أحجار العبور
وادي الضعف الطويل

فصل 32 · قراءة 6 د

وادي الضعف الطويل

لطالما تمتّعتُ بصحة جيدة، وإن لم أكن قويَّ البنية. غير أن شهر سبتمبر من عام 2003 كان بداية فترة طويلة من الضعف، سببها عملية جراحية بسيطة أجريتُها لعلاج فتق الحجاب الحاجز. وكان طبيبي قد أوصى بها حلاً لألم الحلق الذي كنت أشعر به بعد الترنيم.

دخلتُ مستشفى فيكتوريا رويال جوبيلي لإجراء عملية بسيطة بالمنظار، وخرجتُ بعد يومين وأنا أتوقع شفاءً كاملاً وسريعاً. لكن آن كانت قد سقطت مؤخراً وكُسر كاحلها، فأعددتُ غدائي بنفسي في أول يوم لي في البيت. وكانوا قد طلبوا مني ألا آكل إلا طعاماً ليّناً لفترة، فأعددتُ وجبة من المعكرونة الصينية (النودلز)، وهي «أسوأ ما يمكن» بحسب ما قاله لي الجرّاح لاحقاً.

يبدو أن النودلز تنتفخ في المريء، وهذا ما حدث لها بالفعل، فسبّبت لي انسداداً في البلع، وهو أمر سأعانيه مرات كثيرة في الأشهر التالية. فقلقتُ كثيراً واتصلتُ بالجرّاح في وقت لاحق من ذلك المساء. فطلب مني أن أعود إلى قسم الطوارئ حيث سيلاقيني ليزيل الانسداد. وهذا ما فعله، إذ استخدم أنبوب المنظار ليدفع الطعام إلى معدتي، ومن هناك أمكن شفطه. كانت تلك محنة حقيقية، وبارتياح كبير استسلمتُ للنوم أخيراً تلك الليلة في المستشفى.

لا أدري إن كان مريئي قد أصيب ببعض الضرر في ذلك الوقت، لكنني طوال الأسابيع العديدة التالية عانيتُ صعوبة كبيرة في البلع في كل وجبة تقريباً، مع أن الجرّاح ظل يؤكد لي أن ذلك سيزول قريباً.

وفي ديسمبر ذهبتُ إلى طبيبي مرة أخرى لأنني كنت أشعر بضعف شديد. فما إن ألقى عليّ نظرة واحدة حتى وضعني على الميزان، ثم طلب مني أن أذهب فوراً إلى قسم الطوارئ في المستشفى، حيث سيكون سرير في انتظاري. كنت قد فقدتُ أكثر من عشرين رطلاً من وزني، إذ نزل من 160 إلى 139 رطلاً، فوُضعتُ على محلول ملحي بالتنقيط الوريدي ثلاثة أيام.

والآن صار الجرّاح قلقاً، فرتّب لي إجراء مزيد من الفحوص. وعلى مدى الأشهر التالية كنت أتردد على المستشفى بانتظام لإجراء تحاليل الدم، وفحوص الباريوم، والأشعة السينية، والتصوير المقطعي المحوسب، والتصوير بالرنين المغناطيسي، بل خضعتُ للتخدير من أجل فحوص بالمنظار، لكن دون الوصول إلى حل لحالات الانسداد والضعف التي أعانيها.

وفي أبريل من عام 2004، بينما كنت أجري فحص باريوم آخر، تناولتُ ملعقة صغيرة من سائل فيه قطعتان صغيرتان من حلوى المارشميلو. وما إن ابتلعتها حتى انسدّ البلع عندي. وأخيراً وجد الفنيّون المشكلة. فقد تبيّن أن المريء كان ملتوياً عند دخوله المعدة، وهو أمر لا يستطيع أنبوب المنظار أن يراه، وكان طعامي يعلق عند هذه الالتواءة. فتقرّر إجراء جراحة أخرى، وفي مايو دخلتُ مستشفى رويال جوبيلي من جديد.

اعتُبرت الجراحة ناجحة، مع أنها «كانت صعبة جداً لكثرة النسيج الندبي الذي خلّفته الجراحة السابقة»، بحسب ما قاله مساعد الجرّاح.

