الاعترافات
الكتاب الثالث عشر

فصل 13 · قراءة 43 د

الكتاب الثالث عشر

الفصل الأول

أدعوكَ يا إلهي، يا رحمتي، يا مَن خلقتَني ولم تنسَني وأنا ناسٍ إيّاكَ. أدعوكَ إلى نفسي التي تُعِدّها لكَ بالشوق الذي تبثّه أنتَ فيها. لا تتركني الآن وأنا أدعوكَ، أنا الذي سبقتَه قبل أن أدعوكَ، وألححتَ عليه بدعواتٍ متكرّرة شتّى الأنواع، لكي أسمعكَ من بعيد، وأرجع، وأدعوكَ أنتَ الذي كنتَ تدعوني؛ لأنّكَ يا ربّ محوتَ كلَّ استحقاقاتي الشرّيرة، لئلّا تجازي بها يديَّ اللتين سقطتُ بهما عنكَ؛ وسبقتَ كلَّ استحقاقاتي الصالحة، لتجازي عملَ يديكَ اللتين صنعتَني بهما؛ لأنّكَ كنتَ قبل أن أكون، ولم أكن شيئًا تمنحه أن يكون؛ ومع ذلك فها أنا كائن، بصلاحكَ الذي سبق كلَّ ما جعلتَني إيّاه، وكلَّ ما جعلتَني منه. فإنّكَ لم تكن في حاجةٍ إليَّ، ولستُ أنا خيرًا يُرجى منه عونٌ لكَ يا ربّي وإلهي؛ لا لأخدمكَ كأنّكَ تتعب من العمل، أو كأنّ قدرتكَ تنقص إن عدمَتْ خدمتي؛ ولا لأتعهّد عبادتكَ كأرضٍ تبقى بورًا ما لم أفلحكَ أنا؛ بل لأخدمكَ وأعبدكَ، فأنال منكَ أن أكون في خير، أنتَ الذي منكَ أنّ لي كيانًا قابلًا لأن يكون في خير.

الفصل الثاني

فمن فيض صلاحكَ تقوم خليقتُكَ، حتى إنّ خيرًا لا ينفعكَ بشيء، ولم يكن منكَ (لئلّا يكون عندئذٍ مساويًا لكَ)، يوجد مع ذلك، إذ أمكن أن يُصنع بكَ. فبماذا استحقّت منكَ السماءُ والأرض اللتان صنعتَهما في البدء؟ لتقُلْ تلك الطبائع الروحية والجسدية التي صنعتَها في حكمتكَ بماذا استحقّت منكَ أن تتعلّق بها (حتى في حالها تلك الأولى الناقصة العديمة الصورة، روحيةً كانت أم جسدية، المهيّأة للانزلاق إلى حرّيةٍ بلا ضابط وإلى بُعدٍ عنكَ في عدم الشبه بعيد؛ الروحيّ منها، وإن كان بلا صورة، أسمى من الجسديّ وإن كان ذا صورة، والجسديّ، وإن كان بلا صورة، خيرٌ من أن يكون عدمًا محضًا)، وأن تتعلّق هكذا بكلمتكَ وهي بلا صورة، ما لم تُرَدّ بالكلمة نفسها إلى وحدتكَ، فتُكسى صورةً، ومنكَ أنتَ الخير الأسمى الواحد تصير كلُّها حسنةً جدًّا. فكيف استحقّت منكَ أن تكون ولو بلا صورة، وهي لم تكن حتى هذا إلا منكَ؟

كيف استحقّت منكَ المادةُ الجسدية أن تكون ولو غير منظورة وبلا صورة؟ وهي لم تكن حتى هذا لولا أنّكَ صنعتَها، ومن ثَمّ فإنّها، إذ لم تكن، لم يكن في وسعها أن تستحقّ منكَ أن تُصنع. أو كيف استطاعت الخليقة الروحية في بدايتها الناقصة أن تستحقّ منكَ ولو أن تموج في الظلمة مدًّا وجزرًا كالغمر، غيرَ شبيهةٍ بكَ، لولا أنّها رُدَّت بالكلمة نفسها إلى ذاك الذي خُلقت به، وبه استنارت فصارت نورًا، لا على قدر المساواة، بل على مثال تلك الصورة المساوية لكَ؟ فكما أنّ الوجود في الجسد ليس هو كونَه جميلًا، وإلا لما أمكن أن يكون قبيحًا، كذلك الحياة للروح المخلوق ليست هي الحياة بحكمة، وإلا لكان حكيمًا حكمةً لا تتغيّر. أمّا خيرُه فأن يلتصق بكَ دائمًا، لئلّا يفقد بالإعراض عنكَ ما ناله من نورٍ بالرجوع إليكَ، فينتكس إلى حياةٍ أشبه بالغمر المظلم. فإنّنا نحن أيضًا، الذين نحن من جهة النفس خليقةٌ روحية، لمّا أعرضنا عنكَ يا نورنا، كنّا في تلك الحياة ظلمةً حينًا، وما زلنا نكدح بين بقايا ظلمتنا، إلى أن نصير في وحيدكَ برَّكَ، مثل جبال الله. فقد كنّا أحكامَكَ التي هي كالغمر العظيم.

الفصل الثالث

إنّ ما قلتَه في بدء الخليقة: ليكن نور، فكان نور، أفهمه، ولا أراه فهمًا في غير موضعه، عن الخليقة الروحية؛ لأنّه كان هناك من قبلُ ضربٌ من الحياة تنيره أنتَ. ولكن كما أنّها لم يكن لها عليكَ حقٌّ في حياةٍ قابلةٍ للاستنارة، كذلك لم يكن لها، وقد وُجدت، حقٌّ في أن تستنير. فإنّ حالها العديمة الصورة ما كانت لتُرضيكَ ما لم تصر نورًا، لا بمجرّد الوجود، بل بالنظر إلى النور المنير والالتصاق به؛ حتى إنّ حياتها، وحياتها في سعادة، لا تدين بها لشيءٍ إلا لنعمتكَ، إذ تحوّلت تحوّلًا إلى الأفضل نحو ذاك الذي لا يتحوّل إلى أسوأ ولا إلى أفضل؛ وذاك أنتَ وحدكَ، لأنّكَ وحدكَ الكائن كونًا بسيطًا؛ فليست الحياة عندكَ شيئًا والحياةُ في الغبطة شيئًا آخر، إذ أنتَ نفسكَ غبطتُكَ.

الفصل الرابع

فماذا كان يمكن أن ينقص خيرَكَ الذي هو أنتَ نفسكَ، ولو لم تكن هذه الأشياء قطّ، أو بقيت بلا صورة؛ هذه التي صنعتَها لا عن حاجة، بل من فيض صلاحكَ، ضابطًا إيّاها ومحوّلًا إيّاها إلى الصورة، لا كأنّ فرحكَ يكتمل بها؟ فنقصُها لا يرضيكَ أنتَ الكامل، ومن ثَمّ كمّلتَها فأرضتكَ؛ لا كأنّكَ ناقصٌ، وبتكميلها كنتَ أنتَ أيضًا تُكمَّل. فإنّ روحكَ الصالح كان حقًّا يُحمَل فوق المياه، لا محمولًا بها، كأنّه يستقرّ عليها. فأولئك الذين يُقال إنّ روحكَ الصالح يستقرّ عليهم، إنّما يجعلهم هو يستقرّون فيه. بل إنّ مشيئتكَ التي لا يعتريها فسادٌ ولا تغيّر، المكتفية بذاتها في ذاتها، كانت تُحمَل فوق تلك الحياة التي خلقتَها، والتي ليست الحياة عندها هي الحياة في سعادة، إذ هي تحيا أيضًا وهي تموج مدًّا وجزرًا في ظلمتها؛ فبقي عليها أن ترجع إلى الذي صنعها، وأن تحيا أكثر فأكثر عند ينبوع الحياة، وأن ترى في نوره نورًا، فتكمل وتستنير وتتجمّل.

