فصل 33 · قراءة 27 د · استماع 35 د
ملحوظات
ملحوظة أ.
القداسة بوصفها ملكية.
في كتاب صغير — «القداسة كما فهمها كتاب الكتاب المقدس: دراسة كتابية» لجوزيف أغار بيت — بسطت بعناية بالغة الفكرة القائلة إن المقصود بالقداسة هو علاقتنا بالله وحقه علينا. فالأرض المقدسة كانت كذلك لأنها «كانت في علاقة خاصة به هو». والأبكار «كان عليهم أن يقفوا في علاقة خاصة بالله بوصفهم ملكا له». وكذلك الأمة كلها؛ فحين يعلن الله أنهم يكونون قديسين، يعني «أنهم يقدمون له التكريس الذي يطلبه». «جميع الأشياء المقدسة تقف في علاقة خاصة بالله بوصفها ملكا له». ويقال عن الكهنة إنهم قدسوا أنفسهم؛ وقد فعلوا ذلك «بأن وضعوا أنفسهم رسميا تحت تصرف الله، أو بأن فصلوا أنفسهم عن كل ما لا يتفق مع خدمة الله». «حين يعلن الله أنه قدوس، يجب أن تحمل الكلمة الفكرة نفسها التي تحملها في مئات المواضع التي تنسب فيها إلى الناس والأشياء». «القداسة هي حق الله في امتلاك الناس والأشياء؛ والأشياء التي يطالب بها كانت تدعى مقدسة. وكان حق الله هذا إعلانا جديدا عجيبا عن طبيعته. فقد صار الله عند هارون الكائن العظيم الذي طالبه بخدمة مدى الحياة مقصورة عليه. وكان هذا الحق عهدا جديدا، لا في حياته اليومية فحسب، بل في تصوره لله أيضا. ومن ثم فإن كلمة مقدس، التي عبرت عن علاقة هارون بالله، استعملت استعمالا لائقا للتعبير عن علاقة الله بهارون. وبعبارة أخرى، كان الله عند هارون وإسرائيل قدوسا بمعنى أنه طالب بالملكية المطلقة للأمة كلها. وحين كان الناس يقدمون لله التكريس الذي طلبه، كان يقال إنهم يقدسون الله». «كانت بين يهوه وإسرائيل علاقة خاصة متبادلة؛ لذلك كان يهوه قدوس إسرائيل، وكان إسرائيل مقدسا ليهوه. وقامت هذه العلاقة المتبادلة على حق الله في أن يكون إسرائيل له على نحو خاص؛ وتضمن هذا الحق أنه هو أيضا سيكون لإسرائيل على نحو خاص. وكان هذا الحق إظهارا لطبيعة الله». «تنشأ العلاقة الخاصة من مطالبة الله نفسه، فيقفون بموجبها في علاقة جديدة مهيبة معه. ويمكن أن تسمى هذه القداسة الموضوعية. وهذا هو المعنى الأكثر شيوعا للكلمة. وبهذا المعنى قدس الله هذه الأشياء لنفسه. ولكن لما كان بعض هذه الأشياء كائنات عاقلة، وكان سائرها تحت تصرف هذه الكائنات، فإن الفعل قدس يدل على تسليم هؤلاء أنفسهم وممتلكاتهم لله تسليما رسميا. ويمكن أن تسمى هذه القداسة الذاتية. ومن كلمة قدوس منسوبة إلى الله نتعلم أن حق الله لم يكن عرضيا فحسب، بل فيضا من جوهره. فالله، بوصفه الكائن الواحد الذي يطالب بملكية غير محدودة ومطلقة وبتكريس أسمى، هو القدوس».
وفي العهد الجديد ينال روح الله صفة القدوس «لكونه على نحو خاص جدا المصدر والمؤثر الذي يكون الله غايته الوحيدة». وهنا «يزداد تصورنا لقداسة الله بازدياد إدراكنا لعظمة حقه علينا، ولكون هذا الحق نابعا من جوهر الله ذاته. وفي ابن الله المتجسد نرى التطور الكامل لفكرة القداسة الكتابية وتحققها. فنجده قائما في علاقة خاصة بالله، وعائشا حياة غايتها الوحيدة أن يعزز مقاصد الله». ونرى فيه «القداسة في أعلى درجاتها، أي أسمى تكريس يمكن تصوره لله ولتقدم ملكوته». «وبفضل تبنيه الواعي القلبي المستمر لقصد الآب، وبفضل تحقق هذا القصد في كل تفاصيل حياة المخلص، دعي قدوس الله».
«إن كلمة قديس لائقة جدا لتسمية أتباع المسيح؛ لأنها تعلن ما يطلب الله منهم أن يكونوه. فبدعوة الله شعبه قديسين يعلن مشيئته أن نحيا حياة يكون هو غايتها الوحيدة. هذه هي القداسة الموضوعية لكنيسة المسيح. وفي بعض المواضع توضع القداسة أمام شعب الله مقياسا ينبغي أن يبلغوه. وفي هذه المواضع تدل كلمة مقدس على تحقق قصد الله في الإنسان، أي أن يحيا حياة يكون الله غايتها الوحيدة. هذه هي القداسة الذاتية لشعب الله.
«القداسة هي حق الله في أن تستخدم خلائقه كل قواها وفرصها لتحقيق مقاصده. والقداسة، بهذا الفهم، صفة من صفات الله. لأن حقه ينبع من طبيعته، بل من تلك المحبة التي هي جوهر الله ذاته. فمحبته لنا تحمله على أن يطالب بتكريسنا؛ لأننا لا نبلغ أسمى سعادتنا إلا بالتكريس المطلق له».
«ومع أننا لا نستطيع أن نكون مقدسين ذاتيا بغير طهارة، فإن القداسة أكثر بكثير من الطهارة. فالطهارة فضيلة سلبية محض؛ أما القداسة فتتضمن أشد نشاط عقلي وجسدي نقدر عليه. لأنها استخدام كل قوانا وفرصنا لتعزيز مقاصد الله».
ويجاب عن سؤال «كيف نصير قديسين» هكذا: «إن تكريسنا لله ثمرة اتصال روحي داخلي بذاك الذي عاش مرة حياة بشرية على الأرض، ويحيا الآن حياة بشرية ممجدة على العرش، لا لشيء إلا ليتمم مقاصد الآب. نحن نحيا لله لأن المسيح يحيا هكذا، ولأن المسيح يحيا فينا ونحن فيه: وروح المسيح هو الفاعل في الاتصال الروحي بالمسيح الذي يمنحنا حياته ويعيد إنتاج حياته فينا. إنه حامل قوة المسيح كما هو حامل قداسته».
