فصل 12 · قراءة 11 د
مفتاح الإطلاق
إنّ كثيرًا من الإرشاد الذي أقوم به إنّما هو لمعونة الناس على معالجة عثراتهم. فكم من الساعات كان يمكن أن تُوفَّر لو أنّهم عرفوا مسؤوليّتهم الشخصيّة وتصرّفوا بحسب المبادئ الكتابيّة!
وإنّي أرى أنّ إحدى الحيل الكبرى التي يستخدمها العدوّ ليعرقلنا في المعركة هي ذلك العدد الكبير من الساعات التي يقضيها الرعاة (ولا سيّما في أمريكا الشماليّة) في معالجة أمور إرشاديّة كان في وسع المؤمنين أنفسهم أن يعالجوها لو كانوا أكثر اجتهادًا في درس الكلمة.
وينبغي أن يكون دور الراعي أن يُلغي معظم احتياجات شعبه إلى الإرشاد، وذلك بتعليمهم المبادئ الكتابيّة. فدوره، بوصفه راعيًا للخراف، أن يقودهم إلى «المراعي الخضراء» حيث تُطعم الخراف نفسها بنفسها؛ غير أنّنا قد وصلنا إلى موضع لا تزال فيه الخراف محتاجةً إلى أن تُرضَع بالزجاجة (أي أن تُرشَد) في كلّ مرّة تحدث فيها «أزمة»! لقد سلب الشيطان الكنيسة كثيرين من رعاتها بأن أثقل كاهلهم بـ«احتياجات» الإرشاد.
وهناك مثال طبيعيّ يشبه هذا، وهو أنّنا إن أكلنا الطعام الصحيح ومارسنا الرياضة كما ينبغي، بقينا في صحّة جيّدة؛ ومع ذلك يدرك المرء أنّه ستأتي أوقات، إمّا بسبب حادث وإمّا بسبب مرض مزمن، يحتاج فيها إلى معونة إنسان آخر. فحين تكون هناك جراح فظيعة ويكون المريض عاجزًا على نحو من الأنحاء، يكون تعاطف الآخر وتعزيته ومعونته أمرًا يُقدَّر حقّ قدره. وهكذا الأمر تمامًا في الجراح الروحيّة.
وهناك كتب مسيحيّة كثيرة في الأسواق اليوم تعالج جراح النفس. وهي تتكلّم عن «شفاء الذكريات» في العائلات المختلّة، وعن الاعتماد المتبادل. وكثير منها كتب جيّدة جدًّا، وقد قدّمت عونًا كبيرًا لأناس كثيرين يبحثون عن نظرة جديدة إلى الحياة وإلى أنفسهم. وقد صار برنامج «الخطوات الاثنتي عشرة» الذي وضعته جمعيّة المدمنين المجهولين أساسًا لكثير من هذا التعليم، وهدفه أن يأتي بالإنسان المجروح إلى موضع «التعايش». وعندئذ يصيرون قادرين على معالجة مشكلتهم معالجةً عمليّة، باستخدام مجموعات الدعم، والإرشاد المستمرّ، والخطط الموصوفة لهم أو «الوصفة» التي يسيرون عليها. ففي كلّ يوم لهم وصفة «يسلكون» بها في طريق شفائهم. وأنا قد استخدمتُ هذه الكتب، ولا أزال أستخدم بعضًا منها إلى اليوم. والذي يزعجني في معظمها هو أنّ قليلًا منها يذكر ما للمغفرة من أثر مُطلِق للنفس من قيودها.
ولستُ أومن أنّ قصد الربّ هو أن يأتي بشعبه المجروح إلى «التعايش»، بل هو يريد أن يردّ نفوسهم ويحمل إليهم الشفاء. وإنّ الغرض الرئيسيّ من هذا الكتاب هو أن يعلّمنا كيف يمكن أن نُطلَق أحرارًا من عبوديّة جراحنا، حتّى نكون على أعظم ما يكون من الفاعليّة في الحرب ضدّ عدوّنا الشيطان. وإنّ مفتاح الشفاء إنّما يوجد في المغفرة.
