فصل 28 · قراءة 7 د
المسيح رئيس الكهنة
«أَيُّهَا ٱلْآبُ أُرِيدُ أَنَّ هَؤُلَاءِ ٱلَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا»—يوحنا 17:24.
في خطابه الوداعيّ يعطي يسوع تلاميذه الإعلان الكامل لما ستكون عليه الحياة الجديدة متى جاء ملكوت الله بقوّة. ففي سكنى الروح القدس، وفي الاتّحاد به هو الكرمة السماويّة، وفي خروجهم ليشهدوا له ويتألّموا لأجله، كانوا سيجدون دعوتهم وغبطتهم. وفي أثناء عرضه لحياتهم الجديدة الآتية، كان الرب قد أعطى مرّة بعد مرّة أوسع المواعيد وأكثرها إطلاقًا عن القوّة التي يمكن أن تكون لصلواتهم. والآن، في الختام، يمضي هو نفسه فيصلّي. فلكي يمنح تلاميذه فرح معرفة ما ستكون عليه شفاعته لأجلهم في السماء بصفته رئيس كهنتهم، يعطيهم هذا الإرث الثمين: صلاته إلى الآب. ويفعل هذا في الوقت نفسه لأنهم، بصفتهم كهنة، سيشتركون في عمل شفاعته، لكي يعرفوا هم ونحن كيف نقوم بهذا العمل المقدّس. ففي تعليم ربّنا في هذه الليلة الأخيرة تعلّمنا أن نفهم أنّ مواعيد الصلاة المذهلة هذه لم تُعطَ لأجل أنفسنا، بل لمصلحة الرب وملكوته: ومن الرب نفسه وحده نستطيع أن نتعلّم ما يجب أن تكون عليه الصلاة باسمه وما تناله. لقد فهمنا أنّ الصلاة باسمه هي الصلاة في وحدة كاملة معه: وصلاته الكهنوتيّة العظمى ستعلّمنا كلّ ما يمكن للصلاة باسم يسوع أن تسأله وتنتظره.
تُقسم هذه الصلاة عادةً إلى ثلاثة أقسام. فربّنا يصلّي أولًا لأجل نفسه (الأعداد 1-5)، ثم لأجل تلاميذه (6-19)، وأخيرًا لأجل كلّ المؤمنين على مرّ العصور (20-26). وتابع يسوع الذي يكرّس نفسه لعمل الشفاعة، ويودّ أن يختبر كم من البركة يستطيع أن يستنزل بالصلاة على دائرته باسم يسوع، سيدع نفسه، بكلّ اتّضاع، يقوده الروح ليدرس هذه الصلاة العجيبة بصفتها واحدًا من أهمّ دروس مدرسة الصلاة.
قبل كلّ شيء يصلّي يسوع لأجل نفسه، لأجل تمجيده، لكي يمجّد هو الآب بذلك. «أَيُّهَا ٱلْآبُ، … مَجِّدِ ٱبْنَكَ. وَٱلْآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا ٱلْآبُ». ثم يقدّم الأسس التي يصلّي بناءً عليها هكذا. لقد عُقد عهد مقدّس بين الآب والابن في السماء. فالآب وعده بسلطان على كلّ جسد مكافأةً على عمله: وقد أتمّ هو العمل، ومجّد الآب، وغايته الوحيدة الآن أن يمجّده أكثر فأكثر. فبمنتهى الجرأة يسأل أن يمجّده الآب، لكي يكون الآن لشعبه ويعمل لهم كلّ ما أخذه على عاتقه.
يا تلميذ يسوع! ها هنا الدرس الأوّل في عملك، عمل الشفاعة الكهنوتيّة، تتعلّمه من مثال رئيس كهنتك العظيم. فالصلاة باسم يسوع هي الصلاة في وحدة معه وفي مشاركة وجدانيّة له. فكما ابتدأ الابن صلاته بأن أوضح علاقته بالآب، محتجًّا بعمله وطاعته وشوقه إلى أن يرى الآب ممجَّدًا، افعل أنت كذلك. اقترب ومثُل أمام الآب في المسيح. احتجّ بعمله المكتمل. قل إنك واحد معه، وإنك تتّكل عليه، وتحيا فيه. قل إنك أنت أيضًا قد كرّست نفسك لتكمّل العمل الذي أعطاك الآب لتعمله، ولتحيا لمجده وحده. ثم اسأل بثقة أن يتمجّد الابن فيك. هذه هي الصلاة بالاسم، بالكلمات عينها، وبروح يسوع، في اتّحاد مع يسوع نفسه. ومثل هذه الصلاة لها قوّة. فإن مجّدت الآب مع يسوع، يمجّد الآب يسوع بأن يعمل ما تسأله باسمه. وإنما حين تكون علاقتك الشخصيّة بالله في هذا الأمر واضحة كعلاقة المسيح، وحين تكون ممجِّدًا له وطالبًا كلّ شيء لمجده، تكون لك، مثل المسيح، القوّة على أن تشفع في الذين من حولك.
