فصل 19 · قراءة 2 د
الروح القدس وجسد المؤمن
إنّ للروح القدس عملًا يصنعه لأجل أجسادنا، كما أنّ له عملًا يصنعه لأجل عقولنا وقلوبنا. فنحن نقرأ في رومية 8:11: «وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنًا فيكم، فالذي أقام المسيح من الأموات سيحيي أجسادكم المائتة أيضًا بروحه الساكن فيكم». فالروح القدس هو الذي يُحيي جسد المؤمن المائت ويبعث فيه الحياة. وواضحٌ كلّ الوضوح من سياق الكلام أنّ هذا القول إنّما يشير إلى قيامة الجسد في المستقبل (الآيات 21-23). فقيامةُ الجسد إنّما هي عملٌ من أعمال الروح القدس، والجسدُ الممجّد إنّما هو منه هو؛ فإنّه «جسمٌ روحانيّ». أمّا في الوقت الحاضر فليس لنا إلّا باكورة الروح، ونحن بعدُ منتظرون ذلك الحصاد الكامل، أي فداء أجسادنا (الآية 23).
على أنّ ثمّة معنًى من المعاني يُحيي فيه الروح القدس أجسادنا حتى في الوقت الحاضر. فيسوع يخبرنا في متى 12:28 أنّه إنّما كان يُخرج الشياطين بروح الله. ونحن نقرأ أيضًا في أعمال الرسل 10:38: «يسوع الذي من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوّة، الذي جال يصنع خيرًا ويشفي جميع المتسلّط عليهم إبليس، لأنّ الله كان معه». وفي يعقوب 5:14 يكتب الرسول: «أمريضٌ أحدٌ بينكم؟ فليدعُ شيوخ الكنيسة فيصلّوا عليه ويدهنوه بزيتٍ باسم الرب». والزيت في هذا المقطع إنّما هو رمزٌ للروح القدس، والحقّ الذي لا مراء فيه أنّ الشفاء هو عملٌ من أعمال الروح القدس. فالله، بروحه القدوس، إنّما يمنح هذه الأجساد المائتة صحّةً جديدةً وقوّةً جديدةً في هذه الحياة الحاضرة.
أمّا أن نذهب إلى ما يذهب إليه كثيرون من التطرّف، فنقيم دعوانا على أنّ المؤمن السالك في شركةٍ مع المسيح لا يحتاج أن يمرض البتّة، فذلك ذهابٌ إلى أبعد ممّا يأذن لنا الكتاب المقدس بالذهاب إليه. صحيحٌ أنّ فداء أجسادنا مضمونٌ لنا بعمل المسيح الكفّاريّ، ولكنّنا إلى أن يأتي الرب لا نتمتّع إلّا بباكورة ذلك الفداء. فنحن ننتظر، بل نئنّ أحيانًا، إلى أن ننال مقامنا الكامل بنينَ لله، ذلك المقام الذي يُعلَن في فداء أجسادنا (رومية 8:23). ولكن مع أنّ هذا كلّه حقّ، فإنّ تعليم الكتاب الصريح، وهو أيضًا اختبارٌ شخصيّ عند ألوفٍ من الناس، أنّ حياة الروح القدس تجتاح أجسادنا هذه في لحظات الضعف وفي لحظات الألم والمرض، فتمنحها صحّةً جديدة، وتنقذها من الألم، وتملأها حياةً فائضة.
وإنّه لامتيازٌ لنا أن نعرف لمسة الروح القدس المحيية في أجسادنا هذه، كما نعرفها في عقولنا وفي عواطفنا وإرادتنا. وإنّه ليومٌ عظيمٌ للكنيسة ولمجد يسوع المسيح، لو أنّ المسيحيين نبذوا إلى الأبد وإلى غير رجعة كلّ ما يزيّفه إبليس ويزوّره من عمل الروح القدس: العلم المسيحيّ، والشفاء العقليّ، والحضور الإلهيّ المزعوم، والتنويم المغناطيسيّ، وسائر صور السحر والتنجيم الأخرى، واتّكلوا على الله وحده ليصنع بقوّة روحه القدوس في أجسادنا هذه ما يراه هو في حكمته الكاملة أشدّ ما نحن محتاجون إليه.