فصل 4 · قراءة 11 د
ردّ الحقوق
والعنصر الثالث من عناصر الصلاة الناجحة هو ردّ الحقوق. فإن كنت قد أخذت في وقت من الأوقات ما ليس هو لي، ولستُ مستعدًّا أن أردّه إلى صاحبه، فإنّ صلواتي لن تبلغ من السماء مبلغًا بعيدًا. وإنّه لأمر عجيب حقًّا، ولكنّي ما مسست هذا الموضوع في خطاب من خطاباتي قطّ إلّا وسمعت بنتائج تتبعه في الحال. وقد قال لي رجل مرّةً إنّي لن أحتاج إلى الإطالة في هذه النقطة في اجتماع كنت على وشك أن أخاطبه، إذ لعلّه لن يكون فيه أحد واحد محتاج إلى أن يردّ حقًّا لأحد. ولكنّي أحسب أنّ روح الله لو فحص قلوبنا، لوجد أكثرنا أنّ ثمّ أمورًا كثيرة لا بدّ أن تُعمل، ما خطرت لنا على بال من قبل.
فلمّا لقي زكّا المسيح، بدت له الأمور كلّها على غير ما كانت تبدو له من قبل. وإنّي لأجرؤ أن أقول إنّ فكرة ردّ الحقوق ما دخلت ذهنه قطّ قبل ذلك اليوم. بل لعلّه ظنّ في ذلك الصباح نفسه أنّه رجل أمين كلّ الأمانة. ولكن لمّا جاء الربّ إليه وكلّمه، رأى نفسه هو في نور آخر مختلف كلّ الاختلاف. ولاحظ أنت كم كان كلامه قصيرًا. فالشيء الوحيد المسجَّل لنا ممّا قاله هو هذا: «ها أنا يا ربّ أعطي نصف أموالي للمساكين، وإن كنت قد وشيت بأحد أردّ أربعة أضعاف». كلام قصير؛ ولكن كيف ظلّت هذه الكلمات ترنّ في الأجيال المتعاقبة إلى يومنا هذا!
فهو بذلك القول قد اعترف بخطيّته — واعترف بأنّه كان رجلًا غير أمين. وفوق ذلك، فقد أظهر أنّه عالم بمطاليب شريعة موسى. فمن أخذ ما ليس له، كان عليه لا أن يردّه فقط، بل أن يضاعفه أربعة أضعاف. وإنّي لأحسب أنّ الناس في هذا التدبير ينبغي لهم أن يكونوا أمناء بمقدار ما كان الناس تحت الشريعة أمناء. وقد سئمتُ ومللتُ من هذه العاطفيّة المجرّدة التي عندكم، تلك التي لا تُقوّم حياة إنسان واحد. فقد نُرنّم نحن تراتيلنا ومزاميرنا، ونرفع صلواتنا إلى الله، ولكنّها ستكون كلّها مكرهةً عنده ما لم نكن مستعدّين أن نكون مستقيمين استقامةً تامّة في حياتنا اليوميّة. فما من شيء يعطي المسيحيّة قبضةً على العالم مثل أن يبتدئ شعب الله المؤمنون يعملون هكذا. ولعلّ زكّا صار له في أريحا من النفوذ بعد أن ردّ ما أخذ أكثر ممّا كان لأيّ رجل آخر فيها.
ويقول فيني، في محاضراته إلى المُقرّين بالمسيحيّة: «إنّ من أسباب هذه الوصيّة: «لا تشاكلوا هذا الدهر»، ذلك التأثير الهائل النافع الفوريّ الذي يكون لو أنّ كلّ واحد من الناس باشر معاملاته على مبادئ الإنجيل. اقلبوا الموائد رأسًا على عقب، ودعوا المسيحيّين يباشرون معاملاتهم سنةً واحدة فقط على مبادئ الإنجيل. إنّ ذلك يزعزع العالم كلّه! إنّه يدوّي أشدّ من دويّ الرعد. دعوا الفجّار يرون المُقرّين بالمسيحيّة في كلّ صفقة من صفقاتهم يطلبون خير من يتعاملون معه — لا يطلبون ما لأنفسهم، بل كلّ واحد منهم ما هو لآخر — عائشين فوق هذا العالم — لا يقيمون للعالم قيمةً البتّة إلّا بمقدار ما يكون وسيلةً لتمجيد الله؛ فماذا تظنّون أنتم يكون الأثر؟ إنّه يغطّي وجه العالم كلّه بالخجل، ويغمرهم بالتبكيت على الخطيّة».
