الموت ولا في يوم الدينونة، حين يجب أن أعطي حسابًا عن وعظي، وأنتم عمّا سمعتموه في هذا المكان.

(1)

أن الخلاص هو حقًّا بالنعمة كله. فعطية المخلّص، وأول بزوغ للنور في القلب، وكل المعونات والإمدادات اللازمة لمواصلة العمل من الأساس إلى حجر القمّة — الكلّ من النعمة المجانية.

(2)

أنه الآن، وقد كُرز لكم بحمل الله رافعًا خطية العالم، إن رفضتموه — لا سمح الرب! — أقول: إن رفضتموه، فدمكم على رؤوسكم. لقد أُنذرتم، وقد دُعيتم. فلا تجسروا أن تقولوا: «لِمَاذَا يَلُومُ بَعْدُ؟ لِأَنْ مَنْ يُقَاوِمُ مَشِيئَتَهُ؟» (رومية 9:19). إن شاء أن يخلّصني فسأخلص، وإن لم يشأ فماذا أستطيع أن أفعل؟ إن الله رحيم، لكنه أيضًا قدّوس وعادل؛ وهو القدير، لكن قدرته غير المحدودة مقترنة بالحكمة، وتضبطها مقاصد حكمه العظيمة. إنه يستطيع أن يفعل أمورًا لا تُحصى لا يريد أن يفعلها. أما ما سيفعله (بقدر ما يعنينا) فكلمته تخبرنا به، ولن يزول منها «حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ» (متى 5:18)

—— O ——

الشواهد الكتابية في هذه العظة يوحنا 1:29

ملكية عامة. النص المصدر من الطبعة الأصلية.