فصل 8 · قراءة 13 د

الإيمان

وثمّ عنصر آخر، وهو الإيمان. فإنّه لَمن المهمّ لنا أن نعرف كيف نصلّي بمقدار ما هو مهمّ لنا أن نعرف كيف نعمل. ولسنا نُخبَر أنّ يسوع علّم تلاميذه قطّ كيف يكرزون، ولكنّه علّمهم كيف يصلّون. فقد أرادهم أن تكون لهم قدرة مع الله؛ إذ كان يعلم أنّه حينئذ تكون لهم قدرة مع الناس. ونحن نقرأ في رسالة يعقوب: «وإنّما إن كان أحدكم تعوزه حكمة، فليطلب من الله... فسيعطى له. ولكن ليطلب بإيمان غير مرتاب البتّة». فالإيمان إذًا هو المفتاح الذهبيّ الذي يفتح كنوز السماء. وهو الترس الذي أخذه داود حين لاقى جليات في ساحة القتال؛ فقد آمن أنّ الله سيدفع الفلسطينيّ إلى يديه. وقد قال أحدهم إنّ الإيمان يستطيع أن يقود المسيح إلى أيّ موضع شاء؛ فحيثما وجده أكرمه. إنّ عدم الإيمان ينظر فيرى شيئًا في يد الله فيقول: «لا أستطيع أنا أن أناله». وأمّا الإيمان فيراه هو أيضًا ويقول: «بل سأناله ولا بدّ».

إنّ الحياة الجديدة تبتدئ بالإيمان؛ ثمّ ليس علينا بعد ذلك إلّا أن نمضي في البناء على ذلك الأساس. «لذلك أقول لكم: كلّ ما تطلبونه حينما تصلّون، فآمنوا أن تنالوه، فيكون لكم». ولكن ضع في بالك أنّه لا بدّ لنا أن نكون جادّين مجتهدين حين نمضي إلى الله.

ولستُ أعرف مثالًا أشدّ حيويّةً وأوضح تصويرًا لصرخة الضيق الصاعدة إلى الله طلبًا للعون، في كلّ جدّ الحاجة المشعور بها في أعماق النفس، ممّا تقدّمه لنا القصّة التالية:

فإنّ كارل شتاينمان، الذي زار جبل هكلا في آيسلندا قبيل الانفجار العظيم سنة 1845، بعد سكون دام ثمانين سنةً، قد كاد يهلك موتًا إذ غامر بالدخول إلى الفوّهة المدخّنة على رغم توسّل دليله إليه بإلحاح شديد. فبينما هو واقف على حافّة تلك الهوّة الفاغرة فاها، إذا بتشنّج هزّ القمّة قد طرحه أرضًا، وثبّتته هناك كتل من الحمم وقعت على قدميه. وهو يصف ذلك وصفًا حيًّا فيقول:

«آه، ما أشدّ أهوال ذلك الإدراك المروّع! فها أنا ذا معلّق هناك فوق فم هاوية سوداء محماة، أسيرًا عاجزًا وأنا في كامل وعيي وإدراكي، منتظرًا أن تقذفني إلى أسفل أوّل نبضة عظيمة من نبضات الطبيعة المرتعدة!

«فصرختُ من هول يأسي عينه فقلت: ‹النجدة! النجدة! النجدة! — بحبّ الله عليكم، النجدة!›

«ولم يكن لي شيء البتّة أتّكل عليه سوى رحمة السماء وحدها؛ فصلّيتُ إلى الله كما لم أصلِّ قطّ في حياتي كلّها من قبل، طالبًا غفران خطاياي، لئلّا تتبعني إلى الدينونة.

«وفجأةً سمعتُ صيحةً عاليةً، فالتفتُّ حولي، فرأيتُ بمشاعر لا يقدر اللسان أن يصفها دليلي الأمين وهو يهبط مسرعًا على جوانب الفوّهة مقبلًا لينقذني.

