مع المسيح في مدرسة الصلاة
أبوّة الله غير المحدودة

فصل 7 · قراءة 9 د

أبوّة الله غير المحدودة

«أَمْ أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ إِذَا سَأَلَهُ ٱبْنُهُ خُبْزًا، يُعْطِيهِ حَجَرًا؟ وَإِنْ سَأَلَهُ سَمَكَةً، يُعْطِيهِ حَيَّةً؟ فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلَادَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً، فَكَمْ بِٱلْحَرِيِّ أَبُوكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ، يَهَبُ خَيْرَاتٍ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ!»—متى 7:9-11

بهذه الكلمات يمضي ربّنا إلى أبعد في تثبيت ما قاله عن يقين استجابة الصلاة. فلكي يزيل كلّ شكّ، ويُرينا على أيّ أساس أكيد يقوم وعده، يحتكم إلى ما رآه كلّ إنسان واختبره هنا على الأرض. كلّنا أولاد، ونعرف ماذا كنّا ننتظر من آبائنا. ونحن آباء، أو نرى الآباء على الدوام؛ وفي كلّ مكان نعدّ أطبع شيء يمكن أن يكون أن يسمع الأب لولده. والرب يطلب منّا أن نرفع أنظارنا عن الآباء الأرضيّين، الذين أفضلهم ليس إلا شرّيرًا، وأن نحسب كم بالحريّ يعطي الآب السماويّ عطايا جيّدة للذين يسألونه. يريد يسوع أن يقودنا إلى أن نرى أنه بمقدار ما الله أعظم من الإنسان الخاطئ، بمقدار ذلك أعظم ينبغي أن يكون يقيننا بأنه سيمنح طلباتنا البنويّة بأوثق مما يمنحها أيّ أب أرضيّ. وبمقدار ما الله أعظم من الإنسان، بمقدار ذلك أوثق أن تُسمَع الصلاة عند الآب الذي في السماء منها عند أب على الأرض.

وبمقدار ما هذا المثل بسيط ومفهوم، بمقدار ذلك عميق وروحيّ هو التعليم الذي يحمله. فالرب يريد أن يذكّرنا بأنّ صلاة الولد تدين بتأثيرها كلّه للعلاقة التي تربطه بأبيه. ولا تقدر الصلاة أن تمارس هذا التأثير إلا حين يكون الولد عائشًا حقًّا في تلك العلاقة، في البيت، وفي المحبة، وفي خدمة الآب. إنّ قوّة الوعد «اِسْأَلُوا تُعْطَوْا» كامنة في علاقة المحبة بيننا نحن الأولاد وبين الآب الذي في السماء؛ ومتى عشنا وسلكنا في تلك العلاقة، كانت صلاة الإيمان وجوابها النتيجة الطبيعيّة. ولذلك فالدرس الذي لنا اليوم في مدرسة الصلاة هو هذا: عِش كولد لله، فتستطيع أن تصلّي كولد، وكولدٍ ستُسمَع بكلّ تأكيد.

وما هي حياة البنوّة الحقيقيّة؟ يمكن أن يوجد الجواب في أيّ بيت. فالولد الذي يترك بيت أبيه مختارًا، ولا يجد مسرّة في حضرة أبيه ومحبته وطاعته، ومع ذلك يظنّ أنه يسأل فينال ما يريد، سيخيب لا محالة. وعلى العكس، مَن كانت عشرة أبيه ومشيئته وكرامته ومحبته فرح حياته، سيجد أنّ فرح الأب أن يمنحه طلباته. يقول الكتاب: «كُلَّ ٱلَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ ٱللهِ، فَأُولَئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ ٱللهِ»: فامتياز البنين أن يسألوا كلّ شيء لا ينفصل عن حياة البنين تحت قيادة الروح. ومَن يسلّم نفسه لينقاد بالروح في حياته، سينقاد به في صلواته أيضًا. وسيجد أنّ العطاء الأبويّ هو الجواب الإلهيّ على الحياة البنويّة.

