فصل 1 · قراءة 13 د

صلوات الكتاب المقدّس

إنّ الذين تركوا أعمق الأثر في هذه الأرض التي حلّت عليها لعنة الخطيّة إنّما كانوا رجال صلاة ونساء صلاة. وستجد أنّ الصلاة قد كانت هي القوّة العظيمة التي حرّكت لا الله وحده، بل الإنسان أيضًا. فقد كان إبراهيم رجل صلاة، فنزل الملائكة من السماء ليتحدّثوا معه. وصلاة يعقوب استُجيبت في تلك المقابلة العجيبة عند فنيئيل، وهي التي انتهت به إلى نيل بركة عظيمة قويّة، وإلى تليين قلب أخيه عيسو. والصبيّ صموئيل إنّما أُعطي جوابًا لصلاة حنّة. وصلاة إيليّا أغلقت السماء ثلاث سنين وستّة أشهر، ثمّ صلّى أيضًا فأعطت السماء مطرًا.

ويخبرنا الرسول يعقوب أنّ إيليّا النبيّ كان «إنسانًا تحت الآلام مثلنا». وإنّي لأشكر الله من كلّ قلبي أنّ أولئك الرجال والنساء الذين كانوا أقوياء هكذا في الصلاة إنّما كانوا بشرًا مثلنا نحن تمامًا. فنحن نميل إلى الظنّ أنّ أولئك الأنبياء، وأولئك الرجال والنساء الأشدّاء في الزمان القديم، كانوا على غير ما نحن عليه. نعم، لا شكّ عندي أنّهم عاشوا في عصر هو أشدّ ظلمةً من عصرنا بكثير، غير أنّهم كانوا تحت الآلام مثلنا.

ونقرأ أنّ إيليّا في موضع آخر أنزل النار على جبل الكرمل. لقد صرخ أنبياء البعل طويلًا وبأعلى أصواتهم، فلم يأتِ جواب البتّة. وأمّا إله إيليّا فسمع صلاته واستجابها. فلنذكر نحن أنّ إله إيليّا لا يزال حيًّا. لقد نُقل النبيّ وصعد إلى السماء، وأمّا إلهه فحيّ إلى اليوم، ولنا نحن من سبيل الوصول إليه مثل ما كان لإيليّا. ولنا نحن من الحقّ في أن نمضي إلى الله ونطلب أن تنزل النار من السماء فتأكل شهواتنا وأهواءنا — فتحرق زَغَلنا، وتدع المسيح يشرق من خلالنا — مثل ما كان له تمامًا.

وصلّى أليشع، فرجعت الحياة إلى ولد كان قد مات. وكثيرون من أولادنا نحن أموات اليوم في الذنوب والخطايا. فلنصنع نحن كما صنع أليشع؛ ولنتضرّع إلى الله ونُلحّ عليه أن يقيمهم هم أيضًا من موتهم جوابًا لصلواتنا.

أمّا منسّى الملك فكان رجلًا شرّيرًا، وقد عمل كلّ ما استطاع أن يعمله على ضدّ إله أبيه؛ ومع ذلك، لمّا صرخ إلى الله وهو في بابل، سُمع صراخه هناك، فأُخرج من السجن وأُعيد إلى عرشه في أورشليم. فإن كان الله قد أصغى إلى صلاة منسّى الشرّير ذاك، فلا شكّ عندي أنّه سيسمع صلاتنا نحن في زمان ضيقنا. أوَليس هذا زمانَ ضيق عند عدد عظيم من إخوتنا في البشريّة؟ أوَليس بيننا كثيرون قلوبهم مثقلة بالأحمال والهموم؟ فإذ نمضي نحن إلى عرش النعمة، فلنذكر هذا الأمر: أنّ الله يستجيب الصلاة.

وانظر أيضًا إلى شمشون. لقد صلّى، فرجعت إليه قوّته، حتّى إنّ الذين قتلهم في موته كانوا أكثر من الذين قتلهم في حياته كلّها. لقد كان رجلًا قد تقهقر إلى الوراء ثمّ رُدَّ، وكانت له مع ذلك قدرة مع الله. فإنّ الذين تقهقروا إن هم رجعوا إلى الله رجوعًا حقيقيًّا، فسيرون كم يستجيب الله الصلاة سريعًا.