مفاتيح الملكوت → متّى 16: 19
كان التلاميذ قد ساروا مع الربّ مدّة ثلاث سنوات وهم يجولون في نواحي اليهوديّة والسامرة والجليل. وقد رأوه بأعينهم يصنع معجزات كثيرة، وسمعوه وهو يعلّم الجموع، ولكنّه قلّما جلس معهم لمجرّد أن يتحدّث إليهم حديثًا. والآن، بعد وقت شديد الانشغال، يقودهم إلى أقصى شمال البلاد، إلى النواحي المحيطة بقيصريّة فيلبّس، على السفوح السفلى من جبل حرمون. وفيما هم سائرون في الطريق، يلتفت المعلّم إلى تلاميذه ويسألهم سؤالين اثنين.
فالسؤال الأوّل يتعلّق بآراء الناس في يسوع، وأمّا السؤال الثاني فيتعلّق برأي التلاميذ أنفسهم في يسوع.
وبعدما أجاب التلاميذ عن السؤال الأوّل، التفت إليهم مرّةً أخرى وسألهم: «وأنتم، من تقولون إنّي أنا؟» (متّى 16: 15). فهل كانوا قد وصلوا إلى فهم أنّ يسوع هو أكثر من مجرّد رجل صالح أو صانع معجزات؟
«فأجاب سمعان بطرس وقال: أنت هو المسيح ابن الله الحيّ. فأجاب يسوع وقال له: طوبى لك يا سمعان بن يونا، إنّ لحمًا ودمًا لم يُعلن لك، لكنّ أبي الذي في السماوات. وأنا أقول لك أيضًا: أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها. وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات، فكلّ ما تربطه على الأرض يكون مربوطًا في السماوات، وكلّ ما تحلّه على الأرض يكون محلولًا في السماوات» (متّى 16: 16-19).
وقد علّمت الكنيسة الكاثوليكيّة الرومانيّة على مدى قرون طويلة أنّ هذا هو التفويض المعطى لجميع الباباوات، بوصفهم خلفاء بطرس رأس الكنيسة، بأن يحرموا الملوك والبلدان والشعوب التي لا تؤيّد مراسيمهم، أو بأن يمنحوا صكوك الغفران.
أفلا يكون أمرًا عجيبًا لو كان في يدك المفتاح إلى الملكوت من أجل أحبّائك؟ من أجل زوجك أو زوجتك؟ من أجل ولدك غير المخلَّص؟ من أجل والديك؟ ليتك تستطيع فقط أن تفتح لهم الطريق إلى الحياة الأبديّة! حسنًا، إنّي أومن أنّ هذه الإمكانيّة متاحة لنا!
ومن المؤكّد أنّ كثيرين يُحرَمون من أفراح رؤية الملكوت والدخول فيه بسبب إخفاقنا نحن في أن نكون الشهود الذين ينبغي أن نكونهم. وكثير من ذلك الإخفاق إنّما هو في مواقفنا التي لا مغفرة فيها. فما أكثر الوالدين اليوم الذين يصلّون بالدموع من أجل ولدهم الضالّ، وهم لا يدركون أنّ عدم المغفرة الذي يحملونه في قلوبهم نحو ذلك الولد هو أعظم عائق يمنع الله من استجابة تلك الصلاة!
فماذا كان يسوع يعني بالجزء الأخير من الآية المذكورة أعلاه؟ لقد قُدّمت لي تفسيرات كثيرة لها، من «سلطان» الباباوات إلى «التحرير من الشياطين»، ولكنّي لا أرى هنا هذا ولا ذاك.
وإنّه لتفسير سليم، عند النظر في آية غامضة، أن نبحث عن آيات موازية لها، ولا سيّما من الكاتب نفسه. وفي هذه الحال لا نحتاج أن نذهب بعيدًا، فبعد أصحاحين اثنين فقط يكتبها متّى مرّةً أخرى.
«الحقّ أقول لكم: كلّ ما تربطونه على الأرض يكون مربوطًا في السماء، وكلّ ما تحلّونه على الأرض يكون محلولًا في السماء» (متّى 18: 18).
وفي هذه المرّة يكلّم الربّ التلاميذ جميعًا، لا بطرس وحده. فإن كانت المفاتيح قد أُعطيت للحلّ والربط (وهذا هو الاستخدام المألوف للمفاتيح!)، فإنّها إذًا قد أُعطيت لجميع التلاميذ — بمن فيهم أنت وأنا!
