فصل 18 · قراءة 13 د
الروح القدس يُرسل الناس إلى خطوطٍ معيّنة من العمل
نقرأ في أعمال الرسل 13:2-4: «وبينما هم يخدمون الربّ ويصومون، قال الروح القدس: أفرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه. فصاموا حينئذٍ وصلّوا ووضعوا عليهما الأيادي، ثمّ أطلقوهما. فهذان إذ أُرسلا من الروح القدس انحدرا إلى سلوكية، ومن هناك سافرا في البحر إلى قبرس». وظاهرٌ من هذا الفصل كلّ الظهور أنّ الروح القدس هو الذي يدعو الناس إلى خطوطٍ معيّنة محدّدة من العمل، وهو الذي يرسلهم إلى ذلك العمل إرسالًا. فهو لا يكتفي بأن يدعو الناس إلى العمل المسيحيّ دعوةً عامّة مطلقة لا تحديد فيها، بل هو يختار لهم العمل بعينه دون سائر الأعمال، ثمّ يدلّهم عليه دلالةً واضحة بيّنة.
وكثيرون هم الذين يسألون اليوم، وكثيرون غيرهم ينبغي لهم أن يسألوا: «أأذهب إلى الصين، أم إلى أفريقيا، أم إلى الهند؟»
وما من أحدٍ يستطيع أن يفصل لك في هذه المسألة فصلًا صائبًا إلّا أقنومٌ واحد، وذلك الأقنوم هو الروح القدس.
فأنت لا تستطيع أن تفصل في هذه المسألة بنفسك، وأبعدُ من ذلك أن يستطيع إنسانٌ آخر أن يفصل فيها لك فصلًا صائبًا. فليس كلّ رجلٍ مسيحيّ مدعوًّا أن يذهب إلى الصين أو أفريقيا أو الحقل الأجنبيّ البتّة. والله وحده يعلم هل يريدك في واحدٍ من هذه الأماكن، غير أنّه راغبٌ أن يُريك. وفي يومٍ كاليوم الذي نحيا فيه، وقد عظُمت الحاجة إلى الرجال الصالحين والنساء الصالحات في الحقل الأجنبيّ، ينبغي لكلّ رجلٍ مسيحيّ ولكلّ امرأةٍ مسيحيّة، ممّن كانوا في شرخ الشباب وصحّة البدن وسلامة العقل، أن يقدّموا أنفسهم لله لأجل الحقل الأجنبيّ، وأن يسألوه: أيريد لهم أن يذهبوا؟ ولكن لا ينبغي لهم أن يذهبوا حتى يجعل هو الأمر بيّنًا واضحًا بروحه القدّوس.
إنّ الحاجة العظمى في كلّ خطوط العمل المسيحيّ اليوم هي إلى رجالٍ ونساءٍ يدعوهم الروح القدس ويرسلهم هو. فعندنا من الرجال والنساء الذين دعاهم الناس وأرسلهم الناس كثرةٌ وافرة. وعندنا من الرجال والنساء الذين دعوا أنفسهم بأنفسهم كثرةٌ وافرة أيضًا؛ فإنّ اليوم كثيرين يعترضون اعتراضًا شديدًا على أن يرسلهم الناس أو تُرسلهم هيئةٌ من الهيئات، وهم في الحقيقة على حالٍ أسوأ من ذلك بما لا يُقاس: أرسلوا أنفسهم بأنفسهم، ولم يرسلهم الله.