«فقال لي: ‹أما قد أنذرتُك من قبل!›

«فصحتُ أنا وقلت: ‹نعم، قد فعلت! ولكن اغفر لي أنت وخلّصني، فإنّي هالك!›

«‹سأخلّصك أنا أو أهلك أنا معك!›

«فارتجّت الأرض، وانفلقت الصخور — فتدحرجت واحدة منها إلى داخل الهوّة بدويّ أجوف مكتوم. فوثبتُ أنا إلى الأمام؛ وأمسكتُ بيد الدليل، وفي اللحظة التالية كنّا قد سقطنا كلانا، متعانقين كلّ منّا في ذراعي الآخر، على الأرض الصلبة في العلاء. وكنتُ قد صرتُ حرًّا طليقًا، ولكنّي كنتُ بعدُ على حافّة تلك الحفرة».

وقد وضع الأسقف هول، في مقطع مشهور من كلامه، مسألة الاجتهاد في نسبتها إلى صلاة الإيمان، فقال:

«إنّ السهم إذا لم يُجذب في القوس إلّا قليلًا لم يذهب بعيدًا؛ وأمّا إذا شُدّ إلى آخره طار سريعًا ونفذ نفوذًا عميقًا. وهكذا الصلاة أيضًا، إن هي لم تُقطَر إلّا قطرًا من شفتين متهاونتين، سقطت عند أقدامنا. إنّما الذي يرسلها إلى السماء ويجعلها تخترق الغيوم هو قوّة الصرخة وشدّة الشوق. فليس حساب صلواتنا، أي كم عددها؛ ولا بلاغة صلواتنا، أي كم هي فصيحة؛ ولا هندسة صلواتنا، أي كم هي طويلة؛ ولا موسيقى صلواتنا، أي كم هو حلو صوتنا فيها؛ ولا منطق صلواتنا، أي كم هي محكمة الحجّة؛ ولا ترتيب صلواتنا، أي كم هي منظّمة مرتّبة؛ ولا حتّى لاهوت صلواتنا، أي كم هو صحيح تعليمها — ليس شيء من ذلك كلّه هو الذي يعبأ به الله ويلتفت إليه. فهو لا يطلب تينك الركبتين المتقرّنتين اللتين يقال إنّهما كانتا ليعقوب من كثرة مواظبته على الصلاة. وقد نكون نحن مثل برثولماوس، الذي يقال إنّه كانت له مئة صلاة للصباح ومثلها للمساء، ولا يكون في ذلك كلّه نفع ولا فائدة. إنّما حرارة الروح هي التي تقتدر كثيرًا».

ويقول رئيس الأساقفة ليتون: «ليس الورق المذهّب ولا حسن الخطّ في العريضة هو الذي يغلب على قلب الملك ويستميله، بل معناها المؤثّر الذي يحرّك القلب. وأمّا عند ذلك الملك الذي يفحص القلب ويميّزه، فمعنى القلب هو المعنى كلّه، وهو وحده الذي ينظر إليه ويعتدّ به. فهو ينصت ليسمع ما ينطق به ذلك القلب، ويحسب الأمر كلّه لا شيء حيث يسكت القلب ولا ينطق. وكلّ فضل آخر في الصلاة إنّما هو ظاهرها وزيّها من خارج. وأمّا هذا فهو حياتها».

ويقول بروكس: «كما أنّ النار المرسومة في الصورة ليست نارًا، والميت ليس إنسانًا، هكذا الصلاة الباردة ليست صلاةً. فليس في النار المرسومة حرارة، وليس في الميت حياة؛ وهكذا ليس في الصلاة الباردة قدرة كلّيّة، ولا تقوى، ولا بركة. إنّ الصلوات الباردة كسهام بلا نصال، وكسيوف بلا حدود، وكطيور بلا أجنحة؛ فهي لا تنفذ في شيء، ولا تقطع شيئًا، ولا تطير إلى السماء. إنّ الصلوات الباردة تتجمّد دائمًا في الطريق قبل أن تبلغ السماء. فيا ليت المسيحيّين يوبّخون أنفسهم فيخرجون من صلواتهم الباردة، ويوبّخونها حتّى تدخل في حال أحسن وأدفأ من أحوال الروح، حين يرفعون تضرّعاتهم إلى الربّ!»

