فصل 2 · قراءة 4 د
مدخل
إن الغاية العظمى التي تتجه نحوها كل معاملات الله عبر التدابير المتعاقبة معلنة لنا في الأصحاح الخامس عشر من رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس: «كَيْ يَكُونَ ٱللهُ ٱلْكُلَّ فِي ٱلْكُلِّ». ويتفق مع هذا تعليم ربنا في يوحنا 17:3: «وَهَذِهِ هِيَ (غاية) ٱلْحَيَاةُ ٱلْأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ ٱلْإِلَهَ ٱلْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ ٱلَّذِي أَرْسَلْتَهُ». وإذ الأمر كذلك، أفلا نكون حكماء إن أبقينا هذه الغاية نصب أعيننا دائمًا في حياتنا اليومية وفي دراستنا لكلمة الله المقدسة؟
الكتاب كله موحى به من الله ونافع، ومن ثم لا يمكن إهمال أي جزء منه من دون خسارة. وقليلة هي أجزاء الكلمة التي تعين الدارس التقي على بلوغ «مَعْرِفَةَ ٱللهِ» هذه، التي هي أهم كل شيء، أكثر من سفر «نشيد الأنشاد» المهمل إهمالًا شديدًا. وكغيره من أجزاء كلمة الله، لهذا السفر صعوباته. لكن هذا شأن جميع أعمال الله أيضًا. أوليس كونها تفوق قدرتنا على الفهم والبحث، إن اعتمدنا على أنفسنا وحدها، «توقيعًا بخط اليد» يشهد لألوهيتها؟ أيستطيع الإنسان الضعيف أن يتوقع الإحاطة بالقدرة الإلهية، أو فهم أعمال الحكيم وحده وتدابيره وتفسيرها؟ وإن لم يكن ذلك في وسعه، فهل من العجيب أن تحتاج كلمته أيضًا إلى حكمة تفوق حكمة البشر لتفسيرها؟ شكرًا لله، فإن استنارة الروح القدس موعود بها لكل من يطلبها: فماذا نبتغي أكثر من ذلك؟
إذا قُرئ هذا السفر من دون المفتاح بدا عسير الفهم على نحو خاص، غير أن ذلك المفتاح يوجد بسهولة في التعاليم الصريحة للعهد الجديد. فالكلمة المتجسد هو المفتاح الحقيقي للكلمة المكتوبة؛ ولكن حتى قبل التجسد كان الدارس التقي للعهد القديم يجد في كتابات الأنبياء عونًا كبيرًا على فهم الأسرار المقدسة لهذا السفر؛ إذ هناك تعلّم إسرائيل أن صانعها هو بعلها. ويوحنا المعمدان، آخر الأنبياء، عرف العريس في شخص المسيح، وقال: «مَنْ لَهُ ٱلْعَرُوسُ فَهُوَ ٱلْعَرِيسُ، وَأَمَّا صَدِيقُ ٱلْعَرِيسِ ٱلَّذِي يَقِفُ وَيَسْمَعُهُ فَيَفْرَحُ فَرَحًا مِنْ أَجْلِ صَوْتِ ٱلْعَرِيسِ. إِذًا فَرَحِي هَذَا قَدْ كَمَلَ.». أما بولس فيذهب في الأصحاح الخامس من رسالته إلى أهل أفسس أبعد من ذلك، فيعلّم أن اتحاد المسيح بكنيسته وخضوعها له هو الأساس الذي تقوم عليه علاقة الزواج نفسها، وهو النموذج لكل اتحاد تقي.
في سليمان، الملك العريس وكاتب هذه القصيدة أيضًا، نرى رمزًا لربنا، رئيس السلام الحقيقي، في ملكه الآتي. حينئذ لن توجد عروسه، الكنيسة، فحسب، بل أيضًا شعب منتدب، هم رعاياه، يملك عليهم في مجد. حينئذ يأتي العظماء من الأقاصي بثرواتهم، وينظرون مجد الملك الجالس على عرشه، ويمتحنونه بمسائل، كما أتت ملكة سبا مرة إلى الملك سليمان؛ وطوبى لمن تُمنح لهم هذا الامتياز. فنظرة خاطفة تكفيهم مدى الحياة؛ فكم تكون إذًا كرامة العروس الملكية وغبطتها، وهي المقامة والممجَّدة! إلى الأبد مع ربها، وإلى الأبد على مثال ربها، وإلى الأبد مدركة أن إليها اشتياقه، تشاركه قلبه وعرشه معًا. أفيمكن لدراسة السفر الذي يعيننا على فهم أسرار النعمة والمحبة هذه أن تكون إلا نافعة غاية النفع؟
ومن المفيد أن نلاحظ التباين بين هذا السفر والسفر الذي يسبقه. فسفر الجامعة يعلّم بكل تأكيد أن «بَاطِلُ ٱلْأَبَاطِيلِ، ٱلْكُلُّ بَاطِلٌ.»؛ وهو بذلك المقدمة الضرورية لنشيد الأنشاد، الذي يبيّن كيف تُمتلك البركة الحقيقية والشبع الحقيقي. وعلى المنوال نفسه، يبيّن تعليم مخلّصنا في الأصحاح الرابع من إنجيل يوحنا بكلمة واحدة عجز الأمور الأرضية عن منح شبع دائم، في تباين لافت مع فيض البركة الناتج عن حضور الروح القدس (الذي عمله ألا يعلن نفسه، بل أن يعلن المسيح عريسًا للنفس)؛ «كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هَذَا ٱلْمَاءِ يَعْطَشُ أَيْضًا. وَلَكِنْ مَنْ يَشْرَبُ مِنَ ٱلْمَاءِ ٱلَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى ٱلْأَبَدِ، بَلِ ٱلْمَاءُ ٱلَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ» — فائضًا، ويفيض بلا انقطاع — «إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ».