«إن الله يطالب شعبه بأن يكرسوا أنفسهم له بلا تحفظ، وإن ما يطالب به يعمله في كل من يؤمن بذلك، بقوته الخاصة العاملة بحضور الروح القدس في الداخل، الذي يضعنا في اتصال روحي بالمسيح: هذه هي العقيدة العظيمة، عقيدة التقديس بالإيمان».
وكان ديستل قد سبق فبسط الرأي نفسه، أي أن القداسة علاقة، بسطا مفصلا جدا. وفيما قيل عن الفداء والملكية في صلتهما بالقداسة (انظر «اليوم السادس») رأينا ما في هذه الفكرة من حق. ولكن القداسة شيء أكثر من ذلك. فما هو مقدس ليس مكرسا لله فحسب، بل هو ما قبله الله، واختصه لنفسه، واقتناه. فالله لا يملك القلب فحسب، بل يشغله شغلا مطلقا ويملؤه بحياته. وهذا ما يجعله مقدسا.
ومهما يكن في الشرح المتقدم من حق، فهو لا يكاد يلبي شوقنا إلى التبصر في ما هو من أسمى صفات كيان الله ذاته. فحين يسجد السرافيم له بوصفه القدوس، ويعكسون في هتافهم: قدوس، قدوس، قدوس، شيئا من أعمق أسرار اللاهوت، فلا بد أن ذلك يعني أكثر من مجرد التعبير عن حق الله بوصفه المالك السيد للكل.
ويبدو أن الخطأ ينشأ من أخذ معنى كلمة قدوس أولا من الأشياء الأرضية، ثم الاستنتاج من ذلك أن القداسة في الله لا يمكن أن تعني أكثر مما تعنيه حين تطلق على البشر. أما الكتاب المقدس فيشير إلى الطريق المعاكس. فحين يقول العهدان القديم والجديد: «كونوا قديسين لأني أنا قدوس، أنا مقدسكم»، فإنهما يشيران إلى قداسة الله بوصفها الأولى، أي السبب والمصدر لقداستنا كليهما. فعلينا أولا أن نكتشف ما هي القداسة في الله. وحين نقرأ في الخليقة أن الله قدس يوم السبت، فنحن لا نتعامل مع فكرة أو كلمة لموسى عما فعله الله، بل مع إعلان إلهي عن قوة في الله أعظم وأعجب من الخلق، القوة التي تعلن فيما بعد بوصفها أعمق أسرار الكيان الإلهي.
إن هذه القداسة في الله، كما يبدو لي، لا يمكن أن تكون مجرد علاقة. فالإشارة إلى علاقة لا تخبرني بشيء إيجابي عن الصفة الشخصية للطرفين المرتبطين بها أو عن قيمتهما. والقول إن الله حين يقدس البشر يطالب بهم ملكا له، لا يقول ما طبيعة العمل الذي يعمله لهم وفيهم، ولا ما القوة التي يعمله بها. ومع ذلك فإن تلك الكلمة ينبغي أن تعلن لي ما الذي يمنحه الله. والقول إن لهذا الحق جذرا في طبيعته ذاتها وفي محبته، وإن القداسة لذلك صفة من صفاته، يجعلها صفة لا كالمحبة أو الحكمة، كامنة في الكيان الإلهي قبل أن توجد الخلائق، بل مجرد أثر من آثار المحبة، يحمل الله على المطالبة بخلائقه ملكا خاصا له. وعندئذ لا تبقى لنا صفة تعبر عن كمال الله الأدبي. ولا تعود كلمة قدوس، حين تقال عن الابن والروح، تدل على ذلك التواصل العميق السري لطبيعة الله وحياته ذاتها، الذي فيه يكمن مجد التقديس. ففي القداسة الإلهية لنا أسمى إعلان عن جوهر الكيان الإلهي ذاته، إعلان مجيد مجدا يفوق التصور؛ وفي قداسة القديسين أعمق إعلان عن التغيير الذي به تتجدد طبيعتهم الباطنة على صورة الله.
ملحوظة ب.
في الكلمة الدالة على القداسة.
إن المعنى الأصلي للكلمة العبرية الدالة على قدوس، قادوش، أمر غير مؤكد. فقد تكون مشتقة من جذر معناه أشرق. (هكذا رأى جيزينيوس، وأولر، وفورست، ودليتش سابقا، في تفسير عبرانيين 2:11.) أو من جذر آخر يدل على الجديد والمشرق (ديستل)، أو من صيغة عربية تعني قطع وفصل. (هكذا يرى دليتش الآن، في تفسير مزمور 22:4.) ومهما يكن الجذر، فيبدو أن الفكرة الرئيسية ليست مجرد المنفصل أو المفروز، وهو ما للعبرية فيه كلمات مختلفة تماما، بل ما يتميز به الشيء المفصول عن غيره لقيمته فيعلو عليه. فهي تدل لا على الانفصال بوصفه فعلا أو واقعا فحسب، بل على التفوق أو الامتياز الذي بموجبه يتم الانفصال، سواء أكان امتيازا حاصلا أم مطلوبا.
وفي معجمه ليونانية العهد الجديد، كتب كريمر مقالة وافية عن الكلمة اليونانية هاغيوس، بين فيها كيف أن القداسة فكرة كتابية بحتة، و«كيف أن التصورات الكتابية لقداسة الله، على الرغم من القرابة الأصلية، مضادة تماما لكل المفاهيم اليونانية؛ وكيف أنه بينما تستبعد هذه الآراء نفسها في القداسة عن الآلهة كل إمكان للمحبة، فإن التصور الكتابي للقداسة لا ينبسط إلا في أوثق صلة بالمحبة الإلهية». وإنها لفكرة موحية جدا أننا مدينون بالكلمة والفكرة كلتيهما للإعلان وحده. فكل صفة أخرى من صفات الله لها في العقل البشري مفهوم يقابلها، أما فكرة القداسة فإلهية خالصة. أليس هذا هو السبب في أن كلمة مقدس لم تدخل إلا قليلا في اللغة اليومية والحياة اليومية للكنيسة المسيحية، مع أن الله في العهد الجديد قد دعا شعبه بكل وضوح قديسين؟
ملحوظة ج.
