فصل 18 · قراءة 7 د
الإيمان – عطية سيادية
لا ينبغي لأحد أن يبني عقيدته على الاختبار الشخصي. فكثيرون جدًّا انحرفوا عن الإيمان لأنهم صدّقوا تعليمًا لا وجود له في الكتاب المقدس، بل يقوم على اختبار شخص آخر فُسِّر بآيات شتّى جُعلت «براهين». ومع ذلك فأنا أؤمن بأن الاختبار سيؤيّد الكتاب المقدس، وإن كان الكتاب لا يحتاج إلى من يُثبت صحّته.
وبينما كنت أتساءل عن سبب مباركة الرب لي بهذا القدر من الاختبارات التي رويتها، وصلت إلى فهم أعمق لمسيرة الإيمان، فهمٍ يفسّر الأصحاح 11 من الرسالة إلى العبرانيين تفسيرًا يُرضيني أكثر مما أرضتني الشروح الأخرى. فمن الواضح أنه قادني من «حجر عبور» إلى «حجر عبور»، بعد أن أعدّها أمامي. ولم يكن ذلك بسبب «تصديقي» العظيم، ولا استجابةً لحياة صلاة عميقة، فلا أستطيع أن أفتخر بأيٍّ منهما. بل الحقيقة أنني لا أجد في شخصيتي المسيحية إلا القليل مما يميّزني عن معظم المؤمنين الآخرين، اللهم إلا التزامي الكامل برغبتي في مشيئة الله لحياتي، ويقيني بأنه سيقودني في تلك المشيئة. وتلك الصلاة التي نطقت بها أول مرة بجوار ملعب الرغبي في بريدجيند صارت صرختي الصامتة.
سمعت الإيمان يوصف بطرق كثيرة: هو التصديق، وهو الثقة، وهو الاتكال، وهو الإعلان. وقد حثّنا الوعّاظ قائلين: «ليكن لكم إيمان أكثر!» بل إن بعضهم يقول إن سبب كون كثيرين مرضى أو فقراء أو غير ناجحين هو أنه ليس لديهم إيمان كافٍ.
بل إن بعضهم يعدّ ذلك خطية! صحيح أن الله «بِدُونِ إِيمَانٍ لَا يُمْكِنُ إِرْضَاؤُهُ» (عبرانيين 11:6)، لكن لنفهم أولًا ما هو الإيمان. ففي لاهوت كثيرين من الناس، ليس بين الإيمان والاجتراء إلا خيط رفيع جدًّا.
بحسب فهرس سترونغ الشامل، تُترجم الكلمة اليونانية «بيستيس» إلى «إيمان» أكثر من 225 مرة. أما «أوليغوبيستوس» فترد أربع مرات بمعنى «نقص الثقة» (بالمسيح). ومن اللافت أن كلمة «إلبيس»، التي تُترجم عادةً «رجاء» (وحرفيًّا «الترقّب المتلهّف»)، تُترجم «إيمان» في عبرانيين 10:23.
وحين أدرس الكتاب المقدس، أجد للإيمان ثلاثة أوجه: 1. هناك ما يمكن أن نسمّيه الإيمان المخلِّص. «لِأَنَّكُمْ بِٱلنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِٱلْإِيمَانِ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ ٱللهِ» (أفسس 2:8).
لقد مدّ الله، في رحمته العظيمة، يده إلى الإنسان بابنه يسوع المسيح. والروح القدس يعلنه لنا ويهبنا عطية الإيمان، فيمكّننا من أن نستجيب بالاعتراف بالله ومعرفته. لم يكن في وسعنا أن نفعل شيئًا لنستحق هذا الإعلان أو ننالَه. فهو يعمل بسيادته حين يُعرّف بنفسه. على جبل حرمون، حين سأل يسوع تلاميذه: «وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟» استطاع بطرس أن يجيب: «أَنْتَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللهِ ٱلْحَيِّ!» فأجابه يسوع: «طُوبَى لَكَ يا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لَكِنَّ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ» (متى 16:13-17).
هذا هو الإيمان الذي يتعرّف على عطية الخلاص التي في المسيح يسوع ويقبلها. وبه نعرف أن خطايانا قد غُفرت، وأن لنا اتحادًا بالآب. نحن «ٱلْأَوْلَادُ» الذين تتحدّث عنهم يوحنا الأولى 2:12-13. ومن قناعتي المحزنة أن كثيرين جدًّا من المسيحيين الذين التقيتهم لم يتقدّموا قط إلى ما بعد هذا المستوى من الإيمان.
2. ثانيًا، هناك ثمر الإيمان. «وَأَمَّا ثَمَرُ ٱلرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ، فَرَحٌ، سَلَامٌ، طُولُ أَنَاةٍ، لُطْفٌ، صَلَاحٌ، إِيمَانٌ…» (غلاطية 5:22-23).