فكيف يدعو الروح القدس؟ إنّ الفصل الذي بين أيدينا لا يخبرنا كيف كلّم الروح القدس تلك الجماعة من الأنبياء والمعلّمين في أنطاكية، إذ قال لهم أن يفرزوا برنابا وشاول للعمل الذي دعاهما إليه. فهو ساكتٌ عن هذا الأمر سكوتًا مقصودًا. ولعلّه إنّما سكت عنه لئلّا نظنّ أنّ الروح القدس لا بدّ أن يدعو دائمًا على النهج الواحد بعينه. فليس ثمّة ما يدلّ البتّة على أنّه تكلّم بصوتٍ مسموع، وأبعدُ من ذلك أن يكون ثمّة ما يدلّ على أنّه أعلن مشيئته بشيءٍ من تلك الطرائق العجيبة الغريبة التي يزعم بعضهم في أيامنا هذه أنّهم يتبيّنون بها إرشاده، كاختلاج البدن، أو الارتعاد والقشعريرة، أو فتح الكتاب المقدس على غير قصدٍ ولا هدى ووضع الإصبع على فصلٍ قد يُحمَل على معنًى مغايرٍ كلّ المغايرة للمعنى الذي أراده الكاتب الملهَم به. وإنّما الأمر ذو الشأن الأعظم ههنا هو أنّه أعلن مشيئته إعلانًا، وأنّه راغبٌ أن يُعلن مشيئته لنا نحن اليوم. فهو تارةً يُعلنها لنا على وجهٍ من الوجوه، وتارةً يُعلنها على وجهٍ آخر، ولكنّه لا بدّ أن يُعلنها.
ولكن كيف لنا أن ننال دعوة الروح القدس؟ أوّلًا: باشتهائها والرغبة فيها؛ وثانيًا: بطلبها طلبًا جادًّا حارًّا؛ وثالثًا: بالانتظار أمام الربّ في سبيلها؛ ورابعًا: بتوقّعها وانتظار مجيئها. فإنّ النصّ يقول: «وبينما هم يخدمون الربّ ويصومون». فقد كانوا منتظرين أمام الربّ ليدلّهم على طريقهم ويرشدهم إلى ما يصنعون. وكانوا قد ولّوا ظهورهم في ذلك الحين تولية تامّة لهموم هذه الدنيا وملذّاتها، بل حتى لتلك الأمور التي هي في مواضعها لائقةٌ كلّ اللياقة. وكثيرون هم الذين يقولون اليوم اعتذارًا عن قعودهم في بيوتهم عن الحقل الأجنبيّ: «لم تأتني دعوةٌ قطّ». ولكن من أين لك أن تعلم ذلك؟ أكنتَ مُرهفًا سمعك مصغيًا حتى تسمع الدعوة إذا جاءت؟
إنّ الله في الأكثر إنّما يتكلّم بصوتٍ منخفضٍ خفيف، ولا يلتقط ذلك الصوت إلّا الأذن المصغية وحدها.
أقدّمت نفسك لله يومًا تقديمًا صريحًا ليرسلك حيث يشاء؟ فمع أنّه لا ينبغي لرجلٍ ولا لامرأةٍ أن يذهب إلى الصين أو أفريقيا أو غيرهما من الحقول الأجنبية ما لم يكن مدعوًّا، فإنّه ينبغي لكلّ واحدٍ منهم أن يقدّم نفسه لله لأجل هذا العمل، وأن يكون مستعدًّا للدعوة، وأن يُرهف سمعه إرهافًا حتى يسمع الدعوة إن جاءته. وليكن راسخًا في أذهاننا كلّ الرسوخ أنّ الإنسان ليس محتاجًا إلى دعوةٍ إلى أفريقيا أوضح من دعوته إلى بوسطن أو نيويورك أو لندن أو غيرها من الحقول المرغوبة ههنا في الوطن.
وليس الروح القدس يدعو الناس ويرسلهم إلى خطوطٍ معيّنة من العمل فحسب، بل هو يرشد أيضًا في تفاصيل الحياة اليومية وفي تفاصيل الخدمة: إلى أين ينبغي أن يذهبوا وإلى أين لا ينبغي أن يذهبوا، وماذا ينبغي أن يعملوا وماذا لا ينبغي أن يعملوا.
نقرأ في سفر أعمال الرسل 8:27-29: «فقام وذهب. وإذا رجلٌ حبشيٌّ خصيّ، وزيرٌ لكنداكة ملكة الحبشة، كان على جميع خزائنها. فهذا كان قد جاء إلى أورشليم ليسجد. وكان راجعًا وجالسًا على مركبته وهو يقرأ النبيّ إشعياء. فقال الروح لفيلبّس: تقدّم ورافق هذه المركبة». فههنا نرى الروح القدس نفسه وهو يرشد فيلبّس ويدلّه على طريقه في تفاصيل تلك الخدمة التي كان هو قد دعاه إليها من قبل. وعلى نحوٍ من هذا النحو نقرأ أيضًا في سفر أعمال الرسل 16:6-7: «وبعد ما اجتازوا في فريجيّة وكورة غلاطيّة، منعهم الروح القدس أن يتكلّموا بالكلمة في أسيّا. فلمّا أتوا إلى ميسيّا حاولوا أن يذهبوا إلى بثينيّة، فلم يدعهم الروح». فههنا نرى الروح القدس وهو يدلّ بولس على المواضع التي لا ينبغي له أن يذهب إليها، ويمنعه عنها منعًا صريحًا.