قداسة الله.
ليست هناك كلمة كتابية خالصة، إلهية بوضوح، ككلمة قدوس في إعلانها وفي معناها. ونتيجة لأصلها الإلهي هذا، فهي كلمة ذات مدلول لا ينفد. وليست هناك صفة من صفات الله وجد اللاهوتيون صعوبة في تعريفها كهذه الصفة، أو اختلفوا فيها هذا الاختلاف. ولعل نظرة موجزة على الآراء المختلفة التي قيلت فيها تعلمنا كم يعجز التعريف البشري عن الإحاطة بفكرة القداسة الإلهية أو استنفادها، وكيف أنه في حياة الشركة والسجود وحدها يمكن أن تدرك، حقيقة وواقعا، القداسة التي تفوق كل عقل.
1. الرأي الأكثر خارجية، الذي غاب فيه البعد الأخلاقي إلى حد بعيد، هو ذاك الذي يطابق بين القداسة وانفصال الله عن الخليقة وارتفاعه فوقها. فعرفت القداسة بأنها مجد الله الذي لا يقارن، واستحقاقه وحده للعبادة، وجلاله غير المحدود. ولم يلتفت بما يكفي إلى أن هذه الأفكار كلها، وإن كانت وثيقة الصلة بقداسة الله، ليست إلا تعريفا شكليا لنتائج القداسة وما يحيط بها، ولكنها لا تقودنا إلى إدراك ما يقوم فيه جوهرها الحقيقي.
2. ورأي آخر، يبدأ هو أيضا من الخارج ويجعل ذلك أساس تفسيره، يرى في القداسة مجرد تعبير عن علاقة. فلأن ما كان يفرز لخدمة الله كان يدعى مقدسا، تؤخذ فكرة الانفصال والتكريس والملكية نقطة انطلاق. وهكذا، لأنه يقال عنا إننا مقدسون لانتمائنا إلى الله، يكون الله قدوسا لمطالبته بنا وانتمائه إلينا أيضا. وبدلا من اعتبار القداسة حقيقة إيجابية في الطبيعة الإلهية تستمد منها قداستنا، تجعل قداستنا نقطة الانطلاق لشرح قداسة الله. «الله قدوس لأنه، داخل العهد، ليس المالك فحسب، بل هو أيضا ملك لشعبه، خيرهم الأسمى وقاعدتهم الوحيدة» (ديستل). وقد سبق ذكر هذا الرأي في الملحوظة الملحقة بـ«اليوم السادس»، عن القداسة بوصفها ملكية.
3. وإذا انتقلنا إلى آراء الذين يعتبرون القداسة صفة أدبية، فأكثرها شيوعا هو أنها الطهارة والبراءة من الخطية. «القداسة اسم عام للكمال الأدبي لله. ليس قدوس مثل الرب: فلا كائن آخر طاهر طهارة مطلقة وحر من كل حد في كماله الأدبي. فالقداسة تتضمن من جهة البراءة التامة من الشر الأدبي، ومن جهة أخرى الكمال الأدبي المطلق». (هودج، «اللاهوت النظامي».) وفكرة القداسة بوصفها الطهارة غير المحدودة البريئة من كل خطية، التي تبغضها وتعاقبها، هي الفكرة الأبرز في التصور الشائع. فالجانب السلبي يتقدم على الجانب الإيجابي. ولهذا الرأي حقه وقيمته من حيث إن أول انطباع لا بد أن تتركه قداسة الله فينا، في حالتنا الخاطئة، هو الخوف والرهبة إذ نعي خطيتنا وعدم قداستنا. ولكنه لا يخبرنا بما يقوم فيه حقا هذا الامتياز الأدبي أو الكمال الإلهي.
4. ومن التقدم على هذا الرأي محاولة تحديد ما هو هذا الكمال الإلهي. فالشيء كامل حين يكون في كل شيء كما ينبغي أن يكون. ومن السهل أن نعرف الكمال على هذا النحو، ولكن ليس من السهل أن نعرف ما هو كمال شيء بعينه: فهذا يحتاج إلى معرفة طبيعته. ولا بد أن نقنع بعبارات عامة جدا تعرف قداسة الله بأنها الخير الجوهري المطلق. «القداسة هي التأكيد الحر المتروي الهادئ الثابت لذاته، هو الذي هو الصلاح، أو للصلاح الذي هو ذاته» (غوديه في تفسير يوحنا 17:11). «القداسة هي تلك الصفة التي بها يجعل يهوه نفسه المقياس المطلق لذاته، ولكيانه وإعلانه». (كوبل.)
5. ويقرب من هذا الرأي القول إن القداسة ليست صفة بقدر ما هي «المجموع الكامل لما اعتدنا أن ننظر إليه ونمثله منفردا في صفات الله الفردية». هكذا نظر بنغل إلى القداسة بوصفها الطبيعة الإلهية التي تحتوي على كل الصفات. وبالروح نفسها يتكلم هاو عن القداسة بوصفها الجمال الإلهي، ثمرة الانسجام الكامل بين كل الصفات: «القداسة جمال عقلي. والقداسة الإلهية أكمل جمال، ومقياس كل جمال آخر. القداسة الإلهية هي البهاء الأكمل، البهاء الذي لا يوصف ولا يفنى، الذي لا تعبر عنه الكلمات ولا تراه العيون. ولذلك يمكن أن تسمى صفة متعالية تسري، إن جاز القول، في سائر الصفات، وتلقي مجدا على كل واحدة منها. إنها صفة الصفات. ومن الأوصاف اللائقة أن نقول: قدرة مقدسة، محبة مقدسة. وهكذا فهي بهاء كمالاته الأخرى ومجدها. إنه معتز في القداسة». (هاو، في «التعليم المسيحي المختصر» لوايت.) وكان هذا هو جانب القداسة الإلهية الذي أحب جوناثان إدواردز أن يتأمل فيه. «المحبة المتبادلة بين الآب والابن تكون الثالث، الروح القدس الشخصي، أو قداسة الله، التي هي جماله غير المحدود». «وبإشراك الخليقة في قداسة الله تشترك الخليقة في الامتياز الأدبي لله، الذي هو الكمال، جمال الطبيعة الإلهية». «القداسة تشمل كل الامتياز الأدبي الحقيقي للكائنات العاقلة. وهكذا فإن قداسة الله هي هي الامتياز الأدبي للطبيعة الإلهية، الشامل لكل كمالاته: بره وأمانته وصلاحه. وفي الله نوعان من الصفات، بحسب طريقتنا في تصوره: صفاته الأدبية التي تتلخص في قداسته، وصفاته الطبيعية، كالقوة والمعرفة وغيرهما، التي تكون عظمته. والأشخاص المقدسون، في ممارستهم للعواطف المقدسة، يحبون الله أولا لجمال قداسته». «قداسة الخليقة العاقلة هي ما يضفي الجمال على كل كمالاتها الطبيعية. وكذلك الأمر في الله: فالقداسة على نحو خاص هي جمال الكيان الإلهي. ومن هنا نقرأ كثيرا عن جمال القداسة (مزمور 29:2؛ 96:9؛ 110:3). وهذا يجعل كل الصفات الأخرى مجيدة وجميلة». «لذلك إذا كان الجمال الحقيقي لكمالات الله ينشأ من جمال قداسته، فإن المحبة الحقيقية لكل كمالاته تنشأ من محبة قداسته. وكما أن جمال الطبيعة الإلهية يقوم أولا في قداسة الله، فكذلك جمال كل الأمور الإلهية».