وصلّى أيّوب، فرُدَّ سبيه وانقلبت حاله كلّها. وجاء النور إلى موضع الظلمة، ورفعه الله فوق مقدار نجاحه الأوّل كلّه — وكان ذلك جميعه جوابًا للصلاة.

وصلّى دانيال إلى الله، فجاءه جبرائيل ليخبره أنّه رجل محبوب جدًّا عند الله. ثلاث مرّات جاءته تلك الرسالة عينها من السماء جوابًا للصلاة. وقد أُعلنت له أسرار السماء وكُشفت له، وقيل له إنّ ابن الله سوف يُقطع لأجل خطايا شعبه. ونجد أيضًا أنّ كرنيليوس صلّى، فأُرسل إليه بطرس ليكلّمه بكلام به يخلص هو وكلّ أهل بيته. فجوابًا للصلاة وحدها نزلت عليه هذه البركة العظيمة، ونزلت على بيته معه. وقد كان بطرس نفسه قد صعد إلى السطح ليصلّي عند العصر، فرأى هناك تلك الرؤيا العجيبة، رؤيا الملاءة المدلّاة من السماء. وإنّما لمّا كانت الصلاة تُرفع إلى الله بلا انقطاع من أجل بطرس، أُرسل الملاك إليه ليُنقذه من يد هيرودس.

وهكذا تجد في الكتاب المقدّس كلّه أنّه حيثما صعدت صلاة الإيمان إلى الله، نزل الجواب. وإنّي لأحسب أنّه لدرسٌ ممتع جدًّا أن يمضي الإنسان في الكتاب المقدّس من أوّله إلى آخره، فينظر ماذا كان يحدث حين كان شعب الله على ركبهم يدعونه. ولا شكّ عندي أنّ هذا الدرس يقوّي إيماننا تقويةً عظيمة — إذ يُرينا كم سمع الله وأنقذ على وجه عجيب، حين كان الصراخ يصعد إليه طالبًا العون.

وانظر إلى بولس وسيلا في السجن بفيلبّي. فإذ هما يصلّيان ويسبّحان، تزعزع المكان، وتجدّد حافظ السجن. ولعلّ هذا التجديد الواحد قد فعل في إدخال الناس إلى ملكوت الله أكثر ممّا فعله أيّ تجديد آخر مسجَّل في الكتاب المقدّس. فكم من نفوس نالت البركة وهي تطلب الجواب عن هذا السؤال: «ماذا ينبغي أن أفعل لكي أخلص؟» إنّما صلاة ذينك الرجلين التقيّين هي التي جاءت بحافظ السجن إلى ركبتيه، وهي التي جلبت البركة له ولأهل بيته أجمعين.

وأنت تذكر كيف أنّ استفانوس، إذ كان يصلّي وهو شاخص إلى فوق، رأى السماوات مفتوحة وابن الإنسان قائمًا عن يمين الله؛ فوقع نور السماء على وجهه حتّى صار يشرق إشراقًا. واذكر أيضًا كيف كان وجه موسى يلمع وهو نازل من الجبل؛ فإنّه كان قد صار في شركة مع الله. وهكذا نحن أيضًا، متى دخلنا حقًّا في شركة مع الله، رفع هو علينا وجهه؛ فعوض أن تكون علينا نظرات كالحة كئيبة، تشرق وجوهنا نحن، لأنّ الله قد سمع صلواتنا واستجابها.

وإنّي أودّ أن ألفت النظر لفتًا خاصًّا إلى المسيح مثالًا لنا في كلّ شيء؛ وليس في شيء أكثر ممّا هو في الصلاة. فنحن نقرأ أنّ المسيح كان يصلّي إلى أبيه في كلّ أمر. وما من أزمة عظيمة في حياته إلّا وقد سبقتها الصلاة. ودعني أقتبس لك بعض المواضع. لم ألحظ إلّا منذ سنين قليلة أنّ المسيح كان يصلّي عند معموديّته. فإذ كان يصلّي «انفتحت السماء»، ونزل عليه الروح القدس. وكان من الحوادث العظيمة الأخرى في حياته حادثة التجلّي: «وفيما هو يصلّي صارت هيئة وجهه متغيّرة، ولباسه مبيَضًّا لامعًا».