وفي وسعنا أن ننال إرشاد الروح القدس الكامل عند كلّ منعطفٍ من منعطفات هذه الحياة. خذ لك مثالًا على ذلك عملنا نحن. فمن الظاهر البيّن أنّ الله لا يقصد أن نكلّم كلّ من نلقاه. فإنّ محاولة ذلك محاولةٌ للمستحيل، ولأضعنا وقتًا كثيرًا في مخاطبة أناسٍ لا نبلغ عندهم خيرًا، وكان يمكن أن يُنفق ذلك الوقت في مخاطبة أناسٍ نُدرك عندهم شيئًا. فثمّة قومٌ من الحكمة لنا أن نكلّمهم، وثمّة قومٌ آخرون ليس من الحكمة لنا في شيءٍ أن نكلّمهم؛ والوقت الذي يُنفق عليهم إنّما هو وقتٌ يُقتطع من عملٍ آخر هو أدعى إلى مجد الله. ولا شكّ أنّ فيلبّس، وهو سائرٌ في طريقه نحو غزّة، قد لقي كثيرين قبل أن يلقى ذاك الذي قال فيه الروح: «تقدّم ورافق هذه المركبة».
والروح مستعدٌّ أن يرشدنا نحن كما كان مستعدًّا أن يرشد فيلبّس. فمنذ سنين قد خلت، وقع في نفس عاملٍ مسيحيّ في مدينة تورونتو أنّه ينبغي له أن يذهب إلى المستشفى ليكلّم إنسانًا من الناس هناك. فقال في نفسه: «مَن أعرف أنا في المستشفى في هذا الوقت؟» فخطر بباله واحدٌ كان يعلم أنّه هناك، فأسرع إلى المستشفى؛ ولكنّه لمّا جلس إلى جانبه ليحدّثه أدرك أنّه لم يكن مُرسَلًا لأجل هذا الرجل. ثمّ قام عن جانبه ليفتح نافذةً من النوافذ. تُرى ماذا يعني هذا الأمر كلّه؟ وكان رجلٌ آخر مضطجعًا في الجهة المقابلة من الممرّ، تجاه الرجل الذي يعرفه؛ فخطر له أنّ هذا لعلّه الرجل الذي ينبغي له أن يكلّمه. فالتفت إليه وكلّمه، ونال هذا الشرف: أن يقوده إلى المسيح. ولم يكن في حال ذلك الرجل ما يدعو إلى القلق: فقد أصابته إصابةٌ في ركبته، ولم يكن يخطر ببال أحدٍ أنّ الأمر خطير؛ غير أنّ ذلك الرجل عبر إلى الأبدية في تلك الليلة عينها.
ويمكن أن تُروى أمثلةٌ كثيرة من هذا القبيل، تُثبت لنا بالاختبار أنّ الروح القدس مستعدٌّ اليوم أن يرشد الذين يطلبون إرشاده، استعدادَه أن يرشد التلاميذ الأوّلين في صدر الكنيسة. غير أنّه مستعدٌّ أن يرشدنا نحن، لا في صور العمل المسيحيّ الأتمّ الأكمل فحسب، بل في شؤون هذه الحياة كلّها: في التجارة، وفي الدرس، وفي كلّ ما علينا أن نعمله. وما في الكتاب المقدس وعدٌ أوضح بيانًا من يعقوب 1:5-7: «وإنّما إن كان أحدكم تعوزه حكمة، فليطلب من الله الذي يعطي الجميع بسخاءٍ ولا يعيّر، فسيُعطى له. ولكن ليطلب بإيمانٍ غير مرتابٍ البتّة، لأنّ المرتاب يشبه موجًا من البحر تخبطه الريح وتدفعه. فلا يظنّ ذلك الإنسان أنّه ينال شيئًا من عند الربّ». وهذا الفصل لا يعد بحكمة الله فحسب، بل هو يخبرنا على وجه التحديد ما الذي ينبغي لنا أن نعمله حتى ننالها. وفيه خمس خطواتٍ مذكورةٍ أو ملموحٍ إليها: 1. أن تكون الحكمة «تعوزنا». فلا بدّ لنا أن نُدرك عجزنا عن أن نقضي قضاءً حكيمًا، وأن نعترف به اعترافًا تامًّا.
