فصل 3 · قراءة 9 د

أنواع الصلاة

«افغَر فاك فأملأه» مزمور 81:10. هل تعلم كم هو أمر مهمّ وضروريّ أن تصلّي لأجل نفسك، ولأجل عائلتك، ولأجل الحيّ الذي تسكن فيه، بل ولأجل الأمم كلّها ولأجل قادتها وحكّامها؟ نعم، إنّه أمر مهمّ حقًّا! وهل تعلم أيضًا أنّنا نصلّي بطرق مختلفة بحسب الموسم الذي نمرّ به في حياتنا؟ نعم، هذا صحيح تمامًا، لأنّ لكلّ موسم من تلك المواسم احتياجاته الخاصّة به.

يقول لنا الكتاب المقدّس في سفر الجامعة إنّ لكلّ شيء تحت السماء وقتًا معلومًا؛ فإن كان الوقت وقت فرح وأنت تحيا في الحزن، فأنت إذًا تضبط روحك على النغمة الخطأ. ولهذا السبب سأشرح لك في هذا الفصل أنواع الصلاة المختلفة، ومتى ينبغي أن تستعمل كلّ نوع منها. وبهذا سوف تعرف كيف تصلّي في كلّ موسم من مواسم حياتك، فتُحدث بصلاتك التغييرات الصحيحة! هل أنت متشوّق لذلك؟ ممتاز، فلنتأمّل معًا في هذه الأنواع من الصلاة.

الصلاة المُغالِبة — هل صلّيت يومًا، وفرغت من صلاتك، ثمّ شعرت أنّه ينبغي لك أن تستمرّ في الصلاة لأجل أمر بعينه؟ وقد يكون ذلك الأمر صديقك، أو ابن عمّك، أو قطّك أو كلبك في البيت، أو مادّة دراسيّة بعينها، أو معلّمًا من معلّميك، أو أيّ شيء آخر.

فأحيانًا تشعر بعد الصلاة بسلام، وأنّ كلّ شيء قد صار في يد أمينة، وأحيانًا أخرى تحسّ أنّ عليك أن تستمرّ في الصلاة، مع أنّك قد فرغت منها لتوّك. وقد يحدث هذا حين يكون الروح القدس هو الذي يقودك إلى مواصلة الصلاة لأجل شخص بعينه، أو حالة بعينها، أو مسألة بعينها. ولا يهمّ في ذلك أكنت تصلّي بألسنة أم بلغتك المعتادة — فالمهمّ في الأمر كلّه أنّك مسوق إلى المزيد من الصلاة. وأنا أريد أن أحدّثك في هذا الموضع عن هذا النوع من الصلاة: الصلاة المُغالِبة.

وأذكر مرّةً ذهبت فيها مع صديق لي إلى حفل شواء، وإذا به يمضي — لسبب ما — إلى الحانة. وقد صُدمت صدمةً شديدة إذ رأيته، وهو مسيحيّ، جالسًا هناك في تلك الحانة بكلّ ثقة واطمئنان، كمن يجلس على أريكة وثيرة في بيته. فهتفت من فوري: «يا ربّي يسوع!» ثمّ حاولت أن أُقنعه بالخروج من تلك الحانة، فلم يُجدِ ذلك شيئًا. وعندها أدركت أنّني لن أستطيع أن أُخرجه منها بالكلام. فذهبت إلى السيّارة، وأغلقتها عليّ، وجعلتها مخدعي للصلاة. وكان في داخلي دافع شديد إلى الصلاة، فبدأت أتكلّم بألسنة أخرى كما أعطاني الروح أن أنطق. ولم أستطع أن أتوقّف عن الصلاة. والروح القدس عجيب حقًّا؛ فما هي إلّا دقائق معدودة حتّى جاء صديقي مسرعًا نحوي يقول إنّ علينا أن نعود إلى الفندق في الحال، لأنّه لا شأن لنا نحن بالحانة! يا للعجب، لقد بكيت حينها من شدّة الفرح. كنت في غاية السعادة، لأنّني علمت أنّه لم يترك تلك الحانة بهذه السرعة بإرادته هو، بل بمشيئة الله. تلك هي قوّة الصلاة المُغالِبة.

