أحجار العبور
قلب الله المنكسر

فصل 22 · قراءة 6 د

قلب الله المنكسر

لم نكن ندرك، ونحن نتمتع بالشركة مع كثيرين من الأصدقاء على متن سفينة M/V أناستاسيس، أن الرب كان يسبقنا مرة أخرى، ويُعِدّ الخطوة التالية في اختبارنا المتنامي لقيادته في حياتنا. لا شك أننا كنا سعداء بارتباطنا بطاقم السفينة، لكننا لم نتوقع قط، ولم نأمل، أن نصبح يومًا جزءًا من تلك العائلة. بل إنه مع أن آن كثيرًا ما قالت كم تتمنى «بيتًا بجانب البحر»، لم يخطر ببالي قط أنه سيكون لها يومًا «بيت فوق البحر»! وأنا واثق أنني لو مجرد اقترحت عليها أمرًا كهذا حين كانت السفينة في فيكتوريا، لسمعت منها «مستحيل!» مدوّية.

لكن كان على الله أولًا أن يعمل شيئًا آخر في قلبي ليفطمني عن الأمان الذي يوفّره منصب براتب ثابت كراعٍ «متفرّغ». كنت قد تركت من قبل وظيفة معلّم ذات «راتب جيد ومعاش تقاعدي جيد»، لأصبح راعيًا بـ«نصف راتب ونصف معاش». وأراد أن يأخذني أبعد من ذلك، إلى موقع المُرسَل «بلا راتب ولا معاش»!

وبصفتي راعيًا لكنيسة تابعة للتحالف المسيحي والإرسالي، كنت أشجّع شعبي على أن يعوا التكليف الإرسالي الذي أعطانا إياه الرب بأن نذهب إلى العالم أجمع ونكرز بالإنجيل. وكنا نبذل كل عام جهودًا كبيرة لجمع المال لدعم مُرسَلينا في الحقل، مؤمنين بأن العمل الذي يقومون به مهم جدًا.

وكنت أعظ رسائل إرسالية وأحثّ على الصلاة. لكنني لم أعِ للمرة الأولى كيف يبكي الله على الهالكين والمتألمين في العالم إلا في عام 1988.

كنت قد أسّست في الكنيسة مدرسة ميشن بريدج، تجتمع مرتين في الأسبوع للاستماع إلى تعليم مسجَّل على أشرطة ومن رعاة محليين، في موضوع التلمذة المسيحية. وكان في الصف خمسة عشر طالبًا من عدة كنائس. وكان التزامهم ستة أشهر من الدراسة، تشمل «رحلة خدمة» مدتها ثلاثة أسابيع للعمل في دور أيتام في المكسيك. وفي أثناء وجودنا في إحدى دور الأيتام تلك، كشف لي الرب عن قلبه.

كان صديقي المكسيكي فرانسيسكو يلتقط صورًا للأطفال الصغار كي تُرسَل إلى كندا والولايات المتحدة وبريطانيا العظمى، لتشجيع كفلاء يتيح دعمهم المالي الشهري استمرار عمل دور الأيتام. وكانت إحدى طالباتي جالسة على سور منخفض في دار الأيتام، تطوّق بذراعيها طفلة مكسيكية صغيرة. كانت سيندي تبكي، ودموعها تتجمّع على ذقنها قبل أن تسقط في حِجرها. فالتفت إليها فرانسيسكو وقال بهدوء: «يا سيندي، قلوبنا تنكسر كل يوم!» كنت قد وعظت باستمرار عن أمانة الله. لقد صار مخلّصي، وقوّتي، ومُعيلي، وشافيَّ، ومقدِّسي، وأكثر من ذلك بكثير. وكنت أشهد بفرح عن كل صلاحه نحوي. لقد كان موجودًا ليباركني!

وبينما كان فرانسيسكو يكلّم سيندي، كان بوسعي أن أشهد أنني جالس في السماويات في يسوع، أتمتع بالأمان في حِجره (أفسس 2:6). لكنني في تلك اللحظة شعرت، كأنما للمرة الأولى، بدموعه الدافئة تتساقط على رأسي. شعرت بقلبه المنكسر، لا على أيتام المكسيك الصغار فحسب، بل على كل فقراء هذا العالم المتألمين والمجروحين. كم كان يتوق إلى أن أباركه أنا! أراد أن أكون يديه الممدودتين. وفي تلك الرحلة الأولى إلى المكسيك وُهب لي فرح خاص.