وثاني مبادئ التفسير السليم هو أن ندرس السياق، ولذلك سننظر فيما كان الربّ يعلّمه في بقيّة متّى 18. فسرعان ما نرى أنّ الأصحاح كلّه يعالج الردّ والمصالحة والمغفرة. والمشاهد الصغيرة التي فيه تتكلّم عن أن نكون مثل الأولاد الصغار، لا غشّ فينا ولا مرارة نحملها — فمثل هؤلاء المؤمنين لا يُعثرون أحدًا ولا يجرحونه، وينبغي لنا نحن أن نحترز لئلّا نسبّب لهم عثرةً أو جرحًا.
والأمر الثاني الذي ألاحظه هو أنّه إن جُرح إنسان أو تأذّى، فمضى بعيدًا نتيجةً لذلك، فإنّ الراعي الصالح سيترك الآخرين ليردّ ذلك «الخروف» إلى الحظيرة. ولاحظ مرّةً أخرى أنّ القصّة إنّما هي عن «الخراف» لا عن «الجداء». إنّها عن المؤمنين، لا عن «الضالّين» الهالكين. فكم من مرّة، حين يترك «إنسان مزعج» الكنيسة، ننفض أيدينا قائلين: «الحمد لله على رحيله!». إنّ ما يطالب الله به الرعاة الخدّام، وسائر الخراف أيضًا، هو أن نطلب ردّهم لا قطعهم من الشركة.
«وإن أخطأ إليك أخوك، فعليك أن تذهب إليه، بينك وبينه وحدكما في أوّل الأمر، لغرض واحد لا غير، هو طلب التفاهم والمصالحة» (متّى 18: 15). ولاحظ كلمة «أخطأ». فكثيرًا جدًّا ما نرحل نحن حين نتعثّر، وهذا بدوره يُحدث عثرةً أعظم من الأولى. وليست لنا وصيّة كهذه بأن نذهب إليهم حين نتعثّر — بل حين يُخطأ إلينا فقط. والاستثناء الوحيد يكون حين يرى راعي الكنيسة أو شيوخها أنّ من الضروريّ أن يذهبوا إلى إنسان يعتقدون أنّه سبب عثرة على الدوام، أو أنّه قد أخطأ إلى آخرين. وفي تلك الحال يكون الغرض من الذهاب إليه هو المصالحة دائمًا.
وفيما كان يسوع يعطي التعليم الذي في متّى 18: 18-20، جاء إلى بطرس سؤال يسأل فيه الربّ كم مرّةً ينبغي له أن يغفر. «هل إلى سبع مرّات؟» (متّى 18: 22). ولعلّ بطرس ظنّ أنّ سؤاله سيكون سؤالًا حسنًا، ولكنّ الربّ استخدمه ليؤكّد أنّ المغفرة ينبغي أن تكون بلا حدود.
إنّ المحبّة تطالبنا بأن نغفر دائمًا.
فسياق الأصحاح الثامن عشر كلّه يتعلّق بالردّ والمصالحة والمغفرة، وكلّ ذلك من غير أن تكون أنت نفسك سبب عثرة… وهذا هو موضوع هذا الكتاب!
يوحنّا 20: 23
وهذه الآية أيضًا آية موازية للآيتين المذكورتين أعلاه، وإن كان الذي كتبها هو يوحنّا في يوحنّا 20: 23.
ففي هذه الآية نجد التلاميذ كلّهم في غرفة مغلقة الأبواب، لأنّهم خائفون من أن يأتي قادة اليهود عمّا قريب ليأخذوهم، كما كانوا قد أخذوا ربّهم. وكانت عواطفهم مضطربة أشدّ الاضطراب، وكان بعض من هناك يدّعون أنّهم قد رأوا الربّ قائمًا من بين الأموات! وكانت القصّة تدور بينهم أنّ يسوع قد ظهر لبطرس ولمريم المجدليّة، وكذلك لاثنين آخرين على طريق عمواس. وكان آخرون لا يريدون أن يصدّقوا ما لم يروا هم أيضًا الربّ القائم.
وفجأةً، مع أنّ الأبواب كانت مغلقة عليهم، وقف يسوع في وسطهم! فقال لهم: «سلام لكم! كما أرسلني الآب أرسلكم أنا… اقبلوا الروح القدس» (يوحنّا 20: 21-22).