والإيمان، كسائر الثمار، يحتاج إلى وقت لينمو. إنه ثمر آخذ في النموّ، لا يوجد إلا في حياة الذين ينضجون في مسيرتهم المسيحية. ويعلن المزمور 1:3 أن الإنسان البار يكون «كَشَجَرَةٍ مَغْرُوسَةٍ عِنْدَ مَجَارِي ٱلْمِيَاهِ، ٱلَّتِي تُعْطِي ثَمَرَهَا فِي أَوَانِهِ». فنحن نستمد قوّتنا من مجاري الروح القدس، ولا ينمو هذا الثمر في حياتنا إلا بقدر ما نثبت فيه. وحين أتأمل في ثمر غلاطية 5:22-23 يستوقفني تدرّجه. إذ يبدو أنه يزداد غرابةً أو ندرةً في اختبارنا. فكل المؤمنين الجدد تقريبًا يشهدون عن محبة وفرح وسلام جديدة وجدوها عند رجوعهم إلى الرب. ويبدو أن هذا عربون لما أعدّه الرب لنا جميعًا. وبعد فترة تخبو الإثارة الأولى، وتبدأ مرحلة التلمذة، مرحلة نموّ الثمر الدائم. وفي الطرف الآخر من السلّم، نجد الإيمان والوداعة والتعفّف نادرة؛ حتى بولس نفسه شهد عن الصراع الذي عرفه في التحلّي بالتعفّف (رومية 7:15-25).
3. هناك موهبة الإيمان. «...وَلِآخَرَ إِيمَانٌ بِٱلرُّوحِ ٱلْوَاحِدِ…» (كورنثوس الأولى 12:9).
وكما هو الحال مع كل المواهب الروحية (الكاريزماتا) المذكورة في هذا الأصحاح وفي رومية 12:6-9، يُعطى الإيمان لبنيان الجماعة كلها. والروح القدس يمارس هذه الموهبة من خلال من يشاء ومتى يشاء. فالمرء لا يمتلك هذه الموهبة، بل يمارسها في الوقت الذي تُعطى له فيه. وليست هي امتيازًا للقيادة أو للنضج؛ فأيّ مؤمن يمكن أن يُستخدم بهذه الطريقة لتشجيع الآخرين. وهي تُمارَس حين يريد الرب أن يشجّعنا، كشعب، على أن نتقدّم إلى الأمام رغم كل الصعاب.
وأوجه الإيمان الثلاثة كلها تجد مصدرها في الله. فهو يعمل بسيادته إذ يضع الإيمان في قلوب الناس، ويرعاه لينمو. وكل ما أستطيع فعله هو أن أخضع لعمله في حياتي، وأن أتصرّف بطاعة لكلمته ولإرشاداته. وهذه الطاعة استجابة لثقتي بأن كلمته حق.
وهكذا، فإن «مسيرة الإيمان» عندي هي تلك الرحلة التي يقود فيها الرب وأتبع أنا، عارفًا أحيانًا، وغير عارف في أغلب الأحيان. وفي بعض الأوقات يغيّر اتجاهي بالظروف أو بـ«مواعيد إلهية». ولا يتطلّب ذلك مني أن أبحث لأعرف قيادته أو مشيئته لحياتي خارج ما أعلنه أصلًا في الكتاب المقدس. فأبي يحبني حبًّا أعظم من أن يتلاعب بمشاعري. إنه لا يدعوني إلى أن أعمل مشيئته ثم يخفي عني تلك المشيئة في «مخطّط» معقّد محفوظ سرًّا في السماء.
وهو لا يعبث بي إذ يتحدّاني أن أكتشف مشيئته عبر ساعات من الصلاة المتوسّلة، وأنا خائف من أن أرتكب خطأً يُسقطني من مشيئته ونعمته؛ بل يتوقّع مني أن أسلك في مشيئته بقدر ما يعلنها الكتاب المقدس. ثم يقودني في مشيئته الخاصة بي من خلال الظروف أو «الأبواب المفتوحة» التي يضعها أمامي. وكل ما عليّ أن أفعله هو أن أتمسّك بيده.
إنني أتوق إلى مشيئة الله في حياتي كما يكتب المرنّم: «كَمَا يَشْتَاقُ ٱلْإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ ٱلْمِيَاهِ، هَكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ» (مزمور 42:1). والله يتوق إلى مشيئته في حياتي! فمن ذا الذي، أو ما الذي، يستطيع أن يعيق ذلك؟ هل أؤمن حقًّا بأن للشيطان قدرة على أن يُحبط الله في تحقيق مشيئته؟ أعلم أنه يسعى دائمًا إلى طريقة يهلك بها أيًّا من أولاد الله، ليُبقيهم خارج مشيئة الله، لكن حِفظي هو عمل أبي، لا عملي أنا.
