فصل 6 · قراءة 7 د
يقين استجابة الصلاة
«اِسْأَلُوا تُعْطَوْا. اُطْلُبُوا تَجِدُوا. اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ. لِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْأَلُ يَأْخُذُ، وَمَنْ يَطْلُبُ يَجِدُ، وَمَنْ يَقْرَعُ يُفْتَحُ لَهُ»—متى 7:7-8.
«تَطْلُبُونَ وَلَسْتُمْ تَأْخُذُونَ، لِأَنَّكُمْ تَطْلُبُونَ رَدِيًّا»—يعقوب 4:3.
يعود ربّنا هنا في الموعظة على الجبل ليتكلّم عن الصلاة مرّة ثانية. في المرّة الأولى تكلّم عن الآب الذي يُوجَد في الخفاء ويجازي علانية، وأعطانا الصلاة النموذجيّة (متى 6:5-15). وهنا يريد أن يعلّمنا ما يعدّه الكتاب كلّه الأمر الأهمّ في الصلاة: اليقين بأنّ الصلاة ستُسمَع ويُستجاب لها. لاحظ كيف يستعمل كلمات تكاد تعني الشيء نفسه، وفي كلّ مرّة يكرّر الوعد بوضوح شديد: «تُعْطَوْا… تَجِدُوا… يُفْتَحْ لَكُمْ»؛ ثم يعطي أساسًا لهذا اليقين ناموسَ الملكوت: «مَنْ يَسْأَلُ يَأْخُذُ، وَمَنْ يَطْلُبُ يَجِدُ، وَمَنْ يَقْرَعُ يُفْتَحُ لَهُ». ولا يسعنا إلا أن نشعر كيف يريد بهذا التكرار ستّ مرّات أن يطبع عميقًا في أذهاننا هذا الحقّ الواحد: أننا نستطيع، بل يجب، أن ننتظر بكلّ ثقة جوابًا لصلاتنا. وبعد إعلان محبة الآب، ليس في منهج مدرسة الصلاة كلّه درس أهمّ من هذا: كلّ مَن يسأل يأخذ.
وقد التمس بعضهم فرقًا في المعنى بين الكلمات الثلاث التي يستعملها الرب: اسألوا، اطلبوا، اقرعوا، فإن كان هذا قصده حقًّا، فالأولى، «اسألوا»، تشير إلى العطايا التي نصلّي لأجلها. ولكن قد أسأل وأنال العطيّة دون المعطي. و«اطلبوا» هي الكلمة التي يستعملها الكتاب عن الله نفسه؛ والمسيح يؤكّد لي أني أستطيع أن أجده هو. ولكن لا يكفي أن أجد الله وقت الحاجة دون أن أدخل إلى شركة ثابتة معه: فكلمة «اقرعوا» تتكلّم عن الدخول للسكنى عنده وفيه. فالسؤال ونوال العطيّة يقودان إذًا إلى طلب المعطي ووجدانه، وهذا بدوره إلى القرع وانفتاح باب بيت الآب ومحبته. أمر واحد أكيد: الرب يريدنا حقًّا أن نعتمد بكلّ يقين على أنّ السؤال والطلب والقرع لا يمكن أن تكون باطلة: فنوال الجواب، ووجدان الله، وانفتاح قلب الله وبيته، هي الثمر الأكيد للصلاة.
وأن يرى الرب ضرورة أن يكرّر هذا الحقّ بصيغ كثيرة كهذه، ففي ذلك درس عميق المعنى. فهو يبرهن أنه يعرف قلبنا، وكيف أنّ الشكّ وعدم الثقة بالله أمران طبيعيّان فينا، وكم نميل بسهولة إلى الاكتفاء بالصلاة عملًا دينيًّا بلا جواب. ويعرف أيضًا أنه حتى حين نؤمن بأنّ الله سامع الصلاة، فإنّ الصلاة المؤمنة التي تتمسّك بالوعد أمر روحيّ، أعلى وأصعب من أن يبلغه التلميذ المنقسم القلب. لذلك يسعى، منذ أول تعليمه لمن يريدون أن يتعلّموا الصلاة، إلى أن يغرس هذا الحقّ عميقًا في قلوبهم: الصلاة تقتدر كثيرًا؛ اسألوا فتأخذوا؛ كلّ مَن يسأل يأخذ. هذا هو ناموس الملكوت الثابت الأبديّ: إن سألت ولم تأخذ، فلا بدّ أنّ في الصلاة شيئًا خاطئًا أو ناقصًا. تمسّك؛ دع الكلمة والروح يعلّمانك أن تصلّي كما ينبغي، ولكن لا تُفلت الثقة التي يسعى أن يوقظها: كلّ مَن يسأل يأخذ.
