فصل 3 · قراءة 18 د
الاعتراف
وثمّ عنصر آخر من عناصر الصلاة الحقيقيّة، ألا وهو الاعتراف. ولستُ أريد لأصدقائي المسيحيّين أن يظنّوا أنّي إنّما أخاطب ههنا غير المخلَّصين وحدهم. فإنّي أحسب أنّ علينا نحن، معشر المسيحيّين، خطايا كثيرة ينبغي لنا أن نعترف بها.
فإن أنت رجعت إلى سجلّات الكتاب المقدّس ونظرت فيها، وجدت أنّ الرجال الذين عاشوا أقرب ما يكون إلى الله، وكانت لهم عنده أعظم قدرة وأعظم قوّة، إنّما هم أولئك الذين اعترفوا بخطاياهم وسقطاتهم. فدانيال، كما قد رأينا، اعترف بخطاياه هو وبخطايا شعبه معًا. ومع ذلك ليس ثمّ شيء واحد مسجَّل على دانيال في كلمة الله. لقد كان واحدًا من خيرة الرجال الذين كانوا على وجه الأرض في زمانه، ومع ذلك كان اعترافه بالخطيّة من أعمق ما سُجّل من الاعترافات وأشدّها اتّضاعًا. ويقول بروكس، وهو يشير إلى اعتراف دانيال هذا: «إنّ في هذه الكلمات سبعة أحوال يستعملها دانيال في اعترافه بخطاياه وخطايا شعبه؛ وهي كلّها لتفخيمها وتعظيم شأنها. فأوّلًا: «أخطأنا»؛ وثانيًا: «وأثمنا»؛ وثالثًا: «وعملنا الشرّ»؛ ورابعًا: «وتمرّدنا عليك»؛ وخامسًا: «وحِدنا عن وصاياك»؛ وسادسًا: «وما سمعنا من عبيدك الأنبياء»؛ وسابعًا: «ولا ملوكنا ولا رؤساؤنا ولا كلّ شعب الأرض». فهذه المفخّمات السبع التي يعدّها دانيال في اعترافه جديرة بأشدّ تأمّلنا وأعمقه».
ولا شكّ أنّ أيّوب كان رجلًا مقدّسًا، وأميرًا عظيمًا بين الناس، ومع ذلك كان لا بدّ له هو أيضًا أن يسقط في التراب ويعترف بخطاياه. وهكذا تجد الأمر في الكتاب المقدّس كلّه من أوّله إلى آخره. فلمّا رأى إشعياء طهارة الله وقداسته، أبصر نفسه هو على حقيقتها وفي نورها الصحيح، فصرخ قائلًا: «ويل لي! إنّي هلكت، لأنّي إنسان نجس الشفتين!»
وإنّي لأومن إيمانًا راسخًا أنّ كنيسة الله لا بدّ لها أن تعترف هي أوّلًا بخطاياها هي، قبل أن يكون ثمّ عمل عظيم من أعمال النعمة. فلا بدّ من عمل أعمق ممّا نراه بين شعب الله المؤمنين. وإنّي لأظنّ أحيانًا أنّه قد آن الأوان لأن نكفّ عن الوعظ للفجّار، وأن نعظ أولئك الذين يُقرّون بأنّهم مسيحيّون. فلو كان لنا في كنيسة الله مستوى من الحياة أعلى ممّا هو لنا الآن، لتدفّقت ألوف مؤلّفة من الناس إلى الملكوت. وهكذا كان الأمر في الماضي على الدوام؛ فلمّا رجع أولاد الله المؤمنون عن خطاياهم وعن أصنامهم، وقع خوف الله على الشعوب التي كانت حولهم. فخذ أنت تاريخ إسرائيل بين يديك، تجد أنّهم متى نزعوا عنهم آلهتهم الغريبة، افتقد الله الأمّة كلّها، وجاء عمل عظيم من أعمال النعمة.
وإنّما حاجتنا في هذه الأيّام إنّما هي إلى نهضة حقيقيّة عميقة في كنيسة الله. وليس لي كثير عطف على تلك الفكرة القائلة إنّ الله سيبلغ الجماهير بكنيسة باردة رسميّة. فإنّ دينونة الله لا بدّ أن تبتدئ منّا نحن أوّلًا. وأنت تلاحظ أنّ دانيال، حين نال ذلك الجواب العجيب على الصلاة المسجَّل لنا في الأصحاح التاسع، إنّما كان في تلك الساعة يعترف بخطيّته. وذلك الأصحاح هو واحد من أحسن الأصحاحات في الصلاة في الكتاب المقدّس كلّه.