ويجعل فيني واحدةً من العلامات الكبرى على التوبة الصادقة ردَّ الحقوق. «فالسارق الذي يُبقي في يده المال الذي سرقه ما تاب بعدُ توبةً حقيقيّة. قد يكون عنده تبكيت، ولكن ليس عنده توبة. فلو كانت عنده توبة لمضى في الحال وردّ المال. فإن كنت قد غششت أحدًا من الناس ولم تردّ إليه ما أخذته منه ظلمًا؛ أو كنت قد أضررت بأحد ولم تشرع في نقض ما صنعت به من الظلم بقدر ما في طاقتك، فأنت لم تتب توبةً حقيقيّة».
ونحن نقرأ في سفر الخروج ما يلي: «إذا سرق إنسان ثورًا أو شاةً فذبحه أو باعه، يعوّض عن الثور بخمسة ثيران، وعن الشاة بأربعة من الغنم». ونقرأ أيضًا: «إذا رعى إنسان حقلًا أو كرمًا وسرّح مواشيه فرعت في حقل غيره، فمن أجود حقله، وأجود كرمه يعوّض. إذا خرجت نار وأصابت شوكًا فاحترقت أكداس أو زرع أو حقل، فالذي أوقد الوقيد يعوّض».
أو ارجع أنت إلى سفر اللاويّين، حيث تُوضع شريعة ذبيحة الإثم — فإنّ النقطة عينها مُلحّ عليها هناك أيضًا بمثل ذلك الوضوح وبمثل تلك القوّة.
«إذا أخطأ أحد وخان خيانةً بالربّ، وجحد صاحبه وديعةً أو أمانةً أو مسلوبًا، أو اغتصب من صاحبه، أو وجد لقطةً وجحدها، وحلف كاذبًا على شيء من كلّ ما يفعله الإنسان مخطئًا به، فإذا أخطأ وأذنب، يردّ المسلوب الذي سلبه، أو المغتصب الذي اغتصبه، أو الوديعة التي أُودعت عنده، أو اللقطة التي وجدها، أو كلّ ما حلف عليه كاذبًا. يعوّضه برأسه، ويزيد عليه خمسه. إلى الذي هو له يدفعه يوم ذبيحة إثمه».
والأمر عينه مكرَّر مرّةً أخرى في سفر العدد، حيث نقرأ: «وكلّم الربّ موسى قائلًا: قل لبني إسرائيل: إذا عمل رجل أو امرأة شيئًا من جميع خطايا الإنسان، وخان خيانةً بالربّ، فقد أذنبت تلك النفس. فلتُقرّ بخطيّتها التي عملت، وتردّ ما أذنبت به بعينه، وتزد عليه خمسه، وتدفعه للذي أذنبت إليه. وإن كان ليس للرجل وليّ ليردّ إليه المذنب به، فالمذنب به المردود يكون للربّ لأجل الكاهن، فضلًا عن كبش الكفّارة الذي يُكفّر به عنه».
فهذه هي الشرائع التي وضعها الله لشعبه، وإنّي لأومن أنّ مبدأها ملزم لنا اليوم بمثل ما كان ملزمًا لهم حينئذ. فإن كنّا قد أخذنا شيئًا من أحد من الناس، وإن كنّا قد احتلنا على أحد بوجه من الوجوه، فلا نكتفِ بأن نعترف بذلك فقط، بل لنعمل كلّ ما في وسعنا لنردّ ما أخذناه منه. وإن كنّا قد افترينا على أحد — إن كنّا قد أطلقنا عليه وشايةً أو خبرًا كاذبًا — فلنعمل كلّ ما في طاقتنا لننقض ذلك الظلم ونمحوه.
