مع المسيح في مدرسة الصلاة
قوّة الصلاة الجماعية

فصل 16 · قراءة 7 د

قوّة الصلاة الجماعية

«وَأَقُولُ لَكُمْ أَيْضًا: إِنِ ٱتَّفَقَ ٱثْنَانِ مِنْكُمْ عَلَى ٱلْأَرْضِ فِي أَيِّ شَيْءٍ يَطْلُبَانِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُمَا مِنْ قِبَلِ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ، لِأَنَّهُ حَيْثُمَا ٱجْتَمَعَ ٱثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ بِٱسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ—متى 18:19-20.

كان من أوائل دروس ربّنا في مدرسة الصلاة: لا تصلِّ لكي تُنظَر من الناس. ادخل مخدعك؛ وكن وحدك مع الآب. وبعد أن علّمنا هكذا أنّ معنى الصلاة هو الاتصال الشخصيّ الفرديّ بالله، يأتي بدرس ثانٍ: إنكم تحتاجون لا إلى الصلاة الخفيّة المنفردة فحسب، بل إلى الصلاة الجماعية العلنية أيضًا. ويعطينا وعدًا خاصًّا جدًّا لصلاة اثنين أو ثلاثة متّفقين في ما يطلبون. فكما أنّ للشجرة جذرها المختبئ في الأرض وساقها النامية نحو نور الشمس، هكذا تحتاج الصلاة لكي تبلغ نموّها الكامل، بالقدر نفسه، إلى الخفاء المستتر الذي تلتقي فيه النفس بالله وحدها، وإلى الشركة العلنية مع الذين يجدون في اسم يسوع ملتقاهم المشترك.

والسبب في أنّ الأمر لا بدّ أن يكون هكذا واضح. فالرباط الذي يوحّد الإنسان بإخوته البشر ليس أقلّ حقيقةً ووثاقةً من ذاك الذي يوحّده بالله: فهو واحد معهم. والنعمة لا تجدّد علاقتنا بالله وحده بل بالإنسان أيضًا. فنحن لا نتعلّم أن نقول: «أبي» فحسب، بل: «أَبَانَا» أيضًا. ولا شيء أبعد عن الطبيعة من أن يلتقي أولاد عائلة واحدة بأبيهم كلّ على حدة دائمًا، ولا يلتقوه أبدًا في تعبير جماعيّ عن رغباتهم أو محبتهم. فالمؤمنون ليسوا أعضاء عائلة واحدة فحسب، بل أعضاء جسد واحد أيضًا. وكما أنّ كلّ عضو في الجسد يعتمد على الآخر، وكامل عمل الروح الساكن في الجسد يتوقّف على اتّحاد الجميع وتعاونهم، هكذا لا يستطيع المسيحيون أن يبلغوا كامل البركة التي الله مستعدّ أن يهبها بروحه، إلا إذا طلبوها وقبلوها في شركة بعضهم مع بعض. ففي اتّحاد المؤمنين وشركتهم يستطيع الروح أن يُظهر كامل قوّته. فإلى المئة والعشرين الذين كانوا مواظبين معًا في مكان واحد، يصلّون بنفس واحدة، جاء الروح من عرش الرب الممجَّد.

وعلامات الصلاة الجماعية الحقيقية معطاة لنا في كلمات ربّنا هذه. فالأولى هي الاتّفاق على الشيء المطلوب. فلا يكفي الرضى العامّ بالموافقة على أيّ شيء قد يطلبه غيرنا: بل لا بدّ أن يكون هناك أمر خاصّ، موضوع رغبة مشتركة واضحة؛ ولا بدّ أن يكون الاتّفاق، كسائر الصلاة، بالروح والحقّ. وفي مثل هذا الاتّفاق يتّضح لنا جدًّا ما الذي نطلبه بالضبط، وهل يمكننا أن نطلبه بثقة بحسب مشيئة الله، وهل نحن مستعدّون أن نؤمن بأننا قد نلنا ما نطلب.

والعلامة الثانية هي الاجتماع في اسم يسوع، أو إلى اسمه. وسيكون لنا فيما بعد الكثير لنتعلّمه عن الحاجة إلى اسم يسوع في الصلاة وعن قوّته؛ أمّا هنا فيعلّمنا ربّنا أنّ الاسم لا بدّ أن يكون مركز الوحدة الذي يجتمع إليه المؤمنون، ورباط الوحدة الذي يجعلهم واحدًا، كما يضمّ البيت كلّ من فيه ويوحّدهم. «اِسْمُ ٱلرَّبِّ بُرْجٌ حَصِينٌ، يَرْكُضُ إِلَيْهِ ٱلصِّدِّيقُ وَيَتَمَنَّعُ». إنّ ذلك الاسم حقيقة واقعة عند الذين يفهمونه ويؤمنون به، حتى إنّ الاجتماع فيه هو أن يكون هو نفسه حاضرًا. فمحبة تلاميذه ووحدتهم لها عند يسوع جاذبية لا حدّ لها: «حَيْثُمَا ٱجْتَمَعَ ٱثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ بِٱسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ». إنّ حضور يسوع الحيّ، في شركة تلاميذه المحبّين المصلّين، هو الذي يعطي الصلاة الجماعية قوّتها.