وخذ إليك الآن حالة المرأة الفينيقيّة السوريّة. فإنّها لمّا نادت المعلّم، بدا زمانًا من الزمان كأنّه أصمّ لا يسمع طلبتها. وأراد التلاميذ أن تُصرف عنهم وتُطرد. ومع أنّهم قد كانوا مع المسيح ثلاث سنين كاملة، وجلسوا عند قدميه، فإنّهم لم يعرفوا كم كان قلبه مملوءًا نعمةً وحنانًا. تصوّر المسيح وهو يصرف خاطئًا مسكينًا قد أتى إليه طالبًا الرحمة! أتستطيع أن تتصوّر شيئًا كهذا؟ إنّ ذلك لم يحدث ولا مرّةً واحدة قطّ. وقد وضعت هذه المرأة المسكينة نفسها في موضع ابنتها. فقالت له: «يا سيّد، أعنّي!» وإنّي لأظنّ أنّنا متى بلغنا هذا المبلغ في الشوق الجادّ إلى أن يُبارَك أحبّاؤنا — أي حين نضع نفوسنا نحن في موضعهم هم — فإنّ الله يسمع صلاتنا سريعًا.

وإنّي لأذكر أنّي منذ سنين عديدة، في اجتماع من الاجتماعات، طلبتُ إلى كلّ من يريد أن يُصلَّى لأجله أن يتقدّم فيجثو أو يجلس في المقاعد الأماميّة. فكان ممّن جاءوا امرأة من النساء. وقد ظننتُ من هيئتها ومنظرها أنّها لا بدّ أن تكون مسيحيّةً، ولكنّها جثت هناك مع سائر الآخرين. فقلتُ لها: «أنتِ مسيحيّة، أليس كذلك؟» فقالت إنّها كذلك منذ سنين كثيرة. فقلتُ: «أفهمتِ الدعوة التي دعوتُ بها؟ إنّي لم أدعُ إلّا أولئك الذين يريدون أن يصيروا مسيحيّين». ولن أنسى ما حييتُ تلك النظرة التي كانت على وجهها إذ أجابتني قائلةً: «إنّ لي ابنًا قد ذهب بعيدًا عنّي؛ ففكّرتُ أن آخذ أنا مكانه اليوم، لعلّ الله يباركه هو». فالحمد لله على أمّ كهذه الأمّ!

وقد فعلت المرأة الفينيقيّة السوريّة الشيء عينه — «يا سيّد، أعنّي أنا!» لقد كانت صلاةً قصيرةً جدًّا، ولكنّها نفذت مباشرةً إلى قلب ابن الله نفسه. غير أنّه مع ذلك امتحن إيمانها أوّلًا. فقال لها: «ليس حسنًا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب». فأجابته قائلةً: «نعم، يا سيّد! والكلاب أيضًا تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابها!» فقال لها: «يا امرأة، عظيم إيمانك!» فأيّ مديح عظيم مدحها به! إنّ قصّتها هذه لن تُنسى ما دامت الكنيسة على وجه الأرض. لقد أكرم إيمانها، وأعطاها كلّ ما طلبته منه. وكلّ واحد منّا يستطيع أن يقول: «يا سيّد، أعنّي!» فكلّنا محتاجون إلى العون. ونحن كمسيحيّين محتاجون إلى نعمة أوفر، ومحبّة أعظم، وطهارة حياة أتمّ، وبرّ أكثر. فلنرفع إذًا هذه الصلاة عينها اليوم. إنّي أنا أريد أن يعينني الله لأكرز خيرًا ممّا أكرز، ولأحيا خيرًا ممّا أحيا، ولأكون أشبه بابن الله. إنّ سلاسل الإيمان الذهبيّة تربطنا مباشرةً بعرش الله، فتنحدر نعمة السماء منه إلى نفوسنا.