ونقرأ: «وبينما أنا أتكلّم وأصلّي وأعترف بخطيّتي وخطيّة شعبي إسرائيل، وأطرح تضرّعي أمام الربّ إلهي عن جبل قدس إلهي، وأنا متكلّم بعدُ بالصلاة، إذا بالرجل جبرائيل الذي رأيته في الرؤيا في الابتداء مطارًا واغفًا لمسني عند وقت تقدمة المساء. وفهّمني وتكلّم معي وقال: يا دانيال، إنّي خرجت الآن لأعلّمك الفهم».
وهكذا أيضًا، لمّا كان أيّوب يعترف بخطيّته، ردّ الله سبيه واستجاب صلاته. وسيسمع الله صلاتنا نحن ويردّ سبينا نحن أيضًا، متى أخذنا مكاننا الحقيقيّ أمامه، واعترفنا بمعاصينا وتركناها. وإنّما لمّا صرخ إشعياء أمام الربّ قائلًا: «إنّي هلكت!» جاءت البركة عليه؛ فأُخذت الجمرة الحيّة من على المذبح ووُضعت على شفتيه؛ ثمّ خرج من هناك فكتب واحدًا من أعجب الأسفار التي رآها هذا العالم قطّ إلى اليوم. فيا لها من بركة عظيمة كانت تلك للكنيسة كلّها!
وإنّما لمّا قال داود تلك الكلمة: «قد أخطأت إلى الربّ!» عامله الله عند ذلك بالرحمة. وهو نفسه يقول: «أعترف لك بخطيّتي ولا أكتم إثمي. قلت: أعترف للربّ بذنبي، وأنت رفعت آثام خطيّتي». ولاحظ أنت كيف صنع داود اعترافًا شبيهًا جدًّا باعتراف الابن الضالّ الذي في الأصحاح الخامس عشر من لوقا: «لأنّي عارف بمعاصيّ، وخطيّتي أمامي دائمًا. إليك وحدك أخطأت، والشرّ قدّام عينيك صنعت!» فما من فرق البتّة بين الملك على عرشه وبين الشحّاذ على بابه، متى دخل روح الله إلى القلب وبكّته على الخطيّة.
ويقول ريتشارد سِبس عن الاعتراف قولًا طريفًا: «هذه هي السبيل الوحيدة إلى إعطاء المجد لله: أن نبسط نفوسنا كلّها مكشوفةً أمام الله، وأن نُلقي على أنفسنا من التهمة مثل ما يستطيع إبليس نفسه أن يُلقيه علينا في ذلك الباب؛ فلنفكّر قليلًا ماذا عسى إبليس أن يشتكي به علينا في ساعة الموت وفي يوم الدينونة. إنّه يشتكي علينا بهذا وبذاك اشتكاءً شديدًا — فلنشتكِ نحن على أنفسنا كما يشتكي هو علينا، وكما سيشتكي هو عن قريب. فكلّما ازددنا اشتكاءً على أنفسنا ودينونةً لها، وأقمنا في قلوبنا كرسيّ قضاء، أعقب ذلك يقينًا راحة لا تكاد تُصدَّق. لقد طُرح يونان في البحر، فكانت للسفينة حينئذ راحة؛ ورُجم عخان بالحجارة، فامتنعت الضربة عن الشعب. فأخرِج يونان، وأخرِج عخان؛ يعقب ذلك في الحال راحة وهدوء في النفس. وسينال الضمير راحةً عجيبةً.
«ولا بدّ أن يكون الأمر كذلك؛ فإنّ الله متى أُكرم تطهّر الضمير. والله يُكرَم بالاعتراف بالخطيّة من كلّ وجه. فالاعتراف يُكرم علمه بكلّ شيء، ويُكرم أنّه هو الرائي كلّ شيء؛ وأنّه يرى خطايانا كلّها ويفحص قلوبنا — فما من أسرارنا شيء واحد مخفيّ عنه. وهو يُكرم قدرته أيضًا. فما الذي يحملنا على الاعتراف بخطايانا إلّا أنّنا نخاف قدرته، مخافة أن يُنفّذها هو فينا؟ وما الذي يحملنا على الاعتراف بخطايانا إلّا أنّنا نعلم أنّ عنده رحمةً لكي يُخاف، وأنّ عنده غفرانًا للخطيّة متى أتينا إليه؟ ولولا ذلك ما اعترفنا بخطايانا البتّة. فالأمر عند الناس: اعترِف فتُنفَّذ فيك العقوبة؛ وأمّا عند الله فـ: اعترِف فتنل الرحمة. وذلك هو إعلانه هو. فما كنّا لنبسط خطايانا مكشوفةً إلّا طلبًا للرحمة. فبهذا كلّه يُكرَم الله؛ ومتى أُكرم هو، أكرم النفس هي أيضًا بسلام باطنيّ وطمأنينة».