في ذهني صورة لنفسي وأنا أسير على الرصيف ممسكًا بيد أبي. نتحدّث معًا وننعم بالشركة معًا. لا أعرف إلى أين قد يأخذني اليوم، فربما إلى مباهج محلّ الحلوى في الحياة، بينما قد يأخذني غدًا إلى طبيب الأسنان! لقد سرت في هذا الطريق زمنًا كافيًا لأعرف أنني إن أردت أن أقضي وقتًا طويلًا في «محلات الحلوى» في الحياة، فلا بد أن يأخذني أبي إلى طبيب الأسنان في وقت ما! ولهذا يسمح بأن تدخل الصعوبات والأحزان إلى حياتنا، لأنه يعلم أن تلك هي الطريقة الوحيدة التي بها ننضج.
أتذكّر أن مخلّصنا قد كُمِّل «بِٱلْآلَامِ» (عبرانيين 2:10). قد يأخذني إلى اختبار وادٍ عميق، لكنني تعلّمت أيضًا أن كل وادٍ إنما يقود إلى جبال، وكلما كان الوادي أعمق كان الجبل أعلى. فإن أردت أن تختبر قمة الجبل مع الرب، فعليك أن تسلك مسيرة الإيمان عبر الوادي. وأحيانًا، مثل أي طفل، يشتّت انتباهي شيء على الجانب الآخر من الطريق، فأرفع عينيّ عن أبي، وأخطو إلى الشارع. هذه هي اللحظة التي كان الشيطان ينتظرها. فيُهدر محرّك «شاحنته ذات الأطنان العشرة»، ويندفع نحوي ليسحقني! لكن قبل أن يصل بوقت طويل، يكون أبي الحكيم الحنون قد سحبني إلى الرصيف معه. فليست مشيئته أن أهلك، ولم يكن تصديقي العظيم هو الذي أنقذني، ولا أيّ قدر من إيمان أصنعه بنفسي، بل أمانته هو. كل ما كان لديّ هو رغبة عميقة في أن أتمسّك بيده (أي أن أسلك في مشيئته)، وخضوعٌ في طاعة لقيادته.
هذا، في نظري، هو الإيمان.
يعرّف عبرانيين 11:1 الإيمان بأنه «ٱلثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَٱلْإِيقَانُ بِأُمُورٍ لَا تُرَى». والعبارة الأولى تحدّثني عن عطية، والأخيرة عن ثمر. وكلنا نعرف معنى أن نرجو هديةً في يوم ميلادنا أو في عيد الميلاد. فيكون لدينا ترقّب متلهّف لنيلها، إلى أن تصير الهدية أخيرًا بين أيدينا نختبرها. كان لنا الرجاء، وها قد صار لنا الشيء نفسه.
أما العبارة الثانية، «وَٱلْإِيقَانُ بِأُمُورٍ لَا تُرَى»، فتتحدّث عن الثمر. فلا يستطيع المرء أن يرى مصدره، أي النُّسغ الجاري، لكن دليل الحياة يُرى في الثمر. وتقول الآية الثانية إنه بسبب الإيمان استطاع الناس أن يقدّموا شهادة حسنة. وأرجو أن تكون قصتي شهادة حسنة لقيادة الله الأمينة. فلولا نقله إياي من اختبار إلى اختبار، لما كان لديّ إلا القليل لأقوله عن حياتي مما يمكن أن يكرمه.
وتقرّر الآية الثالثة أننا بالإيمان نستطيع أن نفهم ما يفوق الإدراك. لا بمعرفة العلم، بل بيقين النفس الآتي من الإعلان الإلهي. ثم تتبع ذلك قائمة من الأمثلة تُرينا كيف وضع الله إصبعه في حياة رجال ونساء من الماضي ليمكّنهم من السلوك بحسب مشيئته لهم ولنا. وكان بين هؤلاء قتلة وكذّابون ومتشكّكون، كما كان بينهم مؤمنون وشهداء. ولم يكونوا كلهم غالبين أو أبطالًا لأن إيمانهم كان عظيمًا، لكن قصصهم دُوّنت لنا لكي ندرك الدروس التي يريدنا الله أن نتعلّمها بشأن مسيرة إيماننا نحن.
وبحسب فهمي، فإن الرجاء الكتابي، «إلبيس»، ومعناه «الترقّب المتلهّف»، يتعلّق بالتصديق والثقة. أما «الإيمان» في اليونانية فهو «بيستيس»، ويتعلّق أكثر بالطاعة. بل إنني أصف الإيمان بأنه صفة من صفات القلب، يظهر دليلها في الطاعة، بينما الرجاء صفة من صفات العقل، يظهر دليلها في الثقة.
اكتمل الفصل 18
الإيمان – عطية سيادية