إنّ الصيغة اليونانيّة لكلمة «اقبلوا» هي صيغة الأمر في زمن الأوريست، وهي صيغة تطلب دائمًا استجابةً فوريّة. ففي تلك اللحظة نال التلاميذ حياتهم الجديدة في الروح. ثمّ بعد ذلك، في يوم الخمسين، كانوا سينالون ملأه ليقوّيهم للخدمة. لقد أُعطوا سلطانًا جديدًا! «من غفرتم خطاياه تُغفر له، ومن أمسكتم خطاياه أُمسكت» (يوحنّا 20: 23). واسمحوا لي أن أعيد صياغتها هكذا: «الذين تحلّونهم (أي تطلقونهم أحرارًا) يكونون محلولين؛ والذين تربطونهم يكونون مربوطين».
«من يقدر أن يغفر خطايا إلّا الله وحده؟» (مرقس 2: 7) هكذا سأل الفرّيسيّون. وهم في معنًى من المعاني كانوا على حقّ، لأنّ التفويض الذي أعطانا إيّاه الربّ لا «يغفر» الخطايا بالقدر نفسه الذي تغفر به مغفرته هو. فهو حين يغفر يكون غفرانه «كبعد المشرق من المغرب، إلى أعماق البحر، فلا تُذكَر بعد» (المزمور 103: 12). وأنا وأنت لا نقدر أن نفعل ذلك — لا لخطايانا نحن، فضلًا عن خطايا أيّ إنسان آخر. والخطايا الوحيدة التي نستطيع نحن أن «نغفرها» هي تلك التي ارتُكبت ضدّنا نحن — أي الخطايا التي يُرجَّح أنّها أحدثت فينا جراح النفس التي نحملها، والتي بها عرقلنا الشيطان.
إزالة حاجز الخطيّة
إن أخطأتُ أنا إليك، فإنّي أخطئ إلى الله أيضًا. وفي الحال يقوم حاجز بيني وبين ربّي. فأجد صعوبةً أكبر في الصلاة، وتفقد الكلمة ما لها من جاذبيّة عندي، ولا تعود الشركة عذبةً كما كانت — لقد صارت خطيّتي سحابةً فوق رأسي!
وهناك طريقان اثنان يمكن أن تُزال بهما تلك «السحابة».
أمّا الأوّل فهو أن «أعترف بخطيّتي، [لأنّه] أمين وعادل حتّى يغفر لي خطيّتي ويطهّرني من كلّ إثم!» (1 يوحنّا 1: 9). هللويا! لقد وجدتُ أنّ ذلك الوعد صادق حقًّا.
غير أنّي قد اكتشفتُ أيضًا أنّ للربّ هذه «العادة» الصغيرة، وهي أن يكلّمني بشأن تلك الخطيّة. فبعدما يغفر لي، يهمس إلى نفسي قائلًا: «والآن، اذهب إلى أخيك واطلب منه أن يغفر لك. فأنا لا أريد فقط أن أطهّرك من الخطيّة، بل أريد أن أراك مصالَحًا معه». إنّ أولويّته ليست المغفرة — بل هي المصالحة! فالاعتراف لا يكتمل ما لم يأتِ بالمصالحة. وليست تلك مسؤوليّته هو — بل هي مسؤوليّتي أنا، لأنّ «المسيح صالحنا لنفسه وأعطانا خدمة المصالحة» (2 كورنثوس 5: 18-19).
وأمّا الطريق الثاني الذي يمكن أن تُزال به «سحابتي»، حتّى تنفتح لي السماء من جديد، فهو أن تزيلها أنت بمغفرتك لي أنت. وتستخدم ترجمة الملك جيمس للكتاب المقدّس كلمةً خاصّة في نقلها ليوحنّا 20: 23، إذ تكتب هكذا: «من صفحتم عن خطاياه…». وكلمة «صفح» إنّما تتكلّم عن «الطرح جانبًا». فأنت تستطيع أن تصفح عن خطيّتي، تلك الخطيّة التي ارتُكبت ضدّك أنت، وأن تفتح لي السماء بذلك الصفح. فحين «تطرح جانبًا» خطيّتي، إنّما تُبعد عنّي تلك «السحابة»، فينفتح الطريق أمام الآب لكي يكلّمني هو، تمامًا كما كان يفعل حين طلبتُ أنا مغفرته لنفسي. فيعود مرّةً أخرى ويعمل في قلبي، لكي يأتي بالمصالحة بيني وبينك!