ويقول توماس فولر القديم: «إنّ إقرار الإنسان بضعفه هو الأصل الوحيد الذي يستطيع الله أن يُطعّم عليه نعمة معونته له».
فالاعتراف إنّما يتضمّن الاتّضاع، والاتّضاع في عينَي الله ثمين جدًّا.
ذهب فلّاح مع ابنه إلى حقل من حقول الحنطة، لينظرا هل نضج بعدُ للحصاد. فصاح الغلام: «انظر يا أبي، ما أشدّ استقامة هذه السيقان وهي رافعة رؤوسها! لا بدّ أن تكون هي الأجود. وأمّا تلك المنكّسة رؤوسها فإنّي على يقين من أنّها لا تصلح لشيء كثير». فقطف الفلّاح ساقًا واحدة من كلّ صنف من الصنفين وقال له: «انظر ههنا يا ولدي الأحمق! هذه الساق التي وقفت مستقيمةً هكذا إنّما هي فارغة الرأس، ولا تكاد تصلح لشيء؛ وأمّا هذه التي نكّست رأسها في تواضع، فهي مملوءة بأجمل الحبّ».
والصراحة أمر لازم قويّ الأثر، مع الله ومع الناس جميعًا. فنحن محتاجون إلى أن نكون أمناء صرحاء مع أنفسنا نحن. قال جنديّ من الجنود في اجتماع من اجتماعات النهضة: «يا رفاقي الجنود، إنّي لست هائجًا؛ إنّي مقتنع — وهذا كلّ ما في الأمر. إنّي أشعر أنّه ينبغي لي أن أكون مسيحيًّا؛ وأنّه ينبغي لي أن أقول ذلك، وأن أخبركم به، وأن أطلب إليكم أن تأتوا معي؛ والآن، إن كانت ثمّ دعوة للخطاة الطالبين المسيح أن يتقدّموا، فإنّي واحد ممّن سيمضون — لا استعراضًا، فما عندي شيء أستعرضه سوى الخطيّة. ولستُ أمضي لأنّي أشتهي أن أمضي — بل إنّي لأوثر أن أبقى في مقعدي؛ ولكنّ مضيّي هو قول الحقّ. ينبغي لي أن أكون مسيحيًّا، وأنا أريد أن أكون مسيحيًّا؛ والتقدّم إلى الأمام لأجل الصلاة إنّما هو قول الحقّ في هذا الأمر». فمضى معه أكثر من عشرين رجلًا.
وفي كلامه على قول فرعون: «صلّيا إلى الربّ ليرفع الضفادع عنّي»، يقول السيّد سبرجن: «إنّ في تلك الصلاة عيبًا قاتلًا ظاهرًا كلّ الظهور. فليس فيها اعتراف بالخطيّة. فهو لا يقول: قد تمرّدت أنا على الربّ؛ فتضرّعا إليه لعلّي أجد عنده غفرانًا! لا شيء من هذا القبيل البتّة؛ بل هو يحبّ الخطيّة كما كان يحبّها من قبل. والصلاة التي بلا ندامة صلاة بلا قبول. فإن لم تسقط عليها دمعة واحدة فهي ذابلة. فلا بدّ لك أنت أن تأتي إلى الله خاطئًا بواسطة مخلّص، ولا سبيل لك غير ذلك السبيل. فمن يأتي إلى الله كالفرّيسيّ قائلًا: «اللهمّ أنا أشكرك أنّي لست مثل باقي الناس»، فإنّه لا يقترب إلى الله البتّة؛ وأمّا من يصرخ: «اللهمّ ارحمني، أنا الخاطئ»، فقد أتى إلى الله بالطريق الذي عيّنه الله هو نفسه. فلا بدّ من اعتراف بالخطيّة أمام الله، وإلّا كانت صلاتنا معيبة».