ثم بدأت مضاعفات جديدة، إذ تكوّنت جلطات دموية في رئتيّ، فاستلزم ذلك أن أتناول مميّعات الدم بقية العام. كنت أذهب إلى المستشفى يومياً لبضعة أسابيع ريثما يحددون الجرعة التي أحتاجها من الكومادين (مميّع للدم)، فيأخذون عينات من دمي ويقيّمونها. ثم صار عليّ أن أحضر كل أسبوع لبضعة أشهر، ثم مرة واحدة في الشهر حتى ديسمبر، حين سُمح لي بإيقاف العلاج. وفي الوقت نفسه كنت أشكو من ألم في رئتيّ وجنبي، ظاناً أنه من أثر الجلطات، فإذا بطبيبي يخبرني أنني أُصبتُ بالتهاب الجنبة وبحصى في المرارة!

لطالما آمنتُ بأن عمل الصليب الكفّاري يشمل الصحة لأجسادنا المائتة (الحية) كما يشمل الخلاص للنفس. لكنني أؤمن أيضاً بأن «أحجار العبور» التي يضعها الرب قد تقودنا إلى أودية يستطيع فيها أن يؤدّبنا ويعلّمنا المزيد عن طبيعته العجيبة. ولن يكون من الإنصاف أن أتحدث عن مرضي الطويل دون أن أروي أيضاً حدثاً مثيراً وقع وقت الجراحة.

كان الطبيب يجري لي فحصاً قبل العملية، فقاس ضغط دمي ونبضي، وأطال استخدام سمّاعته على صدري وظهري. ولما طال به الأمر قلت له: «لعلك تسمع قرقرة تدلّي الصمام عندي»، فأجاب: «لا! هذه هي المشكلة بالضبط. لا أستطيع أن أسمع أي تدلٍّ، مع أن ملفك يقول إنني يجب أن أسمعه!» حين كنت راعياً لكنيسة فيكتوريا التحالفية، اعتدتُ أن ألعب الراكيت بول كل أسبوع مع مسؤول خدمة الشبيبة. وفي إحدى الأمسيات، بينما كنا نلعب، داهمني فجأة ضعف شديد وضيق في التنفس.

في صباح اليوم التالي أرسلني طبيبي إلى أخصائي في أمراض القلب، وفي عيادته شاهدتُ شاشة تصوير بالموجات فوق الصوتية كان يظهر عليها تدلّي الصمام بوضوح. وكانت أمي قد توفيت عام 1952 بعد مرض طويل سببه تدلّي أحد صمامات قلبها، فصرتُ شديد الحساسية تجاه حالتي، حريصاً ألا أُجهد قلبي بالإفراط في الرياضة أو النشاط. والآن، بعد أكثر من عشرين سنة، تبيّن على ما يبدو أن التدلّي قد شُفي! وتذكرتُ أنني تقدّمتُ طالباً الصلاة من أجل حالتي في مؤتمر الرعاة الإقليمي قبل ذلك بعدة سنوات، لكنني لم أدرك قط أنني نلتُ الشفاء إلا الآن.

خلال عام 2004 اضطررتُ إلى إلغاء بعض الاجتماعات، ولا سيما تلك التي تتطلب سفراً كثيراً، مع أننا انتهزنا فرصة تذاكر الطيران الرخيصة لنزور أصدقاءنا في أونتاريو، في تورونتو وكتشنر. كنت أعلم أنني مريض، لكنني كنت أعلم أيضاً أنني سأتعافى إن اعتنيتُ بنفسي، فقضيتُ وقتاً طويلاً في مكتبي أقرأ وأكتب الشعر. وصارت حياة الصلاة عندي أغنى معنى، ولم أشعر بأي ذنب لأنني لا أفعل شيئاً آخر!

ومع بداية عام 2005 كنت قد تجاوزتُ كل هذه المضاعفات، لكنني لم أكن قد استعدتُ وزني بعد، ولذلك بقيتُ ضعيفاً إلى حد بعيد.