ثم يصلّي ربّنا لأجل دائرة تلاميذه. فيتكلّم عنهم بأنهم الذين أعطاه إيّاهم الآب. وعلامتهم الرئيسيّة أنهم قبلوا كلمة المسيح. ويقول عنهم إنه يرسلهم الآن إلى العالم عوضًا عنه، كما كان الآب قد أرسله هو. ويسأل لأجلهم أمرين: أن يحفظهم الآب من الشرّير، وأن يقدّسهم في كلمته، لأنه هو يقدّس ذاته لأجلهم.
وكما هي الحال مع الرب، لكلّ شفيع مؤمن دائرته القريبة التي يصلّي لأجلها أولًا. فللوالدين أولادهم، وللمعلّمين تلاميذهم، وللرعاة قطعانهم، ولكلّ العاملين مسؤوليّتهم الخاصّة، ولكلّ المؤمنين أولئك الذين يحملون همّهم على قلوبهم. ومن الأهمّيّة بمكان أن تكون الشفاعة شخصيّة، محدّدة، ومعيّنة. ثم لا بدّ أن تكون صلاتنا الأولى دائمًا أن يقبلوا الكلمة. لكنّ هذه الصلاة لن تُجدي ما لم نقل مع ربّنا: «أَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمْ كَلَامَكَ»: فهذا هو ما يعطينا الحرّية والقوّة في الشفاعة لأجل النفوس. لا تصلِّ لأجلهم فقط، بل كلّمهم أيضًا. ومتى قبلوا الكلمة، فلنصلِّ كثيرًا لكي يُحفظوا من الشرّير، ولكي يتقدّسوا في تلك الكلمة. وبدلًا من أن نيأس من الذين يسقطون أو ندينهم أو نتخلّى عنهم، لنصلِّ لأجل دائرتنا: «أَيُّهَا ٱلْآبُ … ٱحْفَظْهُمْ فِي ٱسْمِكَ»؛ «قَدِّسْهُمْ فِي حَقِّكَ». فالصلاة باسم يسوع تقتدر كثيرًا: «مَا تُرِيدُونَ فَيَكُونُ لَكُمْ».
ثم تأتي صلاة ربّنا لأجل دائرة أوسع أيضًا. «وَلَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ هَؤُلَاءِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا مِنْ أَجْلِ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ … بِكَلَامِهِمْ». فقلبه الكهنوتيّ يتّسع ليضمّ كلّ الأماكن وكلّ الأزمنة، فيصلّي أن يكون كلّ الذين له واحدًا في كلّ مكان، برهانًا من الله للعالم على ألوهيّة رسالته، ثم أن يكونوا معه في مجده إلى الأبد. وإلى ذلك الحين: «لِيَكُونَ فِيهِمُ ٱلْحُبُّ ٱلَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ، وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ».
إنّ تلميذ يسوع الذي اختبر أولًا قوّة الصلاة في دائرته لا يستطيع أن يحصر نفسه في حدودها: فهو يصلّي لأجل الكنيسة الجامعة وفروعها المختلفة. ويصلّي بوجه خاصّ لأجل وحدانيّة الروح والمحبّة. ويصلّي لكي تكون واحدًا في المسيح، شهادةً للعالم أنّ المسيح، الذي صنع أعجوبة كهذه بأن جعل المحبّة تنتصر على الأنانيّة والانقسام، هو حقًّا ابن الله المرسَل من السماء. وينبغي لكلّ مؤمن أن يصلّي كثيرًا لكي تظهر وحدة الكنيسة، لا في تنظيمات خارجيّة، بل بالروح والحقّ.