فإن كان هذا الاعتراف بالخطيّة عميقًا بين المؤمنين، فإنّه سيكون كذلك بين الفجّار أنفسهم أيضًا. وما رأيت هذا الأمر يُخفق مرّةً واحدة قطّ في حياتي. وإنّي الآن لمشتاق كلّ الاشتياق إلى أن يُحيي الله عمله في قلوب أولاده، حتّى نرى نحن خطيّة الخطيّة الفائقة ونحسّ بها. فثمّ كثير جدًّا من الآباء والأمّهات مشتاقون إلى تجديد أولادهم. وقد أتاني في أسبوع واحد ما لا يقلّ عن خمسين رسالة من والدين يعجبون ويتساءلون لماذا لا يخلص أولادهم، ويطلبون منّي أن أصلّي أنا لأجلهم. وإنّي لأجرؤ أن أقول إنّ الذنب في الغالب الأعمّ إنّما هو عند بابنا نحن. فلعلّ في حياتنا نحن شيئًا هو الذي يقف لنا في الطريق. ولعلّ ثمّ خطيّة خفيّة هي التي تحبس البركة عنّا وعن أولادنا. فقد عاش داود في تلك الخطيّة المروّعة التي سقط فيها شهورًا كثيرة قبل أن يظهر له ناثان. فلنطلب إلى الله أن يأتي إلى قلوبنا، وأن يجعلنا نحسّ بقوّته. فإن كانت العين اليمنى هي العلّة فلنقلعها؛ وإن كانت اليد اليمنى فلنقطعها ونلقها عنّا؛ لكي تكون لنا قدرة مع الله ومع الناس جميعًا.
ولماذا يهيم كثيرون من أولادنا على وجوههم في حانات الشراب، وينجرفون إلى الإلحاد — نازلين إلى قبر مهان؟ يخيَّل إليّ أنّ في مسيحيّة هذا الزمان الحاضر قوّةً ضئيلة جدًّا. فكثيرون جدًّا من الوالدين الأتقياء يجدون أولادهم قد ضلّوا عن الطريق وهاموا. أفلا يكون منشأ ذلك خطيّةً خفيّة متعلّقة بالقلب لم تُنزع بعدُ؟ وثمّ موضع من كلمة الله كثيرًا ما يُقتبس على ألسنة الناس، ولكنّ الذين يقتبسونه يقفون في تسع وتسعين حالة من مئة عند الموضع الخطأ. فنحن نقرأ في الأصحاح التاسع والخمسين من إشعياء: «ها إنّ يد الربّ لم تقصر عن أن تخلّص، ولم تثقل أذنه عن أن تسمع». وههنا يقفون ولا يزيدون. ونعم، إنّ يد الله لم تقصر البتّة، وأذنه لم تثقل؛ ولكن كان ينبغي لنا أن نقرأ العدد الذي يليه أيضًا: «بل آثامكم صارت فاصلة بينكم وبين إلهكم، وخطاياكم سترت وجهه عنكم حتّى لا يسمع. لأنّ أيديكم قد تنجّست بالدم، وأصابعكم بالإثم. شفاهكم تكلّمت بالكذب، ولسانكم يلهج بالشرّ». وكما يقول متّى هنري: «إنّما كان ذلك راجعًا إليهم هم أنفسهم — فقد وقفوا هم في نور أنفسهم، وأغلقوا بابهم بأيديهم. لقد كان الله مقبلًا إليهم في طريق الرحمة، فعاقوه هم عنهم وردّوه. آثامكم منعت عنكم الخيرات.»
ولنذكر جيّدًا هذا الأمر: أنّنا إن كنّا نراعي إثمًا في قلوبنا، أو كنّا نحيا على مجرّد إقرار فارغ باللسان، فليس لنا حقّ البتّة في أن نرتجي أن تُستجاب صلواتنا. فليس لنا وعد واحد منفرد من كلّ مواعيد الله في كتابه. وإنّي لأرتعد أحيانًا حين أسمع الناس يقتبسون المواعيد ويقولون إنّ الله ملزَم أن يتمّم لهم تلك المواعيد، وفي حياتهم هم طول ذلك الوقت كلّه شيء واحد ليسوا مستعدّين أن يتخلّوا عنه. فحسنٌ بنا نحن أن نفحص قلوبنا، وأن نجد لماذا لا تُستجاب صلواتنا.
وثمّ موضع مهيب جدًّا نقرأه في إشعياء:
«اسمعوا كلام الربّ يا قضاة سدوم! أصغوا إلى شريعة إلهنا يا شعب عمورة: لماذا لي كثرة ذبائحكم، يقول الربّ. اتّخمت من محرقات كباش وشحم مسمّنات، وبدم عجول وخرفان وتيوس ما أُسرّ. حينما تأتون لتظهروا أمامي، من طلب هذا من أيديكم أن تدوسوا دوري؟ لا تعودوا تأتون بتقدمة باطلة. البخور هو مكرهة لي. رأس الشهر والسبت ونداء المحفل. لست أطيق الإثم والاعتكاف».