6. وحين يتحدث بعضهم عن قداسة الله بوصفها الدالة على الخير الجوهري، أي الامتياز المطلق لطبيعته، يشددون كثيرا على الجانب الأخلاقي. فالخير في الله لا يجوز أن يصدر عن مجرد دافع طبيعي، نابع من ضرورة طبيعته، دون أن يريده هو بحرية. «إن ما هو خير بالطبيعة ليس التحقق الحقيقي للخير. فلا بد أن يكون للإرادة الفعلية الحية، أي أن يريد أن يكون الخير الذي هو إياه، مكانها في الله أيضا، وإلا لكان الله أخلاقيا بالطبيعة فقط. ففي الإرادة التي تحدد ذاتها عن وعي وحدها يعطى إمكان الأخلاقي. وللأخلاقي في الله قوة تجعله القوة القدوسة، الذي لا يقدر ولا يريد أن ينكر ذاته، الذي لا بد أن يكون، ويريد أن يعتبر، الضرورة القدوسة للصلاح الذي هو ذاته، — أن يكون القدوس. إن محبة الله قدوسة في جوهرها؛ إنها تريد الضروري أخلاقيا، أي المقدس، الذي هو الله، وتحفظه». (دورنر، «النظام»، المجلد الأول.)
7. وقد شعر أصحاب هذه الآراء بأنها لا تعترف اعترافا كافيا بالحق القائل إن الله يدعى الفادي خصوصا بوصفه القدوس، وإنه يعمل عمل المحبة ليقدس. فأدى ذلك إلى الرأي القائل إن القداسة والمحبة تعبيران متلازمان، إن لم يكونا متطابقين. «الله قدوس، مرتفع فوق كل تسبيح الخليقة في استحقاقه للتسبيح الذي لا يقارن، بسبب تنازله الحر المحب إلى الخليقة، ليظهر فيها مجد محبته». «الله قدوس، من حيث إن المحبة فيه قد كبحت الغضب العادل وغلبته (كما يقول هوشع 11:9)، ولا يجرى القضاء إلا بعد تجربة كل طرق الرحمة. وهذه القداسة تنكشف في اسم العهد الجديد، المرتفع بقدر ما هو متنازل: اسم الآب». (شتير في تفسير يوحنا 17.)
8. والقدر الكبير من الحق في هذا الرأي يلاقيه تعبير تجتمع فيه الجوانب الصحيحة لقداسة الله. فهي تعرف بأنها الانسجام بين حفظ الذات وإعطاء الذات. فالله، بوصفه القدوس، يبغض الخطية ويسعى إلى إبادتها. وبوصفه القدوس، يقدس الخاطئ ثم يأخذه إلى محبته. وفي حفاظه على محبته لا يفقد لحظة واحدة طهارته وكماله الإلهيين؛ وفي حفاظه على بره لا يزال يعطي ذاته للخليقة الساقطة. القداسة هي المجد الإلهي الذي المحبة والبر وجهاه، والذي يعلنانه في عملهما على الأرض.
«القداسة هي حفظ الله لذاته، الذي به يصون نفسه حرا من العالم الذي خارجه، ويبقى متسقا مع ذاته وأمينا لكيانه، والذي به، لهذا الغرض، يخلق عالما إلهيا يحيا له وحده في نظام كنيسته». (لانغه.)
«قداسة الله هي حفظ الله لذاته، أو احتفاظه بذاته، الذي بموجبه يبقى هو هو في كل العلاقات القائمة داخل لاهوته أو التي يدخل فيها، فلا يضحي أبدا بما هو إلهي، ولا يقبل ما ليس إلهيا. ولكن هذا جانب واحد فقط. فقداسة الله لا تكون قداسة، بل انعزالا، لو لم تتح لله أن يدخل في علاقات متعددة، فيعلن ذاته ويعطيها. لذلك فالقداسة هي اتحاد احتفاظ الله بذاته وإعطائه ذاته وتداخلهما؛ اتحاد قربه وبعده؛ انفراده وإعلانه ذاته؛ الانفصال والشركة». (شميدر.)
«القداسة الإلهية هي في الأساس اعتزال عن نجاسة الخليقة وخطيتها، أو، بالتعبير الإيجابي، نقاء الطبيعة الإلهية وطهارتها، التي تستبعد كل صلة بالأشرار. وانسجاما مع ذلك فإن القداسة الإلهية، بوصفها صفة من صفات الإعلان، ليست مجرد قوة مجردة، بل هي تمثيل الله لذاته وشهادته لذاته بقصد إشراك العالم في الحياة الإلهية». (أولر، «لاهوت العهد القديم»، ج 1، ص 160.)