ولكي نرى ما هي هذه الحياة البنويّة التي يقوم عليها السؤال البنويّ والإيمان البنويّ، ما علينا إلا أن نلاحظ ما يعلّمه ربّنا في الموعظة على الجبل عن الآب وأولاده. ففيها مواعيد الصلاة مغروسة في وصايا الحياة؛ والاثنتان لا تنفصلان. إنهما تكوّنان كلًّا واحدًا؛ ولا يستطيع أن يعتمد على إتمام الوعد إلا مَن يقبل أيضًا كلّ ما ربطه الرب به. وكأنه، وهو ينطق بالكلمة «اُطْلُبُوا تَأْخُذُوا»، يقول: أنا أعطي هذه المواعيد للذين صوّرتهم في التطويبات في فقرهم ونقاوتهم البنويّين، والذين قلت عنهم: «أَبْنَاءَ ٱللهِ يُدْعَوْنَ» (متى 5:3-9): للأولاد الذين «فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هَكَذَا قُدَّامَ ٱلنَّاسِ، لِكَيْ… يُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ»: للذين يسلكون في المحبة «لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ»، ويسعون إلى أن يكونوا كاملين «كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ» (متى 5:45): للذين صومهم وصلاتهم وصدقتهم (متى 6:1-18) ليست قدّام الناس، بل «أمام أبيكم الذي يرى في الخفاء»؛ الذين يغفرون «كما يغفر لكم أبوكم» (متى 6:15)؛ الذين يثقون بالآب السماويّ في كلّ حاجة أرضيّة، طالبين أولًا ملكوت الله وبرّه (متى 6:26-32)؛ الذين لا يقولون فقط: يا رب، يا رب، بل يفعلون إرادة أبي الذي في السماوات (متى 7:21). هؤلاء هم أولاد الآب، وهذه هي الحياة في محبة الآب وخدمته؛ وفي حياة بنويّة كهذه تكون استجابات الصلاة أكيدة وفيّاضة.

ولكن أفلا يُثبّط تعليم كهذا الضعيف؟ إن كان علينا أولًا أن نطابق هذه الصورة للولد، أفلا يضطرّ كثيرون أن يتخلّوا عن كلّ رجاء في استجابة الصلاة؟ تزول الصعوبة إن فكّرنا ثانية في الاسم المبارك: الأب والولد. فالولد ضعيف؛ وبين الأولاد فرق عظيم في السنّ وفي المواهب. والرب لا يطلب منّا إتمامًا كاملًا للناموس؛ لا، بل فقط التسليم البنويّ الكامل القلب لأن نحيا معه كولد في الطاعة والحقّ. لا أكثر. ولكن أيضًا لا أقلّ. فالآب لا بدّ أن يملك القلب كلّه. ومتى أُعطي هذا، ورأى الولدَ بقصد مخلص وإرادة ثابتة يسعى في كلّ شيء إلى أن يكون ولدًا ويحيا كولد، حينئذ تُحسَب صلاتنا عنده صلاة ولد. فليبدأ أيّ إنسان ببساطة وإخلاص أن يدرس الموعظة على الجبل ويتّخذها مرشدًا لحياته، فسيجد، رغم الضعف والإخفاق، حرّية متزايدة دائمًا في أن يطالب بإتمام مواعيدها بخصوص الصلاة. ففي اسمَي الأب والولد يملك العربون على أنّ طلباته ستُمنَح.