الفصل الخامس

ها هو الثالوث يتراءى لي الآن في مرآةٍ في لغز، وهو أنتَ يا إلهي؛ لأنّكَ أنتَ أيّها الآب، في الذي هو بدء حكمتنا، الذي هو حكمتكَ، المولود منكَ، المساوي لكَ والأزليّ معكَ، أي في ابنكَ، خلقتَ السماء والأرض. لقد قلنا الآن كثيرًا في سماء السماوات، وفي الأرض غير المنظورة والعديمة الصورة، وفي الغمر المظلم، من جهة ما في تشوّهه الروحيّ من تيهٍ وعدم ثبات، لو لم يُردّ إلى ذاك الذي كان منه ما له يومئذٍ من قدرٍ من الحياة، فصار بإنارته حياةً بهيّة، وصار سماءَ تلك السماء التي جُعلت بعدئذٍ بين ماءٍ وماء. وكنتُ قد فهمتُ الآن تحت اسم الله الآبَ الذي صنع هذه الأشياء، وتحت اسم البدء الابنَ الذي فيه صنعها؛ ولمّا كنتُ أومن بإلهي ثالوثًا، بحثتُ أبعد في أقواله المقدّسة، وإذا روحكَ يُحمَل فوق المياه. فها هو الثالوث يا إلهي: الآب والابن والروح القدس، خالق الخليقة كلّها.

الفصل السادس

ولكن ما كانت العلّة، أيّها النور الناطق بالحقّ؟ إليكَ أرفع قلبي، فلا يعلّمني الأباطيل؛ بدّد ظلمته، وقل لي، أتوسّل إليكَ، بأمّنا المحبّة، قل لي السبب، أتوسّل إليكَ، لماذا لم يذكر كتابُكَ روحَكَ إلا بعد ذكر السماء، والأرض غير المنظورة والعديمة الصورة، والظلمة على الغمر؟ أكان ذلك لأنّه لاق أن تُقدَّم معرفته بوصفه «محمولا فوق»، وهذا ما لم يكن ليُقال ما لم يُذكر أوّلًا ذاك الذي يمكن أن يُفهم أنّ روحكَ كان محمولًا فوقه؟ فإنّه لم يكن محمولًا فوق الآب، ولا فوق الابن، ولا كان يصحّ أن يُقال إنّه محمول فوق، لو لم يكن محمولًا فوق شيء. فكان لا بدّ أن يُذكر أوّلًا ما يمكن أن يُحمَل فوقه، ثم يُذكر هو الذي لاق ألّا يُذكر إلا بوصفه محمولًا. ولكن لماذا لم يلِق أن تُقدَّم معرفته إلا بوصفه محمولًا فوق؟

الفصل السابع

من هنا فليتبع مَن يستطيع بعقله رسولَكَ حيث يقول هكذا: لأنّ محبّتكَ قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا؛ وحيث يعلّمنا في شأن المواهب الروحية ويرينا طريقًا أفضل، طريق المحبّة؛ وحيث يحني ركبتيه لكَ من أجلنا، لكي نعرف محبّة المسيح الفائقة المعرفة. ولذلك كان منذ البدء محمولًا، وهو الفائق، فوق المياه. لمَن أقول هذا؟ وكيف أتكلّم عن ثقل الشهوات الشرّيرة الذي يجرّنا إلى أسفل، إلى الهاوية السحيقة؛ وكيف ترفعنا المحبّة من جديد بروحكَ الذي كان محمولًا فوق المياه؟ لمَن أقوله؟ وكيف أقوله؟ فليس في المكان نغوص ونطفو. فأيّ شيءٍ أشبه من هذا، ومع ذلك أيّ شيءٍ أبعد شبهًا؟ إنّها انفعالات، إنّها ضروب حبّ: دنسُ روحنا ينحدر إلى أسفل بحبّ الهموم، وقداسة روحكَ ترفعنا إلى فوق بحبّ الراحة الخالية من القلق؛ لكي نرفع قلوبنا إليكَ، حيث روحكَ محمولٌ فوق المياه، فنبلغ تلك الراحة الفائقة، حين تكون نفسنا قد عبرت المياه التي لا قوام لها.

الفصل الثامن

سقط الملائكة، وسقطت نفس الإنسان، وأشاروا بذلك إلى الهاوية في تلك اللجّة المظلمة، المهيّأة للخليقة الروحية كلّها، لو لم تقل أنتَ منذ البدء: ليكن نور، فكان نور، ولو لم يلتصق بكَ كلُّ عقلٍ مطيعٍ من مدينتكَ السماوية ويسترح في روحكَ الذي يُحمَل بلا تغيّر فوق كلّ متغيّر. وإلا لكانت سماء السماوات نفسها في ذاتها غمرًا مظلمًا؛ أمّا الآن فهي نورٌ في الربّ. فإنّكَ حتى في ذلك القلق البائس للأرواح التي سقطت وكشفت عن ظلمتها حين تعرّت من ثوب نوركَ، تُظهر بما فيه الكفاية كم جعلتَ الخليقة العاقلة شريفة، إذ لا يكفيها شيءٌ دونكَ ليهبها راحةً سعيدة، ولا حتى ذاتها. فإنّكَ أنتَ يا إلهنا تنير ظلمتنا، ومنكَ يشرق ثوب نورنا، وحينئذٍ تكون ظلمتنا كالظهيرة. هَبْ لي ذاتكَ يا إلهي، رُدَّ إليَّ ذاتكَ: ها أنا أحبّ، وإن كان ذلك قليلًا، فإنّي أريد أن أحبّ بأشدّ. لا أستطيع أن أقيس فأعرف كم ينقصني بعدُ من الحبّ حتى تجري حياتي إلى أحضانكَ، ولا تحيد عنها، حتى تُخبَّأ في ستر وجهكَ. هذا وحده أعرفه: أنّ الويل لي إلا فيكَ، لا خارج ذاتي فقط، بل في داخلها أيضًا؛ وكلُّ وفرةٍ ليست إلهي هي لي فقر.

الفصل التاسع

ولكن ألم يكن الآب أو الابن محمولًا فوق المياه؟ إن كان المعنى في المكان، كجسم، فلا الروح القدس أيضًا كان كذلك؛ وإن كان المعنى سموَّ اللاهوت الذي لا يتغيّر فوق كلّ ما يتغيّر، فقد كان الآب والابن والروح القدس جميعًا محمولين فوق المياه. فلماذا إذن يُقال هذا عن روحكَ وحده، لماذا يُقال عنه هو وحده؟ كأنّه كان في مكان، وهو ليس في مكان، وهو وحده الذي كُتب عنه أنّه عطيّتكَ؟ في عطيّتكَ نستريح؛ وهناك نتمتّع بكَ. راحتنا هي مكاننا. الحبّ يرفعنا إلى هناك، وروحكَ الصالح يرفع وضاعتنا من أبواب الموت. في رضاكَ سلامنا. الجسم بثقله يسعى نحو مكانه. والثقل لا يتّجه إلى أسفل فقط، بل إلى مكانه الخاصّ. النار تميل إلى أعلى، والحجر إلى أسفل. يدفعهما ثقلهما، فيطلبان مكانيهما. الزيت إذا صُبّ تحت الماء ارتفع فوق الماء؛ والماء إذا صُبّ على الزيت غاص تحت الزيت. يدفعهما ثقلهما إلى طلب مكانيهما. فإذا خرجت عن نظامها قلقت، وإذا رُدّت إلى نظامها استراحت. ثقلي هو حبّي؛ به أُحمَل حيثما حُملت. نلتهب، وبعطيّتكَ نشتعل، فنُحمل إلى فوق؛ نتّقد في الداخل، ونمضي قُدُمًا. نصعد الطرق التي في قلوبنا، ونرنّم ترنيمة المصاعد؛ نتّقد في الداخل بناركَ، بناركَ الصالحة، ونمضي؛ لأنّنا نصعد إلى سلام أورشليم: فقد فرحتُ بالقائلين لي: إلى بيت الربّ نذهب. هناك أقامنا رضاكَ، لكي لا نشتهي شيئًا آخر إلا أن نبقى هناك إلى الأبد.