«إن مقاومة الخطية هي أول انطباع يتلقاه الإنسان عن قداسة الله. فالاستبعاد، والاختيار، والتطهير، والفداء — هذه هي الصور الأربع التي تظهر فيها قداسة الله في دائرة البشرية؛ ويمكننا أن نقول إن قداسة الله تعني مقاومته للخطية التي تظهر في الكفارة والفداء، أو في الدينونة. أو، لما كانت القداسة، من حيث تجسدها في الناموس، لا بد أن تكون أسمى كمال أدبي، يمكننا أن نقول: ‹القداسة هي طهارة الله التي تظهر في الكفارة والفداء، وفي الدينونة بالمقابل.› وبهذا الرأي تنال كل العناصر المذكورة أعلاه حقها؛ فالقداسة تؤكد ذاتها في البر الذي يدين، وفي المحبة التي تختار وتطهر وتفدي، وهكذا تظهر بوصفها المبدأ الدافع والمكون لإعلان الفداء، الذي يستحيل فهم الإعلان بدون معرفته، وبإدراكه يرى الإعلان في نوره الكامل الواضح. الله نور: هذه عبارة كاملة وافية من العهد الجديد عن قداسة الله» (يوحنا الأولى 1:5). (كريمر.)
وقد أبرز هذا الرأي بوضوح خاص في كتابات ي. ت. بك. «إنها قداسة الله التي، إذ تأخذ الخير الذي أعطي في الخلق، بأمانة تامة لتلك المشيئة الإلهية الصالحة الكاملة، بوصفه قصد المحبة الأبدي للحياة، تتممه بالبر والرحمة حتى كماله في الله نفسه، إلى حياة كاملة. ويعمل الله هذا بوصفه القدوس وحده. وفي عالم الخطية لا تستطيع المحبة الإلهية أن تأتي بالخلاص إلا بوساطة تتصالح فيها مع الغضب الإلهي في مركزهما المشترك، قداسة الله، على نحو يظهر فيه الغضب حقيقته المهلكة، وتبرهن المحبة على قوتها المجددة في الحياة التي تهبها». (بك، «علم العقيدة»، ص 168، 547.)
«القداسة هي جملة الحياة الإلهية وجوهرها، من حيث إنها، بالمقارنة مع كل ما هو مخلوق، توجد حياة كاملة، ولكن من حيث إنها في الوقت نفسه تنفتح للخليقة لتأخذها إلى كمال شبيه بكمال الله — أي لتكون مقدسة كما أن الله قدوس. وهكذا فالقداسة أبعد ما تكون عن مضادة المحبة الإلهية، بل هي سمتها الجوهرية أو قاعدتها، والمضمون الفعلي للمحبة. ففي القداسة يجتمع الوجود الذاتي الإلهي بوصفه كمال حياة، والفاعلية الذاتية الإلهية في تحقيق كمال حياة شبيه بالله في العالم. والقداسة، بوصفها صفة من صفات الكيان الإلهي، هي شخصيته الطاهرة المكتفية بذاتها اكتفاء لا ينتهك، في كمالها المطلق. ومن هنا فإن كل صفات الإعلان الإلهي تتمركز في القداسة، بوصفها الوحدة والطهارة المطلقتين للكيان الإلهي وعمله. وهكذا فالقداسة، بوصفها معبرة عن كيان الله، تجعل المحبة إلهية في جوهرها.
«المحبة هي الصورة الأساسية للمشيئة الإلهية، ولكنها بهذه الصفة تتلقى ملأها وطابعها الإلهيين من القداسة الإلهية، بوصفها الوجود الذاتي الإلهي والفاعلية الذاتية الإلهية. وبهذه الصفة تظهر المشيئة الإلهية ذاتها في صورتين: في محبتها الخالصة بوصفها صلاحا، وفي انسجامها القدوس بوصفها برا. وهذان لا يوجدان منفصلين، بل يتخلل أحدهما الآخر في سكنى متبادلة، كما أن الله في قداسته محبة، وفي محبته قداسة. ففي الصلاح تظهر المحبة الإلهية ذاتها سرورا بحسن حال الخلائق. ولكن في هذا الصلاح يعمل أيضا بر الله، ليضمن حسن فعلها». (ي. ت. بك، «عقيدة الإيمان».)
«الله قدوس، منفصل عن كل ظلمة وخطية، ولكن ليس في جلال منعزل يطرد الناقص والخاطئ من حضرته: لأن الله نور، والله محبة. ومن طبيعة النور أن يعطي ذاته. فهو، إذ يبقى نقيا ساطعا، غير منقوص ولا ملوث، يغلب الظلمة ويوقد النور. وكذلك تذكر قداسة الله في الكتاب المقدس في الغالب مقرونة بالمحبة، معطية ذاتها وجاذبة إليها. ‹أنا قدوس› — ولكن الله لا يبقى وحده منفصلا — ‹كونوا أنتم أيضا قديسين›». (سافير في تفسير عبرانيين 12.)
«حين نفكر في الله بوصفه نورا ومحبة، ندرك على أكمل وجه فكرة القداسة، التي تجمع الانفصال والطهارة إلى الشركة». (سافير، «الصلاة الربانية»، ص 128.)
«إن الله هو القدوس خصوصا بوصفه روح كنيسته، وبوصفه ساكنا في القلب البشري». (نيتش.)
أما أن قداسة الله تجتمع فيها المحبة والبر، فلعل أحدا لم يعبر عن ذلك بوضوح أكثر من غوديه. ففي تفسيره لرسالة رومية 3:25-26 يكتب:
«تنشأ ضرورة الذبيحة الكفارية من صفة الله الإلهية كلها؛ أي من قداسته، التي هي مبدأ محبته وبره معا، لا من بره وحده».
«في هذه المسألة لسنا نتعامل مع الله في جوهره، بل مع الله في علاقته بالإنسان الحر. والإنسان ليس مقدسا في البداية؛ فاستعماله لحريته لم تضبطه المحبة بعد. لذلك لا بد أن تظهر صفة البر، والعزم الثابت على صون القداسة الإلهية، بوصفهما ضمانة ضرورية حالما تدخل الحرية إلى المسرح، ومعها إمكان الفوضى؛ ولا بد أن تبقى هذه الصفة عاملة ما دامت فترة تربية الخليقة قائمة — أي إلى أن تبلغ الكمال في المحبة. وعندئذ تعود كل هذه العوامل — الحق والناموس والعدل — إلى حالتها الكامنة….