«لست أطيق الإثم والاعتكاف!» — فكّر أنت في ذلك. فإن كان الله لا ينال خدمة قلوبنا نحن، فهو لا يريد منها شيئًا البتّة؛ بل هي عنده مكرهة.
«رؤوس شهوركم وأعيادكم بغضتها نفسي. صارت عليّ ثقلًا. مللت حملها. فحين تبسطون أيديكم أستر عينيّ عنكم، وإن كثّرتم الصلاة لا أسمع. أيديكم ملآنة دمًا. اغتسلوا. تنقّوا. اعزلوا شرّ أفعالكم من أمام عينيّ. كفّوا عن فعل الشرّ. تعلّموا فعل الخير. اطلبوا الحقّ. انصفوا المظلوم. اقضوا لليتيم. حاموا عن الأرملة. هلمّ نتحاجج، يقول الربّ. إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيضّ كالثلج. إن كانت حمراء كالدودي تصير كالصوف».
ونقرأ أيضًا في الأمثال: «من يحوّل أذنه عن سماع الشريعة، فصلاته أيضًا مكرهة». فكّر أنت في ذلك! لعلّه يهول بعضنا أن يفكّر في أنّ صلواتنا هي مكرهة عند الله، ولكن إن كان أحد منّا يحيا في خطيّة هو يعرفها، فهذا هو بعينه ما تقوله كلمة الله عنه. فإن لم نكن مستعدّين أن نرجع عن الخطيّة وأن نطيع شريعة الله، فليس لنا حقّ في أن نرتجي أن يستجيب هو صلواتنا. فالخطيّة التي لم يُعترف بها خطيّة لم تُغفر، والخطيّة التي لم تُغفر هي أحلك شيء وأقذره على هذه الأرض التي حلّت عليها لعنة الخطيّة. ولن تجد في الكتاب المقدّس كلّه حالة واحدة كان فيها إنسان أمينًا في معاملة خطيّته، إلّا وكان الله هو أيضًا أمينًا معه وباركه. فصلاة القلب المتّضع المنسحق إنّما هي لذّة عند الله. فما من صوت يصعد من هذه الأرض الملعونة بالخطيّة أعذب في أذنه من صلاة الرجل السالك بالاستقامة.
ودعني ألفت نظرك إلى تلك الصلاة الأخرى التي صلّاها داود، إذ يقول: «اختبرني يا الله واعرف قلبي. امتحنّي واعرف أفكاري. وانظر إن كان فيّ طريق باطل، واهدني طريقًا أبديًّا!» ووددت لو أنّ قرّائي جميعًا يحفظون هذه الأعداد عن ظهر قلب. فلو أنّنا كلّنا رفعنا هذه الصلاة بأمانة مرّةً واحدة في كلّ يوم، لتغيّر في حياتنا شيء كثير جدًّا. «اختبرني أنا» — لا جاري ولا قريبي. فما أسهل علينا أن نصلّي لأجل غيرنا من الناس، وما أصعب علينا أن نصل إلى أنفسنا نحن! وإنّي لأخشى أنّنا نحن المشغولين في عمل الربّ كثيرًا ما نكون في خطر إهمال كرمنا نحن. ففي هذا المزمور وصل داود إلى نفسه هو أخيرًا. وثمّ فرق عظيم بين أن يفحصني الله وبين أن أفحص أنا نفسي بنفسي. فقد أفحص أنا قلبي فأحكم عليه أنّه سليم كلّه، ولكنّ الله متى فحصني هو بسراج موقد، ظهرت أشياء كثيرة لعلّي ما كنت أعلم عنها شيئًا قطّ.
«امتحنّي.» لقد امتُحن داود حين رفع عينيه عن إله أبيه إبراهيم فسقط. «اعرف أفكاري.» فإنّ الله إنّما ينظر إلى الأفكار نفسها. أفأفكارنا نحن طاهرة نقيّة؟ أفي قلوبنا أفكار على الله أو على شعبه — أو على أحد من الناس في هذه الدنيا؟ فإن كان فينا شيء من ذلك فلسنا مستقيمين في عينَي الله. آه، ليت الله يفحصنا، كلّ واحد منّا واحدًا واحدًا! ولستُ أعرف صلاةً هي أفضل من صلاة داود هذه نرفعها إليه. ومن أشدّ ما في تاريخ الكتاب المقدّس هيبةً أنّ رجالًا قدّيسين — هم خير منّا نحن — لمّا جُرّبوا وامتُحنوا، وُجدوا في ضعف الماء بعيدًا عن الله.