وقد تختار أنت أن تغفر لي لأنّك تعلم أنّ الكتاب المقدّس يطالبك بذلك، ولكنّه أمر لا غنى عنه، إن كنّا سنتصالح حقًّا، أن تحلّني أنت أيضًا من دينونة الله عليّ، وذلك بأن تسعى إلى طرح «سحابة» الخطيّة التي فوقي جانبًا.
إنّي أتكلّم دائمًا عن «المغفرة والإطلاق» — فلا بدّ أن يُكرَز بهما معًا! وخير مثال على ذلك هو استفانوس، أوّل الشهداء. فقد كان قد عُيّن لتوّه قائدًا في الكنيسة الأولى حين أخذه قادة اليهود ورجموه بالحجارة حتّى مات. وكان شاول الطرسوسيّ واقفًا هناك، راضيًا كلّ الرضا بما فعلوه، لأنّه كان يحمل بغضًا عظيمًا لأتباع يسوع هؤلاء.
وفيما كان استفانوس يموت، صرخ بصوت عظيم: «يا ربّ، لا تُقِم لهم هذه الخطيّة!» (أعمال الرسل 7: 60). فهو لم يصلّ من أجل نفسه طالبًا شجاعةً أو قوّةً أو حتّى أن يُطلَق حرًّا، بل هو أطلقهم هم أحرارًا من ذنبهم.
وإنّي أتساءل: هل كان شاول ليصير يومًا الرسول العظيم بولس لو لم يصلِّ استفانوس تلك الصلاة؟ إنّ قناعتي هي أنّه قد «فتح السماء» لشاول! وقد صلّى يسوع أيضًا صلاةً شبيهةً بها حين صرخ قائلًا: «يا أبتاه، اغفر لهم لأنّهم لا يعلمون ماذا يفعلون» (لوقا 23: 34)، وهو يموت من أجلي ومن أجلك.
وإنّ من النتائج العجيبة التي تترتّب على إطلاقنا الآخرين أن نُطلَق نحن أنفسنا أيضًا! فالأمر أشبه بمن يمسك بيده حبلًا في طرفه الآخر حصان — فقد نقول إنّ الحصان مربوط وهو يدور حولنا في المرعى المسيّج؛ غير أنّ ذلك الحصان إن قرّر أن ينطلق راكضًا عبر الحقل الموحل، فإنّنا سنُجرّ وراءه في الوحل ما لم نترك الحبل من أيدينا!
وتلك العقدة التي تحسّ بها في جوفك بعدما يخطئ إليك إنسان إنّما هي مثل ذلك الحبل تمامًا. فأنت مربوط عاطفيًّا بأولئك الذين جرحوك. وذلك الألم جزء من الجرح الذي أحدثوه فيك. وأنت، وإن كنتَ قد غفرتَ لهم، تظلّ تلك العقدة موجودة كلّما قابلتهم أو سمعتَ أحدًا يتكلّم عنهم.
فأنت، وهم أيضًا، تحتاجون إلى أن تُطلَقوا أحرارًا!
يسوع في الوسط
ما أكثر ما يُقتبَس متّى 18: 18-20 خارج سياقه، وما أحزن ذلك! فهذه الآيات تشير إلى المغفرة والإطلاق والمصالحة، لا إلى حضور الله حين يجتمع عدد من الناس معًا! إنّ وعود يسوع المعطاة هناك إنّما هي لأولئك الذين يسعون بجدّ إلى أن يتصالحوا.
«وأقول لكم أيضًا: إن اتّفق اثنان منكم على الأرض في أيّ شيء يطلبانه فإنّه يكون لهما من قِبَل أبي الذي في السماوات. لأنّه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم» (متّى 18: 19-20). فالتشديد ههنا ليس على حضوره هو، لأنّه معنا دائمًا نحن المؤمنين، كلّ واحد منّا، بل التشديد على بركته للمصالحة — أي على أولويّته!
لقد أُعطينا نحن مفتاحًا، وهو الآن في أيدينا، يفتح السماء لآخرين، ويطلقنا نحن أنفسنا أحرارًا من الجراح ومن القيود التي أحدثتها تلك الجراح في نفوسنا! فلنتعلّم إذًا كيف نستخدم ذلك المفتاح!