«من الشائع أن تعتبر المحبة السمة الأساسية للصفة الإلهية؛ وبهذه الطريقة يصعب جدا الوصول إلى صفة البر. بل إن معظم المفكرين لا يصلون إليها البتة. وهذه الحقيقة وحدها كافية لتبين الخطأ الذي وقعوا فيه. قدوس، قدوس، قدوس، تقول الخلائق الأقرب إلى الله، لا: صالح، صالح، صالح. القداسة، هذا هو جوهر الله؛ والقداسة هي المحبة المطلقة للخير، والنفور المطلق من الشر. ومن هنا ليس من الصعب استنتاج المحبة والبر كليهما. فالمحبة هي إرادة الله الخير لكل الكائنات الحرة المعينة لتحقيق الخير. والمحبة تتجه إلى الأفراد، كما تتجه القداسة نفسها إلى الخير الذي ينبغي أن ينتجوه. أما البر فهو عزم الله الثابت على صون العلاقات السوية بين كل هذه الخلائق ببركاته وعقوباته. ومن الواضح أن البر داخل، لا أقل من المحبة نفسها، في السمة الأساسية للصفة الإلهية، أي القداسة. فليس إذن مما يسيء إلى الله أن نتحدث عن عدله وحقوقه. بل هو، على العكس، مجد لله، الذي يعلم أنه بحفاظه على مكانه يضمن خير الآخرين. لأن الله، بحفاظه على كرامته العليا، يحفظ لخلائقه أثمن كنوزها: إلها جديرا باحترامها ومحبتها».
وفي كتابه «الدفاع عن الإيمان المسيحي» يكتب غوديه عن «القداسة الكاملة ليسوع المسيح» ما يلي:
«ليس الفائق للطبيعة في أسمى صوره هو المعجزي، بل هو القداسة. ففي المعجزي نرى القدرة الكلية منطلقة لتعمل في العالم المادي لمصلحة النظام الأدبي. أما القداسة فهي الأخلاق ذاتها في أسمى مظاهرها. ما الصلاح؟ لقد قيل حديثا، بدقة لا تترك شيئا مرغوبا: ليس الصلاح كيانا — شيئا. إنه ناموس يحدد العلاقات بين الأشياء، علاقات ينبغي أن تحققها إرادات حرة. فالخير الكامل إذن هو التحقق، السوي والحر معا، للعلاقات الصحيحة بين كل الكائنات بعضها ببعض؛ بحيث يشغل كل كائن، بفضل هذه العلاقة، ذلك المكان في الكل العظيم، ويؤدي فيه ذلك الدور، اللذين يليقان به.
«والآن، كما أن في الأسرة البشرية علاقة مركزية واحدة تتوقف عليها سائر العلاقات — علاقة الأب بكل أعضاء هذا الكل الصغير — كذلك يوجد في الكون مركز أسمى واحد، هو سند كل ما عداه، ويجب، لمصلحة كل الكائنات، أن يصان سليما فوق كل شيء — وهو مركز الله. وهنا بالذات، في الدائرة العامة للخير، يقع الميدان الخاص للقداسة. فالقداسة في الله نفسه هي عزمه الثابت على أن يصون سليما النظام الذي ينبغي أن يسود بين كل الكائنات الموجودة، وأن يجعلها تحقق تلك العلاقة بعضها ببعض التي ينبغي أن تربطها معا في وحدة عظيمة، ومن ثم أن يصون، فوق كل شيء، سليما وفي كرامته اللائقة، مكانه هو بالنسبة إلى الكائنات الحرة. وقداسة الله، بهذا الفهم، تشمل أمرين: إفاضة كل غنى حياته الإلهية على كل كائن حر يرضى أن يعترف بسيادته ويذعن لها بإخلاص؛ وحجب تلك الحياة الكاملة أو سحبها من كل كائن يهاجم تلك السيادة أو ينكرها، ويسعى إلى أن ينفض عنه رباط التبعية الذي ينبغي أن يربطه بالله. والقداسة في الخليقة هي إذعانها الطوعي لسيادة الله العليا. فالإنسان الذي يقدم، بكل قوى طبيعته، الولاء لله بوصفه الأسمى، الكائن المطلق، الوحيد الكائن حقا؛ الإنسان الذي يسجد طوعا في حضرته شاعرا بعدمه هو، ويسعى إلى أن يجتذب كل رفاقه من الخلائق إلى إنكار الذات الطوعي نفسه، إنما يلبس بذلك طابع القداسة. وهذه القداسة تشمل فيه، كما في الله، المحبة والبر: المحبة التي بها يفرح بالاعتراف بالله وبكل الكائنات المحيطة بالله، بوصفها موضوعة حيث هي بيده. فهو يحبها ويريد وجودها، لأنه يحب وجود الله ويريده، ويحب ويريد في الوقت نفسه كل ما يريده الله ويحبه؛ والبر الذي به يحترم الله، ويحمل الآخرين قدر استطاعته على احترامه، ويحترم الدائرة التي عينها الله لكل كائن. هذه هي القداسة كما توجد في الله وفي الإنسان: في الله هي تأكيده الثابت الذي لا يلين لذاته؛ وفي الإنسان هي تأكيده الثابت الذي لا يلين لله.
«ففي يسوع ترى الطبيعة البشرية كيف يستطيع الإنسان أن يؤكد الله وكل ما يؤكده الله، لا بتواضع فحسب، بل بفرح وبروح البنوة، بكل قوى كيانه، حتى التضحية الكاملة بنفسه».
إن التأمل المتأني سيبين لنا أن في كل رأي من الآراء المتقدمة قدرا من الحق. وسيقنعنا كيف أن صعوبة صياغة تصور القداسة الإلهية للفكر البشري تبرهن بحد ذاتها على أنها أسمى تعبير عن ذلك المجد الذي لا يوصف ولا يتصور للكيان الإلهي، والذي يجعله الإله غير المحدود المجيد. فكل صفة من صفات الله — الحكمة والقدرة، البر والمحبة — لها صورتها في الطبيعة البشرية، وكانت مقترنة بفكرة الله في دين الوثنيين أو فلسفتهم. فمن أنفسنا، إذا نزعنا فكرة النقص، يمكننا أن نكون تصورا ما عما هو الله. أما القداسة فهي ما يميز الإلهي، المضمون الخاص للإعلان الإلهي. فلنتعلم أن نعترف بأننا مهما سعينا، تارة من جانب وتارة من جانب آخر، إلى الإمساك بهذه الفكرة، فإن قداسة الله شيء يسمو على كل فكر، مجد لا يدرك بالتفكير بقدر ما يعرف بالسجود والشركة. والكتاب المقدس لا يتحدث عن القداسة بقدر ما يتحدث عن القدوس. فبقدر ما نسجد ونخاف، ونطيع ونحب، أي في حياة مع الله، ينكشف شيء من سر مجده. وكلما أشرق النور الإلهي فينا ومن خلالنا، أعلن القدوس.
