مع المسيح في مدرسة الصلاة
العطيّة الشاملة

فصل 8 · قراءة 7 د

العطيّة الشاملة

«فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلَادَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً، فَكَمْ بِٱلْحَرِيِّ ٱلْآبُ ٱلَّذِي مِنَ ٱلسَّمَاءِ، يُعْطِي ٱلرُّوحَ ٱلْقُدُسَ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ؟»—لوقا 11:13.

في الموعظة على الجبل كان الرب قد نطق من قبل بقوله العجيب: كم بالحريّ؟ وهنا في لوقا، حيث يكرّر السؤال، ثمّة فرق. فبدلًا من أن يتكلّم، كما في المرّة السابقة، عن إعطاء عطايا جيّدة، يقول: «فَكَمْ بِٱلْحَرِيِّ ٱلْآبُ ٱلَّذِي مِنَ ٱلسَّمَاءِ، يُعْطِي ٱلرُّوحَ ٱلْقُدُسَ؟» وهكذا يعلّمنا أنّ رأس هذه العطايا وأفضلها هو الروح القدس، بل بالأحرى أنّ في هذه العطيّة تنطوي كلّ العطايا الأخرى. الروح القدس هو أول عطايا الآب، والعطيّة التي يُسَرّ أكثر من كلّ شيء بأن يمنحها. فالروح القدس إذًا هو العطيّة التي ينبغي أن نطلبها أولًا وقبل كلّ شيء.

والقيمة التي لا يُعبَّر عنها لهذه العطيّة نستطيع أن نفهمها بسهولة. فقد تكلّم يسوع عن الروح بوصفه «مَوْعِدَ ٱلْآبِ»؛ الموعد الواحد الذي أعلن فيه الله أبوّته. وأفضل عطيّة يستطيع أب صالح حكيم أن يمنحها لولده على الأرض هي روحه هو. هذه هي الغاية العظمى للأب في التربية — أن يُعيد إنتاج طباعه وخُلقه في ولده. فإن كان الولد سيعرف أباه ويفهمه؛ وإن كان، وهو يكبر، سيدخل في كلّ مشيئته وخططه؛ وإن كان سيجد أعظم فرحه في أبيه، ويجد الأب فرحه فيه، — فلا بدّ أن يكون معه فكرًا واحدًا وروحًا واحدًا. ولذلك يستحيل أن نتصوّر الله يمنح ولده عطيّة أعلى من هذه: روحه هو. فالله هو ما هو بروحه؛ والروح هو حياة الله بعينها. فكّر فقط ماذا يعني هذا — الله يعطي روحه هو لولده على الأرض.

أوَلم يكن هذا مجد يسوع بوصفه ابنًا على الأرض، أنّ روح الآب كان فيه؟ ففي معموديّته في الأردن اجتمع الأمران معًا، — الصوت الذي أعلنه الابن الحبيب، والروح النازل عليه. وهكذا يقول الرسول عنّا: «بِمَا أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ، أَرْسَلَ ٱللهُ رُوحَ ٱبْنِهِ إِلَى قُلُوبِكُمْ صَارِخًا: يَا أَبَا ٱلْآبُ». الملك يسعى في كلّ تربيته لابنه إلى أن يستخرج فيه روحًا ملكيّة. وأبونا الذي في السماوات يرغب في أن يربّينا كأولاده للحياة المقدّسة السماويّة التي يسكن فيها، ولهذا يعطينا، من أعماق قلبه، روحه هو. وهذه كانت كلّ غاية يسوع حين دخل لأجلنا إلى حضرة الله، بعد أن صنع الكفّارة بدمه، لكي ينال لنا الروح القدس ويرسله ليسكن فينا. وبوصفه روح الآب وروح الابن، فيه حياة الآب والابن ومحبتهما كلّها؛ وإذ ينزل إلينا يرفعنا إلى شركتهما. وبوصفه روح الآب، يسكب في قلوبنا محبة الآب التي أحبّ بها الابن، ويعلّمنا أن نحيا فيها. وبوصفه روح الابن، ينفخ فينا الحرّية البنويّة، والتكرّس، والطاعة التي عاش فيها الابن على الأرض. لا يستطيع الآب أن يمنح عطيّة أعلى ولا أعجب من هذه: روحه القدّوس، روح البنوّة.

