فصل 2 · قراءة 6 د

التعظيم

وقد عُرِّف التعظيم بأنّه فعل إسداء الإكرام الإلهيّ لله، وهو يتضمّن في ذاته الخشوع والإجلال والمحبّة جميعًا. ومعناه في أصل اللغة أن يضع الإنسان يده على فمه، أي «أن يُقبّل يده»؛ وذلك في بلاد الشرق واحد من أعظم علامات الاحترام والخضوع. وإنّ أهمّيّة المجيء أمام الله بهذه الروح لَعظيمة جدًّا، ولهذا السبب عينه تُلحّ بها علينا كلمة الله هذا الإلحاح المتكرّر.

ويقول القسّ نيومان هول، في كتابه على الصلاة الربّانيّة: «إنّ عبادة الإنسان، متى كانت بمعزل عن الإعلان الإلهيّ، قد اتّسمت على الدوام وفي كلّ مكان بالأنانيّة. فنحن نأتي إلى الله إمّا لنشكره على إحسانات قد نلناها منه من قبلُ، وإمّا لنستجديه إحسانات أخرى بعدُ: طعامًا، ولباسًا، وصحّةً، وأمانًا، وراحة. وإنّنا، كيعقوب في بيت إيل، نميل إلى أن نجعل العبادة التي نرفعها إلى الله موازيةً ومقابلةً لـ«خبزٍ لآكل وثيابٍ لألبس». وهذا الضرب من الطلب، الذي فيه تتقدّم الذات في العادة وتغلب على ابتهالاتنا، إن لم تبتلعها كلّها ابتلاعًا تامًّا، لا يُرى في عبّاد الأنظمة الباطلة وحدهم، بل يُرى أيضًا في أكثر صلوات الذين يُدعَون مسيحيّين ويُقرّون بالمسيحيّة. فصلواتنا شبيهة بفرسان الفرثيّين، أولئك الذين يركضون في جهة وهم ينظرون في جهة أخرى؛ فنحن نبدو ماضين نحو الله، ولكنّنا في الحقيقة إنّما نرتدّ منعكسين على أنفسنا. ولعلّ هذا هو السبب في أنّ صلواتنا كثيرًا ما تُرسَل، كما أُرسل الغراب من فُلك نوح، فلا ترجع إلينا البتّة. وأمّا متى جعلنا مجد الله هو الغاية الأولى من تعبّدنا، فإنّها تخرج كما خرجت الحمامة، وترجع إلينا ثانيةً وفي فمها غصن زيتون».

ودعني أُحيلك إلى موضع من مواضع نبوّات دانيال. فقد كان دانيال واحدًا من أولئك الرجال الذين عرفوا كيف يصلّون حقًّا؛ وصلاته هي التي جلبت بركة السماء عليه هو وعلى شعبه معًا. وهو يقول: «فوجّهت وجهي إلى الله السيّد طالبًا بالصلاة والتضرّعات، بالصوم والمسح والرماد. وصلّيت إلى الربّ إلهي واعترفت وقلت: أيّها الربّ الإله العظيم المهوب، حافظ العهد والرحمة لمحبّيه وحافظي وصاياه!»

والفكر الذي أودّ أن ألفت النظر إليه لفتًا خاصًّا إنّما تحمله هذه الكلمات: «أيّها الربّ الإله العظيم المهوب!» لقد أخذ دانيال مكانه الصحيح أمام الله — أخذه في التراب؛ ووضع الله في مكانه الصحيح هو أيضًا. وإنّما لمّا كان إبراهيم ساقطًا على وجهه، منطرحًا أمام الله، كلّمه الله. فالقداسة إنّما هي لله؛ وأمّا الخطيّة فهي لنا نحن.

