فصل 26 · قراءة 8 د
الروح القدس والصلاة
«وَفِي ذَلِكَ ٱلْيَوْمِ لَا تَسْأَلُونَنِي شَيْئًا. اَلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَا طَلَبْتُمْ مِنَ ٱلْآبِ بِٱسْمِي يُعْطِيكُمْ. إِلَى ٱلْآنَ لَمْ تَطْلُبُوا شَيْئًا بِٱسْمِي. اُطْلُبُوا تَأْخُذُوا، لِيَكُونَ فَرَحُكُمْ كَامِلًا. فِي ذَلِكَ ٱلْيَوْمِ تَطْلُبُونَ بِٱسْمِي. وَلَسْتُ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي أَنَا أَسْأَلُ ٱلْآبَ مِنْ أَجْلِكُمْ، لِأَنَّ ٱلْآبَ نَفْسَهُ يُحِبُّكُمْ»—يوحنا 16:23-26.
«مُصَلِّينَ فِي ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ، وَٱحْفَظُوا أَنْفُسَكُمْ فِي مَحَبَّةِ ٱللهِ»—يهوذا 20، 21.
إنّ كلمات يوحنا (يوحنا الأولى 2:12-14) إلى الأولاد والأحداث والآباء توحي بفكرة أنّ في الحياة المسيحيّة كثيرًا ما تكون هناك ثلاث مراحل كبرى من الاختبار. الأولى مرحلة الطفل المولود حديثًا، بما فيها من يقين الغفران وفرحه. والثانية مرحلة الانتقال، مرحلة الجهاد والنموّ في المعرفة والقوّة: أحداث يتقوّون، وكلمة الله تعمل عملها فيهم وتعطيهم الغلبة على الشرّير. ثم المرحلة الأخيرة، مرحلة النضج والاكتمال: الآباء الذين دخلوا عميقًا في معرفة الأزليّ وفي الشركة معه.
وفي تعليم المسيح عن الصلاة يبدو أنّ هناك ثلاث مراحل في حياة الصلاة تشبه تلك بعض الشبه. ففي الموعظة على الجبل لدينا المرحلة الأولى: فتعليمه كلّه منطوٍ في كلمة واحدة: الآب. صلِّ إلى أبيك؛ فأبوك يرى ويسمع ويعلم ويجازي: فكم بالحريّ أكثر من أيّ أب أرضيّ! فقط كن كالطفل واثقًا. ثم تأتي فيما بعد ما يشبه مرحلة الانتقال، مرحلة الصراع والظفر، في كلمات كهذه: «هَذَا ٱلْجِنْسُ فَلَا يَخْرُجُ إِلَّا بِٱلصَّلَاةِ وَٱلصَّوْمِ»؛ «أَفَلَا يُنْصِفُ ٱللهُ مُخْتَارِيهِ، ٱلصَّارِخِينَ إِلَيْهِ نَهَارًا وَلَيْلًا»؟ ثم لدينا في الكلمات الوداعيّة مرحلة أسمى. فالأولاد قد صاروا رجالًا: إنهم الآن أحبّاء المعلّم، الذين ليس عنده سرّ يخفيه عنهم، والذين يقول لهم: «أَعْلَمْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي»؛ والذين يسلّمهم مفاتيح الملكوت في قوله المتكرّر: «مَا تُرِيدُونَ». والآن قد جاء الوقت لتُمتحن قوّة الصلاة باسمه وتثبت.
والفرق بين هذه المرحلة الأخيرة والمراحل التمهيديّة السابقة يبيّنه مخلّصنا بأوضح بيان في الكلمات التي نتأمّل فيها: «إِلَى ٱلْآنَ لَمْ تَطْلُبُوا شَيْئًا بِٱسْمِي»؛ «فِي ذَلِكَ ٱلْيَوْمِ تَطْلُبُونَ بِٱسْمِي». ونحن نعلم ما معنى «فِي ذَلِكَ ٱلْيَوْمِ». إنه يوم انسكاب الروح القدس. فالعمل العظيم الذي كان على المسيح أن يعمله على الصليب، والقوّة الجبّارة والغلبة الكاملة اللتان كانتا ستظهران في قيامته وصعوده، كان لا بدّ أن تنتهي إلى نزول مجد الله من السماء، على نحو لم يسبق له مثيل، ليسكن في البشر. فروح يسوع الممجَّد كان سيأتي ليكون حياة تلاميذه. وكان من علامات تدبير الروح العجيب ذاك أن تكون هناك قوّة في الصلاة لم تُعرف من قبل،—فالصلاة باسم يسوع، أي أن يسألوا كلّ ما يريدون وينالوه، هي التي تُظهر حقيقة سكنى الروح فيهم.