وإنّما في إشارة إلى برّ عمليّ من هذا القبيل يقول الله لنا في إشعياء: «ها إنّكم للخصومة والنزاع تصومون، ولتضربوا بلكمة الشرّ. لستم تصومون كاليوم لتسميع صوتكم في العلاء. أمثل هذا يكون صوم أختاره؟ يومًا يذلّل الإنسان فيه نفسه، يحني كالأسلة رأسه، ويفرش تحته مسحًا ورمادًا. هل تسمّي هذا صومًا ويومًا مقبولًا للربّ؟ أليس هذا صومًا أختاره: حلّ قيود الشرّ. فكّ عقد النير، وإطلاق المسحوقين أحرارًا، وقطع كلّ نير. أليس أن تكسر للجائع خبزك، وأن تُدخل المساكين التائهين إلى بيتك؟ إذا رأيت عريانًا أن تكسوه، وأن لا تتغاضى عن لحمك. حينئذ ينفجر مثل الصبح نورك، وتنبت صحّتك سريعًا، ويسير برّك أمامك، ومجد الربّ يجمع ساقتك. حينئذ تدعو فيجيب الربّ. تستغيث فيقول: هأنذا».
ويقول تراب في تعليقه على زكّا: «لقد استطاع السلطان سليم أن يقول لوزيره بيروس، وقد أشار عليه هذا أن ينفق الثروة العظيمة التي كان قد أخذها من تجّار الفرس على مستشفى كبير لإغاثة الفقراء، إنّ الله يُبغض السلب حين يُقدَّم له محرقةً. بل أمر التركيّ وهو يحتضر أن يُردّ المال إلى أصحابه الشرعيّين، وقد صُنع كذلك، فكان في ذلك خزي عظيم لكثير من المسيحيّين الذين ليس في أذهانهم شيء أقلّ من ردّ الحقوق. ولمّا أرسل هنري الثالث ملك إنكلترا إلى الرهبان الأصاغر حِملًا من الجوخ ليكتسوا به، ردّوه إليه بهذه الرسالة: «إنّه لا ينبغي له أن يتصدّق بما اغتصبه من الفقراء؛ ولا هم قابلون تلك العطيّة المكروهة». ويقول المعلّم لاتيمر: «إن أنتم لم تردّوا الأموال التي احتجزتموها، فستسعلون في الجحيم، وتضحك عليكم الشياطين». وأمّا هنري السابع، ففي وصيّته الأخيرة، بعد ترتيب أمر نفسه وجسده، أوصى وأمر بأن تُردّ كلّ الأموال التي جباها موظّفوه ظلمًا. وأمّا الملكة ماري فردّت كلّ الأوقاف الكنسيّة التي كان التاج قد استولى عليها، قائلةً إنّها تُقدّر خلاص نفسها هي أكثر ممّا تُقدّر عشر ممالك. وقد جاءت أيضًا في ذلك الحين براءة من البابا بأن يفعل الآخرون مثلها، فلم يفعل أحد. ويخبرنا لاتيمر أنّه في أوّل يوم وعظ فيه عن ردّ الحقوق، جاءه رجل وأعطاه 20 جنيهًا ليردّها إلى أصحابها؛ وفي اليوم التالي أحضر إليه رجل آخر 30 جنيهًا؛ وفي مرّة أخرى أعطاه رجل آخر 200 جنيه.
«وأمّا المعلّم برادفورد، فإذ سمع لاتيمر يعظ في ذلك الموضوع، انتخس في قلبه من أجل خطّ قلم واحد كان قد خطّه من غير علم سيّده، فما استراح قطّ حتّى ردّ الحقّ بمشورة المعلّم لاتيمر، وقد تخلّى في سبيل ذلك عن طيب خاطر عن كلّ ما كان له على الأرض من ميراث خاصّ مضمون. ويقول المعلّم بارو: «إنّي أنا نفسي عرفت رجلًا ما ظلم آخر إلّا في خمسة شلنات، وبعد خمسين سنة ما استطاع أن يستريح حتّى ردّها إليه»».