إنّ الصلاة المُغالِبة صلاة قويّة، وهي تستمرّ ولا تنقطع حتّى تُحدث تغييرًا حقيقيًّا. وهي نوع من الصلاة يقوده الروح القدس بنفسه، تشعر فيه بدافع قويّ أن تصلّي لأجل أمر بعينه. وقد يستغرق ذلك منك أسبوعًا، أو شهرًا، بل سنةً كاملة، لكنّك تظلّ تصلّي حتّى تبلغ النتيجة التي وضعها الله في قلبك. وكثيرًا ما تكون هذه الصلاة ليست لأجل نفسك أنت، بل لأجل الآخرين — لأجل كنيستك، أو مجتمعك، أو عائلتك، أو أصدقائك. فهي ليست في شأن رغباتك الشخصيّة، بل هي صلاة لأجل خير الآخرين، تمامًا كما نرى في سفر نحميا.

ففي الإصحاح الأوّل من سفر نحميا، يُخبَر نحميا بأنّ سور أورشليم قد انهدم وأنّ أبوابها قد أُحرقت بالنار، فيُحزنه ذلك الخبر حزنًا عميقًا. ومع أنّه كان يخدم في بلاط ملك غير إسرائيليّ، فإنّه لم يستطع أن يتجاهل ألم شعبه ومعاناته. فبكى، واعترف بخطايا الشعب وبخطايا بيت أبيه، وصلّى نهارًا وليلًا أمام الربّ. لقد كان على قلب نحميا ثِقَل عظيم، وكان يهتمّ بأمر إسرائيل أكثر ممّا يهتمّ بمنصبه ساقيًا للملك أرتحشستا.

وفي النهاية نجح نحميا في إعادة بناء السور رغم التحدّيات الكثيرة. تبارك الربّ يسوع!

«فلمّا سمعت هذا الكلام جلست وبكيت ونحت أيّامًا، وصمت وصلّيت أمام إله السماء، وقلت: «أيّها الربّ إله السماء، الإله العظيم المخوف، الحافظ العهد والرحمة لمحبّيه وحافظي وصاياه، لتكن أذنك مصغيةً وعيناك مفتوحتين لتسمع صلاة عبدك الذي يصلّي إليك الآن نهارًا وليلًا لأجل بني إسرائيل عبيدك، ويعترف بخطايا بني إسرائيل التي أخطأنا بها إليك. فإنّي أنا وبيت أبي قد أخطأنا. لقد أفسدنا أمامك، ولم نحفظ الوصايا والفرائض والأحكام التي أمرت بها موسى عبدك. اذكر الكلام الذي أمرت به موسى عبدك قائلًا: إن خنتم فإنّي أفرّقكم في الشعوب، وإن رجعتم إليّ وحفظتم وصاياي وعملتموها، إن كان المنفيّون منكم في أقصاء السماوات، فمن هناك أجمعهم وآتي بهم إلى المكان الذي اخترت لإسكان اسمي فيه. فهم عبيدك وشعبك الذي افتديت بقوّتك العظيمة ويدك الشديدة. يا سيّد، لتكن أذنك مصغيةً إلى صلاة عبدك وصلاة عبيدك الذين يريدون مخافة اسمك. وأعطِ النجاح اليوم لعبدك وامنحه رحمةً أمام هذا الرجل»». نحميا 1:4-11.

وإن كان ثمّة أمر واحد ينبغي أن تظلّ واعيًا له على الدوام في شأن الصلاة المُغالِبة، فهو أنّ هذه الصلاة تنجح دائمًا إن أنت ثابرت عليها. ولكي تنجح فيها، عليك أن تركّز أنظارك في كلمة الله. وارفض كلّ فكر سلبيّ يقول لك أن تكفّ عن الصلاة لأجل أحبّائك. فإن كان الله قد قال لك أن تصلّي في أمر ما، وحثّك أن تواصل الصلاة حتّى ترى النتائج، فواصِل الصلاة، وسوف تُدهشك النتائج.

صلاة العبادة والشكر والتسبيح — إنّ صلاة العبادة والشكر والتسبيح هي صلاة مملوءة بالامتنان والعرفان، صلاة تُعظّم الله وتُعبّر عن جلاله وعن أعماله العجيبة وعن عظيم جبروته.

يقول مزمور 69:30: «أُسبّح اسم الله بتسبيح، وأُعظّمه بحمد. فيُستطاب عند الربّ أكثر من ثور بقر ذي قرون وأظلاف». ويقول عبرانيّين 13:15: «فلنُقدّم به في كلّ حين لله ذبيحة التسبيح، أي ثمر شفاه معترفة باسمه». يا لها من حياة!