الفصل العاشر

طوبى للخليقة التي، وهي في ذاتها غيرُكَ، لم تعرف حالًا غير هذه: أنّها ما إن صُنعت حتى رُفعت، بلا أيّ فاصل، بعطيّتكَ التي تُحمَل فوق كلّ متغيّر، رُفعت بتلك الدعوة التي قلتَ بها: ليكن نور، فكان نور. أمّا فينا فقد جرى هذا في أزمنةٍ مختلفة، إذ كنّا ظلمةً فصرنا نورًا؛ وأمّا عنها فلا يُقال إلا ما كانت ستكون عليه لو لم تستنر. وقد قيل هذا كأنّها كانت قبلًا مضطربةً مظلمة، لكي تظهر العلّة التي بها صارت على غير تلك الحال، أي أنّها لمّا رُدَّت إلى النور الذي لا يخبو صارت نورًا. فمَن استطاع فليفهم هذا، وليسألكَ أنتَ. لماذا يزعجني، كأنّي أستطيع أن أنير كلَّ إنسانٍ آتٍ إلى هذا العالم؟

الفصل الحادي عشر

مَن منّا يدرك الثالوث القدير؟ ومع ذلك مَن منّا لا يتكلّم عنه، إن كان حقًّا هو ما يتكلّم عنه؟ نادرةٌ هي النفس التي تعرف، وهي تتكلّم عنه، عمّاذا تتكلّم. ويتنازعون ويتخاصمون، ولكن بغير سلامٍ لا يرى أحدٌ تلك الرؤيا. ليت الناس يتأمّلون هذه الثلاثة التي هي في أنفسهم. إنّ هذه الثلاثة لأبعد ما تكون عن الثالوث؛ وإنّما أدلّهم على موضعٍ يروّضون فيه أنفسهم، فيختبرون هناك ويحسّون كم هي بعيدة. والثلاثة التي أعنيها هي: أن أكون، وأن أعرف، وأن أريد. فأنا كائن، وعارف، ومريد: أنا كائنٌ عارفٌ مريد؛ وأعرف أنّي كائن وأنّي مريد؛ وأريد أن أكون وأن أعرف. ففي هذه الثلاثة إذن، ليتبيّن مَن يستطيع كم هي حياةٌ لا تنفصم، بل حياةٌ واحدة، وعقلٌ واحد، وجوهرٌ واحد؛ بل ليتبيّن أخيرًا كم هو تمييزٌ لا انفصال فيه، ومع ذلك هو تمييز. حقًّا إنّ الإنسان يجد ذلك أمامه؛ فلينظر في نفسه، وليرَ، وليخبرني. ولكن إذا اكتشف شيئًا من هذه واستطاع أن يقول فيها شيئًا، فلا يظنّنّ لذلك أنّه وجد ما هو فوقها، ذاك الذي لا يتغيّر، الذي يكون بلا تغيّر، ويعرف بلا تغيّر، ويريد بلا تغيّر. وهل بسبب هذه الثلاثة يوجد في الله أيضًا ثالوث، أم أنّ الثلاثة كلّها في كلّ واحد، بحيث تكون الثلاثة لكلّ واحد، أم الأمران معًا على نحوٍ عجيب، ببساطةٍ ومع ذلك بتعدّد، هو في ذاته حدٌّ لذاته، ومع ذلك غير محدود، به يكون، ويُعرف لذاته، ويكفي ذاته، هو هو بلا تغيّر، بعظمة وحدته الفيّاضة؛ مَن ذا الذي يستطيع أن يتصوّر هذا بسهولة؟ ومَن ذا الذي يقدر أن يعبّر عنه بأيّ وجه؟ ومَن ذا الذي يجرؤ أن يقضي فيه بتهوّر بأيّ حال؟

الفصل الثاني عشر

امضِ في اعترافكَ، وقل للربّ إلهكَ، يا إيماني: قدّوس، قدّوس، قدّوس، أيّها الربّ إلهي، باسمكَ اعتمدنا، أيّها الآب والابن والروح القدس؛ وباسمكَ نعمّد، أيّها الآب والابن والروح القدس؛ لأنّه فينا نحن أيضًا صنع الله في مسيحه السماء والأرض، أي الشعبَ الروحيَّ والشعبَ الجسديَّ من كنيسته. بل إنّ أرضنا، قبل أن تتقبّل صورة التعليم، كانت غير منظورة وبلا صورة، وكنّا مغطّين بظلمة الجهل. لأنّكَ أدّبتَ الإنسان على الإثم، وكانت أحكامكَ له كالغمر العظيم. ولكن لأنّ روحكَ كان محمولًا فوق المياه، لم تتخلَّ رحمتُكَ عن شقائنا، وقلتَ: ليكن نور، توبوا لأنّه قد اقترب ملكوت السماوات. توبوا، ليكن نور. ولأنّ نفسنا اضطربت فينا، ذكرناكَ يا ربّ من أرض الأردن، ومن ذلك الجبل المساوي لكَ، الذي صار صغيرًا من أجلنا؛ فساءتنا ظلمتنا، ورجعنا إليكَ، فكان نور. وها نحن كنّا قبلًا ظلمة، وأمّا الآن فنورٌ في الربّ.

الفصل الثالث عشر

ولكنّنا بعدُ بالإيمان لا بالعيان، لأنّنا بالرجاء خلصنا؛ ولكنّ الرجاء المنظور ليس رجاءً. ولا يزال غمرٌ ينادي غمرًا، ولكن الآن بصوت ميازيبكَ. ولا يزال ذاك الذي يقول: لم أستطع أن أكلّمكم كروحيّين بل كجسديّين، لا يزال هو نفسه لا يحسب أنّه قد أدرك، وينسى ما هو وراء، ويمتدّ إلى ما هو قدّام، ويئنّ مثقَلًا، وتعطش نفسه إلى الله الحيّ كما يشتاق الإيّل إلى جداول المياه، ويقول: متى أجيء؟ مشتاقًا أن يلبس فوقه مسكنه الذي من السماء، وينادي هذا الغمر الأسفل قائلًا: لا تشاكلوا هذا الدهر، بل تغيّروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم. ويقول: لا تكونوا أولادًا في أذهانكم، بل كونوا أولادًا في الشرّ، لكي تكونوا كاملين في أذهانكم؛ ويقول: أيّها الغلاطيّون الأغبياء، مَن رقاكم؟ ولكنّه لا ينادي الآن بصوته هو، بل بصوتكَ أنتَ الذي أرسلتَ روحكَ من العلاء، بذاك الذي صعد إلى العلاء وفتح ميازيب عطاياه، لكي تفرّح قوّةُ أنهاره مدينة الله. إليه يتنهّد صديقُ العريس هذا، وقد صارت له الآن باكورة الروح مذخورةً عنده، ومع ذلك لا يزال يئنّ في نفسه متوقّعًا التبنّي، أي فداء جسده؛ إليه يتنهّد، عضوًا في العروس؛ ومن أجله يغار، صديقًا للعريس؛ من أجله يغار، لا من أجل نفسه؛ لأنّه بصوت ميازيبكَ، لا بصوته هو، ينادي ذلك الغمر الآخر الذي يغار عليه ويخاف، لئلّا كما خدعت الحيّةُ حوّاءَ بمكرها، تفسد أذهانهم عن البساطة التي في عريسنا، ابنكَ الوحيد. آه، أيّ نورٍ بهيٍّ سيكون ذلك، حين نراه كما هو، وتزول تلك الدموع التي كانت لي خبزًا نهارًا وليلًا، إذ يقولون لي كلّ يوم: أين إلهكَ؟

الفصل الرابع عشر

ها أنا أيضًا أقول يا إلهي: أين أنتَ؟ انظر، أين أنتَ! فيكَ أتنفّس قليلًا، حين أسكب نفسي عليَّ بصوت الابتهاج والحمد، صوتِ المعيِّد. ومع ذلك فهي حزينة من جديد، لأنّها تنتكس فتصير غمرًا، أو بالحريّ تدرك أنّها لا تزال غمرًا. يكلّمها إيماني الذي أوقدتَه لتنير قدميَّ في الليل: لماذا أنتِ حزينةٌ يا نفسي، ولماذا تزعجينني؟ ترجّي الربّ؛ كلمته سراجٌ لقدميكِ؛ ترجّي واصبري، حتى يعبر الليل، أمُّ الأشرار، حتى يعبر غضب الربّ، الذي كنّا نحن أيضًا قبلًا أبناءه، نحن الذين كنّا قبلًا ظلمة، ونحمل بقاياها في جسدنا المائت بسبب الخطية؛ حتى يفيح النهار وتنهزم الظلال. ترجّي الربّ؛ في الصباح أقف أمامكَ وأتأمّلكَ، وإلى الأبد أعترف لكَ. في الصباح أقف أمامكَ، وأرى خلاص وجهي، إلهي، الذي سيحيي أيضًا أجسادنا المائتة بالروح الساكن فينا، لأنّه بالرحمة حُمل فوق غمرنا الداخليّ المظلم المتموّج؛ الذي منه نلنا في هذه الغربة عربونًا، أن نكون الآن نورًا، ما دمنا بالرجاء نخلص، ونحن أبناء النور وأبناء النهار، لا أبناء الليل ولا الظلمة، التي كنّاها مع ذلك قبلًا. وبين أولئك وبيننا، في هذا الريب الذي في المعرفة البشرية، أنتَ وحدكَ تفصل؛ أنتَ الذي تمتحن قلوبنا، وتدعو النور نهارًا والظلمة ليلًا. فمَن يميّزنا غيرُكَ؟ وأيّ شيءٍ لنا لم نأخذه منكَ؟ فمن الكتلة الواحدة تُصنع آنيةٌ للكرامة، ومنها تُصنع أخرى أيضًا للهوان.