والعلامة الثالثة هي الاستجابة الأكيدة: «فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُمَا مِنْ قِبَلِ أَبِي». قد يكون لاجتماع الصلاة الذي يُعقَد لإدامة الشركة الدينية، أو لطلب بنياننا نحن، نفعه؛ لكنّ هذا لم يكن قصد المخلّص في تعيينه. فقد قصده وسيلةً لنيل استجابات خاصّة للصلاة. واجتماع الصلاة الذي لا تُعرَف فيه استجابة للصلاة ينبغي أن يكون أمرًا شاذًّا. فمتى كانت لأحدنا رغبات واضحة يشعر إزاءها بأنه أضعف من أن يمارس الإيمان اللازم، وجب علينا أن نطلب القوّة في معونة الآخرين. ففي وحدة الإيمان والمحبة والروح، تعمل قوّة الاسم وحضور يسوع بحرّية أكبر، وتأتي الاستجابة بيقين أكبر. والعلامة على أنه قد كانت هناك صلاة جماعية حقيقية هي الثمر، أي الاستجابة، ونيل الشيء الذي طلبناه: «أَقُولُ لَكُمْ… فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُمَا مِنْ قِبَلِ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ».

يا له من امتياز لا يُعبَّر عنه، امتياز الصلاة الجماعية هذا، ويا لها من قوّة يمكن أن تكون! لو أنّ الزوج والزوجة المؤمنَين عرفا أنهما مقترنان معًا في اسم يسوع ليختبرا حضوره وقوّته في الصلاة الجماعية (بطرس الأولى)؛ ولو أنّ الأصدقاء آمنوا بالمعونة العظيمة التي يستطيع اثنان أو ثلاثة يصلّون باتّفاق أن يقدّموها بعضهم لبعض؛ ولو أنّ الاجتماع في الاسم، والإيمان بالحضور، وانتظار الاستجابة، احتلّت المقام الأوّل في كلّ اجتماع للصلاة؛ ولو أنّ الصلاة الجماعية الفعّالة اعتُبرت في كلّ كنيسة من أهمّ الأغراض التي من أجلها تجتمع معًا، وأسمى ممارسة لقوّتها بوصفها كنيسة؛ ولو أنّ مجيء الملكوت، ومجيء الملك نفسه، أوّلًا في الانسكاب العظيم لروحه القدوس، ثم في شخصه المجيد، كان حقًّا في الكنيسة الجامعة موضوع صراخ جماعيّ لا ينقطع إلى الله؛ آه، من يقدر أن يقول ما البركة التي قد تأتي إلى الذين اتّفقوا هكذا على أن يختبروا الله في إتمامه وعده، وما البركة التي قد تأتي بواسطتهم؟

في الرسول بولس نرى بوضوح شديد كم كان إيمانه بقوّة الصلاة الجماعية حقيقة واقعة. فهو يكتب إلى أهل رومية (15:30): «فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا ٱلْإِخْوَةُ،… وَبِمَحَبَّةِ ٱلرُّوحِ، أَنْ تُجَاهِدُوا مَعِي فِي ٱلصَّلَوَاتِ مِنْ أَجْلِي إِلَى ٱللهِ». وهو يتوقّع، استجابةً لذلك، أن يُنقَذ من أعدائه، وأن يُنجَح في عمله. وإلى أهل كورنثوس (كورنثوس الثانية 1:11): «سَيُنَجِّي أَيْضًا فِيمَا بَعْدُ، وَأَنْتُمْ أَيْضًا مُسَاعِدُونَ بِٱلصَّلَاةِ لِأَجْلِنَا»؛ فصلاتهم ستكون لها حصّة حقيقية في نجاته. وإلى أهل أفسس يكتب: «مُصَلِّينَ بِكُلِّ صَلَاةٍ وَطِلْبَةٍ كُلَّ وَقْتٍ فِي ٱلرُّوحِ،… لِأَجْلِ جَمِيعِ ٱلْقِدِّيسِينَ، وَلِأَجْلِي، لِكَيْ يُعْطَى لِي كَلَامٌ». فهو يجعل قوّته ونجاحه في خدمته متوقّفين على صلواتهم. ومع أهل فيلبي (1:19) يتوقّع أن تؤول تجاربه إلى خلاصه وإلى تقدّم الإنجيل «بِطَلْبَتِكُمْ وَمُؤَازَرَةِ رُوحِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ». وإلى أهل كولوسي (4:3) يضيف إلى الوصيّة بالمواظبة على الصلاة: «مُصَلِّينَ فِي ذَلِكَ لِأَجْلِنَا نَحْنُ أَيْضًا، لِيَفْتَحَ ٱلرَّبُّ لَنَا بَابًا لِلْكَلَامِ». وإلى أهل تسالونيكي (تسالونيكي الثانية 3:1) يكتب: «أَخِيرًا أَيُّهَا ٱلْإِخْوَةُ صَلُّوا لِأَجْلِنَا، لِكَيْ تَجْرِيَ كَلِمَةُ ٱلرَّبِّ وَتَتَمَجَّدَ،… وَلِكَيْ نُنْقَذَ مِنَ ٱلنَّاسِ ٱلْأَرْدِيَاءِ ٱلْأَشْرَارِ». ويتّضح في كلّ مكان أنّ بولس شعر بنفسه عضوًا في جسد، يعتمد على تعاطفه وتعاونه، وأنه اتّكل على صلوات هذه الكنائس لتنال له ما قد لا يُعطى له بغير ذلك. فقد كانت صلوات الكنيسة عنده عاملًا حقيقيًّا في عمل الملكوت، حقيقيًّا كقدرة الله.

