فصل 20 · قراءة 4 د
سيدني، كولومبيا البريطانية
قبل مغادرتي كتشنر بيومين، كنت جالسًا مع أولي أستمتع بمشروب بارد في قاعدة «شباب مع رسالة» (YWAM) بمدينة كامبريدج. كنا نتحدث عن الأمور الصالحة الكثيرة التي كان الرب يعملها في حياة كلٍّ منا. ولما بدأنا نتحدث عن خططنا المقبلة، قلت له: «يا أولي، إن احتجت يومًا إلى جهة اتصال لشباب مع رسالة على الساحل الغربي، فلا تتردد في الاتصال بي». وما كنت أدري قطّ كم ستؤثر تلك الدعوة البسيطة في مستقبلنا. يقولون إنك لكي تكون كنديًا حقيقيًا لا بدّ أن تفعل أمرين: أن تبني بيتك بنفسك، وأن تجتاز البلاد من أقصاها إلى أقصاها. لم أكن قد بنيت بيتي بنفسي، لكنني رأيت كنيسة تُبنى. وأظن أنني حملت كلّ كتلة إسمنتية وكلّ لوح خشب في ذلك المبنى في وقت أو آخر! والآن حان الوقت لأقطع معظم كندا بالسيارة.
مُلئت شاحنة كبيرة مستأجرة بكل أمتعتنا، وشُدّت سيارتنا إليها بقضيب جرّ، وانطلقنا في الرحلة الطويلة. كنا نقود أكثر من خمسمئة ميل كل يوم، فوصلنا إلى سيدني في جزيرة فانكوفر بعد ستة أيام. استقبلتنا الجماعة الصغيرة بحرارة، وسرعان ما استقررنا في العمل الجديد. كانت كنيسة سيدني التحالفية فرعًا من الكنيسة في فيكتوريا، عاصمة «كولومبيا البريطانية الجميلة». كان أفراد الجماعة شديدي الاهتمام بالآخرين، يتوقون إلى السير في جِدّة ما كان الروح القدس يعمله في تلك المنطقة. وكانوا قد خطوا «خطوة إيمان» حين دعوا راعيًا بأجر ليرعاهم، لكن سرعان ما اتضح أن القاعدة المالية للكنيسة تحتاج إلى أن تتّسع إن أرادوا الوفاء بالتزاماتهم. عملنا جميعًا وصلّينا لهذه الغاية، لكنني بعد ثلاثة أشهر رأيت أننا سندخل قريبًا في عجز مالي. ففكرت في التقدّم لعمل في التدريس بدوام جزئي حتى لا يكون راتبي، على صغره، عبئًا على الكنيسة. كان مساء أحدٍ يتساقط فيه رذاذ المطر، وكنت أشعر بصداع خفيف. أخذت آن البنات إلى كنيسة أخرى، إذ لم تكن لنا خدمة مسائية خاصة بنا. أما أنا فخرجت أتمشّى لأقضي وقتًا أطول في الصلاة بشأن وضعنا في الكنيسة. وبعد عشرين دقيقة بلغت قمة بير هيل، وهي مُطَلّ أحبّه كثيرًا. لم يكن أحد غيري على مسمع مني وأنا أصرخ إلى الرب طالبًا إرشاده.
أنا شكّاك حين يقول الناس: «الرب قال لي...». أريد دائمًا أن أسألهم كيف كلّمهم بالضبط. ويكون الأمر محبطًا بشكل خاص حين يأتونك طلبًا للمشورة، ثم يستهلّون حاجتهم بقولهم: «الرب قال لي...». فكيف أجرؤ إذن على تقديم مشورة قد تخالف ما قاله الرب؟ بالطبع أنا أؤمن أن الرب يكلّمنا فعلًا، فالخراف يُفترض أن تعرف صوته. غير أن كثيرًا مما يعدّه الناس دليلًا على صوت الله ويستجيبون له يثير قلقي الشديد، بل يخالف أحيانًا الكتاب المقدس مخالفة صريحة. إنه يتكلم حقًّا بطرق كثيرة مختلفة. وكان بير هيل إحدى المرات النادرة التي سمعته فيها يتكلم بصوت واضح مسموع!
«لا تخف! أنا أتيت بك إلى هنا، وسأواصل عمل مشيئتي فيك. ستبقى في كنيسة سيدني إلى أن أدعوك إلى ما بعدها، وحينئذ سترعى كنيسة فيكتوريا التحالفية». دُهشت! كان الصوت واضحًا جدًا، ولا مجال للشك فيما قيل. ومع ذلك كان احتمال تحقّقه في القريب العاجل ضئيلًا جدًا. فقد كان في الكنيسة الأم في فيكتوريا ثلاثة رعاة آنذاك، ولم يمضِ على كبيرهم هناك سوى سنة واحدة. ثم إن هذه كنيسة العاصمة، وأنا لم أُرسَم إلا حديثًا ولم أدرس في كلية لاهوت قطّ. فمن الواضح أن سنوات كثيرة ستمرّ قبل أن أكون مقبولًا راعيًا لتلك الكنيسة. لكن الصوت كان واضحًا جدًا، فنزلت عن قمة التل وفيّ حماسة لأنني سمعت صوت الله، وسلام لأنني عرفت أنني باقٍ في كنيسة سيدني التحالفية بينما يسدّ هو احتياجاتنا.
لم أخبر أحدًا سوى آن بما جرى تلك الليلة على بير هيل، لكنني لم أُفاجأ كثيرًا حين انتشر في المدينة بعد شهر واحد خبر أن راعي كنيسة فيكتوريا أعلن فجأة استقالته. وكان الراعيان المساعدان له قد استقالا أيضًا من منصبيهما، فاستُدعي مشرف المنطقة لمساعدة مجلس الشيوخ في إيجاد راعٍ آخر. لا أعرف كل ما جرى خلال الأشهر التالية، لكنني صارعت فعلًا تجربة أن أصيح ليسمع الجميع أنني أنا الرجل الذي يبحثون عنه! وبدلًا من ذلك، ابتعدت أنا وآن عن الكنيسة في وسط المدينة حتى لا نُجرَّب أبدًا بأن نتلاعب بالموقف فيشعر الشيوخ بأنهم ملزَمون بدعوتي لأكون راعيهم.
مرّت أربعة أشهر قبل أن تصلني المكالمة الهاتفية من مشرف منطقتنا: «يا غاريث، طلبت مني كنيسة فيكتوريا التحالفية أن أدعوك لتصير راعيها. هل يهمّك هذا المنصب؟». دُهش من سرعة جوابي، وازدادت دهشته حين أخبرته أنني كنت أعلم بأن هذا سيحدث قبل ذلك بعدّة أشهر. لقد سمعت الرب يتكلم، لكنني لم أتحرك لأحاول تحقيق ما قاله. فحين يتكلم هو، فهو قادر تمامًا على أن يتمّم كلامه!
في سبتمبر 1984 نُصّبت راعيًا لكنيسة فيكتوريا التحالفية، بعد سنة واحدة فقط من مجيئي إلى كنيستها الابنة في سيدني. ولا بدّ أن أضيف هنا كلمة ثناء حارّ على أهل سيدني الذين صاروا أكبر داعمينا طوال تلك السنوات. فقد تغلّبت محبتهم لنا، ومعرفتهم أن الرب وراء هذه النقلة، على خيبة أملهم. وما زالوا من أقرب أصدقائنا وداعمينا بعد كل هذه السنين.
اكتمل الفصل 20
سيدني، كولومبيا البريطانية