ويقول بروكس، ذلك الكاتب البيوريتانيّ القديم العظيم: «إنّ الإنسان الذي فيه قداسة حقيقيّة يتأثّر تأثّرًا شديدًا، ويستغرق كلّ الاستغراق في التعجّب من قداسة الله. وأمّا غير المقدّسين فقد يتأثّرون بعض التأثّر بسائر كمالات الله الأخرى ويؤخذون بها؛ ولكن ليس يؤخذ بقداسته هو ويتأثّر بها إلّا النفوس المقدّسة وحدها. وكلّما ازداد الإنسان قداسةً، ازداد تأثّره بهذا الأمر تأثّرًا عميقًا. فقداسة الله عند الملائكة القدّيسين هي الماسة المتلألئة في خاتم المجد. وأمّا غير المقدّسين فإنّهم يتأثّرون بأيّ شيء كان ويؤخذون به قبل أن يؤخذوا بهذا. فما من شيء يُلقي على الخاطئ من الكآبة والوجوم مثل ما يُلقيه عليه حديث عن قداسة الله؛ إنّه عنده كتلك الكتابة التي ظهرت على الحائط؛ وما من شيء يُوجع رأس الخاطئ وقلبه معًا مثل موعظة عن القدّوس؛ وما من شيء يقرص ويعصر، ويلسع ويُرعب، غير المقدّسين مثل عرض حيّ قويّ لقداسة الله. وأمّا عند النفوس المقدّسة فما من أحاديث توافقها وتُشبعها، وتلذّ لها وتُرضيها، وتسرّها وتنفعها، أكثر من تلك الأحاديث التي تُظهر الله في أتمّ إظهار وأقواه بهيًّا في قداسته». فينبغي لنا إذًا، إذ نأتي أمام الله، أن نعظّم اسمه ونخشع له خشوعًا.

وهذا الأمر عينه يبرز في إشعياء:

«في سنة وفاة عزّيّا الملك، رأيت السيّد جالسًا على كرسيّ عالٍ ومرتفع، وأذياله تملأ الهيكل. السرافيم واقفون فوقه، لكلّ واحد ستّة أجنحة، باثنين يغطّي وجهه، وباثنين يغطّي رجليه، وباثنين يطير. وهذا نادى ذاك وقال: قدّوس، قدّوس، قدّوس ربّ الجنود. مجده ملء كلّ الأرض».

ومتى رأينا نحن قداسة الله على حقيقتها، عظّمناه وكبّرناه ومجّدناه. وقد كان على موسى هو أيضًا أن يتعلّم هذا الدرس عينه. فقد قال له الله أن يخلع حذاءه من رجليه، لأنّ الموضع الذي هو واقف عليه إنّما هو أرض مقدّسة. ومتى سمعنا رجالًا يجتهدون أن يُظهروا للناس أنّهم قدّيسون، ويتكلّمون عن قداستهم هم، فإنّهم بذلك إنّما يستخفّون بقداسة الله ويهوّنون من شأنها. فقداسته هو هي التي ينبغي لنا أن نفكّر فيها ونتكلّم عنها؛ فمتى فعلنا ذلك انطرحنا على وجوهنا في التراب. وأنت تذكر أيضًا كيف كان الأمر مع بطرس. فلمّا أعلن له المسيح نفسه قال: «اخرج من سفينتي يا ربّ، لأنّي رجل خاطئ!» فإنّ نظرةً واحدة إلى الله تكفي لتُرينا كم هو قدّوس، وكم نحن غير مقدّسين.

ونجد أنّ أيّوب هو أيضًا كان لا بدّ له أن يتعلّم هذا الدرس عينه بنفسه. «فأجاب أيّوب الربّ وقال: ها أنا حقير، فماذا أجاوبك؟ وضعت يدي على فمي».

فأنت إذ تسمع أيّوب يتحاجّ مع أصحابه، تكاد تحسبه واحدًا من أقدس من عاش على وجه هذه الأرض قطّ. لقد كان عيونًا للعمي، وأرجلًا للعرج؛ وكان يُطعم الجائع، ويكسو العريان من ثيابه. فيا له من رجل صالح عجيب كان ذاك! ولكنّ كلامه كان كلّه: أنا، أنا، وأنا. حتّى قال له الله في آخر الأمر: «الآن شدّ حقويك كرجل. أسألك فتعلّمني». فما إن أعلن الله ذاته له حتّى غيّر أيّوب لغته كلّها في الحال. فقد رأى حينئذ حقارة نفسه هو ودناءتها، ورأى طهارة الله وقداسته. فقال: «بسمع الأذن قد سمعت عنك، والآن رأتك عيني. لذلك أرفض وأندم في التراب والرماد».