الفصل الخامس عشر

أو مَن غيرُكَ يا إلهنا صنع لنا ذلك الجلَد، جلَدَ السلطان فوقنا، في كتابكَ الإلهيّ؟ كما قيل: فإنّ السماء ستُطوى كدَرْج؛ وهي الآن مبسوطةٌ فوقنا كجلد. فإنّ لكتابكَ الإلهيّ سلطانًا أسمى، إذ إنّ أولئك البشر المائتين الذين بهم توزّعه علينا قد ذاقوا الموت. وأنتَ تعلم يا ربّ، أنتَ تعلم، كيف ألبستَ البشرَ جلودًا حين صاروا بالخطية مائتين. ومن ثَمّ بسطتَ كالجلد جلَدَ كتابكَ، أي أقوالكَ المتآلفة، التي تنشرها فوقنا بخدمة بشرٍ مائتين. فبموتهم نفسه امتدّ جلَدُ السلطان الراسخ ذاك، في أقوالكَ التي أذاعوها، امتدادًا أسمى فوق كلّ ما هو تحته؛ ولم يكن ممتدًّا على هذا النحو السامي ما داموا أحياءً هنا. لم تكن بعدُ قد بسطتَ السماء كجلد؛ ولم تكن بعدُ قد نشرتَ في كلّ الجهات مجدَ موتهم.

فلننظر يا ربّ إلى السماوات، عمل أصابعكَ؛ أزِلْ عن أعيننا تلك الغمامة التي بسطتَها تحتها. هناك شهادتكَ التي تصيّر الصغار حكماء: أكمِلْ يا إلهي حمدكَ من أفواه الأطفال والرضّع. فإنّنا لا نعرف كتبًا أخرى تهدم الكبرياء هكذا، وتهدم هكذا العدوّ والمدافع عن نفسه، الذي يقاوم مصالحتكَ بالدفاع عن خطاياه. لا أعرف يا ربّ، لا أعرف أقوالًا أخرى نقيّةً كهذه، تحملني هكذا على الاعتراف، وتليّن عنقي لنيركَ، وتدعوني أن أخدمكَ مجّانًا. فلأفهمها أيّها الآب الصالح: هَبْ لي هذا، أنا الموضوع تحتها؛ لأنّكَ من أجل الموضوعين تحتها أثبتَّها.

وهناك مياهٌ أخرى فوق هذا الجلَد، أحسبها خالدةً ومفصولةً عن الفساد الأرضيّ. فلتسبّح اسمكَ، ولتسبّحكَ، تلك الشعوب التي فوق السماوات، ملائكتكَ، الذين لا حاجة بهم إلى أن يتطلّعوا إلى هذا الجلَد، أو أن يعرفوا كلمتكَ بالقراءة. فإنّهم ينظرون كلّ حين وجهكَ، وهناك يقرأون، بلا مقاطع زمنية، ما تريده مشيئتكَ الأزلية؛ يقرأون، ويختارون، ويحبّون. إنّهم يقرأون أبدًا، وما يقرأونه لا يزول أبدًا؛ لأنّهم باختيارهم وحبّهم يقرأون ثبات مشورتكَ الذي لا يتغيّر. كتابهم لا يُغلق، ودَرْجهم لا يُطوى؛ إذ أنتَ نفسكَ كتابهم هذا، وأنتَ إلى الأبد؛ لأنّكَ أقمتَهم فوق هذا الجلَد الذي أرسيتَه ثابتًا فوق وهن الشعب الأدنى، حيث يتطلّعون فيعرفون رحمتكَ، التي تُخبر في الزمن بكَ أنتَ صانعِ الأزمنة. فإنّ رحمتكَ يا ربّ في السماوات، وحقّكَ يبلغ إلى الغمام. الغمام يزول، أمّا السماء فتبقى. كارزو كلمتكَ يمضون من هذه الحياة إلى أخرى؛ أمّا كتابكَ فمبسوطٌ فوق الشعوب إلى انقضاء الدهر. بل السماء والأرض أيضًا تزولان، ولكنّ كلامكَ لا يزول. لأنّ الدَّرج سيُطوى، والعشب الذي كان مبسوطًا فوقه سيزول مع جماله؛ أمّا كلمتكَ فتثبت إلى الأبد، وهي تتراءى لنا الآن تحت صورة الغمام المظلمة، ومن خلال مرآة السماوات، لا كما هي؛ لأنّنا نحن أيضًا، وإن كنّا أحبّاء ابنكَ، لم يظهر بعدُ ماذا سنكون. إنّه يتطلّع من شبابيك جسدنا، وكلّمنا بحنان، وأضرمنا، فجرينا وراء رائحة أطيابه. ولكن متى ظهر فسنكون مثله، لأنّنا سنراه كما هو. كما هو، يا ربّ، سيكون نظرنا.

الفصل السادس عشر

فأنتَ وحدكَ تعرف كيف أنتَ على الإطلاق؛ أنتَ الكائن بلا تغيّر، والعارف بلا تغيّر، والمريد بلا تغيّر. فجوهركَ يعرف ويريد بلا تغيّر؛ ومعرفتكَ تكون وتريد بلا تغيّر؛ ومشيئتكَ تكون وتعرف بلا تغيّر. ولا يبدو حسنًا في عينيكَ أن يُعرف النور الذي لا يتغيّر من الشيء المستنير المتغيّر كما يعرف هو ذاته. لذلك نفسي كأرضٍ لا ماء فيها، لأنّها كما لا تستطيع أن تنير ذاتها بذاتها، كذلك لا تستطيع أن تُشبع ذاتها بذاتها. فهكذا عندكَ ينبوع الحياة، كما أنّنا بنوركَ نرى نورًا.

الفصل السابع عشر

مَن جمع أهلَ المرارة معًا في جماعةٍ واحدة؟ فإنّ لهم جميعًا غايةً واحدة، سعادةً زمنيةً أرضية، يفعلون كلّ شيءٍ لبلوغها، وإن كانوا يتقلّبون صعودًا وهبوطًا في تنوّعٍ لا يُحصى من الهموم. مَن يا ربّ غيرُكَ قال: لتجتمع المياه إلى مكانٍ واحد، ولتظهر اليابسة، التي تعطش إليكَ؟ فإنّ البحر أيضًا لكَ، وأنتَ صنعتَه، ويداكَ هيّأتا اليابسة. وليست مرارة إرادات البشر هي التي تُدعى بحرًا، بل مجتمع المياه؛ فأنتَ تكبح الشهوات الشرّيرة في نفوس البشر، وتضع لها حدودها، إلى أيّ مدى يُسمح لها أن تتجاوز، لكي تتكسّر أمواجها بعضها على بعض؛ وهكذا تجعلها بحرًا، بنظام سلطانكَ على كلّ الأشياء.

أمّا النفوس العطشى إليكَ، والتي تظهر أمامكَ (إذ هي مفصولةٌ بحدودٍ أخرى عن جماعة البحر)، فتسقيها أنتَ من ينبوعٍ عذب، لكي تُخرج الأرض ثمرها، وتُنبت نفسُنا، بأمركَ أنتَ أيّها الربّ الإله، أعمالَ الرحمة كجنسها، محبّين قريبنا بإغاثته في حاجات جسده، ولها بزرها فيها كشبهها، حين نرقّ، من إحساسنا بضعفنا، رقّةً تحملنا على إغاثة المحتاجين، معينين إيّاهم كما نودّ أن نُعان لو كنّا في مثل حاجتهم؛ لا في الأمور الهيّنة فقط، كالعشب الذي يبزر بزرًا، بل أيضًا في حماية نجدتنا، بأقصى قوّتنا، كالشجر الذي يعمل ثمرًا؛ أي بالإحسان في إنقاذ المظلوم من يد القويّ، وإعطائه ملجأ الحماية، بقوّة القضاء العادل الجبّارة.