ولستُ أدري، لعلّ تلك المرأة كانت خاطئةً عظيمةً من الخطاة؛ ومع ذلك سمع الربّ صراخها. ولعلّك أنت قد كنت إلى هذه الساعة عائشًا في الخطيّة؛ ولكنّك إن صرختَ إليه: «يا سيّد، أعنّي!» فإنّه يستجيب صلاتك، إن كانت صلاةً صادقةً من القلب. وكثيرًا جدًّا ما نصرخ نحن إلى الله ونحن في الحقيقة لا نعني بصراخنا شيئًا. وأنتنّ أيّتها الأمّهات تفهمن هذا الأمر جيّدًا. فإنّ لأولادكنّ صوتين اثنين. فمتى طلبوا منكنّ شيئًا استطعتنّ سريعًا أن تعرفن أصادقة تلك الصرخة أم هي متصنّعة. فإن كانت متصنّعةً لم تلتفتن إليها البتّة؛ وأمّا إن كانت صرخة استغاثة حقيقيّةً فما أسرع ما تستجبن لها! إنّ صرخة الضيق تأتي بالغوث دائمًا. فولدك يلعب حواليك، وهو يقول: «يا أمّاه، أريد خبزًا»؛ ولكنّه يمضي في لعبه ولا ينقطع عنه. فأنت تعلمين أنّه ليس شديد الجوع؛ فتتركينه وشأنه. ولكن بعد حين يُلقي الولد لُعَبه من يده ويأتي إليك متعلّقًا بثوبك ويقول: «يا أمّاه، إنّي جائع جدًّا!» فحينئذ تعلمين أنّ الصرخة صرخة صادقة؛ فتمضين سريعًا إلى الخزانة وتأتين له بشيء من الخبز. فهكذا متى كنّا نحن جادّين في طلب خبز السماء نلناه. وقد كانت هذه المرأة جادّةً جدًّا في طلبها؛ ولذلك استُجيبت طلبتها.

وإنّي لأذكر أنّي سمعتُ عن غلام صغير تربّى في أحد ملاجئ الفقراء في إنكلترا. ولم يكن قد تعلّم القراءة ولا الكتابة، إلّا أنّه كان يستطيع أن يقرأ حروف الهجاء وحدها. وذات يوم جاء إلى هناك رجل من رجال الله، وقال للأولاد إنّهم إن صلّوا إلى الله في وقت ضيقهم أرسل إليهم عونًا. وبعد حين من الدهر أُلحق هذا الغلام صبيًّا عند مزارع من المزارعين. وذات يوم أُرسل إلى الحقول ليرعى قطيعًا من الغنم. وكان يلقى هناك شدّةً غير قليلة؛ فتذكّر ما كان قد قاله ذلك الواعظ، وخطر له أن يصلّي إلى الله في أمره. فمرّ إنسان بذلك الحقل فسمع صوتًا من وراء السياج. فنظر ليرى صاحب الصوت من هو، فإذا هو ذلك الغلام الصغير جاثيًا على ركبتيه وهو يقول: «ألف، باء، تاء، ثاء»، وهكذا إلى آخرها. فقال له الرجل: «يا بنيّ، ماذا تصنع ههنا؟» فرفع الغلام بصره وقال إنّه يصلّي. فقال له: «ليس هذا بصلاة البتّة؛ إنّما هو ترديد لحروف الهجاء». فقال الغلام إنّه لا يعرف كيف يصلّي على وجه الضبط، ولكنّ رجلًا جاء مرّةً إلى ملجأ الفقراء فقال لهم إنّهم إن دعوا الله أعانهم. فظنّ أنّه إن سمّى حروف الهجاء أخذها الله ونظمها له صلاةً وأعطاه ما يريد. وقد كان ذلك الغلام يصلّي في الحقيقة صلاةً صحيحةً. وأنت أحيانًا حين يتكلّم ولدك الصغير لا يفهم أصدقاؤك شيئًا ممّا يقول؛ وأمّا الأمّ ففاهمة عنه كلّ الفهم. فهكذا إن كانت صلاتنا تخرج من القلب فهم الله لغتنا. وإنّه لَخداع من خداع الشيطان أن نظنّ أنّنا لا نقدر أن نصلّي؛ بل نحن نقدر، إن كنّا نريد شيئًا حقًّا. فليست اللغة الأجمل ولا الأفصح هي التي تنزل بالجواب من السماء؛ إنّما هي الصرخة الصاعدة من قلب مثقل بالهموم. فلمّا صرخت هذه المرأة الأمميّة المسكينة قائلةً: «يا سيّد، أعنّي!» طارت الصرخة على أسلاك السماء الإلهيّة وجاءت البركة. فأنت إذًا تستطيع أن تصلّي إن شئت؛ إنّما هي رغبة القلب وشوقه، وذاك هو ما يسرّ الله أن يسمعه ويستجيبه.