هذه هي الفكرة الرئيسيّة الواحدة التي يقف عندها يسوع هنا، والتي يريد أن يستوعبها جميع تلاميذه. يريدنا أن نرى أنّ سرّ الصلاة الفعّالة هو: أن يمتلئ القلب بمحبة الله الأبويّة. لا يكفي أن نعرف أنّ الله أب: بل يريدنا أن نأخذ وقتًا لنقع تحت التأثير الكامل لما يتضمّنه هذا الاسم. علينا أن نأخذ أفضل أب أرضيّ نعرفه؛ ونفكّر في الحنان والمحبة اللذين ينظر بهما إلى طلبة ولده، والمحبة والفرح اللذين يمنح بهما كلّ رغبة معقولة؛ ثم علينا، ونحن نتأمّل في سجود متعبّد في محبة الله وأبوّته غير المحدودتين، أن نعتبر بأيّ حنان وفرح أعظم بكثير يرانا هو آتين إليه، ويعطينا ما نسأله كما ينبغي. ثم حين نرى كم يفوق هذا الحساب الإلهيّ إدراكنا، ونشعر كم يستحيل علينا أن نستوعب استعداد الله لأن يسمعنا، يريدنا حينئذ أن نأتي ونفتح قلبنا للروح القدس ليسكب فيه محبة الله الأبويّة. لنفعل هذا لا حين نريد أن نصلّي فقط، بل لنسلّم القلب والحياة ليسكنا في تلك المحبة. فالولد الذي لا يريد أن يعرف محبة أبيه إلا حين يكون له شيء يطلبه، سيخيب. أما مَن يدع الله يكون أبًا دائمًا وفي كلّ شيء، ومَن يودّ لو يحيا حياته كلّها في حضرة الآب ومحبته، ومَن يسمح لله أن يكون له أبًا بكلّ عظمة محبته، آه! فإنه سيختبر بأمجد ما يكون أنّ الحياة في أبوّة الله غير المحدودة واستجابات الصلاة الدائمة لا ينفصلان.

أيها التلميذ الحبيب رفيقي! بدأنا نرى ما هو السبب في أننا لا نعرف إلا القليل عن استجابات الصلاة اليوميّة، وما هو الدرس الرئيسيّ الذي عند الرب لنا في مدرسته. إنه كلّه في اسم الآب. كنّا نظنّ أنّ ما سنناله في مدرسة المسيح هو بصيرة جديدة وأعمق في بعض أسرار عالم الصلاة؛ أما هو فيقول لنا إنّ الدرس الأول هو الأعلى؛ علينا أن نتعلّم أن نقول جيّدًا: «يَا أَبَا ٱلْآبُ!» «أَبَانَا ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ». ومَن يستطيع أن يقول هذا يملك مفتاح كلّ صلاة. ففي كلّ الرأفة التي بها يصغي الأب إلى ولده الضعيف أو المريض، وفي كلّ الفرح الذي به يسمع ولده المتلعثم، وفي كلّ الصبر اللطيف الذي به يحتمل ولدًا طائشًا، علينا، كما في مرايا كثيرة، أن ندرس قلب أبينا، حتى تُرفَع كلّ صلاة إلى فوق على الإيمان بهذه الكلمة الإلهيّة: «فَكَمْ بِٱلْحَرِيِّ أَبُوكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ، يَهَبُ خَيْرَاتٍ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ».

«يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ».

أيها الرب المبارك! أنت تعلم أنّ هذا الدرس، وإن كان من أول الدروس في مدرستك وأبسطها وأمجدها، هو لقلوبنا من أصعبها تعلّمًا: فنحن لا نعرف إلا القليل عن محبة الآب. يا رب! علّمنا أن نحيا مع الآب بحيث تكون محبته لنا أقرب وأوضح وأغلى من محبة أيّ أب أرضيّ. وليكن يقيننا بأنه يسمع صلاتنا أعظم من الثقة بأب أرضيّ بمقدار ما علت السماوات عن الأرض، وبمقدار ما الله أعظم من الإنسان بما لا يُحدّ. يا رب! أرِنا أنّ بُعدنا غير البنويّ عن الآب هو وحده ما يعيق استجابة الصلاة، وقُدنا إلى الحياة الحقيقيّة، حياة أولاد الله. أيها الرب يسوع! إنّ المحبة الأبويّة هي التي توقظ الثقة البنويّة. آه، أعلن لنا الآب، ومحبته الحانية الرؤوفة، لكي نصير كالأولاد، ونختبر كيف أنّ قوّة الصلاة كامنة في حياة البنوّة.

يا ابن الله المبارك! الآب يحبّك وقد أعطاك كلّ شيء. وأنت تحبّ الآب، وقد عملت كلّ ما أوصاك به، ولذلك لك القدرة أن تسأل كلّ شيء. يا رب! أعطنا روحك أنت، روح الابن. اجعلنا كالأولاد، كما كنت أنت على الأرض. ولتُتنفَّس كلّ صلاة بالإيمان بأنه كما علت السماء عن الأرض، كذلك محبة الله الأبويّة واستعداده لأن يعطينا ما نسأل يفوقان كلّ ما نستطيع أن نفتكر فيه أو نتصوّره. آمين.