ونقرأ أيضًا: «وفي تلك الأيّام خرج إلى الجبل ليصلّي. وقضى الليل كلّه في الصلاة لله». وهذا هو الموضع الوحيد في الأناجيل كلّها الذي سُجّل فيه أنّ المخلّص قضى ليلة كاملة في الصلاة. فماذا كان على وشك أن يحدث بعد ذلك؟ لمّا نزل من الجبل جمع تلاميذه حوله، وألقى ذلك الخطاب العظيم المعروف بالموعظة على الجبل — وهي أعجب موعظة وُعظ بها بنو البشر قطّ على وجه هذه الأرض. ولعلّه ما من موعظة صنعت من الخير مثل ما صنعته هي، وقد سبقتها ليلة كاملة من الصلاة. فإن كانت مواعظنا نحن ستبلغ قلوب الناس وضمائرهم، فلا بدّ لنا أن نكثر من الصلاة إلى الله، حتّى تكون مع الكلمة قوّة.

ونقرأ في إنجيل يوحنّا أنّ يسوع، عند قبر لعازر، رفع عينيه إلى فوق وقال: «أيّها الآب، أشكرك لأنّك سمعت لي، وأنا علمت أنّك في كلّ حين تسمع لي. ولكن لأجل هذا الجمع الواقف قلت، ليؤمنوا أنّك أرسلتني». فلاحظ أنّه قبل أن يكلّم الميت فيحيا، كلّم أباه أوّلًا. فإن كان أمواتنا الروحيّون سيقومون هم أيضًا، فلا بدّ لنا نحن أوّلًا أن ننال قدرةً مع الله. وإنّما السبب في أنّنا كثيرًا ما نُخفق في تحريك إخوتنا من البشر هو أنّنا نحاول أن نربحهم قبل أن ننال تلك القدرة مع الله. أمّا يسوع فكان في شركة دائمة مع أبيه، ولذلك استطاع أن يكون على يقين من أنّ صلواته مسموعة عنده.

ونقرأ أيضًا في الأصحاح الثاني عشر من يوحنّا أنّه صلّى إلى الآب. وإنّي لأحسب هذا الأصحاح واحدًا من أشدّ أصحاحات الكتاب المقدّس كلّه حزنًا. فقد كان على وشك أن يترك الأمّة اليهوديّة، وأن يصنع كفّارةً لخطيّة العالم أجمع. فاسمع أنت ماذا يقول: «الآن نفسي قد اضطربت. وماذا أقول: أيّها الآب نجّني من هذه الساعة؟ ولكن لأجل هذا أتيت إلى هذه الساعة». لقد كان يكاد يكون واقفًا تحت ظلّ الصليب؛ وآثام بني البشر جميعًا كانت على وشك أن تُوضع عليه؛ وواحد من تلاميذه الاثني عشر كان سينكره ويحلف أنّه ما عرفه قطّ؛ وآخر منهم كان سيبيعه بثلاثين من الفضّة؛ وكانوا كلّهم سيتركونه ويهربون عنه. لقد كانت نفسه حزينة جدًّا، فصلّى؛ ولمّا اضطربت نفسه هكذا كلّمه الله من السماء. ثمّ في بستان جثسيماني، فيما هو يصلّي، ظهر له ملاك يقوّيه. وجوابًا لصراخه: «أيّها الآب، مجّد اسمك!» سمع صوتًا نازلًا من المجد: «مجّدتُ، وأمجّد أيضًا!».

وكانت صلاة أخرى من صلوات ربّنا التي لا تُنسى في بستان جثسيماني: «وانفصل عنهم نحو رمية حجر وجثا على ركبتيه وصلّى». وإنّي لألفت نظرك إلى ما هو مسجَّل من أنّ الجواب نزل أربع مرّات من السماء رأسًا فيما كان المخلّص يصلّي إلى الله. أوّل ذلك كان عند معموديّته، حين انفتحت السماوات ونزل عليه الروح جوابًا لصلاته. وكان الثاني على جبل التجلّي، حيث ظهر الله له وكلّمه من السحابة. ثمّ لمّا جاء اليونانيّون يريدون أن يروه، سُمع صوت الله مجيبًا دعاءه؛ ثمّ مرّةً أخرى، لمّا صرخ إلى الآب في وسط جهاده، أُعطي جوابًا مباشرًا من فوق. وإنّي لا أشكّ في أنّ هذه الأمور كلّها إنّما سُجّلت لكي نتشجّع نحن على الصلاة.