ملحوظة د.
«إن قداستنا لا تقوم في أن نتغير نحن ونصير أفضل: بل هي بالحري هو، هو نفسه، إذ يولد فينا وينمو، على نحو يملأ قلوبنا، ويطرد ذاتنا الطبيعية، ‹إنساننا العتيق›، التي لا تقدر هي نفسها أن تتحسن، والتي ليس مصيرها إلا الهلاك.
«وكيف يتم هذا النوع من التجسد، الذي به يصير المسيح نفسه ذاتنا الجديدة؟ بعملية ذات طابع حر وأدبي، وصفها يسوع بكلمات تدهش، لأنها تضع تقديسه هو على قدم المساواة تقريبا مع تقديسنا: ‹كما أرسلني الآب الحي، وأنا حي بالآب، فمن يأكلني فهو يحيا بي›.
«لقد استمد يسوع غذاء حياته من الآب الذي أرسله: كان حيا بالآب. ومعنى ذلك بلا شك أنه في كل مرة كان عليه أن يعمل أو يتكلم، كان يمحو ذاته أولا؛ ثم يترك للآب أن يفكر ويريد ويعمل، وأن يكون كل شيء فيه. وكذلك نحن، حين ندعى إلى عمل أي فعل أو قول أية كلمة، يجب أن نمحو ذواتنا أولا في حضرة يسوع؛ وبعد أن نكون قد أخمدنا فينا، بفعل من الإرادة، كل رغبة وكل فكر وكل فعل من ذاتنا، نترك ليسوع أن يظهر فينا مشيئته وحكمته وقوته. عندئذ نحيا به، كما يحيا هو بالآب. فالعملية واحدة في يسوع وفينا. غير أنها في يسوع كانت تجري مع الله مباشرة، لأنه كان في شركة مباشرة معه؛ أما في حالتنا فالتعامل هو مع يسوع، لأن المؤمن يتصل به هو اتصالا مباشرا، وبه نستطيع أن نجد الآب الحي ونقتنيه. وفي ذلك يكمن السر، الذي قلما يفهم في العادة، سر التقديس المسيحي». (غوديه، «دراسات كتابية: العهد الجديد»، ص 190.)
ملحوظة هـ.
أود مرة أخرى أن أحيل جميع دارسي القداسة إلى كتاب مارشال عن التقديس، ولا سيما الفصلين الثالث والرابع منه. فإن هم قارنوه بمؤلفاتنا الحديثة — مثل كتاب «طريق الله إلى القداسة» لمؤلف بارز كالدكتور هـ. بونار — لا بد أن يلفت نظرهم البروز الذي يعطيه مارشال لفكرة واحدة: أن قداستنا، أي الطبيعة المقدسة، معدة في يسوع، وأنه بقدر ما يقبل الإيمان اتحادنا بيسوع ويحفظه في الصلة الشخصية به، يكون التقديس بالإيمان. وبينما لا يذكر الاتحاد بيسوع والإيمان به في مؤلفات أخرى إلا عرضا، ويقع التشديد الرئيسي على الواجبات والدوافع التي تحث على أدائها، يبين مارشال كيف أن الدوافع لا تستطيع أبدا أن تمدنا بالقوة التي نحتاج إليها: إنما هي قوة حياة المسيح فينا، إنما هو المسيح نفسه، إذ نتأصل فيه بالإيمان، الذي يعمل فينا كل أعمالنا.
وقد نشرت دار نيسبت وشركاه موجزا لهذا الكتاب للاستعمال الشعبي.
ملحوظة و.
ملحوظة لبنغل على رومية 1:4.
«من جهة روح القداسة. إن الكلمة هاغيوس، قدوس، حين يكون الكلام عن الله، لا تدل فقط على الاستقامة التي لا عيب فيها في العمل، بل على اللاهوت ذاته، أو، بتعبير أدق، على الألوهة، أي امتياز الطبيعة الإلهية. ومن ثم فإن هاغيوسيني (الكلمة المستعملة هنا) لها معنى وسط بين هاغيوتيس، القداسة، وهاغياسموس، التقديس. قارن عبرانيين 12:10 (هاغيوتيس أي القداسة)، و12:14 (هاغياسموس أي التقديس). فكأن هناك ثلاث درجات: التقديس، وقدسية الحياة، والقداسة. والقداسة تنسب إلى الآب والابن والروح القدس. ولما كان الروح القدس غير مذكور هنا، بل روح القداسة (أو بالأدق: القدسية، هاغيوسيني)، فعلينا أن نبحث أيضا ما تعنيه هذه العبارة اللافتة. فاسم الروح يطلق صراحة وكثيرا جدا على الروح القدس؛ ولكن الله أيضا يدعى روحا؛ والرب يسوع المسيح يدعى روحا، ولكن بالمقابلة مع الأخير. (كورنثوس الثانية 3:17.) ومع هذا يجب أن نقارن واقع أن المقابلة بين الجسد والروح ترد كثيرا حين يكون الكلام عن المسيح، كما في هذا الموضع. (تيموثاوس الأولى 3:16؛ بطرس الأولى 3:18.) ففي هذه المواضع يطلق الروح على كل ما يخص المسيح (بمعزل عن الجسد، مع أن هذا كان طاهرا ومقدسا، وفوق الجسد)، بولادته من الآب الذي قدسه: باختصار، لاهوته ذاته. لأن الجسد والروح هنا، والجسد واللاهوت في الأصحاح 9:5، يقابل أحدهما الآخر. وهذا الروح لا يدعى هنا روح القدس، اللقب المعتاد للروح القدس؛ بل يدعى في هذا الموضع روح القدسية، ليوحي في آن واحد بفاعلية تلك القداسة أو الألوهة، التي أدت بالضرورة إلى قيامة المخلص، والتي بها تجلت على أقوى نحو، وبتلك القوة الروحية المقدسة، أو الإلهية، ليسوع الذي تمجد واحتفظ مع ذلك بجسد روحي. فقبل القيامة كان الروح مستترا تحت الجسد؛ وبعد القيامة سترت روح القدسية الجسد. وبالنسبة إلى الأول كان يدعو نفسه ابن الإنسان؛ وبالنسبة إلى الثاني يعرف بأنه ابن الله».