والأمر عينه يُرى في أحوال أولئك الذين جاءوا إلى ربّنا في أيّام جسده؛ فإنّ الذين جاءوا إليه منهم على الوجه الصحيح، طالبين البركة ونائلين إيّاها، قد أظهروا كلّهم شعورًا حيًّا قويًّا بعلوّه اللانهائيّ عليهم. فقائد المئة، الذي نقرأ عنه في الأصحاح الثامن من متّى، قال له: «يا سيّد، لست مستحقًّا أن تدخل تحت سقفي». ويايرس رئيس المجمع «سجد له» وهو يرفع طلبته إليه. والأبرص، في إنجيل مرقس، جاء إليه «يطلب إليه جاثيًا». والمرأة الفينيقيّة السوريّة «جاءت وخرّت عند قدميه». والرجل المملوء برصًا «لمّا رأى يسوع خرّ على وجهه». وهكذا أيضًا التلميذ الحبيب، إذ يتكلّم عن الشعور الذي كان لهم نحوه وهم مقيمون معه بوصفه ربًّا لهم، قال: «ورأينا مجده، مجدًا كما لوحيد من الآب، مملوءًا نعمةً وحقًّا». فمهما بلغت عشرتهم له من الأُنس والقرب، ومهما بلغت محبّتهم له من الحنوّ، فإنّهم كانوا يخشعون له بقدر ما كانوا يخالطونه، وكانوا يعظّمونه بقدر ما كانوا يحبّونه.

ونحن نستطيع أن نقول في كلّ فعل من أفعال الصلاة ما يقوله جورج هربرت في العبادة العلنيّة:

«متى دخلت قدمُك الكنيسة فاحسر عن رأسك؛ فإنّ الله أعظم منك أنت؛ ولستَ أنت هناك إلّا بإذنه هو. فاحذر إذًا، واجعل نفسك كلّها خشوعًا وخوفًا. ما أفسد الجثوّ على الركبتين قطّ جوربًا من حرير؛ فاترك أُبّهتك عنك. فالكلّ سواء داخل باب الكنيسة».

ويقول الحكيم: «احفظ قدمك حين تذهب إلى بيت الله، فالاستماع أقرب من تقديم ذبيحة الجهّال، لأنّهم لا يبالون بفعل الشرّ. لا تستعجل فمك ولا يُسرع قلبك إلى نطق كلام قدّام الله، لأنّ الله في السماوات وأنت على الأرض، فلذلك لتكن كلماتك قليلة».

فإن كنّا نجاهد لنحيا حياةً أعلى ممّا نحن فيه، ولنعرف شيئًا من قداسة الله وطهارته، فإنّ حاجتنا الحقيقيّة إنّما هي أن نُؤتى به إلى ملامسته هو نفسه، لكي يُعلن هو ذاته لنا. فحينئذ نأخذ نحن مكاننا أمامه كما اضطُرّ أولئك الرجال القدماء أن يأخذوه. وحينئذ نقدّس اسمه ونهابه — كما علّم السيّد تلاميذه حين قال لهم: «ليتقدّس اسمك». وإنّي متى فكّرت في قلّة الخشوع في زماننا هذا الحاضر، خُيّل إليّ أنّنا قد وقعنا في أيّام شرّيرة.

فلنُعطِ الله مكانه الصحيح الذي يليق به، نحن معشر المسيحيّين، متى اقتربنا إليه في الصلاة. «ليكن عندنا شكر به نخدم الله خدمةً مرضيّة، بخشوع وتقوى، لأنّ إلهنا نار آكلة».

الثالوث

«أيّها الثلاثة الأعزّاء العظماء ذوو السرّ المكتوم،
كونوا أنتم معظَّمين إلى أبد الآبدين،
لأجل كلّ تلك النعمة التي لا تنتهي، ونحن نراها
مذخورةً لنا في فادينا.

«نُرنّم لنعمة الآب القديمة،
تلك التي اختارتنا في رأسنا؛
وأقامت المسيح، إلهنا وملكنا،
ليتألّم بدلًا عنّا.

«والابنَ المقدّس، بمثل تلك الأنغام،
نخاطبه نحن بخشوع،
لأجل نعمته كلّها، وأوجاع موته،
وبرّه البهيّ.

«وبلسان مترنّم نسبّح الروح القدس
لأجل عمله العظيم،
هو الذي تُلهم قوّته الجمعَ المفتدى بالدم
أن يرفعوا أصواتهم بالشكر.

«وهكذا نجتمع نحن لنسبّح الثلاثة الأزليّين في واحد،
لأجل تلك النعمة
ولأجل المجد الذي لا ينتهي بالابن،
إذ يشرق علينا من وجهه».
صفحة 1 / 5 · 6 دقيقة متبقية في الفصل