ونقرأ أنّ تلاميذه جاءوا إليه وقالوا له: «يا ربّ، علّمنا أن نصلّي». وليس مسجَّلًا في موضع البتّة أنّه علّمهم كيف يعظون. وكثيرًا ما قلت إنّي أوثر أن أعرف كيف أصلّي كما كان دانيال يصلّي، على أن أعرف كيف أعظ كما يعظ جبرائيل. فإن أنت أدخلت المحبّة إلى نفسك، حتّى تنزل نعمة الله جوابًا للصلاة، فلن تجد بعد ذلك عناءً البتّة في بلوغ قلوب الناس. فليس بالمواعظ البليغة تُدرَك النفوس الهالكة وتُربَح؛ إنّما نحن محتاجون إلى قوّة الله نفسها لكي تنزل البركة.

والصلاة التي علّمها ربّنا لتلاميذه تُدعى في العادة الصلاة الربّانيّة. وأمّا أنا فأحسب أنّ صلاة الربّ، على وجه أدقّ، هي تلك التي في الأصحاح السابع عشر من يوحنّا. فتلك هي أطول صلاة مسجَّلة صلّاها يسوع. وأنت تستطيع أن تقرأها على مهل وتدقيق في نحو أربع دقائق أو خمس. وإنّي لأحسب أنّ ههنا درسًا لنا نتعلّمه. فقد كانت صلوات سيّدنا قصيرة متى رفعها في الجماعة؛ وأمّا حين كان وحده مع الله فكان الأمر غير ذلك، وكان في وسعه أن يقضي الليل كلّه في شركة مع أبيه. وقد دلّني اختباري على أنّ الذين يكثرون الصلاة في مخادعهم هم في الغالب أقصر الناس صلاةً في الجماعة. فالصلوات الطويلة كثيرًا ما لا تكون صلوات البتّة، وهي تُتعب الناس. فما أقصر صلاة العشّار: «اللهمّ ارحمني، أنا الخاطئ!» وكانت صلاة المرأة الفينيقيّة السوريّة أقصر منها: «يا سيّد، أعنّي!» لقد قصدت المرمى رأسًا، فنالت ما أرادت. وكانت صلاة اللصّ على الصليب قصيرة: «اذكرني يا ربّ متى جئت في ملكوتك!» وكانت صلاة بطرس: «يا ربّ، نجّني!» فإن أنت مضيت في الكتاب المقدّس، وجدت أنّ الصلوات التي جاءت بالجواب في الحال كانت في الغالب قصيرة. فلتكن صلواتنا محدّدة قاصدة، تخبر الله بما نريد لا غير.

وفي صلاة ربّنا التي في يوحنّا 17 نجد أنّه رفع سبعة طلبات — واحدًا منها لنفسه، وأربعةً لتلاميذه الذين كانوا حوله، واثنين لتلاميذ الأجيال الآتية بعدهم. وستّ مرّات في تلك الصلاة الواحدة يكرّر القول إنّ الله قد أرسله. فقد كان العالم ينظر إليه على أنّه مضلّ كذّاب؛ وهو أراد أن يعلموا أنّه إنّما هو مُرسَل من السماء. ويتكلّم فيها عن العالم تسع مرّات، ويذكر تلاميذه والذين يؤمنون به خمسين مرّة.

وكانت آخر صلاة صلّاها المسيح على الصليب صلاةً قصيرة: «يا أبتاه، اغفر لهم، لأنّهم لا يعلمون ماذا يفعلون». وإنّي لأومن أنّ تلك الصلاة قد استُجيبت. فنحن نجد أنّ قائد مئة رومانيًّا قد تجدّد هناك في مواجهة الصليب نفسه. ولعلّ ذلك كان جوابًا لصلاة المخلّص. وأمّا تجديد اللصّ فإنّي أومن أنّه هو أيضًا كان جوابًا لتلك الصلاة التي صلّاها ربّنا المبارك. ولعلّ شاول الطرسوسيّ قد سمعها، ولعلّ تلك الكلمات ظلّت تتبعه وهو مسافر إلى دمشق؛ حتّى إذا كلّمه الربّ في الطريق، عرف ذلك الصوت. على أنّ أمرًا واحدًا نعلمه يقينًا: أنّه في يوم الخمسين تجدّد قوم من أعداء الربّ. ولا شكّ أنّ ذلك كان جوابًا للصلاة: «يا أبتاه، اغفر لهم!»