ثمّ لا بدّ لنا بعد ذلك أن ننتظر أن ننال بركةً. فإنّ قائد المئة لمّا أراد أن يشفي المسيح غلامه، حسب أنّه هو ليس مستحقًّا أن يذهب بنفسه ويسأل الربّ، فأرسل أصدقاءه ليرفعوا الطلبة عنه. فأرسل رسلًا ليلاقوا المعلّم في الطريق ويقولوا له: «لا تتعب نفسك بالمجيء إلينا؛ وإنّما عليك أن تقول كلمةً واحدةً فيذهب المرض». فقال يسوع لليهود: «لم أجد ولا في إسرائيل إيمانًا بمقدار هذا!» لقد تعجّب من إيمان قائد المئة هذا؛ وقد سرّه ذلك سرورًا حتّى شفى الغلام في تلك الساعة وفي ذلك المكان. فالإيمان هو الذي جاء بالجواب.

ونقرأ في إنجيل يوحنّا عن خادم للملك كان ابنه مريضًا مشرفًا على الموت. فخرّ الأب على ركبتيه أمام المعلّم وقال له: «يا سيّد، انزل قبل أن يموت ابني». فههنا لك الاجتهاد والإيمان معًا مجتمعين؛ وقد استجاب الربّ الصلاة في الحال. فأخذ ابن خادم الملك يتعافى ويتماثل للشفاء في تلك الساعة عينها. لقد أكرم المسيح إيمان الرجل.

ولم يكن في حالته تلك شيء البتّة يتّكل عليه سوى كلمة المسيح المجرّدة وحدها، ولكنّ ذلك كان كافيًا له. ومن الخير أن نضع دائمًا في بالنا أنّ موضوع الإيمان ليس هو المخلوق بل الخالق؛ ولا هو الآلة بل اليد التي تحرّك تلك الآلة.

وإليك كيف يعبّر ريتشارد سبس عن ذلك لنا، إذ يقول: «إنّ موضوع الإيمان هو الله، والمسيح بصفته الوسيط. فلا بدّ لنا من كليهما لنقيم عليهما إيماننا. فنحن لا نستطيع أن نؤمن بالله إن لم نؤمن بالمسيح. إذ لا بدّ أن يُرضى الله بالله؛ ولا بدّ أن يُطبَّق ذلك الإرضاء بذاك الذي هو الله — أي روح الله — بأن يعمل الإيمان في القلب، وبأن يقيمه متى انطرح. فكلّ ما في الإيمان فوق الطبيعة. فالأشياء التي نؤمن بها فوق الطبيعة؛ والمواعيد فوق الطبيعة؛ وصانع الإيمان، وهو الروح القدس، فوق الطبيعة؛ وكلّ شيء في الإيمان فوق الطبيعة. فلا بدّ من إله نؤمن به، وإله به نعرف أنّ المسيح هو الله — لا بما صنعه المسيح فقط، أي المعجزات التي ما كان يقدر عليها أحد إلّا الله، بل أيضًا بما يُصنع له هو. وثمّ أمران يُصنعان له يدلّان على أنّه هو الله — وهما الإيمان والصلاة. فنحن لا نؤمن إلّا بالله، ولا نصلّي إلّا لله؛ والمسيح موضوع لكليهما. فههنا هو معروض موضوعًا للإيمان، وموضوعًا للصلاة في قول القدّيس استفانوس: ‹أيّها الربّ يسوع، اقبل روحي›. فهو إذًا الله؛ لأنّه يُصنع له ما هو خاصّ بالله وحده. فيا لَه من أساس قويّ، ويا لَه من قاع وقاعدة لإيماننا! فثمّ الله الآب والابن والروح القدس، والمسيح الوسيط. فلكي يُسنَد إيماننا، لنا أن نؤمن بذاك الذي يسند السماء والأرض.

«وليس ثمّ شيء البتّة يمكن أن يقف عائقًا في طريق إتمام وعد من وعود الله إلّا وهو مقهور مغلوب بالإيمان».

وكما يقول صموئيل رذرفورد، وهو يعلّق على حالة المرأة الفينيقيّة السوريّة: «انظر إلى فائدة الإيمان الحلوة تحت تجربة محزنة؛ فالإيمان يتاجر مع المسيح ومع السماء في الظلمة، على مجرّد الثقة والائتمان، من غير أن يرى ضمانًا لطلوع الفجر: طوبى للّذين آمنوا ولم يروا. والسبب أنّ الإيمان مشدود بالعصب والعظم بشجاعة روحيّة؛ حتّى إنّه يحفظ مدينةً مغلقةً في وجه الجحيم، بل يقف تحت المستحيلات؛ وههنا امرأة ضعيفة، لا من حيث هي امرأة، بل من حيث هي مؤمنة، واقفة أمام ذاك الذي هو ‹الإله القدير، الأب الأبديّ، رئيس السلام›. فالإيمان وحده هو الذي يصمد فيغلب السيف والعالم والضيقات كلّها. هذه هي غلبتنا، التي بها يغلب إنسان واحد العالم العظيم الواسع».