هذا عن موضوع الصلاة. أمّا الآن فعن طريقتها. يقول يسوع: «أَيُّهَا ٱلْآبُ أُرِيدُ». وكان له أن يقول هذا بناءً على حقّه بصفته الابن، ووعد الآب له، وعمله المكتمل. فقد قال له الآب: «ٱسْأَلْنِي فَأُعْطِيَكَ». فما فعل إلّا أنه انتفع بوعد الآب. وقد أعطانا يسوع وعدًا مثله: «مَا تُرِيدُونَ فَيَكُونُ لَكُمْ». إنه يطلب منّي أن أقول باسمه ما أريد. فالمؤمن الثابت فيه، في اتّحاد حيّ معه يكون فيه الإنسان لا شيء والمسيح الكلّ، له الحرّية أن يأخذ كلمة رئيس كهنته هذه، وأن يقول، جوابًا عن السؤال «ماذا تريد؟»: «أَيُّهَا ٱلْآبُ أُرِيدُ كلّ ما وعدت به». ليس هذا إلّا الإيمان الحقيقيّ؛ هذا هو إكرام الله: أن أوقن أنّ مثل هذه الثقة في قولي ما أريد مقبولة لديه حقًّا. وللوهلة الأولى ينكمش قلبنا من هذه العبارة؛ فلا نشعر بالحرّية ولا بالقدرة على أن نتكلّم هكذا. إنها كلمة لا تُعطى النعمة لقولها إلّا في أتمّ إنكار لإرادتنا، ولكنّ النعمة تُعطى لقولها بكلّ يقين لكلّ من يُضيع إرادته في إرادة ربّه. فمن يُضيع إرادته يجدها؛ ومن يتخلّى عن إرادته تمامًا يجدها من جديد متجدّدة ومتقوّية بقوّة إلهيّة. «أَيُّهَا ٱلْآبُ أُرِيدُ»: هذه هي النغمة الأساسيّة لشفاعة ربّنا في السماء، الأبديّة، العاملة أبدًا، الغالبة على كلّ شيء. ففي الاتّحاد به وحده تقتدر صلاتنا؛ وفي الاتّحاد به تقتدر كثيرًا. فإن ثبتنا فيه فقط، أحياءً وسالكين وعاملين كلّ شيء باسمه؛ وإن أتينا فقط بكلّ طلبة على حدة، وقد امتحنتها كلمته وروحه ولمستها، وألقيناها في نهر الشفاعة الجبّار الصاعد منه، لكي تُحمل إلى فوق وتُقدَّم أمام الآب؛—فستكون لنا الثقة الكاملة بأننا ننال الطلبات التي نسألها: فالروح نفسه ينفخ فينا قول: «أَيُّهَا ٱلْآبُ أُرِيدُ». فنُضيع أنفسنا فيه، ونصير لا شيء، لنجد أنّ لنا في عجزنا قوّة، وأننا نغلب.
يا تلاميذ يسوع! يا من دُعيتم لتكونوا مثل ربّكم في شفاعته الكهنوتيّة، متى، آه متى! نستيقظ على مجد هذا المصير الذي هو لنا، المجد الذي يفوق كلّ تصوّر: أن نتوسّل إلى الله ونغلب لأجل الناس الهالكين؟ آه، متى ننفض عنّا الكسل الذي يكتسي بادّعاء الاتّضاع، ونسلّم أنفسنا بالتمام لروح الله، لكي يملأ إراداتنا نورًا وقوّة، لنعرف، ونأخذ، ونمتلك كلّ ما ينتظر إلهنا أن يعطيه لإرادة تتمسّك به.
«يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ».
يا رئيس كهنتي المبارك! من أنا حتى تدعوني هكذا لأشترك معك في قوّة شفاعتك الغالبة! ولماذا، آه يا ربّي، أنا بطيء القلب هكذا عن أن أفهم هذا الامتياز العجيب، الذي افتديت شعبك له، وأن أؤمن به وأمارسه؟ آه يا رب! أعطني نعمتك لكي يصير هذا أكثر فأكثر عمل حياتي الذي لا ينقطع،—أن أستنزل بالصلاة بلا انقطاع بركة السماء على كلّ ما يحيط بي على الأرض.
أيها الرب المبارك! آتي الآن لأقبل دعوتي هذه. لأجل هذا أريد أن أترك كلّ شيء وأتبعك. بين يديك أريد أن أسلّم كياني كلّه بإيمان: كوّنّي، ودرّبني، وألهمني، لأكون واحدًا من فيلق صلاتك، من المصارعين الذين يسهرون ويجاهدون في الصلاة، من الإسرائيليّين، رؤساء الله، الذين لهم قدرة ويغلبون. استولِ على قلبي، واملأه بالشوق الوحيد إلى مجد الله في جمع الذين أعطاك الآب إيّاهم وتقديسهم ووحدتهم. خذ فكري، وليكن هذا درسي وحكمتي: أن أعرف متى تستطيع الصلاة أن تجلب بركة. خذني بالتمام وأهّلني لأكون كاهنًا يقف دائمًا أمام الله ويبارك باسمه.
أيها الرب المبارك! ليكن الأمر هنا كما هو في كلّ الحياة الروحيّة: أنت الكلّ، وأنا لا شيء. وليكن هنا اختباري أيضًا أنّ من لا يملك شيئًا ولا يطلب شيئًا لنفسه ينال الكلّ، حتى النعمة العجيبة أن يشترك معك في خدمة شفاعتك الأبديّة. آمين.
اكتمل الفصل 28
المسيح رئيس الكهنة