الفصل الثامن عشر

هكذا يا ربّ، هكذا، أتوسّل إليكَ، لينبت، كما تصنع أنتَ، وكما تهب البشاشة والقدرة، ليُنبت الحقُّ من الأرض، وليطّلع البرُّ من السماء، ولتكن أنوارٌ في الجلَد. لنكسر للجائع خبزنا، ولندخل المساكين التائهين إلى بيتنا. لنكسُ العريان، ولا نتغاضَ عن لحمنا. فإذا نبتت هذه الثمار من الأرض، فانظر إنّها حسنة؛ وليتفجّر نورنا الزمنيّ، ولنظهر نحن، إذ نرتقي من هذا الإثمار الأدنى في العمل إلى بهجة التأمّل، متمسّكين بكلمة الحياة في العلاء، كأنوارٍ في العالم، ملتصقين بجلَد كتابكَ. فهناك تعلّمنا أن نفصل بين المعقولات والمحسوسات كما بين النهار والليل؛ أو بين النفوس المنصرفة إلى المعقولات والنفوس المنصرفة إلى المحسوسات؛ حتى إنّه لم تعد أنتَ وحدكَ الآن، في سرّ قضائكَ، كما قبل أن يُصنع الجلَد، تفصل بين النور والظلمة، بل إنّ أبناءكَ الروحيّين أيضًا، وقد وُضعوا ورُتّبوا في الجلَد نفسه (الآن وقد انكشفت نعمتكَ في العالم كلّه)، ينيرون على الأرض، ويفصلون بين النهار والليل، ويكونون لآياتٍ وأزمنة: أنّ الأشياء العتيقة قد مضت، وهوذا الكلّ قد صار جديدًا؛ وأنّ خلاصنا الآن أقرب ممّا كان حين آمنّا؛ وأنّ الليل قد تناهى واقترب النهار؛ وأنّكَ تكلّل سنتكَ بالبركة، مرسلًا فعلة صلاحكَ إلى حصادكَ، الذي تعب آخرون في زرعه، ومرسلًا أيضًا إلى حقلٍ آخر يكون حصاده في المنتهى. هكذا تستجيب صلوات السائل، وتبارك سني الصدّيقين؛ أمّا أنتَ فأنتَ هو، وفي سنيكَ التي لا تفنى تُعِدّ أهراءً لسنينا العابرة. فإنّكَ بمشورةٍ أزلية تمنح الأرض البركات السماوية في أوقاتها. فإنّه لواحدٍ يُعطى بالروح كلامُ حكمة، كأنّه النور الأصغر: ولآخر إيمان؛ ولآخر الموهبةُ مع نور الحقّ الجليّ، كأنّه لحكم النهار. ولآخر كلامُ علمٍ بالروح نفسه، كأنّه النور الأصغر: ولآخر إيمان؛ ولآخر مواهب شفاء؛ ولآخر عمل قوّات؛ ولآخر نبوّة؛ ولآخر تمييز الأرواح؛ ولآخر أنواع ألسنة. وكلّ هذه كأنّها النجوم. فإنّ هذه كلّها يعملها الروح الواحد بعينه، قاسمًا لكلّ واحدٍ بمفرده كما يشاء، ومُظهرًا النجوم جليّةً للمنفعة. أمّا كلام العلم، الذي تنطوي فيه كلّ الأسرار، التي تتنوّع في أوقاتها كأنّها القمر، وسائر تلك المواهب المعدودة واحدةً بعد أخرى كأنّها النجوم، فبقدر ما تقصر عن بهاء الحكمة ذاك الذي يُبهج النهار المذكور آنفًا، فهي لحكم الليل فقط. فإنّها ضروريةٌ لأولئك الذين لم يستطع خادمكَ الأحكم ذاك أن يكلّمهم كروحيّين بل كجسديّين؛ هو الذي يتكلّم بالحكمة بين الكاملين. أمّا الإنسان الطبيعيّ، كأنّه طفلٌ في المسيح يُغذّى باللبن، إلى أن يتقوّى للطعام القويّ وتقدر عينه على النظر إلى الشمس، فلا يسكننّ ليلًا خلا من كلّ نور، بل ليقنع بنور القمر والنجوم. هكذا تكلّمنا أنتَ يا إلهنا الكليّ الحكمة، في كتابكَ، جلَدكَ؛ لكي نميّز كلّ الأشياء في تأمّلٍ عجيب، وإن كان ذلك بعدُ في آياتٍ وأوقات، وفي أيّامٍ وسنين.

الفصل التاسع عشر

ولكن أوّلًا اغتسلوا، تنقّوا؛ اعزلوا الشرّ من نفوسكم ومن أمام عينيّ، لكي تظهر اليابسة. تعلّموا فعل الخير، اقضوا لليتيم، حاموا عن الأرملة، لكي تُخرج الأرض العشبَ الأخضر طعامًا، والشجرَ الذي يحمل ثمرًا؛ وهلمّ نتحاجج، يقول الربّ، لكي تكون أنوارٌ في جلَد السماء، فتضيء على الأرض. سأل ذلك الغنيّ المعلّمَ الصالح ماذا يعمل لينال الحياة الأبدية. فليقل له المعلّم الصالح (الذي ظنّه لا أكثر من إنسان، ولكنّه صالحٌ لأنّه الله)، ليقل له إنّه إن أراد أن يدخل الحياة فعليه أن يحفظ الوصايا: فليعزل عنه مرارة الخبث والشرّ؛ فلا يقتل، ولا يزني، ولا يسرق، ولا يشهد بالزور؛ لكي تظهر اليابسة، وتُخرج إكرامَ الأب والأمّ، ومحبّةَ القريب. هذه كلّها (يقول) حفظتُها. فمن أين إذن كلّ هذه الأشواك، إن كانت الأرض مثمرة؟ اذهب، اقتلع دغل الطمع المتشعّب؛ بِعْ ما لكَ، وامتلئ ثمرًا بالعطاء للفقراء، فيكون لكَ كنزٌ في السماء؛ واتبع الربّ إن أردتَ أن تكون كاملًا، منضمًّا إلى أولئك الذين يتكلّم بينهم بالحكمة، هو الذي يعرف ماذا يقسم للنهار وللليل، لكي تعرفه أنتَ أيضًا، ولكي تكون لكَ أنوارٌ في جلَد السماء؛ وهذا لن يكون ما لم يكن قلبكَ هناك؛ ولن يكون ذلك أيضًا ما لم يكن كنزكَ هناك، كما سمعتَ من المعلّم الصالح. ولكنّ تلك الأرض المجدبة حزنت، وخنق الشوكُ الكلمة.

أمّا أنتم، أيّها الجنس المختار، يا ضعفاء العالم، الذين تركتم كلّ شيءٍ لتتبعوا الربّ، فامضوا وراءه، واخزوا الأقوياء؛ امضوا وراءه، أيّتها الأقدام الجميلة، وأضيئوا في الجلَد، لكي تحدّث السماوات بمجده، فاصلين بين نور الكاملين، وإن لم يكونوا كالملائكة، وظلمة الصغار، وإن لم يكونوا محتقَرين. أضيئوا على الأرض؛ وليُذِع النهارُ، المستنير بالشمس، للنهارِ كلامَ حكمة؛ وليُبدِ الليلُ، المضيء بالقمر، لليلِ كلامَ علم. القمر والنجوم تضيء لليل؛ ومع ذلك لا يحجبها الليل، إذ هي تنيره على قدره. فها هو الله يقول، كأنّما: لتكن أنوارٌ في جلَد السماء؛ فصار بغتةً من السماء صوتٌ كما من هبوب ريحٍ عاصفة، وظهرت ألسنةٌ منقسمةٌ كأنّها من نار، واستقرّت على كلّ واحدٍ منهم. فصارت أنوارٌ في جلَد السماء، لها كلمة الحياة. أسرعوا في كلّ مكانٍ جيئةً وذهابًا، أيّتها النيران المقدّسة، أيّتها النيران البهيّة؛ فإنّكم نور العالم، ولستم موضوعين تحت المكيال؛ فالذي تلتصقون به قد ارتفع، ورفعكم. أسرعوا جيئةً وذهابًا، ولتُعرَفوا لدى جميع الأمم.

الفصل العشرون

وليحبل البحر أيضًا ويلد أعمالكم؛ ولتُخرج المياه الزحّافاتِ ذواتِ النفس الحيّة. فإنّكم، إذ تُخرجون الثمين من المرذول، صرتم فمَ الله، الذي به يقول: لتُخرج المياه، لا النفس الحيّة التي تُخرجها الأرض، بل الزحّافاتِ ذواتِ النفس الحيّة، والطيورَ التي تطير فوق الأرض. فإنّ أسراركَ يا الله، بخدمة قدّيسيكَ، قد تحرّكت وسط أمواج تجارب العالم، لتقدّس الأمم باسمكَ، في معموديّتكَ. ووسط هذه الأمور صُنعت عجائبُ عظيمةٌ كثيرة، كأنّها الحيتان العظام؛ وطارت أصوات رسلكَ فوق الأرض، في جلَد كتابكَ المبسوط؛ إذ جُعل فوقهم سلطانًا لهم يطيرون تحته حيثما ذهبوا. فإنّه لا قول ولا كلام حيث لا يُسمع صوتهم؛ إذ في الأرض كلّها خرج صوتهم، وإلى أقصى المسكونة كلماتهم، لأنّكَ أنتَ يا ربّ كثّرتَهم بالبركة.