ولكي نفهم كيف كان مجيء الروح القدس حقًّا بدايةً لعهد جديد في عالم الصلاة، يجب أن نذكر من هو، وما عمله، وما دلالة أنه لم يُعطَ إلّا بعد أن مُجّد يسوع. ففي الروح يوجد الله، لأنه روح. وفي الروح وُلد الابن من الآب؛ وفي شركة الروح الآب والابن واحد. ذلك العطاء الأزليّ الذي لا ينقطع للابن، وهو امتياز الآب، وذلك السؤال والأخذ الأزليّان، وهما حقّ الابن وغبطته،—بالروح تُحفظ شركة الحياة والمحبّة هذه. هكذا كان منذ الأزل. وهكذا هو بوجه خاصّ الآن، إذ الابن، بصفته الوسيط، حيّ في كلّ حين ليصلّي. فالعمل العظيم الذي بدأه يسوع على الأرض، أي مصالحة الله والإنسان في جسده، يواصله في السماء. ولكي يُتمّه أخذ في شخصه الصراع بين برّ الله وخطيّتنا. وعلى الصليب أنهى الصراع مرّة واحدة وإلى الأبد في جسده. ثم صعد إلى السماء لكي يُجري من هناك في كلّ عضو من أعضاء جسده الخلاص الذي ناله ويُظهر فيه الغلبة التي أحرزها. ولكي يفعل هذا هو حيّ في كلّ حين ليصلّي؛ ففي شفاعته التي لا تنقطع يضع نفسه في شركة حيّة مع صلاة مفديّيه التي لا تنقطع. أو بالحريّ، إنّ شفاعته التي لا تنقطع هي التي تظهر في صلواتهم، وتعطيها قوّة لم تكن لها قطّ من قبل.
وهو يفعل هذا بالروح القدس. فالروح القدس، روح يسوع الممجَّد، لم يكن (يوحنا 7:39)، ولم يكن ممكنًا أن يكون، إلى أن مُجّد يسوع. وهذه العطيّة من الآب كانت شيئًا جديدًا تمامًا، مختلفًا كلّ الاختلاف عمّا عرفه قدّيسو العهد القديم. فالعمل الذي أتمّه الدم في السماء حين دخل المسيح إلى ما داخل الحجاب كان أمرًا حقيقيًّا وجديدًا إلى هذا الحدّ، وافتداء طبيعتنا البشريّة إلى الشركة مع قوّة قيامته ومجد ارتفاعه كان واقعًا حقيقيًّا إلى هذا الحدّ، وأخذ بشريّتنا في المسيح إلى حياة الإله الواحد المثلّث الأقانيم كان حدثًا ذا دلالة تفوق كلّ تصوّر، حتى إنّ الروح القدس، الذي كان عليه أن يأتي من بشريّة المسيح الممجّدة ليشهد في قلوبنا بما أتمّه المسيح، لم يعد حقًّا مجرّد ما كان عليه في العهد القديم. فقد كان صحيحًا بالحرف: «الروح القدس لم يكن بعد، لأنّ المسيح لم يكن قد مُجّد بعد». فالآن جاء أوّل مرّة بصفته روح يسوع الممجَّد. وكما أنّ الابن، الذي كان الله منذ الأزل، دخل إلى وجود جديد إنسانًا، ورجع إلى السماء بما لم يكن له من قبل، كذلك الروح المبارك، الذي أخذه الابن من الآب عند صعوده (أعمال الرسل 2:33) إلى بشريّته الممجّدة، جاء إلينا بحياة جديدة لم تكن له من قبل ليهبها. ففي العهد القديم كان يُدعى بصفته روح الله؛ أمّا في يوم الخمسين فقد نزل بصفته روح يسوع الممجَّد، حاملًا إلينا ومانحًا إيّانا ثمر الفداء المكتمل وقوّته كاملين.