ويعبر بك عن ذلك بوضوح شديد في كتابه «علم العقيدة»، ص 604، هكذا:
«لما كانت براءة المسيح وطهارته حاضرتين في آلامه وموته، لا بوصفهما صفة ساكنة، بل عاملتين بكامل فاعليتهما في قوة الحياة التي لا تزول للروح، إذ قدس ذاته لله لأجلنا (‹بروح أزلي›، عبرانيين 9:14 — لذلك في رومية 1:4 هاغيوسيني، أي عادة القداسة في فعلها أو القدسية، لا هاغيوتيس، أي صفة باطنة فقط، ولا هاغياسموس، أي القداسة في تكوينها) — فقد صنعت آلامه فداء أبديا».
ملحوظة ز.
«محررون» و«مملوكون» — الثمرة المزدوجة للفداء.
(من خطاب للقس ستوكماير.)«ٱلَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لِأَجْلِنَا، لِكَيْ يَفْدِيَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، وَيُطَهِّرَ لِنَفْسِهِ شَعْبًا خَاصًّا غَيُورًا فِي أَعْمَالٍ حَسَنَةٍ.»
«في عمل الفداء الذي أتمه مخلصنا يسوع المسيح جزآن محددان. ولن تجد أبدا سر الثبات في المسيح ما دمت لا ترى هذين الجزأين المحددين المتميزين. الأول هو ‹يسوع لأجلي›، والآخر ‹أنا ليسوع›. تبارك مخلصنا لأنه جاء لأجل الخطاة. هو لأجلنا. تبارك الرب لأن هناك فداء من العقوبة؛ ولكن هذا ليس بعد كل ما يعنيه الفداء. يجب أن يكون لك إدراك واضح للجزء الثاني من الفداء، بذلك الروح القدس نفسه الذي هو المرشد ليدخلنا إلى الامتلاك الكامل لكل ما أتمه المسيح لأجلنا في حياته وموته. لقد بذل نفسه لكي يفدينا من كل إثم — لا لكي نتمتع بالرضا عن طهارتنا أو قداستنا أو ما شابه ذلك؛ بل لكي يقتنينا له بالكلية، ليطهر لنفسه، لأجل نفسه، لا لأجل نفسه ولأجلهم، بل لنفسه، شعبا خاصا ملكا له.
«فما هو الفداء إذن؟ — التحرر من الذات، حتى الذات الروحية. لسنا لنكون مركز أنفسنا، مركز فرحنا وتقدمنا، ممسكين بأيدينا الضعيفة المسكينة خيوط حياتنا الروحية. لا توجد حياة روحية حقيقية إلا حياة المسيح، ولا بد أن يتولى هو رعايتها بالكلية من البداية إلى النهاية. ارفعوا عيونكم، أيها الإخوة الأعزاء، أنتم الذين كنتم تزحفون على الأرض. لقد خلقنا لمجد الله، لنكون ملكا ليسوع. لقد وجد الرب الإله طريقا، إذ بذل ابنه، حمل الله، حمله هو، ليأتي بأناس أنانيين كهؤلاء، وجدوا حتى في طريق الحياة المسيحية وسائل يطلبون بها الذات ويغذونها، ليأتي بأناس كهؤلاء إلى ملكيته الحقيقية العملية، ليكونوا ملكا ليسوع. هذا هو الفداء، وهذا وحده؛ هذه هي الحرية، وهذه هي الحقيقة؛ هذا ما يشبع: لا أن تشبع بأي اختبارات خاصة بك، بل أن تتخلى عن اختباراتك وتقول: أنا حر، حر كما كان شعب إسرائيل حين خرجوا من مصر، أحرارا ليعبدوا الله. ‹أطلق شعبي ليعبدوني›. أنتم أحرار، أحرار بدم المسيح، أحرار بقوة الروح القدس — لا جسد، ولا يد، ولا ذات تستطيع أن تعيقكم. لقد مد الرب ذراعيه على كل القوات التي أبقتنا في عبودية مصر، وانتصر عليها. أنتم أحرار كطير السماء لتحيوا في يسوع — هذه هي الحرية؛ أنتم أحرار في حياتكم اليومية، أحرار في أعمق أعماق كيانكم وأخفاها، أحرار ليسوع، مملوكون له، شعب خاص ملك له. أطلق شعبي، قال الله. وقال يسوع: هكذا قد بذلت دمي؛ فلا جسد ولا خطية ولا ذات تستطيع أن تطالب بشيء ضد دم يسوع. لقد افتدى لنفسه، لا لأجلنا، شعبا خاصا ملكا له….
«إنك تسأل عن سر الثبات في يسوع. ألم تر هذا في الأصحاح الخامس عشر من يوحنا، أن الثبات والإثمار لا ينفصلان؟ لا تستطيع أن تثبت في يسوع لأجل فرحه ولأجل رضاك الداخلي. سر الثبات أن تقف بوصفك مفديا، ثابتا في الجزء الثاني من الفداء ثباتك في الأول. إنني الآن أحيا ليسوع، وليس علي إلا أن أسأل: يا رب، ماذا تريد أن يعمل الآن؟ أنا لك. أنا ليسوع. ليس علي إلا أن أتبع، أن أتبع بوصفي مقدسا، بوصفي مملوكا، بوصفي واحدا لم يعد يحيا لنفسه، بل سلم حياته إلى يدي يسوع. آه، ما أبسط مسائل الثبات هذه حينئذ! ليست هي تصوفا؛ ولا هي اختبارا خاصا. إنها ببساطة حقيقة واقعة. أنا محتاج إلى يسوع في كل لحظة، وتجاربي كما واجباتي تصير فرصا لتحقيق حياة الشركة هذه مع المسيح. آه، نعم، هذا هو الفداء! يا لقوة الله الآب، الله الابن، الله الروح القدس، العظيمة، الملتزمة بأن تحفظ شيئا ضعيفا عاجزا غير أمين مثلك ومثلي في مركز الحياة! مختومون بالروح القدس، والله لن يكسر ختمه أبدا».
النهاية.
موريسون وغيب، طابعون، إدنبرة.
اكتمل الفصل 33
ملحوظات