«اِسْأَلُوا تُعْطَوْا». ليس للمسيح في مدرسته حافز إلى المواظبة على الصلاة أقوى من هذا. فكما يجب على الولد أن يبرهن صحّة المسألة الحسابيّة، كذلك البرهان على أننا صلّينا كما ينبغي هو الجواب. فإن سألنا ولم نأخذ، فلأننا لم نتعلّم بعدُ أن نصلّي كما ينبغي. فليأخذ إذًا كلّ متعلّم في مدرسة المسيح كلمة المعلّم بكلّ بساطة: كلّ مَن يسأل يأخذ. كانت له أسباب وجيهة ليتكلّم هكذا بلا شرط. فلنحذر من أن نُضعف الكلمة بحكمتنا البشريّة. حين يكلّمنا بالسماويّات فلنصدّقه: كلمته تفسّر نفسها لمن يؤمن بها إيمانًا كاملًا. وإن نشأت أسئلة وصعوبات، فلا نطلب حلّها قبل أن نقبل الكلمة. لا، بل لنستودعها كلّها لديه: حلّها شأنه هو، أما عملنا فهو أن نقبل وعده أولًا وقبولًا تامًّا ونتمسّك به. ولتُنقَش الكلمة بحروف من نور في مخدعنا، وفي مخدع قلبنا أيضًا: كلّ مَن يسأل يأخذ.
بحسب تعليم المعلّم هذا، تتكوّن الصلاة من جزأين، ولها جانبان: جانب بشريّ وجانب إلهيّ. البشريّ هو السؤال، والإلهيّ هو العطاء. أو، إن نظرنا إلى كليهما من الجانب البشريّ، فهناك السؤال والأخذ — النصفان اللذان يكوّنان الكلّ. وكأنه يريد أن يقول لنا إننا لا يجوز أن نستريح بلا جواب، لأنّ هذه مشيئة الله، وهذه هي القاعدة في عائلة الآب: كلّ طلبة بنويّة مؤمنة تُستجاب. فإن لم يأتِ جواب، فلا يجوز أن نقعد في الكسل الذي يسمّي نفسه تسليمًا، ونفترض أنّ الله لا يشاء أن يعطي جوابًا. لا؛ بل لا بدّ أنّ في الصلاة شيئًا ليس كما يريده الله، بنويًّا ومؤمنًا؛ فعلينا أن نطلب النعمة لنصلّي بحيث يأتي الجواب. إنه لأسهل كثيرًا على الجسد أن يخضع بلا جواب من أن يسلّم نفسه ليُفحَص ويُطهَّر بالروح، حتى يتعلّم أن يصلّي صلاة الإيمان.
ومن العلامات المريعة لحالة الحياة المسيحيّة المريضة في هذه الأيام، أنّ كثيرين يكتفون بلا اختبار واضح لاستجابة الصلاة. يصلّون كلّ يوم، ويسألون أشياء كثيرة، ويرجون أن يُسمَع بعضها، ولكنهم لا يعرفون إلا القليل عن الاستجابة المباشرة المحدّدة للصلاة بوصفها قاعدة الحياة اليوميّة. وهذا بعينه ما يشاؤه الآب: فهو يطلب شركة يوميّة مع أولاده في أن يصغي إلى طلباتهم ويمنحها. يشاء أن آتي إليه يومًا فيومًا بطلبات محدّدة؛ ويشاء يومًا فيومًا أن يعمل لي ما أسأله. ففي استجابته للصلاة تعلّم قدّيسو الأزمنة القديمة أن يعرفوا الله بوصفه الحيّ، فتحرّكوا إلى التسبيح والمحبة (مزمور 34؛ 66:19؛ 116:1). ومعلّمنا ينتظر أن يطبع هذا في أذهاننا: الصلاة وجوابها، الولد يسأل والآب يعطي، أمران متلازمان.
قد تكون هناك حالات يكون فيها الجواب رفضًا، لأنّ الطلبة ليست بحسب كلمة الله، كما حين سأل موسى أن يدخل كنعان. ولكن حتى حينئذ كان هناك جواب: فالله لم يترك عبده في حيرة من جهة مشيئته. آلهة الأمم خرساء لا تقدر أن تتكلّم. أما أبونا فيُعلم ولده متى كان لا يستطيع أن يعطيه ما يسأل، فيسحب الولد طلبته، كما فعل الابن في جثسيماني. فكلاهما، موسى العبد والمسيح الابن، عرفا أنّ ما سألاه لم يكن بحسب ما تكلّم به الرب: كانت صلاتهما تضرّعًا متواضعًا: أليس ممكنًا أن يتغيّر القضاء؟ والله سيعلّم الذين يقبلون التعليم ويعطونه وقتًا، بكلمته وروحه، هل طلبتهم بحسب مشيئته أم لا. فلنسحب الطلبة إن لم تكن بحسب فكر الله، أو لنواظب حتى يأتي الجواب. الصلاة معيّنة لنوال الجواب. ففي الصلاة وجوابها يجري تبادل المحبة بين الآب وولده.