وهذا الحقّ يوحي بطبيعة الحال بالفكرة أنّ عطيّة الله الأولى والرئيسيّة هذه يجب أن تكون الغاية الأولى والرئيسيّة لكلّ صلاة. فلكلّ حاجة من حاجات الحياة الروحيّة هذا هو الشيء الواحد الذي يُحتاج إليه: الروح القدس. إنّ الملء كلّه في يسوع؛ ملء النعمة والحقّ، الذي منه نأخذ نعمة فوق نعمة. والروح القدس هو الناقل المعيَّن، الذي عمله الخاصّ أن يجعل يسوع وكلّ ما فيه لأجلنا مِلكًا لنا بتملّك شخصيّ، وباختبار مبارك. إنه روح الحياة في المسيح يسوع؛ وبمقدار ما الحياة عجيبة، بمقدار ذلك عجيب هو التدبير الذي به أُعدّ وسيط كهذا ليوصلها إلينا. فإن نحن سلّمنا أنفسنا تسليمًا كاملًا لتصرّف الروح، وتركناه يعمل فينا كما يشاء، فإنه سيُظهر حياة المسيح فينا. وسيفعل ذلك بقوّة إلهيّة، حافظًا حياة المسيح فينا في استمرار لا ينقطع. حقًّا، إن كانت هناك صلاة واحدة ينبغي أن تجتذبنا إلى عرش الآب وتبقينا هناك، فهي هذه: أن يتدفّق الروح القدس، الذي قبلناه نحن الأولاد، إلينا ومنّا بملء أعظم.

وفي تنوّع المواهب التي يوزّعها الروح، يسدّ كلّ حاجة للمؤمن. فكّر فقط في الأسماء التي يحملها. روح النعمة، ليعلن كلّ ما في يسوع من نعمة ويمنحه. روح الإيمان، الذي يعلّمنا أن نبدأ ونستمرّ وننمو في الإيمان الدائم. روح التبنّي واليقين، الذي يشهد أننا أولاد الله، ويُلهم صرخة الثقة والاطمئنان: يا أبا الآب! روح الحقّ، ليرشد إلى جميع الحقّ، ويجعل كلّ كلمة من كلمات الله لنا بالعمل والحقّ. روح الصلاة، الذي به نكلّم الآب؛ صلاةً لا بدّ أن تُسمَع. روح القضاء وروح الإحراق، ليفحص القلب، ويبكّت على الخطيّة. روح القداسة، الذي يُظهر حضور الآب القدّوس فينا ويمنحه. روح القوّة، الذي به نتقوّى لنشهد بجرأة ونعمل بفاعليّة في خدمة الآب. روح المجد، عربون ميراثنا، والإعداد للمجد العتيد وعربونه المسبق. حقًّا إنّ ولد الله لا يحتاج إلا إلى شيء واحد ليقدر أن يحيا حقًّا كولد: أن يمتلئ بهذا الروح.

والآن، الدرس الذي يعلّمنا إيّاه يسوع اليوم في مدرسته هو هذا: أنّ الآب مشتاق أن يعطينا إيّاه إن نحن فقط سألنا في اتكال بنويّ على ما يقوله: «فَإِنْ كُنْتُمْ… تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلَادَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً، فَكَمْ بِٱلْحَرِيِّ ٱلْآبُ ٱلَّذِي مِنَ ٱلسَّمَاءِ، يُعْطِي ٱلرُّوحَ ٱلْقُدُسَ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ». وفي كلمات وعد الله: «سأسكب روحي بغنى»؛ وكلمات وصيّته: «ٱمْتَلِئُوا بِٱلرُّوحِ» لنا مقياس ما الله مستعدّ أن يعطيه، وما نستطيع أن نناله. نحن، بوصفنا أولاد الله، قد قبلنا الروح من قبل. ولكننا ما زلنا نحتاج أن نسأل ونصلّي لأجل مواهبه وأعماله الخاصّة حين نحتاج إليها. وليس هذا فقط، بل لأجل أن يمتلكنا هو نفسه امتلاكًا تامًّا كاملًا؛ ولأجل إرشاده الذي لا ينقطع لحظة بعد لحظة. فكما أنّ الغصن، الممتلئ من قبل بعصارة الكرمة، يصرخ دائمًا طالبًا تدفّق تلك العصارة المستمرّ المتزايد، لكي يبلغ بثمره الكمال، كذلك المؤمن، الفرِح بامتلاكه الروح، يعطش دائمًا ويصرخ طالبًا المزيد. وما يريدنا المعلّم العظيم أن نتعلّمه هو أنه لا شيء أقلّ من وعد الله ووصيّة الله يجوز أن يكون مقياس انتظارنا وصلاتنا؛ يجب أن نمتلئ بغنى. ويريدنا أن نسأل هذا في اليقين بأنّ «كم بالحريّ» العجيبة، التي لمحبة الله الأبويّة، هي العربون على أننا حين نسأل ننال بكلّ تأكيد.