أتراني أقول غير الحقّ، أو أخلط وأشوّش، فلا أميّز بين المعرفة الجليّة لهذه الأمور في جلَد السماء، والأعمال المادية في البحر المتموّج وتحت جلَد السماء؟ فإنّ تلك الأمور التي معرفتها ثابتةٌ محدودة، بلا نموٍّ بالتوالد، كأنّها أنوار الحكمة والعلم، حتى هذه تكون أعمالها المادية كثيرةً متنوّعة؛ وإذ ينشأ الواحد من الآخر، تتكاثر ببركتكَ يا الله، أنتَ الذي أنعشتَ سأم الحواسّ الفانية؛ حتى إنّ الأمر الواحد في فهم عقلنا يمكن، بحركات الجسد، أن يُعرض ويُعبَّر عنه بطرقٍ كثيرة. هذه الأسرار أخرجتها المياه، ولكن في كلمتكَ. حاجاتُ الشعب المغترب عن أزلية حقّكَ أخرجتها، ولكن في إنجيلكَ؛ لأنّ المياه نفسها هي التي قذفتها، إذ كانت مرارتها السقيمة هي العلّة في أن تُرسَل في كلمتكَ.

إنّ كلّ ما صنعتَه جميل؛ ولكن ها أنتَ نفسكَ، يا صانع الكلّ، أجملُ منه جمالًا لا يوصف؛ ولو لم يسقط آدم عنكَ، لما فاضت منه ملوحة البحر، أي الجنس البشريّ بفضوله العميق، وهيجانه العاصف، وتقلّبه الذي لا يهدأ صعودًا وهبوطًا؛ ولما كانت إذن حاجةٌ إلى وكلائكَ ليصنعوا في مياهٍ كثيرة، على نحوٍ جسديٍّ محسوس، أفعالًا وأقوالًا سرّية. فهكذا تبدو لي الآن تلك الزحّافات والطيور، التي بها يُدخَل الناس ويُكرَّسون بالأسرار الجسدية، فلا يتقدّمون أبعد ما لم تكن لنفسهم حياةٌ روحية، وما لم تتطلّع، بعد كلمة القبول، إلى الكمال.

الفصل الحادي والعشرون

ومن ثَمّ، في كلمتكَ، لا عمقُ البحر، بل الأرضُ المفصولة عن مرارة المياه، هي التي تُخرج، لا الزحّافاتِ ذواتِ النفس الحيّة، بل النفسَ الحيّة. فإنّها لم تعد في حاجةٍ إلى المعموديّة كما يحتاج إليها الوثنيّون، وكما احتاجت هي إليها حين كانت مغطّاةً بالمياه (فلا مدخل آخر إلى ملكوت السماوات منذ أن رسمتَ أن يكون هذا هو المدخل)؛ ولا تطلب عجائب المعجزات لتحمل على الإيمان؛ فهي ليست ممّن لا يؤمنون ما لم يروا آياتٍ وعجائب، الآن وقد فُصلت الأرض المؤمنة عن المياه المرّة بعدم الإيمان؛ والألسنة آيةٌ لا للمؤمنين، بل لغير المؤمنين. فلا تحتاج إذن تلك الأرض التي أسّستَها على المياه إلى ذلك الجنس الطائر الذي أخرجته المياه بكلمتكَ. أرسل كلمتكَ إليها برسلكَ: فإنّنا نتكلّم عن عملهم، ولكنّكَ أنتَ العامل فيهم لكي يُنشئوا فيها نفسًا حيّة. الأرض تُخرجها، لأنّ الأرض هي العلّة في أن يعملوا هذا في النفس؛ كما كان البحر العلّة في أن يعملوا في الزحّافات ذوات النفس الحيّة، وفي الطيور التي تطير تحت جلَد السماء، التي لا حاجة للأرض بها؛ وإن كانت تقتات بذلك السمك الذي أُخرج من الغمر، على تلك المائدة التي هيّأتَها أمام المؤمنين. فلهذا أُخرج هو من الغمر، لكي يُطعم اليابسة؛ والطير، وإن فقس في البحر، يتكاثر مع ذلك على الأرض. فإنّ عدم إيمان الإنسان كان علّة الكرازات الأولى للمبشّرين؛ ومع ذلك فالمؤمنون أيضًا يُوعَظون ويُباركون بها بطرقٍ كثيرة، يومًا بعد يوم. أمّا النفس الحيّة فتأخذ بدايتها من الأرض: لأنّه لا ينفع إلا الذين هم من المؤمنين أن يمسكوا أنفسهم عن محبّة هذا العالم، لكي تحيا لكَ نفسُهم، التي كانت ميتةً وهي حيّةٌ في الملذّات؛ في الملذّات الجالبة للموت يا ربّ، لأنّكَ أنتَ يا ربّ البهجة المحيية للقلب النقيّ.

فليعمل خدّامكَ الآن في الأرض، لا كما في مياه عدم الإيمان، بالكرازة والكلام بالمعجزات والأسرار والأقوال السرّية، حيث يمكن للجهل، أمِّ الإعجاب، أن ينشغل بها، مهابةً لتلك العلامات الخفيّة. فهذا هو المدخل إلى الإيمان لبني آدم الناسين إيّاكَ، إذ يختبئون من وجهكَ ويصيرون غمرًا مظلمًا. أمّا الآن فليعمل خدّامكَ كما في اليابسة، المفصولة عن دوّامات الغمر العظيم؛ وليكونوا قدوةً للمؤمنين، بأن يحيوا أمامهم ويحثّوهم على الاقتداء. فهكذا يسمع الناس، لا ليسمعوا فقط، بل ليعملوا أيضًا. اطلبوا الربّ فتحيا نفوسكم، لكي تُخرج الأرض النفس الحيّة. لا تشاكلوا العالم. أمسكوا أنفسكم عنه: فالنفس تحيا باجتناب ما تموت بطلبه. أمسكوا أنفسكم عن جموح الكبرياء الذي لا يُضبط، وعن خمول الترف الشهوانيّ، وعن العلم الكاذب الاسم: لكي تُروَّض الوحوش، وتُذلَّل البهائم للنير، وتصير الحيّات غير مؤذية. فهذه حركات عقلنا على سبيل المجاز؛ أي أنّ تشامخ الكبرياء، ولذّة الشهوة، وسمّ الفضول، هي حركات نفسٍ ميتة؛ لأنّ النفس لا تموت بحيث تفقد كلّ حركة؛ فإنّها تموت بتركها ينبوع الحياة، فيتلقّفها هذا العالم الزائل، وتتشكّل بشكله.

أمّا كلمتكَ يا الله فهي ينبوع الحياة الأبدية، ولا تزول؛ لذلك يُكبح هذا الابتعاد عن النفس بكلمتكَ، حين يُقال لنا: لا تشاكلوا هذا الدهر؛ لكي تُخرج الأرض في ينبوع الحياة نفسًا حيّة؛ أي نفسًا عفيفةً في كلمتكَ، بمبشّريكَ، باتّباع أتباع مسيحكَ. فهذا هو معنى كجنسه؛ لأنّ الإنسان من عادته أن يقتدي بصديقه. كونوا (يقول) كما أنا، لأنّي أنا أيضًا كما أنتم. فهكذا يكون في هذه النفس الحيّة وحوشٌ صالحة، في وداعة العمل (فقد أمرتَ: امضِ في شغلكَ بالوداعة، فتكون محبوبًا من جميع الناس)؛ وبهائم صالحة، لا تزيد إن أكلت، ولا تنقص إن لم تأكل؛ وحيّاتٌ صالحة، لا خطرة بالأذى، بل حكيمة في الحذر؛ لا تبحث في هذه الطبيعة الزمنية إلا بالقدر الذي يكفي لتُرى الأزلية بوضوح، مُدرَكةً بالمصنوعات. فإنّ هذه الخلائق تطيع العقل حين تُكبح عن التسلّط علينا تسلّطًا مميتًا، فتحيا، وتكون صالحة.