ومن ههنا نرى أنّ للصلاة مكانًا رفيعًا بين رياضات الحياة الروحيّة. فإنّ شعب الله جميعًا كانوا أهل صلاة. انظر مثلًا إلى باكستر! لقد صبغ جدران مخدعه بأنفاس الصلاة؛ ولمّا مُسح بمسحة الروح القدس، أجرى نهرًا من ماء حيّ على مدينة كِدَرمِنستر، فتجدّد فيها مئات من الناس. وكان لوثر ورفقاؤه رجالًا يلجّون على الله لجاجةً عظيمة، حتّى كسروا سحر أجيال، وطرحوا أممًا خاضعة عند أقدام الصليب. وأمّا جون نوكس فقد ضمّ اسكتلندا كلّها بذراعَي إيمانه القويّتين؛ وكانت صلواته تُرهب الجبابرة. وأمّا وايتفيلد، فبعد إلحاح كثير مقدّس أمين في المخدع، مضى إلى سوق إبليس، فانتزع أكثر من ألف نفس من براثن الأسد في يوم واحد. وانظر إلى وسلي المصلّي وهو يردّ إلى الربّ أكثر من عشرة آلاف نفس! وانظر إلى فيني المصلّي، الذي زعزعت صلواته وإيمانه ومواعظه وكتاباته هذه البلاد كلّها، وأرسلت موجة من البركة في الكنائس على جانبَي البحر.

ويتكلّم الدكتور غَثري عن الصلاة وعن ضرورتها فيقول: «إنّ الصلاة، وهي أوّل علامة صادقة على الحياة الروحيّة، هي أيضًا الوسيلة التي بها تُحفظ. فإنّ الإنسان يستطيع أن يحيا بجسده بغير تنفّس، بمقدار ما يستطيع أن يحيا بروحه بغير صلاة. وثمّ صنف من الحيوان — الحيتانيّات، وهي ليست سمكًا ولا طيرًا بحريًّا — يسكن الأعماق. فالبحر بيتها، لا تفارقه قطّ إلى الشاطئ؛ ومع ذلك، وإن كانت تسبح تحت أمواجه وتسبر أشدّ أغواره ظلمةً، فلا بدّ لها بين الحين والحين أن تصعد إلى السطح لتتنفّس الهواء. فبغير ذلك لا تستطيع هذه الملوك في الأعماق أن تبقى في العنصر الكثيف الذي فيه تحيا وتتحرّك ويكون لها وجودها. وشيء ممّا تُلزَم به هي بضرورة جسديّة، على المسيحيّ أن يعمله هو بضرورة روحيّة. فإنّما بصعوده بين الحين والحين إلى الله، وارتفاعه بالصلاة إلى إقليم أعلى وأنقى ليأخذ مؤونةً من نعمة الله، يحفظ حياته الروحيّة. فامنع هذه الحيوانات من الصعود إلى السطح تمُتْ من عوز النفَس؛ وامنع المسيحيّ من الصعود إلى الله يمُتْ من عوز الصلاة. «هب لي بنين»، صرخت راحيل، «وإلّا فأنا أموت». «دعوني أتنفّس»، يقول رجل يلهث، «وإلّا فأنا أموت». «دعوني أصلّي»، يقول المسيحيّ، «وإلّا فأنا أموت».»