وههنا موضع إخفاقنا في نيل حكمة الله. فنحن نظنّ أنّا نستطيع أن نقضي لأنفسنا، أو نحن على أقلّ تقدير لسنا مستعدّين أن نعترف بعجزنا التامّ عن القضاء. فلا بدّ من رفض حكمة الجسد رفضًا كلّيًّا.
2. ولا بدّ لنا أن نشتهي معرفة طريق الله، وأن نكون راغبين في أن نعمل مشيئته مهما كلّفنا ذلك من ثمن. وهذا ملموحٌ إليه في كلمة «فليطلب». فالطلب ينبغي أن يكون صادقًا؛ وإن لم نكن راغبين في أن نعمل مشيئة الله كائنةً ما كانت ومهما كلّفنا ذلك، لم يكن الطلب صادقًا. وهذه نقطةٌ ذات خطرٍ أساسيّ. فما من شيءٍ يبلغ في جلاء أذهاننا لإدراك مشيئة الله كما يُعلنها روحه مبلغ الإرادة المسلَّمة. وههنا نجد السبب في أنّ الناس كثيرًا ما لا يعرفون مشيئة الله ولا ينالون إرشاد الروح: فهم غير راغبين في أن يعملوا كلّ ما يقودهم الروح إليه مهما كلّفهم ذلك.
فـ«إن شاء أحدٌ أن يعمل مشيئته» فهو الذي يعرف، لا التعليم فحسب، بل يعرف أيضًا واجبه اليوميّ في كلّ يومٍ بيومه.
وكثيرًا ما يأتي إليّ أناسٌ فيقولون: «لست أستطيع أن أهتدي إلى مشيئة الله»؛ فإذا أنا سألتهم: «أراغبٌ أنت في أن تعمل مشيئة الله مهما كلّفك ذلك؟» أقرّوا أنّهم غير راغبين. فالطريق التي تشتدّ ظلمتها ويشتدّ غموضها علينا ما دمنا محجمين عن التسليم المطلق لله، هي عينها تصير واضحةً كوضح النهار متى نحن سلّمنا ذلك التسليم.
3. ولا بدّ لنا أن «نطلب» الإرشاد طلبًا صريحًا. فلا يكفي أن نشتهي أو أن نكون راغبين في الطاعة، بل لا بدّ أن نسأل الله أن يُرينا الطريق.
4. ولا بدّ لنا أن نتوقّع الإرشاد توقّعًا واثقًا. «ليطلب بإيمانٍ غير مرتابٍ البتّة». فكثيرون لا يهتدون إلى الطريق، مع أنّهم يسألون الله أن يُريهم إيّاها، لا لشيءٍ إلّا لأنّهم لا يتوقّعون توقّعًا لا ريب فيه أنّ الله سيُريهم الطريق. والله يعد بأن يُريها إن نحن توقّعنا ذلك واثقين. فإذا جئت إلى الله في الصلاة أن يُريك ما تعمل، فاعلم علم اليقين أنّه سيُريك. وأمّا بأيّ وجهٍ من الوجوه سيُريك، فذاك ما لم يخبرك هو به؛ ولكنّه وعد بأنّه سيُريك، وحسبك ذلك.