الفصل الثاني والعشرون

فها، يا ربّ، يا إلهنا، يا خالقنا، حين تُكبح أهواؤنا عن محبّة العالم، التي متنا بها بسوء السيرة، ونبدأ أن نكون نفسًا حيّةً بحسن السيرة، وتتحقّق فينا كلمتكَ التي قلتَها برسولكَ: لا تشاكلوا هذا الدهر، يتبع ذلك أيضًا ما أردفتَه في الحال قائلًا: بل تغيّروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم؛ لا كجنسكم الآن، كأنّكم تتبعون قريبكم الذي تقدّمكم، ولا كأنّكم تحيون على مثال إنسانٍ أفضل منكم (فإنّكَ لم تقل: «ليُصنع الإنسان كجنسه»، بل: لنعمل الإنسان على صورتنا وشبهنا)، لكي نختبر ما هي مشيئتكَ. فلهذه الغاية قال وكيلكَ ذاك (الذي ولد أبناءً بالإنجيل)، لئلّا يبقوا أطفالًا إلى الأبد يضطرّ إلى أن يغذّيهم باللبن ويربّيهم كمرضعة: تغيّروا (يقول) عن شكلكم بتجديد أذهانكم، لتختبروا ما هي إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة. لذلك لا تقول: «ليُصنع الإنسان»، بل: لنعمل الإنسان. ولا قلتَ: «كجنسه»، بل: على صورتنا وشبهنا. فإنّ الإنسان، إذ يتجدّد في ذهنه، ويعاين حقّكَ ويفهمه، لا يحتاج إلى إنسانٍ يرشده ليتبع جنسه؛ بل بإرشادكَ يختبر ما هي مشيئتكَ الصالحة المرضية الكاملة؛ بل أنتَ تعلّمه، وقد صار أهلًا، أن يميّز ثالوث الوحدة، ووحدة الثالوث. لذلك أُردف على ما قيل بالجمع: لنعمل الإنسان، ما قيل بالمفرد: فخلق الله الإنسان؛ وأُردف على ما قيل بالجمع: على شبهنا، ما قيل بالمفرد: على صورة الله. هكذا يتجدّد الإنسان للمعرفة بالله حسب صورة خالقه؛ وإذ صار روحيًّا، يحكم في كلّ شيء (في كلّ ما يجب أن يُحكم فيه)، وهو لا يُحكم فيه من أحد.

الفصل الثالث والعشرون

أمّا أنّه يحكم في كلّ شيء، فهذا يقابل تسلّطه على سمك البحر، وعلى طير السماء، وعلى كلّ البهائم والوحوش، وعلى كلّ الأرض، وعلى جميع الدبّابات التي تدبّ على الأرض. فإنّه يفعل هذا بفهم عقله، الذي به يدرك ما لروح الله؛ وإلا فالإنسان في كرامةٍ لا يفهم، يُشبَّه بالبهائم التي لا نطق لها ويصير مثلها. ففي كنيستكَ إذن يا إلهنا، بحسب نعمتكَ التي أنعمتَ بها عليها (فإنّنا عملكَ مخلوقين لأعمالٍ صالحة)، لا أولئك الذين يرأسون روحيًّا فقط، بل أيضًا الذين يخضعون روحيًّا لمَن يرأسونهم؛ فعلى هذا النحو صنعتَ الإنسان ذكرًا وأنثى، روحيًّا في نعمتكَ، حيث ليس بحسب جنس الجسد ذكرٌ ولا أنثى، لأنّه ليس يهوديٌّ ولا يونانيّ، ليس عبدٌ ولا حرّ. فالروحيّون (سواءٌ الذين يرأسون أو الذين يطيعون) يحكمون روحيًّا؛ لا في تلك المعرفة الروحية التي تضيء في الجلَد (إذ لا ينبغي لهم أن يحكموا في سلطانٍ بهذا السموّ)، ولا يجوز لهم أن يحكموا في كتابكَ نفسه، حتى لو كان فيه شيءٌ لا يضيء بوضوح؛ فإنّنا نُخضع فهمنا له، ونوقن أنّ ما هو مغلقٌ عن نظرنا قد قيل مع ذلك بحقٍّ وصدق. فهكذا الإنسان، وإن صار الآن روحيًّا ومتجدّدًا للمعرفة بالله حسب صورة خالقه، ينبغي أن يكون عاملًا بالناموس لا ديّانًا له. ولا يحكم في ذلك التمييز بين الروحيّين والجسديّين، المعروفين لدى عينيكَ يا إلهنا، والذين لم يكشفوا أنفسهم لنا بعدُ بالأعمال، لكي نعرفهم من ثمارهم؛ أمّا أنتَ يا ربّ فتعرفهم منذ الآن، وقد فصلتَهم ودعوتَهم في الخفاء، قبل أن يُصنع الجلَد. ولا يحكم، وإن كان روحيًّا، في شعوب هذا العالم القلقة؛ فماذا له أن يدين الذين من خارج، وهو لا يعرف أيّهم سيأتي فيما بعد إلى عذوبة نعمتكَ، وأيّهم سيبقى في مرارة الفجور الدائمة؟

فالإنسان إذن، الذي صنعتَه على صورتكَ، لم ينل سلطانًا على أنوار السماء، ولا على تلك السماء الخفيّة نفسها، ولا على النهار والليل اللذين دعوتَهما قبل تأسيس السماء، ولا على مجتمع المياه الذي هو البحر؛ بل نال سلطانًا على سمك البحر، وطير السماء، وعلى كلّ البهائم، وعلى كلّ الأرض، وعلى جميع الدبّابات التي تدبّ على الأرض. فهو يحكم ويستحسن ما يجده مستقيمًا، ويستهجن ما يجده معوجًّا، سواءٌ في إقامة تلك الأسرار التي يُدخَل بها مَن تبحث عنهم رحمتكَ في مياهٍ كثيرة؛ أو في ذلك الذي يُقدَّم فيه ذلك السمك الذي أُخرج من الغمر فتقتات به الأرض التقيّة؛ أو في تعابير الكلام وعلاماته، الخاضعة لسلطان كتابكَ، أي العلامات التي تخرج من الفم وتدوّي، طائرةً كأنّها تحت الجلَد، بالترجمة، والشرح، والخطابة، والمجادلة، والتقديس، أو الصلاة إليكَ، حتى يجيب الشعب: آمين. فالنطق بكلّ هذه الأقوال بالصوت إنّما يستدعيه غمرُ هذا العالم وعمى الجسد الذي لا يرى الأفكار؛ فتدعو الحاجة إلى الكلام بصوتٍ عالٍ في الآذان؛ حتى إنّ الطيور الطائرة، وإن تكاثرت على الأرض، تستمدّ بدايتها من المياه. والإنسان الروحيّ يحكم أيضًا باستحسان ما هو مستقيم واستهجان ما يجده معوجًّا في أعمال المؤمنين وسيرتهم؛ في صدقاتهم، كأنّها الأرض المخرجة ثمرًا؛ وفي النفس الحيّة، الحيّة بترويض الأهواء، في العفّة، وفي الصوم، وفي التأمّلات المقدّسة؛ وفي تلك الأمور التي تُدرك بحواسّ الجسد. في هذه كلّها يُقال الآن إنّه يحكم، وفيها له أيضًا سلطان التقويم.

الفصل الرابع والعشرون

ولكن ما هذا، وأيّ سرٍّ هو؟ ها أنتَ يا ربّ تبارك البشر لكي يثمروا ويكثروا ويملأوا الأرض؛ أفلا تعطينا بذلك إشارةً لنفهم شيئًا؟ لماذا لم تبارك كذلك النور الذي دعوتَه نهارًا، ولا جلَد السماء، ولا الأنوار، ولا النجوم، ولا الأرض، ولا البحر؟ كنتُ أقول إنّكَ يا الله، يا مَن خلقتَنا على صورتكَ، كنتُ أقول إنّه قد سرّكَ أن تخصّ الإنسان بهذه البركة، لو لم تكن قد باركتَ على هذا النحو نفسه الأسماكَ والحيتان، لكي تثمر وتكثر وتملأ مياه البحر، ولكي تكثر الطيور على الأرض. وكنتُ أقول كذلك إنّ هذه البركة تخصّ على وجه التحديد الخلائق التي تتوالد من جنسها، لو وجدتُها قد أُعطيت للأشجار المثمرة، والنبات، ووحوش الأرض. ولكن لم يُقل الآن، لا للعشب، ولا للشجر، ولا للوحوش، ولا للحيّات: أثمروا واكثروا؛ مع أنّ هذه كلّها، كالأسماك والطيور والبشر، تنمو بالتوالد وتحفظ جنسها.

