فصل 1 · قراءة 5 د · استماع 6 د
النقاوة: ما هي
جاء في متى 5:8: «طُوبَى لِلْأَنْقِيَاءِ ٱلْقَلْبِ، لِأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ ٱللهَ.»
أيها الرفاق الأعزاء، نحن أعضاء جيش الخلاص لا نكفّ عن الترنيم أو الصلاة أو الحديث عن القلب النقي. والحق أن قليلة هي الموضوعات التي نتحدث عنها أكثر منه، أو نفتخر بها افتخارًا أصدق. وبعض أجمل ترانيمنا وأشدّها تحريكًا للقلوب تدور حول هذا الموضوع. ولعلّه لا توجد ترنيمة نرنّمها أكثر من تلك التي مطلعها: «آه، ليت لي قلبًا يسبّح إلهي!
«قلبًا من الخطية قد تحرّر!
«قلبًا يحسّ الدم على الدوام، ذاك الذي سُفك لأجلي بسخاء!» أليس هذا جميلًا؟ لكنها تمضي إلى ما هو أجمل: «قلبًا تجدّد في كل فكر، وامتلأ بالمحبة الإلهية؛ كاملًا مستقيمًا، نقيًّا صالحًا، صورةً منك يا رب!»
ومع عظم قوة هذه الترانيم في تحريك قلوبنا، فلعلّ لا شيء يبهج عضو جيش الخلاص الحقيقي أكثر من الشهادات الواضحة التي يقدّمها الذين يحيون متمتّعين بالبركة، أو الصلوات الحارة طلبًا لنوالها، أو النداءات الملتهبة الموجَّهة إلى الرفاق كي يقتنوا هذه اللؤلؤة الكثيرة الثمن، وهي نداءات كثيرًا ما تُسمع في صفوفنا.
ومع ذلك فكثيرون من جنودنا لا يختبرون البركة اختبارًا واضحًا، ولا يعترفون علانيةً بأنهم يتمتعون بها. وقد خطر لي أن السبب ربما يكون أن الموضوع غير مفهوم كما ينبغي. لذلك أعتزم أن أحاول شرحه في بضع رسائل، أرجو أن يتأمّلها رفاقي بعناية.
فاذكروا من فضلكم أن موضوعي هو «نقاوة القلب». أريد أن أشرح ما نعنيه بالقلب النقي، وأن أبيّن كيف يمكنكم أن تنالوا هذا الكنز الثمين إن لم يكن قد صار لكم بعد، وكيف تحتفظون بالبركة متى حصلتم عليها. وأبدأ بالقول: إننا جميعًا نعرف ما المقصود بأن يكون الشيء نقيًّا. فحين نتحدث عن نقاوة الأشياء من حولنا نعني أنها نظيفة غير مغشوشة؛ فهي ليست خالية من الوسخ والقذارة فحسب، بل لا تخالطها أيضًا مادة أدنى منها.
وحين نقول إن إنسانًا نقيّ، بالمعنى الديني، نعني أنه مستقيم وأمين وصادق في الداخل والخارج؛ وأنه لا يكتفي بأن يعترف بما يتعلق بواجبه نحو الله والناس، بل يمارسه أيضًا.
والكتاب المقدس يتحدث عن الخطية على أنها قذارة أو دنس يصيب الجسد أو الذهن أو الروح. فلا بد إذن أن تعني النقاوة في الدين خلوّ الإنسان من أمور قذرة كالسُّكر والشراهة وعدم الأمانة والغش والكذب والكبرياء والحقد وسوء الطبع والأنانية وعدم الإيمان والعصيان وما شابهها.
وباختصار، أن تكون نقيّ النفس معناه أن تتحرّر من كل ما يُريك الرب أنه مضادّ لمشيئته المقدسة، من كل شيء على الإطلاق. ومعناه أنك لا تملك القدرة على أن تحيا الحياة التي يريدها فحسب، بل أنك تحياها فعلًا.
والنقاوة، يا رفاقي، لا حاجة بي إلى أن أقول لكم إنها موضع إعجاب كبير ورغبة شديدة عند جميع الكائنات المستقيمة الفكر. ولنبدأ بهذا: كلنا نحب النقاوة المادية؛ فأنا واثق مثلًا أن كل من يقرأ هذه الرسالة يفضّل أن يكون جسده نظيفًا. فحين تقوم في الصباح لا تستريح حتى تغتسل. وحين يخرج عمّال المناجم من المنجم، أو الفلاحون من الحقل، أو الفتيات من المصنع، يكون أول ما يطلبونه ماءً يغتسلون به.
أنتم تحبون الثياب النظيفة والكتّان النظيف، أليس كذلك؟ تأمّلوا كم من المال والجهد يُبذل في الحفاظ على نظافة ملابسكم. وتحبون البيت النظيف. انظروا كيف تفرك ربّة البيت وتغسل وتكنس وتنفض الغبار لتحفظ الأرض والنوافذ والأثاث نظيفة.