لسنوات عدة كنا، آن وأنا، نكفل أطفالًا من خلال منظمة كومباشن، وكانت طفلتنا المكفولة آنذاك، فيكي، تعيش في مكان ما في المكسيك. تخيّل فرحتي حين اكتشفت أنها تسكن على بعد 15 دقيقة فقط من المكان الذي كنا نعمل فيه، وأنه سيكون ممكنًا أن ألتقيها هي وعائلتها. لم تكن يتيمة، لكن عائلتها كانت فقيرة جدًا، وكانت كفالتي تتيح لهم الحصول على الطعام والكساء الأساسيين من خلال كومباشن. وحين التقيت فيكي، وقعت في حبها! وقد زارتنا في كندا، وزرت أنا بيتها مرات عدة.

صارت عائلتها عائلتي، وحتى الآن، بعد سنوات طويلة، وقد صار لفيكي أربع بنات، ما زلنا نتراسل، وكثيرًا ما نختم أحاديثنا بعبارة «تي كييرو موتشو»، أي: أحبك كثيرًا.

لقد تركت شيئًا من قلبي في تينك الرحلتين إلى المكسيك. ومثل كثيرين من فريق رحلة الخدمة، لم أعد كما كنت أبدًا. كان الله على وشك أن يأخذني إلى جبل عالٍ آخر، لكن كان عليّ أن أجتاز واديًا طويلًا مظلمًا لأبلغه!

بعد عودتي من المكسيك في يناير 1990، انخرطت مع مؤمنين محليين من الهنود الأصليين. كان عدد من شبابهم قد وضعوا ثقتهم في الرب، وصاروا يواجهون الاضطهاد في المحمية. وقد «اختُطفت» إحداهم إلى البيت الطويل، حيث كانت ستخضع لطقس تكريس لتتلقى أرواحًا شيطانية. كان ذلك رغمًا عنها، لكن الشرطة الكندية لم تفعل شيئًا يُذكر لإيقافه، لأن تجاوز حدود المحمية كان مسألة سياسية شديدة الحساسية.

وفي فبراير 1990، فرّ عدد من السكان الأصليين من المحمية واختبأوا في الطابق السفلي من كنيستنا. كنت في تلك الفترة على اتصال دائم بالسياسيين على المستويين الفدرالي والإقليمي، معتمدًا كثيرًا على دعم زملائي الرعاة.

أما نحن الاثنان اللذان كنا الأكثر انخراطًا في هذا الوضع، فقد مرضنا كلانا مرضًا شديدًا.

وكان كثير من المؤمنين من كل أنحاء شمال غرب الولايات المتحدة وكندا يكتبون إليّ أو يتصلون بي بكلمات تشجيع، عالمين أنني أجتاز وقتًا عصيبًا، ربما بسبب لعنة من الهنود الأصليين كما قال كثيرون. لست متأكدًا من موقفي اللاهوتي من مثل هذه اللعنات، مع أنني أعلم أن كثيرين من المؤمنين، ومنهم قادة كنسيون، كانوا يظنون أن الأمر كذلك.

منذ الليلة الأولى التي قضاها السكان الأصليون المضطهَدون في الكنيسة، توقفت عن النوم. طلبت من أصدقاء لي من الرعاة أن يصلّوا من أجلي، فقالت إحداهم إنها تشعر بـ«روح هجران رهيبة» عليّ. لم تكن لديّ أدنى فكرة عمّا تعنيه.

وفي مايو، حضرت أنا وآن خلوة للرعاة مدتها أسبوع نظّمتها الكنيسة الأنجليكانية. وهناك قيل لي إنني كنت تحت لعنة، لكنها قد كُسرت الآن. وأضاف القائد: «هناك جزء كبير من مشاعرك مفقود، وهو يتعلق بموت أمك». ومرة أخرى، لم أفهم ما كان يعنيه.