وقال الدكتور بيسون وهو بعدُ طالب: «منذ ابتدأت أطلب بركة الله على دروسي، صرت أُنجز في أسبوع واحد أكثر ممّا كنت أُنجزه في السنة كلّها قبل ذلك». وقال لوثر، في أشدّ ما كان مزحومًا بالعمل: «عليّ من العمل ما هو كثير جدًّا، حتّى إنّي لا أستطيع أن أمضي فيه إلّا بثلاث ساعات من الصلاة في اليوم». وليس علماء اللاهوت وحدهم هم الذين يفكّرون في الصلاة ويتكلّمون عنها هذا التفكير الرفيع؛ بل قد شعر بمثل ذلك رجال من كلّ الطبقات والمراتب في الحياة. فكان الجنرال هافلوك ينهض في الساعة الرابعة إن كانت ساعة الزحف هي السادسة، مؤثرًا ذلك على أن يفقد امتياز الشركة مع الله الثمين قبل خروجه. ويقول السير ماثيو هيل: «إن أنا أهملت الصلاة وقراءة كلمة الله في الصباح، لم يمضِ شيء على ما يرام النهار كلّه».

وقال مكشين: «إنّ قسمًا عظيمًا من وقتي إنّما يُنفق في تهيئة قلبي وضبطه على وتر الصلاة. فهي الحلقة التي تصل الأرض بالسماء».

وإذا نظرنا إلى الموضوع نظرةً جامعة، تبيّن لنا أنّ ثمّ تسعة عناصر لا غنى عنها في الصلاة الحقيقيّة. أوّلها التعظيم؛ فإنّنا لا نستطيع أن نلقى الله في مبتدأ الأمر على قدم المساواة، بل لا بدّ لنا أن نقترب إليه بوصفه من هو أبعد كثيرًا من متناولنا ومن مرمى أبصارنا. وثانيها الاعتراف؛ فالخطيّة لا بدّ أن تُنحَّى من الطريق. فليس لنا شركة مع الله ما دام بيننا وبينه تعدٍّ. فلو كان بينك وبين إنسان إساءة أسأتها إليه، ما كان لك أن ترتجي رضاه حتّى تذهب إليه وتعترف بذنبك. وثالثها ردّ الحقوق؛ فعلينا أن نُصلح ما أفسدناه، حيثما كان ذلك ممكنًا. ورابعها الشكر؛ فلا بدّ أن نكون شاكرين لما صنعه الله لنا من قبلُ. ثمّ يأتي الغفران، ثمّ الوحدة؛ ثمّ لا بدّ للصلاة التي تُثمرها هذه الأمور من الإيمان. فإذا نحن تحرّكنا بهذا كلّه، كنّا مستعدّين لأن نرفع الطِّلبة صريحةً. فإنّنا نسمع كثيرًا من الصلاة التي ليست إلّا وعظًا، حتّى لولا أنّك ترى عينَي الرجل مغمضتين لحسبته يعظ. ثمّ إنّ كثيرًا ممّا يُسمّى صلاةً ليس إلّا تصيّدًا للعيوب. فنحن محتاجون إلى مزيد من الطِّلبة في صلواتنا. وبعد هذه كلّها لا بدّ أن يأتي الخضوع. فنحن، ونحن نصلّي، ينبغي أن نكون مستعدّين لقبول مشيئة الله. وسننظر في هذه العناصر التسعة واحدًا واحدًا بالتفصيل، ونختم بحثنا بأن نسوق حوادث تُوضّح كم هو يقينيّ أن ننال، متى تحقّقت فينا هذه الشروط، استجابةً لصلواتنا.

ساعة الصلاة

«يا ربّ، أيّ تغيير فينا تقدر ساعة واحدة قصيرة
تُقضى في حضرتك أن تصنعه!
وأيّ أثقال ثقيلة ترفعها عن صدورنا؛
وأيّ أرض متشقّقة تُرويها كأنّها بمطر.

«نجثو — فإذا كلّ ما حولنا يبدو مكفهرًّا؛
ونقوم — فإذا الكلّ، بعيده وقريبه،
يبرز في خطوط مشمسة جسورة واضحة؛
نجثو: فما أضعفنا! — ونقوم: فما أملأنا بالقوّة!

«فلماذا إذًا نظلم أنفسنا هذا الظلم،
أو نظلم غيرنا — بأن لا نكون أقوياء في كلّ حين؟
وبأن يغلبنا الهمّ أبدًا؛
وبأن نكون ضعافًا أو خائري القلوب،
قلقين أو مضطربين، والصلاة معنا،
والفرح والقوّة والشجاعة عندك أنت؟»

ترنش.
صفحة 1 / 10 · 13 دقيقة متبقية في الفصل