فإن كانت ثمّ توبة حقيقيّة فإنّها لا بدّ أن تأتي بثمر. فإن كنّا قد ظلمنا أحدًا من الناس، فلا ينبغي لنا البتّة أن نطلب إلى الله أن يغفر لنا حتّى نكون مستعدّين أن نردّ إليه الحقّ. فإن كنت أنا قد ظلمت إنسانًا ظلمًا عظيمًا وأنا قادر أن أُصلح ذلك الظلم، فلا حاجة بي أن أطلب من الله غفرانًا حتّى أكون مستعدًّا أن أصنع ذلك. هب أنّي أخذت شيئًا ليس هو لي. فإنّي لا أستطيع أن أرتجي غفرانًا حتّى أردّه إلى صاحبه. وإنّي لأذكر أنّي كنت أعظ مرّةً في مدينة من مدن الشرق، فجاءني في ختام الاجتماع رجل حسن الهيئة. وكان في ضيق شديد في نفسه. قال: «الحقيقة أنّي مختلس. لقد أخذت مالًا كان لمخدوميّ. فكيف أستطيع أن أصير مسيحيًّا من غير أن أردّه؟» فقلت له: «أعندك المال؟» فأخبرني أنّه ليس عنده كلّه. فقد كان قد أخذ نحو 1,500 دولار، ولا يزال عنده منها نحو 900. فقال: «أفلا أستطيع أن آخذ ذلك المال وأدخل به تجارةً، فأربح ما يكفي لأردّ لهم مالهم؟» فقلت له إنّ ذلك خديعة من الشيطان، وإنّه لا يستطيع أن يرتجي نجاحًا على مال مسروق؛ وإنّ عليه أن يردّ كلّ ما عنده، وأن يمضي إلى مخدوميه ويطلب إليهما أن يرحماه ويغفرا له. فقال: «ولكنّهما سيطرحانني في السجن. أفلا تستطيع أن تعينني بشيء؟» فقلت: «لا؛ لا بدّ أن تردّ المال قبل أن ترتجي أيّ عون من الله». فقال: «إنّ هذا لعسير». فقلت: «نعم، إنّه لعسير؛ ولكنّ الغلطة الكبرى كانت في ارتكاب الظلم أوّلًا». وقد صار حمله ثقيلًا عليه حتّى لم يعد يُطاق البتّة. فسلّمني المال — 950 دولارًا وبعض السنتات — وطلب إليّ أن أحمله إلى مخدوميه. فقصصت عليهما القصّة كلّها، وقلت لهما إنّه يريد منهما رحمةً لا عدلًا. فانحدر الدمع على خدّي هذين الرجلين، وقالا: «أنغفر له نحن؟ نعم، إنّنا لنفرح كلّ الفرح أن نغفر له». فنزلت أنا إلى أسفل وأصعدته إليهما. وبعد أن اعترف بذنبه أمامهما وغُفر له، جثونا كلّنا على ركبنا، وكان لنا هناك اجتماع صلاة مبارك. فقد لاقانا الله هناك وباركنا.
وكان لي صديق آخر قد أتى إلى المسيح، وكان يجتهد أن يكرّس نفسه وثروته كلّها لله. وقد كانت له من قبلُ معاملات مع الحكومة، وكان قد استغلّها لنفسه واحتال فيها. فعاد هذا الأمر إلى ذاكرته، وأخذ ضميره يزعجه ويؤرّقه. فجاهد جهادًا مرًّا شديدًا؛ وكان ضميره لا يفتأ يقوم عليه ويضربه. حتّى إذا كان آخر الأمر كتب شيكًا بمبلغ 1,500 دولار، وأرسله إلى خزانة الحكومة. وقد أخبرني بعد ذلك أنّه نال بركةً عظيمة بعد أن صنع ذلك. فذلك هو الإتيان بأثمار تليق بالتوبة. وإنّي لأومن أنّ كثيرين جدًّا من الناس يصرخون إلى الله طالبين نورًا؛ وهم لا ينالونه لأنّهم غير أمناء.
وجاء رجل إلى اجتماع من اجتماعاتنا، في الحين الذي مُسّ فيه هذا الموضوع. فومض في ذهنه ذكرُ معاملة غير أمينة كان قد عملها في الماضي. فرأى في الحال كيف أنّ صلواته لم تكن تُستجاب، بل كانت «ترجع إلى حضنه»، كما تقول عبارة الكتاب. فترك الاجتماع في حينه، وركب القطار، ومضى إلى مدينة بعيدة كان قد غشّ فيها مخدومه منذ سنين خلت. فقصد ذلك الرجل رأسًا، واعترف له بالظلم الذي صنعه، وعرض عليه أن يردّ إليه الحقّ. ثمّ تذكّر معاملةً أخرى كان قد قصّر فيها عن الوفاء بما كان مطلوبًا منه بالعدل؛ فرتّب في الحال أن يُدفع فيها مبلغ كبير. ثمّ رجع إلى المكان الذي كنّا نعقد فيه اجتماعاتنا، فباركه الله بركةً عجيبة في نفسه. وما لقيت منذ زمن طويل رجلًا بدا لي أنّه نال بركةً مثل تلك البركة.