5. ولا بدّ لنا أن نتبع خطوةً خطوةً كلّما جاء الإرشاد. وقد سبق القول إنّه لا أحد يستطيع أن يخبر كيف يجيء، ولكنّه لا بدّ أن يجيء. وكثيرًا ما لا تُجلى لنا إلّا خطوةٌ واحدة في المرّة الواحدة؛ وذلك كلّ ما نحتاج إلى معرفته: الخطوة التالية. وكثيرون هم في ظلمةٍ لأنّهم لا يعرفون ولا يستطيعون أن يهتدوا إلى ما يريد الله منهم أن يعملوه في الأسبوع القادم، أو في الشهر القادم، أو في السنة القادمة. وقد جاءني مرّةً طالبٌ جامعيّ فأخبرني أنّه في ظلمةٍ عظيمة من جهة إرشاد الله، وأنّه ما برح يطلب أن يعرف مشيئة الله ويتبيّن ما ينبغي أن يكون عمل حياته، فلم يهتدِ إليه. فسألته: إلى أين بلغت في دراستك الجامعية؟ فقال: أنا في السنة الثانية. فقلت: وما الذي تشتهي أن تعرفه؟ قال: ماذا أعمل متى فرغت من الجامعة؟ قلت: أتعلم أنّه ينبغي لك أن تتمّ دراستك الجامعية؟ قال: نعم. فهذا الرجل كان يعلم ما ينبغي له أن يعمله في السنة القادمة، بل وفي السنة التي بعدها؛ ومع ذلك كان في حيرةٍ عظيمة لأنّه لا يعلم ماذا ينبغي له أن يعمل متى انقضت هاتان السنتان.
وإنّ الله ليُسرّ أن يقود أولاده خطوةً واحدةً في المرّة الواحدة. فهو يقودنا نحن كما قاد بني إسرائيل من قبل.
«ومتى ارتفعت السحابة عن الخيمة كان بعد ذلك بنو إسرائيل يرتحلون، وفي المكان حيث حلّت السحابة هناك كان بنو إسرائيل ينزلون. حسب قول الربّ كان بنو إسرائيل يرتحلون، وحسب قول الربّ كانوا ينزلون. جميع أيام حلول السحابة على المسكن كانوا ينزلون. وإذا تمادت السحابة على المسكن أيامًا كثيرة كان بنو إسرائيل يحرسون حراسة الربّ ولا يرتحلون. وإذا كانت السحابة أيامًا قليلة على المسكن، فحسب قول الربّ كانوا ينزلون، وحسب قول الربّ كانوا يرتحلون. وإذا كانت السحابة من المساء إلى الصباح، ثمّ ارتفعت السحابة في الصباح، كانوا يرتحلون. أو يومًا وليلةً ثمّ ارتفعت السحابة كانوا يرتحلون. أو يومين أو شهرًا أو سنةً، متى تمادت السحابة على المسكن حالّةً عليه، كان بنو إسرائيل ينزلون ولا يرتحلون. ومتى ارتفعت كانوا يرتحلون. حسب قول الربّ كانوا ينزلون، وحسب قول الربّ كانوا يرتحلون. وكانوا يحرسون حراسة الربّ حسب قول الربّ بيد موسى» (العدد 9:17-23).
وكثيرون هم الذين أسلموا أنفسهم لقيادة الروح القدس، ثمّ وقعوا بعد ذلك في عبوديةٍ شديدة وعُذّبوا عذابًا أليمًا، لأنّه تعرض لهم قياداتٌ يخافون أن تكون من عند الله وهم منها على غير يقين. فإن هم لم يطيعوا تلك القيادات خافوا أن يكونوا قد عصوا الله، وربّما توهّموا أنّهم قد أحزنوا الروح القدس حتى فارقهم، لأنّهم لم يتبعوا إرشاده. وهذا كلّه لا موجب له ولا ضرورة إليه البتّة. فلنُثبّت الأمر في أذهاننا ولنقطع به: أنّ إرشاد الله إرشادٌ واضح جليّ. «إنّ الله نورٌ وليس فيه ظلمةٌ البتّة» (1 يوحنا 1:5). فكلّ قيادةٍ ليست واضحةً فليست منه — هذا إن كانت إرادتنا مسلَّمةً له. وقد ينشأ الغموض بالطبع من إرادةٍ غير مسلَّمة. ولكن إن كانت إرادتنا مسلَّمةً لله، فلنا الحقّ، بوصفنا أولادًا لله، أن نتيقّن أنّ كلّ إرشادٍ من الإرشادات إنّما هو منه هو قبل أن نطيعه.