فلنتيقّن نحن أنّنا على الصواب. ولإسحاق أمبروز، في كتابه الذي وضعه عن «امتحان النفس»، هذه الكلمات المركّزة النافذة: «لنطرح على قلوبنا بين الحين والحين هذين السؤالين: أوّلًا: «أيّها القلب، كيف حالك؟» — كلمات قليلة، ولكنّه سؤال جدّيّ جدًّا. وأنت تعلم أنّ هذا هو أوّل سؤال وأوّل تحيّة نستعملها بعضنا مع بعض: كيف حالك؟ فليت الله أنّنا نكلّم قلوبنا هكذا أحيانًا: «أيّها القلب، كيف حالك؟ كيف الأمر معك، من جهة حالك الروحيّة؟» وثانيًا: «أيّها القلب، ماذا أنت فاعل؟» أو: «أيّها القلب، ماذا تظنّ سيصير إليه أمرك وأمري؟» — كما قال ذلك الرومانيّ وهو يحتضر: «أيّتها النفس المسكينة الشقيّة البائسة، إلى أين أنت وأنا ذاهبان — وماذا يصير إليك أمرك حين نفترق أنا وأنت؟»
«وهذا الأمر عينه إنّما يطرحه موسى على إسرائيل، وإن كان قد طرحه بألفاظ أخرى: «لو عقلوا لفطنوا بهذه وتأمّلوا آخرتهم!» — فيا ليتنا نحن نطرح هذا السؤال على قلوبنا طرحًا دائمًا لا ينقطع، لتتأمّله هي وتتحاجّ فيه! «تكلّموا في قلوبكم»، قال داود؛ أي حاجّوا قلوبكم في الأمر إلى أقصى غاية. فلتُحاصَر قلوبكم في هذه المحاجّة حتّى تنطق بما في أعمق أعماقها. تكلّموا — أو عقدوا محادثة جدّيّة، ومعرفةً واضحةً وأُلفة — مع قلوبكم أنتم».
وكان هذا اعتراف رجل إلهيّ، وقد أحسّ بتقصيره في هذا الأمر، ولا سيّما بصعوبة هذا الواجب: «لقد عشت»، قال، «أربعين سنة ونيّفًا، وحملت قلبي في صدري هذه المدّة كلّها، ومع ذلك فأنا وقلبي غريبان أحدنا عن الآخر غربةً تامّة، لا يعرف أحدنا الآخر البتّة، كأنّنا ما التقينا مرّةً قطّ. بل إنّي لا أعرف قلبي؛ لقد نسيت قلبي. واحسرتاه! واحسرتاه! ليتني أحزن من صميم قلبي، لأنّ قلبي المسكين وأنا قد كنّا هكذا لا يعرف أحدنا صاحبه! لقد سقطنا في عصر أثينيّ، ننفق أوقاتنا في لا شيء أكثر ممّا ننفقها في نقل الأخبار وسماعها. كيف تسير الأمور ههنا؟ وكيف هناك؟ وكيف في هذا المكان؟ وكيف في ذاك؟ ولكن من ذا الذي يسأل: كيف الأمور مع قلبي المسكين؟ فزِن أنت في ميزان تأمّل جدّيّ كم من الوقت أنفقنا نحن في هذا الواجب، وكم أنفقنا منه في غيره؛ ومقابل مئات الساعات أو الأيّام التي ندين بها لقلوبنا في هذا الواجب، أفنستطيع أن نكتب خمسين؟ أو حيث كان ينبغي أن تكون خمسون آنيةً مملوءة من هذا الواجب، أفنجد عشرين أو عشرة؟ آه، كم من الأيّام والشهور والسنين نبذلها نحن للخطيّة وللباطل ولشؤون هذه الدنيا، ونحن مع ذلك لا نمنح دقيقةً واحدة لمحادثة قلوبنا في أمرها ونظرها!»