وفي يونيو، استقلت من الكنيسة إذ استمر معي الأرق. كان ذهني «مشوَّشًا»؛ لم أكن أستطيع التفكير بوضوح لأدرس أو أقدّم المشورة. كنت أستلقي على أرض مكتبي، صارخًا إلى الرب، أسأله لماذا أجتاز هذا الاختبار. لم أشكّ قط في حضوره، لكنني كنت فاقد الإحساس به. كنت أتناول كل مساء أقراصًا عدة موصوفة طبيًا لتساعدني على الاسترخاء، لكنني ظللت عاجزًا عن النوم. رفضت الكنيسة استقالتي، وطلب مني مشرف المنطقة أن أبقى.

وفي سبتمبر، دخلت أخيرًا عيادة لاضطرابات النوم في جامعة كولومبيا البريطانية في فانكوفر. وهناك جاء التشخيص بأن آلية إطلاق النوم في الغدة الصنوبرية قد انهارت انهيارًا تامًا، ونُصحت بشدة بأن أتوقف عن عملي.

وفي الأحد التالي أخبرت الكنيسة بنصيحة الأخصائي، وقدّمت استقالتي على أن تسري فورًا. وبدأت ما توقّع طبيبي أن يكون إجازة من الخدمة مدتها سنتان. كنت أمشي كثيرًا، وقرأت كتبًا كثيرة، وتأملت في كل ما تعلّمته عن نفسي وعن الضغط النفسي الذي يسبّب الأرق.

وفي يوم الثلاثاء الذي تلا استقالتي، حضرت فطورًا مع بعض أصدقائي الرعاة. وبينما كانوا يتحدثون عن حالتي، قال أحدهم، وكان جديدًا على المجموعة: «يا غاريث، أشعر بروح هجران رهيبة حولك!» إنها العبارة نفسها تمامًا التي قيلت لي قبل سبعة أشهر! وحين عدت إلى البيت، جلست أنا وآن نتأمل في حياتي. وذُهلنا حين رأينا المرات الكثيرة التي لا بد أن الصبي الصغير في داخلي شعر فيها بألم الهجران، وليس أقلّها حين ماتت أمي وتركتني ابن ثلاث عشرة سنة. لم أبكِ عند موتها؛ فالصبيان في النهاية لا يُفترض بهم أن يبكوا! لكنني حزنت في داخلي، ولسنوات طويلة بعد ذلك.

وفي مساء ذلك اليوم نفسه، أخذت كتابًا لأقرأه. كان رواية عن الحملات الصليبية في القرن الحادي عشر. وفيها يلتقي فارسان وجهًا لوجه في المعركة. غير أن الفارس الصليبي كان جريحًا، منحنيًا على سرجه، وسيفه متدلٍّ بلا فائدة إلى جانبه. فتقدّم عدوه ليجهز عليه، رافعًا سيفه الجبار ليقتل الصليبي. كان مكتسيًا بدرع متين، ولم تُجدِ سهام الصليبيين معه نفعًا. لكنه حين رفع ذراعه، أصابت تسعة سهام هدفها سريعًا في إبطه المكشوف، فسقط عن حصانه مصابًا إصابة قاتلة. شعرت بروح الله يكلّمني: «يا غاريث، يمكنك أن تلبس سلاح الله الكامل للمعركة اليومية. لكن العدو يعرف مواضع ضعفك، وهو مستعد أن يجرحك حين ترفع ذراعك ضده.

موضع ضعفك، أي جراحك، هو في ناحية الهجران». والآن بدأت أفهم الخطط التي استخدمها الشيطان ليعيق خدمتي.

وفي أثناء مرضي، ومع بدء الناس ينسحبون من الكنيسة تدريجيًا، كنت أشعر مرارًا بألم يشبه ألم الطلاق، أي الهجران. ورأيت كيف أثّر هذا فيّ حتى قبل أن تنشأ مسألة الهنود الأصليين. وفي النهاية سبّب «الألم» الأرق، فصرت ضعيفًا في المعركة.

لقد تعلّمت الكثير في ذلك الوادي، مما مكّنني الله من استخدامه في تقديم المشورة لكثيرين يحملون جراحًا في النفس. وفي كتابي الآخر «المفتاح الذي في يدي» أروي بعض تلك القصص. لكن الله لا يقودنا قط عبر وادٍ إلا إذا أراد أن يقودنا إلى قمة جبل، وكانت قمتي تلوح في الأفق.

صفحة 1 / 1 · 6 دقيقة متبقية في الفصل