وسنجد من المفيد أن ننظر في السفر مقسَّمًا إلى ستة أقسام:—
- القسم الأول: الحياة غير المشبَعة وعلاجها.
- الأصحاح 1:2 إلى 2:7.
- القسم الثاني: انقطاع الشركة. الاسترداد.
- الأصحاح 2:8 إلى 3:5.
- القسم الثالث: الشركة غير المنقطعة.
- الأصحاح 3:6 إلى 5:1.
- القسم الرابع: انقطاع الشركة ثانية. الاسترداد
- الأصحاح 5:2 إلى 6:10.
- القسم الخامس: ثمار الاتحاد المعترف به.
- الأصحاح 6:11 إلى 8:4.
- القسم السادس: الشركة المنطلقة بلا قيد.
- الأصحاح 8:5-14.
وفي كل قسم من هذه الأقسام سنجد المتكلمين هم: العروس، والعريس، وبنات أورشليم؛ وليس من الصعب عادة أن نتبيّن المتكلم، وإن كانت الآراء قد اختلفت في بعض الأعداد. فالعروس تتحدث عن العريس بقولها «حَبِيبِي»؛ والعريس يخاطبها بقوله «يَا حَبِيبَتِي»، أما خطاب بنات أورشليم فأكثر تنوعًا. ففي الأقسام الأربعة الأخيرة يدعونها «أَيَّتُهَا ٱلْجَمِيلَةُ بَيْنَ ٱلنِّسَاءِ»، أما في الخامس فيُشار إليها بـ«شُولَمِّيثُ»، أي عروس الملك، وكذلك بـ«بِنْتَ ٱلْكَرِيمِ».
وسيجد دارس هذا السفر عونًا كبيرًا في وضع علامات مناسبة في كتابه المقدس. فخط أفقي يفصل كلام كل متكلم، مع خط مزدوج يفصل بين الأقسام، يكون مفيدًا، وكذلك خطوط عمودية في الهامش تدل على المتكلم. وقد رسمنا نحن خطًّا مفردًا يصل بين الأعداد التي تتضمن أقوال العروس؛ وخطًّا مزدوجًا للدلالة على أقوال العريس، وخطًّا متموجًا للدلالة على خطاب بنات أورشليم.
وسيُلاحَظ أن العروس هي المتكلمة الرئيسية في القسمين الأول والثاني، وأنها منشغلة بنفسها كثيرًا؛ أما في القسم الثالث، حيث الشركة غير منقطعة، فلا تقول إلا القليل، وتظهر في موقع السامعة؛ فبنات أورشليم يتكلمن كلامًا طويلًا، والعريس يتكلم أطول كلامه. وفي ذلك القسم يدعوها لأول مرة عروسه، ويجتذبها إلى الشركة في الخدمة. وفي القسم الرابع تعود العروس فتكون المتكلمة الرئيسية، ولكن بعد استردادها يتكلم العريس مطولًا «وَلَا يُعَيِّرُ». وفي القسم الخامس، كما لاحظنا، لم تعد العروس تُدعى «أَيَّتُهَا ٱلْجَمِيلَةُ بَيْنَ ٱلنِّسَاءِ»، بل تطالب بنفسها بأن تكون العروس الملكية، ويُعترف بها كذلك. وفي القسم السادس يطالب بها العريس منذ ولادتها ذاتها، لا منذ خطبتها فحسب، كما طالب الله بإسرائيل في حزقيال 16.
في ستر حضوره الخفي
كم تبتهج نفسي أن تختبئ!
آه، ما أثمن الدروس
التي أتعلمها بجانب يسوع!
هموم الأرض لن تقلقني أبدًا،
ولا التجارب تطرحني أرضًا؛
فحين يأتي الشيطان ليقلقني،
إلى الموضع الخفي أمضي!
اكتمل الفصل 2
مدخل