صلاة الشفاعة — إنّ الله يريد أنّ جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحقّ يُقبلون. وقد صنع هو من جهته كلّ ما يلزم أن يُصنع. «لأنّه هكذا أحبّ الله العالم حتّى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كلّ من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبديّة». فلماذا إذًا لا يؤمن بعض الناس بيسوع المسيح؟ ولماذا ما زال بيننا من يقول إنّه لا يوجد إله؟ ولماذا نجد أناسًا يرفضون إنجيل يسوع المسيح؟

ويقول 2 كورنثوس 4:3-4: «ولكن إن كان إنجيلنا مكتومًا، فإنّما هو مكتوم في الهالكين، الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين، لئلّا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح، الذي هو صورة الله». ومعنى هذا أنّ الإنجيل مكشوف مُعلَن للذين يؤمنون بيسوع المسيح، فهم يستطيعون أن يفهموه وأن يحيوا بحسبه، وأمّا الهالكون فالإنجيل عنهم مكتوم محجوب. ولماذا هو كذلك؟ لأنّ إله هذا الدهر (وهو الشيطان) قد أعمى أذهانهم.

أرأيت الآن لماذا كان من الأمور الحاسمة أن نصلّي نحن لأجلهم؟ إنّ هذا النوع من الصلاة هو صلاة الشفاعة، حيث يصلّي المؤمن لأجل الآخرين طلبًا للتغيير فيهم. وفي حياتنا اليوم هناك منظّمات وهناك أشخاص يعملون ضدّ الإنجيل، والله يريدنا أن نصلّي لأجلهم. فإن لم تشفع أنت، فإنّ ما يصيب المدينة والأمّة والعالم قد يصيبك أنت أيضًا. تذكّر ما قاله مردخاي لأستير: إنّها هي أيضًا ستُصاب إن لم تتشفّع لأجل اليهود. ومثال آخر في الكتاب المقدّس هو مثال يعقوب وبطرس. فقد قُتل يعقوب، وأمّا بطرس، وقد كان مسجونًا هو أيضًا، فنجا. وكان الفرق بينهما أنّ المؤمنين صلّوا لأجل بطرس. وهذا يُرينا كم هي الصلاة مهمّة وواجبة، إذ في وسعها أن تُخلّص كثيرين.

وتذكّر أنّ الشفاعة إنّما هي أن تُحدث أثرًا. «فأطلب أوّل كلّ شيء، أن تُقام طلبات وصلوات وابتهالات وتشكّرات لأجل جميع الناس، لأجل الملوك وجميع الذين هم في منصب، لكي نقضي حياةً مطمئنّةً هادئةً في كلّ تقوى ووقار، لأنّ هذا حسن ومقبول لدى مخلّصنا الله، الذي يريد أنّ جميع الناس يخلصون، وإلى معرفة الحقّ يُقبلون». 1 تيموثاوس 2:1-4.

وإذ تعرف هذا كلّه، فإن كنت مسيحيًّا في موضع سلطة، أو كانت لك صلات وثيقة بمن هو في السلطة، مثل أستير، فتكلّم أنت نيابةً عن الكنيسة. فأنت الحامية المرابطة في ذلك المكان.

استخدم نفوذك وموقعك في خدمة إنجيل يسوع المسيح وفي تقدّمه ونشره.

صلاة الاتّفاق — «وأقول لكم أيضًا: إن اتّفق اثنان منكم على الأرض في أيّ شيء يطلبانه فإنّه يكون لهما من قِبَل أبي الذي في السماوات، لأنّه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم». متّى 18:19-20. إنّ في الاتّفاق قوّةً عظيمة! فحين تتّفقون على أمر ما وتصلّون معًا بنفس واحدة، يمكن أن يُمنح لكم ما طلبتم. ولاحظ هنا أنّه لا بدّ أن يكون المتّفقون أكثر من شخص واحد. فلكلّ نوع من هذه الأنواع من الصلاة خصوصيّته وتحديده. وصلاة الاتّفاق يمكن أن يرفعها شخصان أو أكثر.