من يقدر أن يقول ما القوّة التي تستطيع كنيسة أن تنمّيها وتمارسها، لو أنها كرّست نفسها لعمل الصلاة نهارًا وليلًا لأجل مجيء الملكوت، ولأجل قوّة الله على خدّامه وعلى كلمته، ولأجل تمجيد الله في خلاص النفوس؟ إنّ أكثر الكنائس تظنّ أنّ أعضاءها قد جُمعوا معًا لمجرّد أن يرعى بعضهم بعضًا ويبني بعضهم بعضًا. فهم لا يعرفون أنّ الله يحكم العالم بصلوات قدّيسيه؛ وأنّ الصلاة هي القوّة التي بها يُغلَب الشيطان؛ وأنّ الكنيسة على الأرض تتصرّف بالصلاة في قوّات العالم السماويّ. ولا يذكرون أنّ يسوع قد كرّس بوعده كلّ اجتماع باسمه ليكون باب السماء، حيث يُحَسّ حضوره، وتُختبَر قوّته في أنّ الآب يحقّق رغباتهم.

ولا نستطيع أن نشكر الله بما يكفي على أسبوع الصلاة الجماعية المبارك الذي تفتتح به المسيحية كلّ سنة في أيامنا. فهو ذو قيمة لا يُعبَّر عنها برهانًا على وحدتنا وعلى إيماننا بقوّة الصلاة الجماعية، ومدرسةً لتدريب قلوبنا على الاتّساع لتشمل كلّ احتياجات الكنيسة الجامعة، وعونًا على الصلاة الجماعية المثابرة. لكنّ بركته كانت عظيمة على وجه خاصّ جدًّا بوصفه حافزًا على الاتّحاد المستمرّ في الصلاة في الدوائر الأصغر. وستصير أعظم أيضًا حين يدرك شعب الله ما معنى أن يجتمعوا كلّهم كواحد في اسم يسوع، لكي يكون حضوره في وسط جسد متّحد كلّه في الروح القدس، ولكي يطالبوا بجرأة بالوعد بأنّ ما يتّفقون على طلبه يكون لهم من قِبَل الآب.

«يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ»

أيها الرب المبارك! يا من طلبت بحرارة شديدة في صلاتك الكهنوتية العظمى وحدة شعبك، علّمنا كيف تدعونا وتحثّنا إلى هذه الوحدة بوعدك الثمين المعطى للصلاة الجماعية. فحين نكون واحدًا في المحبة والرغبة، يكون لإيماننا حضورك واستجابة الآب.

أيها الآب! نصلّي لأجل شعبك، ولأجل كلّ دائرة أصغر من الذين يجتمعون معًا، لكي يكونوا واحدًا. انزع، نطلب إليك، كلّ أنانيّة ومصلحة ذاتية، وكلّ ضيق قلب وجفاء، ممّا يعوق تلك الوحدة. اطرد روح العالم والجسد، الذي به يفقد وعدك كلّ قوّته. آه، لتجذبنا فكرة حضورك ورضى الآب جميعًا بعضنا نحو بعض.

امنح خصوصًا، أيها الرب المبارك، أن تؤمن كنيستك بأنها بقوّة الصلاة الجماعية تستطيع أن تربط وتحلّ في السماء؛ وأنّ الشيطان يمكن أن يُطرَد؛ وأنّ النفوس يمكن أن تخلص؛ وأنّ الجبال يمكن أن تُنقَل؛ وأنّ الملكوت يمكن أن يُعجَّل مجيئه. وامنح، أيها الرب الصالح! أن تكون صلاة الكنيسة، في الدائرة التي أصلّي معها، هي حقًّا القوّة التي بها يتمجّد اسمك وكلمتك. آمين.

صفحة 1 / 1 · 7 دقيقة متبقية في الفصل