وقد قال الأسقف رايل عن شفاعة المسيح بصفتها أساس إيماننا ووثاقته وضمانه: «إنّ الورقة الماليّة التي لا توقيع في أسفلها ليست إلّا قصاصةً من ورق لا قيمة لها البتّة. فضربة القلم وحدها هي التي تخلع عليها قيمتها كلّها. وصلاة ابن مسكين من بني آدم شيء ضعيف في نفسه، ولكنّها متى وقّعتها يد الربّ يسوع من أسفلها اقتدرت كثيرًا. وقد كان في مدينة رومية موظّف قد عُيّن ليكون بابه مفتوحًا في كلّ حين، لكي يستقبل أيّ مواطن رومانيّ يأتي إليه طالبًا العون. وهكذا أذن الربّ يسوع مفتوحة دائمًا لصراخ كلّ من يريد رحمةً ونعمةً. فإنّ إعانتهم هي وظيفته التي عُيّن لها. وصلاتهم هي لذّته وسروره». فتأمّل في هذا أيّها القارئ. أما في هذا كلّه تشجيع لك؟

ولنختم هذا الفصل بالرجوع إلى بعض كلمات ربّنا نفسه في الإيمان من جهة علاقته بالصلاة، وهي هذه:

«فنظر شجرة تين على الطريق، وجاء إليها فلم يجد فيها شيئًا إلّا ورقًا فقط. فقال لها: لا يكن منك ثمر بعد إلى الأبد! فيبست التينة في الحال. فلمّا رأى التلاميذ ذلك تعجّبوا قائلين: كيف يبست التينة في الحال؟ فأجاب يسوع وقال لهم: الحقّ أقول لكم: إن كان لكم إيمان ولا تشكّون، فلا تفعلون أمر التينة فقط، بل إن قلتم أيضًا لهذا الجبل: انتقل وانطرح في البحر فيكون. وكلّ ما تطلبونه في الصلاة مؤمنين تنالونه».

ويقول ربّنا أيضًا: «الحقّ الحقّ أقول لكم: من يؤمن بي فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضًا، ويعمل أعظم منها، لأنّي ماضٍ إلى أبي. ومهما سألتم باسمي فذلك أفعله ليتمجّد الآب بالابن. إن سألتم شيئًا باسمي فإنّي أفعله». ثمّ يقول أيضًا: «إن ثبتّم فيّ وثبت كلامي فيكم تطلبون ما تريدون فيكون لكم». «الحقّ الحقّ أقول لكم: إنّ كلّ ما طلبتم من الآب باسمي يعطيكم. إلى الآن لم تطلبوا شيئًا باسمي. اطلبوا تأخذوا، ليكون فرحكم كاملًا».

ليكن لكم إيمان بالله

«ليكن لك إيمان بالله، فإنّ ذاك المالك في العلاء
قد حمل حزنك، وهو يسمع تنهّد المتضرّع؛
فإلى ذراعيه، ملجئك الوحيد، اهرب دائمًا،
وليكن لك إيمان بالله!

«لا تخف أن تدعوه، أيّتها النفس المتضايقة!
فهمس حزنك يستدرجك إلى صدره؛
ومن أكثر التردّد عليه فهو أكثر الناس بركةً.
ليكن لك إيمان بالله!

«لا تتّكئ على قصب مصر؛ ولا ترو ظمأك
من آبار الأرض. اطلب الملكوت أوّلًا.
وإن أفزعك الإنسان والشيطان بأشدّ ما عندهما،
فليكن لك إيمان بالله!

«امضِ وقل له كلّ شيء! فإنّ التنهّد الذي يعلو صدرك
مسموع في السماء. وهو يعطي القوّة والسلام،
ذاك الذي بذل نفسه لأجلك. إنّ يسوعنا حيّ؛
فليكن لك إيمان بالله!»

آنّا شبتون.
صفحة 1 / 10 · 13 دقيقة متبقية في الفصل