ما أعمق غربة قلبنا عن الله، حتى إننا نجد صعوبة كهذه في إدراك مثل هذه المواعيد! فحتى ونحن نقبل الكلمات ونؤمن بصدقها، يأتي إيمان القلب، الذي يمتلكها امتلاكًا تامًّا ويفرح بها، ببطء شديد. ذلك لأنّ حياتنا الروحيّة ما زالت ضعيفة جدًّا، وقدرتنا على قبول أفكار الله واهية جدًّا. ولكن لننظر إلى يسوع ليعلّمنا كما لا يعلّم أحد سواه. فإن أخذنا كلماته ببساطة، ووثقنا به أن يجعلها فينا بروحه حياة وقوّة، فإنها تدخل إلى كياننا الداخليّ بحيث تمتلكنا حقًّا الحقيقة الروحيّة الإلهيّة التي تحملها، ولن نستريح حتى تُرفَع كلّ طلبة نقدّمها نحو السماء على كلمات يسوع نفسه: «اِسْأَلُوا تُعْطَوْا».
أيها الإخوة التلاميذ الأحبّاء في مدرسة يسوع! لنعكف على تعلّم هذا الدرس جيّدًا. لنأخذ هذه الكلمات كما قيلت تمامًا. لا ندع العقل البشريّ يُضعف قوّتها. لنأخذها كما يعطيها يسوع، ولنؤمن بها. وهو سيعلّمنا في الوقت المناسب كيف نفهمها فهمًا كاملًا: فلنبدأ بأن نؤمن بها إيمانًا بلا تحفّظ. لنأخذ وقتًا، كلّما صلّينا، لنصغي إلى صوته: كلّ مَن يسأل يأخذ. لا نجعل اختبارات عدم إيماننا الواهية مقياسًا لما يحقّ لإيماننا أن ينتظره. لنسعَ، لا في أوقات صلاتنا فقط بل في كلّ حين، إلى التمسّك باليقين المفرح: صلاة الإنسان على الأرض وجواب الله في السماء قد جُعل كلّ منهما للآخر. لنثق بيسوع أن يعلّمنا أن نصلّي بحيث يستطيع الجواب أن يأتي. وهو سيفعل ذلك، إن تمسّكنا بالكلمة التي يعطيها اليوم: «اُطْلُبُوا تَأْخُذُوا».
«يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ».
أيها الرب يسوع! علّمني أن أفهم ما وعدتني به الآن وأن أؤمن به. ليس خافيًا عليك، يا ربّي، بأيّة حجج يسعى قلبي أن يُقنع نفسه حين لا يأتي جواب. فهناك الفكرة أنّ صلاتي ليست في وفاق مع مشورة الآب الخفيّة؛ أو أنّ هناك ربما شيئًا أفضل تريد أن تعطيني إيّاه؛ أو أنّ الصلاة بوصفها شركة مع الله بركة كافية بلا جواب. ومع ذلك، يا ربّي المبارك، أجد في تعليمك عن الصلاة أنك لم تتكلّم عن هذه الأمور، بل قلت بوضوح شديد إنّ الصلاة يحقّ لها، بل يجب عليها، أن تنتظر جوابًا. أنت تؤكّد لنا أنّ هذه هي شركة الولد مع الآب: الولد يسأل والآب يعطي.
أيها الرب المبارك! كلماتك أمينة وصادقة. لا بدّ أنّ اختباري لاستجابة الصلاة ليس أوضح لأني أصلّي رديًّا. ولا بدّ أنّ صلاتي قليلًا ما تكون في الروح لأني أحيا قليلًا جدًّا في الروح، ولذلك تنقصني القوّة لصلاة الإيمان.
يا رب! علّمني أن أصلّي. أيها الرب يسوع! أنا أثق بك لأجل هذا؛ علّمني أن أصلّي بالإيمان. يا رب! علّمني درس اليوم هذا: كلّ مَن يسأل يأخذ. آمين.
اكتمل الفصل 6
يقين استجابة الصلاة