فصل 4 · قراءة 5 د

الصلاة بالروح

نحن لسنا من هذا العالم، ولذلك لسنا نعمل بحسب مقاييسه ولا نجري على معاييره. فلنتكلّم إذًا لغة الوطن الذي ننتمي إليه — لغة الروح.

أوّلًا، الإنسان في أصله وجوهره روح، له نفس، وهو يسكن في جسد مادّيّ. فمتى اعترف بفمه أنّ يسوع هو الربّ، وآمن بقلبه أنّ الله أقامه من الأموات، خلص ذلك الإنسان (رومية 10:8-9). وحينئذ يصير هذا الإنسان مفروزًا عن سائر الناس. يقول 2 كورنثوس 5:17: «إذًا إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة: الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكلّ قد صار جديدًا». فيصير خليقةً جديدة، إنسانًا خارقًا، إنسانًا فيه حياة الله، إنسانًا لا يمكن أن يُغلَب في هذه الحياة أو يُبخَس حقّه. وبهذا يصير الآن في ملكوت الله، وهناك موضعه الذي ينتمي إليه. ومن هنا صار من الأمور الحيويّة جدًّا له أن يعرف لغة الموطن الذي جاء هو منه، لأنّها هي التي تعينه على أن يبقى مواكبًا لكلّ ما يجري في الملكوت.

وكيف يعرف الإنسان تلك اللغة أو يتعلّمها؟ لعلّك تسأل.

هذه الخليقة الجديدة، هذا الإنسان الخارق، قد أُعطيت لغةً للروح المخلوق من جديد. وتلك هي التكلّم بألسنة أخرى. وبعض ترجمات الكتاب المقدّس تصوغها صياغةً أخرى فتقول إنّها لغة الملائكة. وهذه اللغة لا يعلّمها البشر، بل يعطيها الله؛ ولذلك لا يستطيع مجرّد إنسان أن يفهمها، لأنّها لغة إلهيّة من عند الله. أليس جميلًا أن تتكلّم اللغة التي يعرفها الله تمام المعرفة، ولا يفهم الشيطان نفسه منها كلمةً واحدة؟ هذه هي الصلاة بالروح. ما أروع ذلك!

ولعلّك تسأل مرّةً أخرى: كيف أبدأ أنا بالتكلّم بهذه اللغة، بالتكلّم بألسنة أخرى؟ وأحد الجوابين عن هذا السؤال هو أن تصلّي إلى الله طالبًا منه امتلاءك بالروح القدس، وعلامة ذلك التكلّم بألسنة، وإذ تفعل ذلك، آمِن أنّه قد استجاب لك، وابدأ تتكلّم بألسنة أخرى. وكما ذكرنا من قبل، لا تشكّ البتّة. وأمّا الجواب الآخر فهو بوضع الأيادي، كما نرى في أعمال الرسل 19:6: «ولمّا وضع بولس يديه عليهم حلّ الروح القدس عليهم، فطفقوا يتكلّمون بلغات ويتنبّأون».

وقد تأتي أسئلة أخرى بعدُ: «هل يجب على كلّ مؤمن أن يتكلّم بألسنة، أم أنّ ذلك للمختارين وحدهم؟ وماذا يحدث إن لم نصلِّ بألسنة؟ أفلا يكون لنا الروح القدس إن لم نصلِّ بألسنة؟ وما فائدة الصلاة بألسنة وما الذي نجنيه منها؟» فلندخل في هذه التفاصيل مباشرةً، أليس كذلك؟

هل يجب أن يتكلّم كلّ المؤمنين بألسنة؟

هذا السؤال أشبه بأن تسأل: هل يجب على الإنسان أن يأكل الطعام؟ فللإنسان أن يأكل أو لا يأكل، لكنّ الامتناع عن الطعام مدّةً طويلة يضرّ الجسد ويؤذيه.

ولمّا كان يسوع مزمعًا أن يصعد إلى السماء، قال: «وهذه الآيات تتبع المؤمنين: يُخرجون الشياطين باسمي، ويتكلّمون بألسنة جديدة. يحملون حيّات، وإن شربوا شيئًا مميتًا لا يضرّهم، ويضعون أيديهم على المرضى فيبرأون». مرقس 16:17. ومعنى هذا أنّ التكلّم بألسنة ليس محصورًا في أناس بعينهم دون غيرهم؛ بل هو لكلّ من يؤمن بالربّ يسوع المسيح. فلا ينبغي لأحد أن يُدينه أو يقول إنّه لأفراد معيّنين دون سواهم. وما دمتَ أنت روحًا والله روح أيضًا، فينبغي أن يكون التكلّم بلغة الروح في مقدّمة أولويّاتك وأوّلها.

التكلّم بألسنة علامة على أنّ الإنسان قد امتلأ من الروح القدس — كان التلاميذ ينتظرون الروح القدس في يوم الخمسين، وكانوا كلّهم مجتمعين معًا بنفس واحدة.

وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنّها من نار، فاستقرّت على كلّ واحد منهم. انظر أعمال الرسل 2:4: «وامتلأ الجميع من الروح القدس، وابتدأوا يتكلّمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا».

في العهد القديم كان الروح القدس يحلّ على الملوك والكهنة والقضاة، لكي يقدروا أن يقوموا بالعمل الموكول إليهم وأن يعلّموا شعب الله. فكان أوّلًا يستقرّ عليهم كألسنة من نار، ثمّ بعد ذلك يملؤهم من نفسه. وأمّا في العهد الجديد فإنّ الروح القدس يسكن فينا نحن ويجعلنا هيكلًا له. إنّه يحلّ عليك أنت لكي يملأك. والدليل على أنّك ممتلئ من الروح القدس هو تلك العلامة، علامة التكلّم بألسنة. فأن يكون الروح القدس معك، وأن تكون أنت ممتلئًا من الروح القدس، أمران ليسا سواء. والذين يمتلئون من الروح القدس يتكلّمون بألسنة أخرى. فالتكلّم بألسنة إذًا ليس للرعاة والأساقفة والمبشّرين وحدهم، بل هو لكلّ إنسان مؤمن.

فلماذا إذًا ينبغي لك أن تتكلّم بألسنة؟

1. إنّها تبنيك — «من يتكلّم بلسان يبني نفسه، وأمّا من يتنبّأ فيبني الكنيسة». 1 كورنثوس 14:4. والبنيان يعني أن تبني وأن تُشيّد وأن تُثبّت. ويقول يهوذا 1:20 (في ترجمة موسّعة): «وأمّا أنتم أيّها الأحبّاء، فابنوا أنفسكم على [أساس] إيمانكم الأقدس [متقدّمين على الدوام، مرتفعين كالبنيان علوًّا فوق علوّ]، مصلّين في الروح القدس». فهو إذًا يقول لنا أن نبني أنفسنا على إيماننا الأقدس، مصلّين في الروح القدس. إلى هذا الحدّ الصلاة بألسنة أمر مهمّ. فأنت إذ تتكلّم بألسنة تُبنى وتُشيَّد، وتصير أكبر من كلّ الظروف التي تواجهها. أليس هذا جميلًا؟

أتواجه اليوم تحدّيًا أو حالةً يبدو أن لا حلّ لها البتّة؟ أهي في صحّتك، أم في عائلتك، أم في مجتمعك، أم في أمّتك كلّها؟ إنّ لك أنت القدرة أن تُحدث تغييرًا في كلّ ما يخصّك. تكلّم بألسنة، وواصِل التكلّم بألسنة، وسوف تحدث التغييرات.

هلّلويا!

2. التكلّم بألسنة يشحنك بالقوّة — في السفر نفسه، 1 كورنثوس، نقرأ أنّ الذي يتكلّم بألسنة إنّما يبني نفسه. وهذه الكلمة تعني أيضًا الشحن بالقوّة والطاقة. فحين تتكلّم بألسنة أخرى، أنت تولّد في داخلك قوّةً وطاقة.

هل شحنت نفسك هذا الصباح؟ وأنت ذاهب إلى الصفّ، اشحن نفسك. وقبل ذهابك إلى الكنيسة، اشحن نفسك. وحين تبدأ الدراسة، ستعمل عملًا حسنًا ناجحًا لأنّك قد شُحنت بالقوّة. تبارك الربّ!

4. التكلّم بألسنة أخرى يُنعشك — أنت كمسيحيّ، كلّما شعرت بحاجة إلى أن تهدأ وتستريح، ولعلّ ذلك حين يثقل ذهنك بأمر ما أو مسألة ما، فإنّ التكلّم بألسنة يُنعشك ويُريحك. وفي تلك اللحظات يستطيع الله أن يكلّمك وأن يرشدك وأن يمنحك سلامه. «إنّه بشفة لكناء وبلسان آخر يكلّم هذا الشعب». إشعياء 28:11.

5. التكلّم بألسنة يتيح لنا الشركة مع الروح القدس — فنحن حين نتكلّم بألسنة إنّما نتكلّم لغة الروح القدس نفسه. وهذه وسيلة لأن نتواصل معه ونرتبط به، وأن ننال منه حكمته وشجاعته ومجاهرته. ولهذا السبب ينبغي لكلّ إنسان أن يتكلّم بألسنة. فحين تتكلّم بألسنة بانتظام ومواظبة، لا يمكن أن تُهزم أبدًا. ستعرف ما ينبغي لك أن تفعل، وسيقودك إله السماء والأرض ويرشدك، ضامنًا لك أن تبقى على الطريق الصحيح. هلّلويا!

صفحة 1 / 4 · 5 دقيقة متبقية في الفصل