ملاحظة

«أَبُوكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ». وا أسفاه! إننا لا نتكلّم عنها إلا كتعبير عن إكرام مهيب. ونفكّر فيها كصورة مستعارة من حياة أرضيّة، لا تُستعمَل عن الله إلا بمعنى باهت سطحيّ. نخاف أن نأخذ الله أبًا لنا حانيًا رؤوفًا. إنه في نظرنا معلّم مدرسة، أو أبعد من ذلك تقريبًا، وأقلّ معرفة بنا — مفتّش لا يعرف عنّا شيئًا إلا من خلال دروسنا. عيناه ليستا على التلميذ، بل على الكتاب، والجميع على السواء يجب أن يبلغوا المستوى المطلوب.

والآن افتح آذان القلب، يا ولد الله الخائف؛ دع هذه الكلمة تغوص إلى أعمق أعماق النفس. هنا نقطة البدء في القداسة: في محبة أبينا السماويّ وصبره ورأفته. ليس علينا أن نتعلّم القداسة درسًا عسيرًا في المدرسة، لكي نجعل الله يحسن الظنّ بنا؛ بل علينا أن نتعلّمها في البيت والآب يعيننا. الله يحبّك لا لأنك ذكيّ، ولا لأنك صالح، بل لأنه أبوك. صليب المسيح لا يجعل الله يحبّنا؛ بل هو ثمرة محبته لنا ومقياسها. إنه يحبّ جميع أولاده، أخرقهم، وأبلدهم، وأسوأهم. محبته قائمة وراء كلّ شيء، وعلينا أن نقف عليها أساسًا راسخًا لحياتنا الدينيّة، لا أن ننمو إليها، بل أن ننمو منها. علينا أن نبدأ من هناك وإلا فبدايتنا ستؤول إلى لا شيء. تمسّك بهذا بكلّ قوّة. علينا أن نخرج من أنفسنا طلبًا لأيّ رجاء، أو أيّة قوّة، أو أيّة ثقة. وأيّ رجاء، وأيّة قوّة، وأيّة ثقة يمكن أن تكون لنا الآن إذ نبدأ من هنا: أبوكم الذي في السماوات!

نحتاج أن ندخل إلى الحنان والعون الكامنين في هذه الكلمات، وأن نستريح عليهما — أبوكم. ردّدها لنفسك حتى نشعر بشيء من هذا الحقّ العجيب. إنها تعني أنني مرتبط بالله بأوثق العلاقات وأرقّها؛ وأنّ لي حقًّا في محبته وقدرته وبركته لا يستطيع شيء آخر أن يعطيني إيّاه. آه، ما أعظم الجرأة التي بها نستطيع أن نقترب! آه، ما أعظم الأمور التي يحقّ لنا أن نسألها! أبوكم. إنها تعني أنّ كلّ محبته وصبره وحكمته غير المحدودة تنحني عليّ أنا لتعينني أنا. وفي هذه العلاقة لا يكمن إمكان القداسة فحسب؛ بل ما هو أعظم من ذلك بما لا يُحدّ.

هنا يجب أن نبدأ، في محبة أبينا الصبورة. فكّر كيف يعرفنا كلًّا على حدة، بكلّ ما فينا من خصائص، وبكلّ ضعفاتنا وصعوباتنا. المعلّم يحكم بالنتيجة، أما أبونا فيحكم بالجهد. الإخفاق لا يعني دائمًا الذنب. إنه يعرف كم تكلّف الأمور، ويزنها حيث لا يفعل الآخرون إلا أن يقيسوها. أبوكم. فكّر كم تقدّر محبته البدايات المسكينة للصغار، مهما بدت للآخرين خرقاء لا معنى لها. كلّ هذا كامن في هذه العلاقة المباركة، وما هو أعظم منه بما لا يُحدّ. لا تخف أن تأخذه كلّه لنفسك.

من أفكار عن القداسة، لمارك غاي بيرس. وما قيل بهذا الجمال عن معرفة أبوّة الله بوصفها نقطة البدء في القداسة ليس أقلّ صدقًا عن الصلاة.

صفحة 1 / 1 · 9 دقيقة متبقية في الفصل