ولنا الحقّ أن نأتي إلى أبينا فنقول: «أيّها الآب السماويّ، ها أنا ذا. إنّي أشتهي فوق كلّ شيءٍ أن أعمل مشيئتك. فاجعلها الآن واضحةً لي أنا ابنك. فإن كان هذا الأمر الذي أجد نحوه قيادةً هو مشيئتك فإنّي أعمله، ولكن اجعله واضحًا كوضح النهار إن كان حقًّا مشيئتك». فإن كان ذلك الأمر هو مشيئته حقًّا، جعله الآب السماويّ واضحًا لك كوضح النهار. ولستَ محتاجًا، بل لا ينبغي لك، أن تعمل ذلك الأمر حتى يجعله هو واضحًا؛ ولستَ محتاجًا، بل لا ينبغي لك، أن تدين نفسك لأنّك لم تعمله. فإنّ الله لا يريد لأولاده أن يكونوا في حال دينونةٍ أمامه، بل هو يريدنا أحرارًا من كلّ همٍّ ومن كلّ قلقٍ وانزعاجٍ، ومن كلّ إدانةٍ يدين بها الإنسان نفسه.
فكلّ والدٍ أرضيّ إنّما يجعل الطريق واضحةً لولده الذي يسأله أن يعرفها؛ فكم بالحريّ أبونا السماويّ يجعلها هو واضحةً لنا نحن! وما دام هو لم يجعلها بعدُ واضحة، فليس علينا من خوفٍ أن نكون، بتركنا إيّاها، عاصين لله. وليس لنا نحن حقٌّ أن نُملي على الله كيف يكون إعطاؤه إرشادَه، كأن نسأله مثلًا أن يسدّ في وجهنا كلّ طريقٍ سواها، أو أن نسأله أن يعطينا آيةً من الآيات، أو أن يرشدنا بوضع إصبعنا على نصٍّ من النصوص، أو بأيّ وجهٍ آخر من الوجوه. فلنا نحن أن نطلب الحكمة وأن نتوقّعها، وليس لنا أن نُملي عليه كيف تكون عطيّتها. فإنّ الروح القدس إنّما يقسم «لكلّ واحدٍ بمفرده، كما يشاء» (1 كورنثوس 12:11).
وثمّة أمرانِ ظاهرانِ كلّ الظهور ممّا قد قيل ههنا عن عمل الروح القدس. أوّلهما: كم نحن معتمدون اعتمادًا كلّيًّا مطلقًا على عمل الروح القدس عند كلّ منعطفٍ من منعطفات الحياة المسيحية ومن منعطفات الخدمة المسيحية. وثانيهما: ما أكمل ما أعدّه الله من ذخيرةٍ للحياة والخدمة! وما أعجب ملء الامتياز المفتوح لأصغر المؤمنين وأحقرهم شأنًا بعمل الروح القدس! فليس الأمر ذا الشأن هو ما نحن عليه بالطبيعة، لا من جهة العقل ولا من جهة الأخلاق ولا من جهة البدن، بل ولا حتى من جهة الروح. وإنّما الأمر ذو الشأن هو ما يستطيع الروح القدس أن يعمله لنا، وما نحن ندعه هو يعمله فينا. وليس بالنادر أن يأخذ الروح القدس ذاك الذي يبدو في طبيعته أقلّ الناس جميعًا بشارةً بالخير، فيستخدمه استخدامًا يفوق به كلّ أولئك الفائقين في المواهب الطبيعية. فالحياة المسيحية ليست تُعاش في ميدان المزاج الطبيعيّ، ولا العمل المسيحيّ يُعمل بقوّة الاستعداد الطبيعيّ؛ بل الحياة المسيحية إنّما تُعاش في ميدان الروح، والعمل المسيحيّ إنّما يُعمل بقوّة الروح. والروح القدس راغبٌ، بل هو شديد الشوق والرغبة، أن يعمل لكلّ واحدٍ منّا عمله كلّه بتمامه؛ وهو عاملٌ في كلّ واحدٍ منّا كلّ ما نحن ندعه يعمله فينا.