فلنؤمن بهذا الآن. وإذ نصلّي لنمتلئ بالروح، لا نبحث عن الجواب في مشاعرنا. فكلّ البركات الروحيّة يجب أن تُنال، أي أن تُقبَل أو تُؤخَذ بالإيمان.1 دعني أؤمن بأنّ الآب يعطي الروح القدس لولده المصلّي. بل الآن، وأنا أصلّي، عليّ أن أقول بالإيمان: لي ما أسأل، ملء الروح لي. لنثبت راسخين في هذا الإيمان. فعلى أساس كلمة الله نعلم أنّ لنا ما نسأل. لنثبت راسخين في الصلاة المؤمنة، بالشكر لأننا سُمعنا، وبالشكر لأجل ما قبلناه وأخذناه ونملكه الآن كملك لنا، لكي تنفجر البركة، التي قد أُعطيت لنا من قبل، والتي نمسكها بالإيمان، فتملأ كياننا كلّه. ففي مثل هذا الشكر المؤمن والصلاة المؤمنة تنفتح نفسنا لكي يمتلكها الروح امتلاكًا تامًّا بلا إزعاج. إنّ صلاة كهذه، لا تسأل وترجو فقط بل تأخذ وتمسك، هي التي ترث البركة الكاملة. ولنذكر في كلّ صلواتنا الدرس الذي يريد المخلّص أن يعلّمنا إيّاه اليوم، أنه إن كان هناك شيء واحد على الأرض نستطيع أن نكون على يقين منه، فهو هذا: أنّ الآب يرغب في أن نمتلئ بروحه، وأنه يُسَرّ بأن يعطينا روحه.

ومتى تعلّمنا مرّة أن نؤمن هكذا لأنفسنا، وأن نأخذ كلّ يوم من الكنز الذي لنا في السماء، فأيّة حرّية وأيّة قوّة لنا لنصلّي لأجل انسكاب الروح على كنيسة الله، وعلى كلّ بشر، وعلى أفراد، أو على جهود خاصّة! فمَن تعلّم مرّة أن يعرف الآب في الصلاة لأجل نفسه، يتعلّم أن يصلّي بأعظم ثقة لأجل الآخرين أيضًا. فالآب يعطي الروح القدس للذين يسألونه، لا أقلّ، بل أكثر، حين يسألون لأجل الآخرين.

«يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ».

أيها الآب الذي في السماوات! لقد أرسلت ابنك ليعلن لنا ذاتك، ومحبتك الأبويّة، وكلّ ما لتلك المحبة لنا. وقد علّمنا أنّ العطيّة التي تفوق كلّ العطايا، والتي تريد أن تمنحها جوابًا للصلاة، هي الروح القدس.

يا أبي! آتي إليك بهذه الصلاة؛ ليس شيء أرغب فيه — أفلا أستطيع أن أقول: أنا أرغب فيه — مثلما أرغب في أن أمتلئ بالروح، الروح القدس. فالبركات التي يأتي بها لا يُعبَّر عنها، وهي بعينها ما أحتاج إليه. إنه يسكب محبتك في القلب، ويملؤه منك أنت. إليه أشتاق. إنه ينفخ فيّ فكر المسيح وحياته، فأحيا كما عاش هو، في محبة الآب ولأجلها. إليه أشتاق. إنه يُلبس قوّة من الأعالي لكلّ سلوكي وعملي. إليه أشتاق. آه يا أبي! أتوسّل إليك، أعطني اليوم ملء روحك.

يا أبي! أسأل هذا مستندًا إلى كلمات ربّي: «فَكَمْ بِٱلْحَرِيِّ… ٱلرُّوحَ ٱلْقُدُسَ». أنا أومن أنك تسمع صلاتي؛ أنا أقبل الآن ما أسأل؛ يا أبي! أنا أطالب به وآخذه: ملء روحك لي. أقبل العطيّة اليوم ثانية عطيّةً بالإيمان؛ وبالإيمان أحسب أنّ أبي يعمل بالروح كلّ ما وعد به. الآب يُسَرّ بأن ينفخ روحه في ولده المنتظر وهو يمكث في شركة معه. آمين.

صفحة 1 / 1 · 7 دقيقة متبقية في الفصل