«فكان بطرس محروسًا في السجن، وأمّا الكنيسة فكانت تصير منها صلاة بلجاجة إلى الله من أجله. ولمّا كان هيرودس مزمعًا أن يقدّمه، كان بطرس في تلك الليلة نائمًا بين عسكريَّين مربوطًا بسلسلتين، وكان قدّام الباب حرّاس يحرسون السجن. وإذا ملاك الربّ أقبل، ونور أضاء في البيت، فضرب جنب بطرس وأيقظه قائلًا: «قم عاجلًا!». فسقطت السلسلتان من يديه. وقال له الملاك: «تمنطق والبس نعليك». ففعل هكذا. فقال له: «البس رداءك واتبعني». فخرج يتبعه. وكان لا يعلم أنّ الذي جرى بواسطة الملاك هو حقيقيّ، بل يظنّ أنّه ينظر رؤيا. فجازا المَحرَس الأوّل والثاني، وأتيا إلى باب الحديد الذي يؤدّي إلى المدينة،

فانفتح لهما من ذاته، فخرجا وتقدّما زقاقًا واحدًا، وللوقت فارقه الملاك. فقال بطرس، وهو قد رجع إلى نفسه: «الآن علمت يقينًا أنّ الربّ أرسل ملاكه وأنقذني من يد هيرودس، ومن كلّ انتظار شعب اليهود»». أعمال الرسل 12:5-11.

لقد اتّفقت الكنيسة في سفر الأعمال، وصلّت بلا انقطاع لأجل بطرس وهو في السجن. صلّت الكنيسة حتّى خرج بطرس من سجنه. وأنت أيضًا تستطيع أن تتّفق مع غيرك على أمر ما، فينقلب ذلك الأمر لخيرك أنت.

صلاة الإيمان — إيمان! إيمان! إيمان! فما هو الإيمان؟ «وأمّا الإيمان فهو الثقة بما يُرجى والإيقان بأمور لا تُرى». عبرانيّين 11:1. وما معنى هذا الكلام؟ معناه أنّ الإيمان يدعو الأشياء غير الموجودة كأنّها موجودة قائمة. وانظر إلى الكلمتين اللتين تقوم عليهما الآية: الثقة واليقين — فالإيمان اطمئنانٌ إلى ما يُرجى، واقتناعٌ راسخ بأمور لا تُرى. هلّلويا! وإذ عرفنا ما هو الإيمان، فما هي إذًا صلاة الإيمان؟

يقول مرقس 11:22-23: «فأجاب يسوع وقال لهم: «ليكن لكم إيمان بالله. لأنّي الحقّ أقول لكم: إنّ من قال لهذا الجبل: انتقل وانطرح في البحر! ولا يشكّ في قلبه، بل يؤمن أنّ ما يقوله يكون، فمهما قال يكون له. لذلك أقول لكم: كلّ ما تطلبونه حينما تصلّون، فآمنوا أن تنالوه، فيكون لكم»».

وصلاة الإيمان هذه تتضمّن أن تصلّي إلى الله، وأن تكلّم الظروف نفسها لكي تصطفّ هي مع ما تريده أنت، من غير أن يكون في قلبك أدنى شكّ البتّة. ومن أهمّ ما يميّز هذا النوع من الصلاة أنّه لا يخيب أبدًا، فلا ينبغي لك أن تشكّ فيه! اثبت على الكلمات التي تنطق بها، ولا تتزعزع فتقول إنّك لست متأكّدًا أيحدث ذلك أم لا يحدث.

«وإنّما إن كان أحدكم تعوزه حكمة، فليطلب من الله الذي يعطي الجميع بسخاء ولا يُعيّر، فسيُعطى له. ولكن ليطلب بإيمان غير مرتاب البتّة، لأنّ المرتاب يشبه موجًا من البحر تخبطه الريح وتدفعه». يعقوب 1:5-6. ومرّةً أخرى أقول لك: الإيمان لا يرتاب، لا يرتاب البتّة! وعليك أن تحفظ الاعتراف الصحيح.

ولاحظ هذا الأمر: في هذا النوع من الصلاة، تحسب الأمر قد تمّ بمجرّد أن تصلّي؛ وهو بذلك يختلف عن الصلاة المُغالِبة التي قد تمتدّ زمنًا طويلًا حتّى يحدث الأمر. أمّا في صلاة الإيمان، فالأمر يتمّ متى صلّيت.

وبكلّ هذا الذي عرفته الآن، يستطيع الروح القدس أن يرشدك إلى نوع الصلاة الذي تحتاج إليه لإحداث التغيير في مجالات حياتك المختلفة وفي مواقفها. فاخضع له وسلّم نفسك لقيادته، وهو سيرشدك على الدوام.

صفحة 1 / 7 · 9 دقيقة متبقية في الفصل