ومنذ سنين خلت، في شمالي إنكلترا، جاءت امرأة إلى أحد الاجتماعات، وبدا عليها القلق الشديد على نفسها. وظلّت زمانًا من الوقت لا يبدو أنّها تقدر أن تنال سلامًا. والحقيقة أنّها كانت تستر أمرًا واحدًا لم تكن مستعدّة أن تعترف به. حتّى إذا صار الحمل عليها ثقيلًا جدًّا، قالت لإحدى العاملات: «إنّي لا أجثو على ركبتيّ لأصلّي قطّ، إلّا وتقوم أمام ذهني بضع قناني من الخمر». وقد تبيّن أنّها منذ سنين، حين كانت مدبّرةً لبيت من البيوت، أخذت بعض قناني خمر كانت لمخدومها. فقالت لها العاملة: «ولماذا لا تردّين إذًا هذا الحقّ؟» فأجابت المرأة أنّ الرجل قد مات منذ زمان؛ وأنّها فوق ذلك لا تعرف كم كانت قيمة تلك القناني. فقالت لها: «أفثمّ ورثة أحياء تستطيعين أن تردّي الحقّ إليهم؟» فقالت إنّ له ابنًا يقيم على مسافة ما من هناك؛ ولكنّها ظنّت أنّ ذلك أمر شديد الإذلال لها، فأمسكت عن ذلك زمانًا. حتّى إذا كان آخر الأمر أحسّت أنّه لا بدّ لها أن يكون ضميرها نقيًّا مهما كلّفها ذلك من ثمن، فركبت القطار، ومضت إلى المكان الذي يقيم فيه ابن مخدومها. وقد أخذت معها خمسة جنيهات، إذ لم تكن تعرف على وجه التحديد كم كانت قيمة تلك الخمر، ولكنّ ذلك المبلغ يغطّيها على كلّ حال. فقال لها الرجل إنّه لا يريد المال، فأجابته هي: «وأنا أيضًا لا أريده؛ فقد أحرق جيبي زمانًا طويلًا». فرضي أن يأخذ نصفه، وأن يعطيه لعمل من أعمال البرّ. ثمّ رجعت هي من هناك؛ وإنّي لأحسبها كانت من أسعد الخلائق الذين لقيتهم قطّ في حياتي. فقد قالت إنّها لا تدري أفي الجسد كانت أم خارج الجسد — من عظم البركة التي أتت إلى نفسها.
ولعلّ في حياتنا نحن شيئًا يحتاج إلى أن يُقوَّم ويُصلَح؛ شيئًا وقع لعلّه منذ عشرين سنة خلت، وقد نُسي كلّ النسيان حتّى جاء روح الله فذكّرنا به. فإن لم نكن مستعدّين أن نردّ الحقوق إلى أصحابها، فلا نستطيع أن نرتجي من الله بركةً عظيمة. ولعلّ ذلك هو السبب في أنّ كثيرًا جدًّا من صلواتنا لا يُستجاب.
التطهير الكامل
«من أراد أن يتطهّر من كلّ خطيّة،
فعليه أن يحمل إلى مذبح الله المقدّس
الحياة كلّها — أفراحها ودموعها،
وآمالها ومحبّاتها وقواها وسنيها،
والإرادة، وكلّ شيء عزيز عليه!
«وعليه أن يقدّم هذه الذبيحة الجارفة —
أن يختار الله، وأن يجترئ على العار والخزي،
وأن يقف بجرأة في العاصفة أو في اللهيب
لأجل ذاك الذي دفع ثمن الفداء؛
ثمّ يثق (لا أن يجاهد لكي يؤمن)،
وينتظر واثقًا، لا يشكّ، بل يصلّي
حتّى يقول له هو في وقته الصالح:
«إيمانك قد خلّصك؛ فالآن خذ».
«ووقته هو حين تحمل النفس الكلّ،
ويكون الكلّ قد وُضع على مذبحه؛
حين يُذبح الكبرياء والعُجب بالنفس،
وإذ نُصلب مع المسيح، نسقط
عاجزين على كلمته، ونستكين؛
حين نحسّ، ونحن أمناء لكلمته،
بلمسة التطهير، وبختم الروح،
ونعلم أنّه هو يقدّس».
أ. ت. آليس.