فإن كان في حياتنا شيء واحد معوجّ، فلنطلب إلى الله أن يُرينا إيّاه ويكشفه لنا. أكنّا نحن أنانيّين؟ أكنّا أشدّ غيرةً على سمعتنا نحن منّا على كرامة الله؟ لقد ظنّ إيليّا أنّه غيور جدًّا على كرامة الله؛ ولكن تبيّن في آخر الأمر أنّها كانت كرامته هو بعينها — فالذات كانت في الحقيقة هي أصل الأمر كلّه وقراره. وإنّي لأحسب أنّ من أحزن ما لقيه المسيح في تلاميذه في أيّام جسده إنّما هو هذا الأمر عينه؛ فقد كان بينهم جدال متّصل لا ينقطع من هو الأعظم فيهم، عوض أن يأخذ كلّ واحد منهم أوضع مكان ويكون أصغر الكلّ في تقدير نفسه.
ودليلنا على ذلك أنّه «جاء إلى كفرناحوم. وإذ كان في البيت سألهم: بماذا كنتم تتكالمون فيما بينكم في الطريق؟ فسكتوا، لأنّهم تحاجّوا في الطريق بعضهم مع بعض في من هو أعظم. فجلس ونادى الاثني عشر وقال لهم: إذا أراد أحد أن يكون أوّلًا فيكون آخر الكلّ وخادمًا للكلّ. فأخذ ولدًا وأقامه في وسطهم ثمّ احتضنه وقال لهم: من قبل واحدًا من أولاد مثل هذا باسمي يقبلني، ومن قبلني فليس يقبلني أنا بل الذي أرسلني».
وبعد ذلك بقليل «تقدّم إليه يعقوب ويوحنّا ابنا زبدي قائلين: يا معلّم، نريد أن تفعل لنا كلّ ما طلبنا. فقال لهما: ماذا تريدان أن أفعل لكما؟ فقالا له: أعطنا أن نجلس واحد عن يمينك والآخر عن يسارك في مجدك. فقال لهما يسوع: لستما تعلمان ما تطلبان. أتستطيعان أن تشربا الكأس التي أشربها أنا، وأن تصطبغا بالصبغة التي أصطبغ بها أنا؟ فقالا له: نستطيع. فقال لهما يسوع: أمّا الكأس التي أشربها أنا فتشربانها، وبالصبغة التي أصطبغ بها أنا تصطبغان. وأمّا الجلوس عن يميني وعن يساري فليس لي أن أعطيه إلّا للذين أُعدّ لهم. ولمّا سمع العشرة ابتدأوا يغتاظون من أجل يعقوب ويوحنّا. فدعاهم يسوع وقال لهم: أنتم تعلمون أنّ الذين يُحسبون رؤساء الأمم يسودونهم، وأنّ عظماءهم يتسلّطون عليهم. فلا يكون هكذا فيكم. بل من أراد أن يصير فيكم عظيمًا، يكون لكم خادمًا، ومن أراد أن يصير فيكم أوّلًا، يكون للجميع عبدًا. لأنّ ابن الإنسان أيضًا لم يأتِ لِيُخدَم بل لِيَخدِم وليبذل نفسه فديةً عن كثيرين».
وهذه الكلمات الأخيرة إنّما قيلت في السنة الثالثة من خدمته. ثلاث سنين كاملة كان التلاميذ فيها معه في كلّ حين؛ وقد أصغوا إلى تلك الكلمات التي كانت تسقط من شفتيه؛ ومع ذلك كلّه أخفقوا في تعلّم درس الاتّضاع هذا. وإنّ أشدّ ما جرى بين الاثني عشر المختارين إذلالًا لهم إنّما وقع في تلك الليلة، ليلة تسليم ربّنا، حين باعه يهوذا وأنكره بطرس. فإن كان ثمّ موضع واحد كان ينبغي أن تغيب فيه هذه الأفكار كلّها، فهو مائدة العشاء. ومع ذلك نجد أنّ المسيح، حين رسم ذلك التذكار المبارك، كان بين تلاميذه جدال قائم من هو الأعظم فيهم. فكّر أنت في ذلك! — تحت الصليب نفسه، والسيّد «حزين جدًّا حتّى الموت»؛ وقد كان يذوق بالفعل مرارة الجلجثة، وأهوال تلك الساعة المظلمة تتجمّع كلّها على نفسه.