ففي شفاعة المسيح تُحفظ فاعليّة فدائه وتطبيقه على الدوام. وبالروح القدس النازل من المسيح إلينا نُجتذَب إلى النهر العظيم لصلواته الصاعدة أبدًا. فالروح يصلّي لأجلنا بغير كلمات: ففي أعماق قلب تكون فيه الأفكار نفسها أحيانًا بلا شكل، يأخذنا الروح إلى تيّار حياة الإله الواحد المثلّث الأقانيم العجيب. وبالروح تصير صلوات المسيح صلواتنا، وتُجعل صلواتنا صلواته: فنسأل ما نريد فيُعطى لنا. وحينئذ نفهم بالاختبار: «إِلَى ٱلْآنَ لَمْ تَطْلُبُوا شَيْئًا بِٱسْمِي. فِي ذَلِكَ ٱلْيَوْمِ تَطْلُبُونَ بِٱسْمِي».
أيها الأخ! إنّ ما نحتاج إليه لكي نصلّي باسم المسيح، ولكي نطلب فنأخذ ليكون فرحنا كاملًا، هو معموديّة هذا الروح القدس. وهذا أعظم من روح الله في العهد القديم. وهذا أعظم من روح التوبة والتجديد الذي كان للتلاميذ قبل يوم الخمسين. وهذا أعظم من الروح بقدرٍ من تأثيره وعمله. هذا هو الروح القدس، روح يسوع الممجَّد في قوّة ارتفاعه، آتيًا علينا بصفته روح يسوع الساكن فينا، معلنًا الابن والآب في داخلنا. (يوحنا 14:16-23.) فحين يكون هذا الروح روح حياتنا كلّها وسلوكنا كلّه، لا روح ساعات صلاتنا فقط، وحين يمجّد هذا الروح يسوع فينا بأن يعلن كمال عمله، ويجعلنا واحدًا معه تمامًا ومثله، حينئذ نستطيع أن نصلّي باسمه، لأننا في الحقيقة واحد معه. وحينئذ يكون لنا ذلك الدخول المباشر إلى الآب الذي يقول عنه يسوع: «وَلَسْتُ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي أَنَا أَسْأَلُ ٱلْآبَ مِنْ أَجْلِكُمْ». آه! إننا نحتاج أن نفهم ونؤمن بأنّ الامتلاء بهذا الروح، روح الممجَّد، هو الحاجة الوحيدة لشعب الله المؤمن. وحينئذ ندرك ما معنى أن نكون «مُصَلِّينَ بِكُلِّ صَلَاةٍ وَطِلْبَةٍ كُلَّ وَقْتٍ فِي ٱلرُّوحِ»، وما معنى «أن نصلّي في الروح القدس، ونحفظ أنفسنا في محبّة الله». «فِي ذَلِكَ ٱلْيَوْمِ تَطْلُبُونَ بِٱسْمِي».
وهكذا يأتينا الدرس مرّة أخرى: إنّ ما تقدر عليه صلاتنا يتوقّف على ما نحن عليه وعلى ما هي حياتنا. فالحياة في اسم المسيح هي سرّ الصلاة باسم المسيح؛ والحياة في الروح هي التي تؤهّل للصلاة في الروح. والثبات في المسيح هو الذي يعطي الحقّ والقدرة على أن نسأل ما نريد: فمدى الثبات هو المقياس الدقيق للقوّة في الصلاة. إنّ الروح الساكن فينا هو الذي يصلّي، لا بالكلمات والأفكار دائمًا، بل بتنفّس وكيان أعمق من كلّ نطق. فبقدر ما يكون فينا من روح المسيح، يكون فينا من الصلاة الحقيقيّة. حياتنا، حياتنا! آه لتكن حياتنا مملوءة من المسيح ومملوءة من روحه، فلا تعود المواعيد غير المحدودة العجيبة المعطاة لصلاتنا تبدو غريبة. «إِلَى ٱلْآنَ لَمْ تَطْلُبُوا شَيْئًا بِٱسْمِي. اُطْلُبُوا تَأْخُذُوا، لِيَكُونَ فَرَحُكُمْ كَامِلًا. فِي ذَلِكَ ٱلْيَوْمِ تَطْلُبُونَ بِٱسْمِي. اَلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَا طَلَبْتُمْ مِنَ ٱلْآبِ بِٱسْمِي يُعْطِيكُمْ».
«يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ».
يا إلهي! بمهابة مقدّسة أنحني أمامك، أيها الواحد المثلّث الأقانيم. لقد رأيت من جديد كيف أنّ سرّ الصلاة هو سرّ الثالوث القدّوس. إنّي أسجد للآب الذي يسمع دائمًا، وللابن الذي هو حيّ دائمًا ليصلّي، وللروح القدس المنبثق من الآب والابن، ليرفعنا إلى شركة ذلك السؤال والأخذ المبارك إلى الأبد الذي لا ينقطع أبدًا. إنّي أنحني يا إلهي، بسجود متعبّد، أمام التنازل غير المحدود الذي به تأخذنا وتأخذ صلواتنا، بالروح القدس، إلى الحياة الإلهيّة وإلى شركة محبّتها.
يا ربّي يسوع المبارك! علّمني أن أفهم درسك، وهو أنّ الروح الساكن فيّ، الفائض منك، والموحِّد إيّاي بك، هو روح الصلاة. علّمني ما معنى أن أسلّم نفسي، إناءً فارغًا مكرّسًا بالتمام، ليكون هو حياتي. علّمني أن أكرمه وأثق به، شخصًا حيًّا، ليقود حياتي وصلاتي. علّمني بوجه خاصّ أن أنتظر في الصلاة في سكون مقدّس، وأن أفسح له مكانًا ليتنفّس في داخلي شفاعته التي لا يُنطق بها. وعلّمني أنه به يمكن أن أصلّي بلا انقطاع، وأن أصلّي بلا فشل، لأنه يجعلني شريكًا في الشفاعة التي لا تنقطع ولا تفشل أبدًا، والتي بها تظهر أنت، أيها الابن، أمام الآب. نعم يا رب، تمّم فيّ وعدك: «فِي ذَلِكَ ٱلْيَوْمِ تَطْلُبُونَ بِٱسْمِي. اَلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَا طَلَبْتُمْ مِنَ ٱلْآبِ بِٱسْمِي يُعْطِيكُمْ». آمين.
———0——-
ملاحظة.
كثيرًا ما شُبّهت الصلاة بالتنفّس: وما علينا إلّا أن نمضي بالتشبيه إلى آخره لنرى كم هو عجيب المكان الذي يشغله الروح القدس. فمع كلّ نفَس نُخرج الهواء الفاسد الذي لو بقي لسبّب موتنا سريعًا، ثم نستنشق من جديد الهواء النقيّ الذي به نحيا. وهكذا نُخرج منّا: بالاعتراف خطايانا، وبالصلاة احتياجات قلوبنا ورغباتها. وحين نسحب نفَسنا من جديد، نستنشق الهواء النقيّ الذي للمواعيد، ولمحبّة الله وحياته في المسيح. ونحن نفعل هذا بالروح القدس، الذي هو نسمة حياتنا.
وهو هكذا لأنه نسمة الله. فالآب ينفخه فينا ليوحّد نفسه بحياتنا. ثم كما أنه بعد كلّ زفير يتبعه من جديد شهيق أو سحب للنفَس، كذلك يسحب الله نسمته إليه من جديد، فيرجع الروح إليه محمّلًا برغبات قلوبنا واحتياجاتها. وهكذا الروح القدس هو نسمة حياة الله، ونسمة الحياة الجديدة فينا. فكما يُخرجه الله، نقبله نحن استجابةً للصلاة؛ وكما نردّه نحن إليه، يصعد إلى الله محمّلًا بتضرّعاتنا. وبصفته روح الله، الذي فيه الآب والابن واحد، والذي به تبلغ شفاعة الابن إلى الآب، هو لنا روح الصلاة. فالصلاة الحقيقيّة هي الاختبار الحيّ لحقيقة الثالوث القدّوس. فتنفّس الروح، وشفاعة الابن، ومشيئة الآب، هذه الثلاثة تصير واحدًا فينا.
اكتمل الفصل 26
الروح القدس والصلاة