وتحبون المدينة النظيفة. فيا له من كنس شاقّ مكلف للشوارع، ونقلٍ للقمامة؛ ويا له من مال يُنفق على إصلاح المجاري وتنظيفها كي تبقى بلداتنا ومدننا طيبة الهواء نقية! نحن نحب هذا النوع من النقاوة لأنه يسرّ العين وينفع الصحة. ونعلم أن القذارة كريهة إلى الحواس، تُكثر الهوامّ، وتولّد الكوليرا والطاعون والأمراض عامةً، وتعجّل بالناس إلى القبر. لذلك نبغضها ونقول: «لتذهب عنّا؛ لنكن أنقياء!»
غير أن جميع الكائنات المستقيمة الفكر تُعجب بنقاوة النفس أكثر بكثير من إعجابها بنقاوة الجسد أو الثياب أو البيت أو أي شيء آخر؛ وذلك لأنها أعظم أهمية بما لا يُقاس.
فمثلًا: (أ) الله يحب نقاوة النفس. هذه طبيعته. ولا شك عندي أنه، مثلنا، يفضّل أن يرى أولاده نظيفين في الظاهر. فهو يخبرنا على لسان الرسول بولس أن تكون أجسادنا مغتسلة بماء نقي، لكن غسل القلب أحبّ إليه بكثير من غسل الجسد.
«قديسوه جميلون في عينيه، ينظر إلى أولاده بسرور؛ يرى رجاءهم، ويعرف خوفهم، وينظر ويحب صورته فيهم.»
نعم، الله يُسرّ بالقداسة. والسماء، مسكنه، نقية. وسكانها أنقياء. وأعمالها ومسرّاتها وعبادتها كلها نقية على السواء.
(ب) الملائكة يحبون النقاوة. ولو أمكن بأي وسيلة أن يُدخَل مخلوق غير مقدس إلى المدينة السماوية، لتجنّبه سكانها، وأنا واثق من ذلك، كما نتجنّب نحن كائنًا مصابًا بمرض رهيب.
(ج) الشياطين تعرف أن النقاوة شيء ثمين، مع أنها تبغضها وتقاومها بكل ما أوتيت من قوة.
(د) كثيرون من الأشرار يُعجبون بالنقاوة. فهم يرونها جميلة ومرغوبًا فيها عند غيرهم، وإن كانوا يحسبونها مستحيلة عليهم. وفي ساعات تأمّلهم، حين يجاهد روح الله معهم، وحين تزدحم في ذاكرتهم ذكريات أيام البراءة التي مضت، ويرون أناسًا يعرفون أنهم أنقياء صالحون، يمقتون أنفسهم بسبب نجاستهم، مع أنهم طوال الوقت يرفضون أن يخضعوا لله ويقبلوا الخلاص الذي يجعلهم أنقياء.
(هـ) والنفوس الهالكة في الجحيم تشعر كم تفوق القداسة الشرَّ تفوقًا لا حدّ له. وهي ترى الآن كم كان خيرًا لها لو غسلت قلوبها بدم الحمل حين كان لها امتياز ذلك. آه، ماذا لا تبذل لتحظى بفرص كالتي تتمتعون بها أنتم!
هل أنتم مغرمون بالنقاوة يا أصدقائي؟ لعلكم تملكونها. لعلكم أتيتم إلى يسوع طالبين القوة المطهِّرة، وطرحتم أنفسكم عند قدميه، وتخليتم عن كل ما هو مشكوك فيه، وقدّمتم أنفسكم لتعملوا مشيئته في الحياة والموت، وآمنتم أن دم يسوع المسيح قد طهّركم.
آه، إن كان هذا اختباركم فطوبى لكم، وطوبى أكثر إن كنتم اليوم تسلكون في قوة ذلك الاختبار وسلامه. فإن كان الأمر كذلك فإني أهنّئكم، وأُسرّ بكم، وأسبّح الله من أجلكم.
ولكن إن لم تكن هذه البركة لكم، فهل تتوقون إليها؟ هل تملأ فكرتها نفوسكم شوقًا؟ هل تجعلكم تشعرون بما شعر به الشاعر حين رنّم: «يا لرجاء المحبة الكاملة المجيد!
«يرفعني إلى ما هو فوق، ويحملني على أجنحة النسور؛ يذيق نفسي المأخوذة طعمًا، ويجعلني لحظاتٍ أتنعّم مع كهنة يسوع وملوكه.»
يا أصدقائي، إن سعادتكم وتأثيركم مرتبطان كلَّ الارتباط بأن تصيروا قديسين. آه، أتوسّل إليكم أن تركعوا هنا الآن وتسألوا الله أن يجعل كل واحد منكم نقيًّا، بقوة الروح القدس، بدم الحمل.
اكتمل الفصل 1
النقاوة: ما هي