وإنّي لأحسب أنّ الله لو فحصنا نحن، لوجدنا في حياتنا أشياء كثيرة ينبغي لنا أن نعترف بها. فلو جُرّبنا وامتُحنّا بشريعة الله، لكانت ثمّ أشياء كثيرة جدًّا لا بدّ لها أن تتغيّر. وإنّي أسأل ثانيةً: أنحن أنانيّون أم نحن غيورون؟ أنحن مستعدّون أن نسمع أنّ غيرنا يستعملهم الله أكثر ممّا يستعملنا نحن؟ أيرضى إخوتنا الميثوديّون أن يسمعوا بنهضة عظيمة في عمل الله بين المعمدانيّين؟ أتبتهج نفوسهم فرحًا إذ يسمعون أنّ تلك المساعي قد باركها الله؟ وهل يرضى المعمدانيّون أن يسمعوا بإحياء عمل الله في الكنائس الميثوديّة أو الجماعيّة أو في غيرها؟ فإن كنّا مملوئين من روح الضيق والحزبيّة والشيعيّة، فثمّ أشياء كثيرة ينبغي لنا أن نطرحها جانبًا. فلنطلب إلى الله أن يفحصنا، وأن يمتحنّا، وأن ينظر إن كان فينا طريق باطل. فإن كان أولئك الرجال القدّيسون الصالحون قد أحسّوا هم أنفسهم أنّ فيهم عيبًا، أفلا ينبغي لنا نحن أن نرتعد، وأن نجتهد لنجد هل في حياتنا شيء واحد يريد الله منّا أن نتخلّص منه؟
ومرّةً أخرى، دعني ألفت نظرك إلى صلاة داود تلك التي في المزمور الحادي والخمسين. فقد أخبرني صديق لي منذ سنين خلت أنّه كان يكرّر هذه الصلاة على أنّها صلاته هو في كلّ أسبوع. وإنّي لأحسب أنّه لأمر حسن جدًّا أن نرفع نحن أيضًا هذه الطلبات مرارًا كثيرة؛ فلتصعد من قلوبنا رأسًا إليه هو. فإن كنّا قد تكبّرنا، أو حَرِدنا، أو قصّرنا في الأناة، أفلا نعترف بذلك في الحال؟ أوَما آن لنا أن نبدأ من بيوتنا نحن، وأن نقيم حياتنا على استقامة؟ فانظر أنت حينئذ كم يُسرع الفجّار إلى السؤال عن طريق الحياة! فلْيُرتّب من كان منّا والدًا بيته هو ترتيبًا، ولْيمتلئ هو من روح المسيح؛ فما يطول الأمر بنا حتّى يسأل أولادنا ماذا يصنعون لينالوا ذلك الروح عينه. وإنّي لأومن أنّ الكنيسة المسيحيّة اليوم، بفتورها ورسميّتها، تصنع من الملحدين أكثر ممّا صنعته كلّ الكتب التي كتبها الملحدون قطّ. فلستُ أخاف من محاضرات الملحدين نصف ما أخاف من تلك الرسميّة الباردة الميتة في الكنيسة المُقرّة في هذا الزمان. فاجتماع صلاة واحد كذلك الاجتماع الذي كان للتلاميذ في يوم الخمسين يكفي أن يزعزع جماعة الملحدين كلّها.
وإنّما حاجتنا الحقيقيّة هي أن نمسك بالله نفسه في الصلاة وأن نتعلّق به. فلستَ أنت ببالغ الجماهير بالمواعظ العظيمة مهما بلغت من العظمة. إنّما نريد نحن أن «نحرّك تلك الذراع التي تحرّك العالم». ولكي نصنع ذلك لا بدّ لنا أن نكون أنقياء مستقيمين أمام الله. «لأنّه إن لامتنا قلوبنا فالله أعظم من قلوبنا، ويعلم كلّ شيء. أيّها الأحبّاء، إن لم تلمنا قلوبنا، فلنا ثقة من نحو الله. ومهما سألنا ننال منه، لأنّنا نحفظ وصاياه، ونعمل الأعمال المرضيّة أمامه».
الاعتراف
«لا، لست آتيًا إليك
وأنا يائس؛
لا، لست أحني الركبة
وأنا غير واثق؛
قد طمَتِ الخطيّة عليّ،
ومع ذلك تبقى هذه حجّتي:
أنّ يسوع قد مات.
«آهِ، إنّ إثمي
قد كان قرمزيًّا؛
لا حدّ له، لا حدّ له،
خطيّةً فوق خطيّة؛
خطيّةَ أنّي لم أحبّك،
خطيّةَ أنّي لم أثق بك.
خطيّةً لا حدّ لها.
«يا ربّ، إنّي أعترف لك
بخطيّتي في حزن؛
كلّ ما أنا عليه أخبرك به،
وكلّ ما قد كنته.
طهّر أنت خطيّتي عنّي،
واغسل أنت نفسي هذا اليوم؛
يا ربّ، اجعلني نقيًّا!»
— الدكتور هـ. بونار.