نقاوة القلب
الإيمان المطهِّر

فصل 8 · قراءة 3 د · استماع 4 د

الإيمان المطهِّر

في أفسس 3:17-19 نقرأ: «لِيَحِلَّ ٱلْمَسِيحُ بِٱلْإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ، وَأَنْتُمْ مُتَأَصِّلُونَ وَمُتَأَسِّسُونَ فِي ٱلْمَحَبَّةِ، حَتَّى تَسْتَطِيعُوا أَنْ تُدْرِكُوا مَعَ جَمِيعِ ٱلْقِدِّيسِينَ، مَا هُوَ ٱلْعَرْضُ وَٱلطُّولُ وَٱلْعُمْقُ وَٱلْعُلْوُ، وَتَعْرِفُوا مَحَبَّةَ ٱلْمَسِيحِ ٱلْفَائِقَةَ ٱلْمَعْرِفَةِ، لِكَيْ تَمْتَلِئُوا إِلَى كُلِّ مِلْءِ ٱللهِ.»

أيها الرفاق الأعزاء، تذكرون أنني حين ختمت رسالتي الأخيرة كنت أتحدث عن جزء بالغ الأهمية من موضوعنا، أعني فعل الإيمان الذي يطهّر القلب. وقد قلت فيه شيئًا آنذاك، لكن لا بد أن أعود إليه، لأنه هنا يتعثّر كثيرون ويخفقون في طلبهم بركة النقاوة.

إنهم يأتون حتى باب الخلاص الكامل من الخطية. ينظرون إلى داخل هيكل القداسة. ويتوقون إلى الدخول. ومع ذلك يترددون في أن يخطوا الخطوة الواحدة التي تُدخلهم.

لا يمارسون الإيمان الذي يطهّر. وهكذا يرجعون إلى تلك الحياة غير المُشبِعة، حياة الخطية والتوبة، التي لبثوا فيها زمنًا طويلًا.

وأنا مقتنع بأن هذا كثيرًا ما ينشأ عن سوء الفهم. لذلك أريد أن أزيد هذا الأمر وضوحًا: ما هو حقًّا ذلك الإيمان الذي تدخل به النفس إلى الخلاص الكامل. قد أكرّر بعض ما سبق أن تأمّلناه، لكن ذلك خير من أن أترككم في حيرة. فلأن أقوله مئة مرة وأُفهَم أحبّ إليّ.

يبدأ الإيمان المطهِّر بشيء من الفهم الواضح للبركة نفسها. قد لا يكون هذا الفهم كاملًا، لكن لا بد أن يكفي لإدراك ما تعنيه النقاوة حقًّا. إنها ليست شعورًا عابرًا. وليست مجرد راحة من التجربة. وليست انفعالًا عاطفيًا دائمًا. إنها حالة للقلب لا يعود فيها الإنسان يُحزن روح الله، بل يحبه حبًّا كاملًا ويطيعه بإخلاص. وهذا النوع من الإيمان يثبّت انتباهه على البركة ويقول: «أريد قلبًا نقيًّا. أنا محتاج إليه. إنه مشيئة الله لي. لقد اشتراه المسيح لي. يا رب، ليكن لي.»

هل بلغ إيمانك هذه النقطة؟ هل ترى حقًّا ما هي النقاوة؟ إن كان كذلك، فتمسّك بهذا الفهم حتى تصير البركة لك. فحين يرى الإنسان حقًّا شيئًا ثمينًا وممكنًا، يبدأ الشوق ينمو. وكلما فكّرت فيه وتأمّلته، ازداد اجتذابه لك. وهكذا الأمر مع القداسة. إن آمنت بأنها ثمينة كما هي حقًّا، فستبقيها أمام ذهنك، ويتعمّق شوقك إليها.

لكن الإيمان المطهِّر لا يقف عند الشوق، بل يتقدم أبعد. إنه يختار. لا يكتفي بالإعجاب أو الكلام أو التمنّي، بل يقول: «سأنالها.» ونحن نرى كيف يعامل الناس الخلاص نفسه: يعترفون بقيمته، ومع ذلك يؤجّلون طلبه. وعلى النحو نفسه يعامل كثيرون القداسة. يقولون: «ينبغي أن أكون قديسًا. ليتني كنت قديسًا. يا رب، اجعلني قديسًا، ولكن ليس الآن.»

أما الإيمان الحقيقي فلا يؤجّل. إنه يختار، ويبدأ في الحال. وهذا الإيمان يتخلّى أيضًا عن كل ما يقف في الطريق. فحين يُقدَّر شيء حقًّا، يكون الناس مستعدين أن يتركوا ما هو أدنى منه لكي ينالوه. والأمر هنا كذلك. إن آمنت حقًّا بقيمة النقاوة، فستكون مستعدًا أن تنفصل عن كل ما يعيقك. لن يجادل إيمانك، ولن يتراجع، بل سيسلّم.

وهذا يقودنا إلى نقطة يتردد عندها كثيرون. إنهم يتهيّبون التسليم الكامل. يخافون مما قد يطلبه الله منهم. ويتساءلون إلى أين قد يرسلهم، أو ماذا قد يطلب منهم أن يعملوا. وهكذا يتراجعون، ولا يتقدمون أبعد. أما الإيمان المطهِّر فيرى المسيح على نحو آخر. يراه مستحقًّا كل الاستحقاق. ويرى خدمته صالحة. ولذلك يضع كل شيء طوعًا، بلا شرط ولا تحفّظ، مستعدًا أن يُستخدم بأي طريقة يختارها. وتسليم كهذا لا حدود له، إلا حدود قدرة الإنسان. وهذا الإيمان يستند أيضًا إلى ما عمله الله من قبل. فهو يدرك أن القداسة قد اشتراها المسيح ووُعد بها في كلمته. يسمع الله يقول: «أُطَهِّرُكُمْ»، فيجيب: «نعم يا رب، أؤمن أنه سيكون كذلك.»

لكنه يتقدم أبعد من ذلك أيضًا. فهو لا يؤمن فقط بأن الله راغب، بل يؤمن بأن الله يعمل ذلك الآن. ولذلك أسألك: متى ستأتيك هذه النقاوة؟ أتقول غدًا؟ ربما، ولكن من يستطيع أن يتيقّن؟ أتقول في ساعة الموت؟ ربما، ولكن من يستطيع أن يضمن ذلك؟ لماذا لا يكون الآن؟ فالآن وقت مقبول، والآن يوم خلاص.

صفحة 1 / 1 · 3 دقيقة متبقية في الفصل
السابق التالي