وفي أواخر أغسطس بنى لنا صديق شرفة خشبية صغيرة خارج غرفة نومنا تنزل إلى الحديقة. وجلستُ أمسك له البراغي والأدوات حتى أنهى العمل، ثم قال كلاماً صدمني حقاً: «ستمطر يوم السبت، فلا بد أن تطلي هذه الشرفة غداً لتعزلها عن الماء». كانت مهمة كهذه فوق طاقتي بلا شك.

في اليوم التالي اشتريتُ غالوناً من طلاء الخشب، وجلستُ على الأرض وبدأتُ أطلي الشرفة. استغرق الأمر مني ساعات عدة، لكنني استطعتُ أخيراً أن أجلس مسترخياً وأقول: «لقد أنجزتُها! لقد أنجزتُها!» كان ذلك أول إنجاز كبير أحققه منذ سنتين!

ولم يكن إلا في سبتمبر من عام 2005، بعد سنتين من جراحتي الأولى، أن بدأتُ ألمس تحسناً في شعوري العام بالعافية. فقد نصحني صديق عزيز بأن أتناول بيو-كي، وهو منتج زبادي قوي المفعول يعوّض البكتيريا النافعة التي فقدتُها بسبب التخدير في جراحاتي وفحوص المنظار. لن أقول إن هذا ما شفاني، لكن التلازم بين تناوله يومياً وتحسّني كان لافتاً جداً.

وفي نهاية العام قمنا برحلتنا المعتادة إلى أستراليا. وهناك استرخيتُ في الشمس، وعبرتُ الصحراء الغربية الكبرى، وركبتُ الدراجة كل يوم تقريباً، وسبحتُ في مسبح ابنتي. كانت طاقتي تعود إليّ، وكنت أستعيد شعوري بالعافية.

كانت رحلة الأسابيع الثلاثة عبر الصحراء الغربية الكبرى وقتاً منعشاً جداً. كنت برفقة صديق مدرّس من كانبرا، جون كومان، وعدد من زملائه وطلابه، وكانوا ذاهبين ليقضوا أسبوعاً في تجمّع للسكان الأصليين ومعهم برنامج للأطفال هناك. وشمل البرنامج ركوب الدراجات النارية على الطرق الترابية، وألعاباً كثيرة، وتعليماً من الكتاب المقدس. ونصبنا خيامنا تحت سماء الليل المتلألئة، حيث كان يُرى بوضوح «الإيمو»، وهو جزء مظلم من السماء يمتد فوق مساحة واسعة على شكل طائر الإيمو.

كنت أمشي مسافات طويلة في الشمس. وفي الطريق توقفنا في عدة قرى للسكان الأصليين، حيث كانوا يقدّمونني باسم «غودا رون»، أي أنني صديق رون ويليامز، الراعي من السكان الأصليين من كانبرا. وهذا جعلني صديقاً لهم على الفور. وأخذنا أصدقاؤنا في رحلة استكشافية لنعثر على برك الماء الكثيرة التي كانوا يعتمدون عليها قديماً، ولنبحث عن الكنغر والإيمو لعشائنا.

لكننا للأسف لم نجد شيئاً منها، غير أننا وجدنا إغوانا، وهي سحلية كبيرة، فطبخناها وأكلناها. كان طعمها يشبه الدجاج، لكنها كانت «أعصى على المضغ». وكان ذلك في موقع «ربما لم تره عين رجل أبيض من قبل»، إذ كانت فيه رسوم على جدران الكهوف رسمها أجداد مرشدينا قبل سنين طويلة. وأدركتُ كم كنا محظوظين بأن يتقبّلنا هؤلاء الناس الرائعون بهذا الشكل. وانتهت رحلتنا عند صخرة آيرز في وسط هذه الأرض الشاسعة، ومن هناك استقللتُ طائرة عائداً إلى بريزبن وإلى بيت ابنتي الجديد.

وعند عودتي إلى كندا في ربيع عام 2006، عرفتُ أن صحتي قد عادت جيدة من جديد، إذ شعرتُ بطاقة متجددة وصرتُ آكل جيداً.

صفحة 1 / 1 · 6 دقيقة متبقية في الفصل