فماذا أقول إذن، أيّها الحقّ، يا نوري؟ «أنّه قيل عبثًا وبلا معنى؟» حاشا، يا أبا التقوى، حاشا لخادمٍ لكلمتكَ أن يقول ذلك. وإن كنتُ لا أفهم ما تعنيه بتلك العبارة، فليحسن مَن هم أفضل منّي، أي مَن هم أوفر منّي فهمًا، استعمالها، على قدر ما أعطيتَ أنتَ يا إلهي كلَّ إنسانٍ أن يفهم. ولكن ليكن اعترافي أيضًا مرضيًّا في عينيكَ، إذ أعترف لكَ بأنّي أومن يا ربّ أنّكَ لم تتكلّم هكذا عبثًا؛ ولن أكتم ما يوحيه إليَّ هذا المقطع. فإنّه حقّ، ولا أرى ما يمنعني من أن أفهم هكذا أقوال كتابكَ المجازية. فإنّي أعلم أنّ أمرًا يُفهم بالعقل على وجهٍ واحد قد يُدلّ عليه بطرقٍ كثيرة بالتعابير الجسدية؛ وأنّ ما يُدلّ عليه بالتعبير الجسديّ على وجهٍ واحد قد يُفهم في العقل بطرقٍ كثيرة. ها هي محبّة الله والقريب الواحدة، بكم من الأسرار المتنوّعة، وبكم من اللغات التي لا تُحصى، وفي كلّ لغةٍ بمفردها بكم من أساليب القول التي لا تُحصى، يُعبَّر عنها تعبيرًا جسديًّا. هكذا يثمر نسل المياه ويكثر. ولاحظ أيضًا، أيًّا كنتَ يا من تقرأ هذا: ها إنّ ما يسلّمه الكتاب وينطق به الصوت على وجهٍ واحد فقط: في البدء خلق الله السماء والأرض، أفلا يُفهم بطرقٍ كثيرة، لا بخداع ضلالٍ ما، بل بضروبٍ شتّى من المعاني الصادقة؟ هكذا يثمر نسل الإنسان ويكثر.

فإذا تصوّرنا طبائع الأشياء نفسها، لا على سبيل المجاز بل على الحقيقة، فإنّ عبارة أثمروا واكثروا تنطبق على كلّ ما يأتي من بزر. أمّا إذا عالجنا الكلمات على أنّها قيلت مجازًا (وهذا ما أحسبه بالأحرى قصد الكتاب، الذي لا يَنسب بلا شكّ هذه البركة، على غير فائدة، إلى نسل الحيوانات المائية والإنسان وحدهما)، فإنّنا نجد «الكثرة» في الخلائق الروحية كما في الجسدية، كما في السماء والأرض؛ وفي الأبرار والأشرار، كما في النور والظلمة؛ وفي الكتّاب القدّيسين الذين كانوا خدّام الناموس لنا، كما في الجلَد المثبَّت بين المياه والمياه؛ وفي مجتمع الشعوب التي لا تزال في مرارة عدم الإيمان، كما في البحر؛ وفي غيرة النفوس القدّيسة، كما في اليابسة؛ وفي أعمال الرحمة الخاصّة بهذه الحياة الحاضرة، كما في العشب المبزر بزرًا والشجر المثمر ثمرًا؛ وفي المواهب الروحية المعروضة للبنيان، كما في أنوار السماء؛ وفي الأهواء المصوغة على الاعتدال، كما في النفس الحيّة. ففي هذه الأحوال كلّها نلقى كثرةً ووفرةً ونموًّا؛ أمّا ما ينمو ويكثر على نحوٍ يُعبَّر فيه عن الأمر الواحد بطرقٍ كثيرة، ويُفهم التعبير الواحد بطرقٍ كثيرة، فلا نجده إلا في العلامات المعبَّر عنها جسديًّا، وفي الأمور المتصوَّرة عقليًّا. فبالعلامات المنطوقة جسديًّا نفهم مواليد المياه، التي يستدعيها بالضرورة عمق الجسد؛ وبالأمور المتصوَّرة عقليًّا المواليدَ البشرية، بسبب خصب العقل. ولهذه الغاية نؤمن أنّكَ يا ربّ قلتَ لهذين الجنسين: أثمروا واكثروا. فإنّي أرى أنّكَ منحتَنا بهذه البركة قدرةً وملَكةً على أن نعبّر بطرقٍ شتّى عمّا نفهمه واحدًا، وأن نفهم بطرقٍ شتّى ما نقرأه مسلَّمًا بغموضٍ واحدًا. هكذا تمتلئ مياه البحر، التي لا تتحرّك إلا بمعانٍ شتّى؛ وهكذا تمتلئ الأرض أيضًا بالنموّ البشريّ، الأرض التي يظهر جفافها في شوقها، ويسود عليها العقل.

الفصل الخامس والعشرون

وأودّ أيضًا يا ربّ إلهي أن أقول ما يذكّرني به الكتاب في ما يلي؛ بل سأقول ولا أخاف. فإنّي سأقول الحقّ، إذ تلهمني أنتَ ما شئتَ أن أستخرجه من تلك الكلمات. فإنّي لا أومن أنّي أقول الحقّ بإلهامٍ غير إلهامكَ، إذ أنتَ الحقّ، وكلُّ إنسانٍ كاذب. فمَن يتكلّم بالكذب فإنّما يتكلّم ممّا له؛ فلكي أتكلّم بالحقّ سأتكلّم ممّا لكَ. ها أنتَ قد أعطيتنا طعامًا كلَّ بقلٍ يبزر بزرًا على وجه كلّ الأرض، وكلَّ شجرٍ فيه ثمر شجرٍ يبزر بزرًا. ولا لنا وحدنا، بل أيضًا لكلّ طير السماء، ولوحوش الأرض، ولكلّ الدبّابات؛ أمّا للأسماك والحيتان العظام فلم تعطِه. وقد قلنا إنّ ثمار الأرض هذه يُدلّ بها، ويُرمز بها على سبيل المجاز، إلى أعمال الرحمة التي تُقدَّم من الأرض المثمرة لحاجات هذه الحياة. ومثل هذه الأرض كان أونيسيفورس التقيّ، الذي أعطيتَ بيته رحمة، لأنّه كثيرًا ما أراح بولسكَ ولم يخجل بسلسلته. وهكذا فعل الإخوة أيضًا، ومثل هذا الثمر أثمروا، الذين سدّوا من مكدونية ما كان ينقصه. ولكن كم حزن على بعض الأشجار التي لم تؤتِه الثمر الذي كان يحقّ له، حيث يقول: في احتجاجي الأوّل لم يحضر أحدٌ معي، بل الجميع تركوني. لا يُحسب عليهم. فإنّ هذه الثمار تحقّ للذين يخدموننا بالتعليم الروحيّ من فهمهم للأسرار الإلهية؛ وتحقّ لهم بوصفهم بشرًا؛ بل وتحقّ لهم أيضًا بوصفهم النفس الحيّة التي تجعل نفسها قدوةً في كلّ عفّة؛ وتحقّ لهم أيضًا بوصفهم الطيور، من أجل بركاتهم التي تتكاثر على الأرض، لأنّ صوتهم خرج إلى الأرض كلّها.

الفصل السادس والعشرون

ولكنّ الذين يتغذّون بهذه الثمار هم الذين يبتهجون بها؛ ولا يبتهج بها الذين إلهُهم بطنُهم. فإنّه ليس الشيء المعطى هو الثمر لدى الذين يعطونه، بل الروح التي يعطونه بها. فذاك الذي كان يخدم الله لا بطنه، أرى بجلاءٍ لماذا فرح؛ أرى ذلك، وأفرح معه. فقد تسلّم من أهل فيلبّي ما أرسلوه إليه مع أبفرودتس؛ ومع ذلك أدرك لماذا فرح. فإنّ ما فرح به هو ما تغذّى به؛ إذ هو يتكلّم بالحقّ: فرحتُ (يقول) في الربّ جدًّا أنّكم الآن أخيرًا قد أزهر أيضًا مرّةً اعتناؤكم بي، الذي كنتم تعتنونه، ولكن كان قد صار مملًّا لكم. فقد كان أهل فيلبّي هؤلاء قد جفّوا بمللٍ طويل، وذبلوا كأنّما عن حمل ثمر العمل الصالح هذا؛ وهو يفرح من أجلهم لأنّهم أزهروا من جديد، لا من أجل نفسه لأنّهم سدّوا حاجته. لذلك يردف: ليس أنّي أقول من جهة احتياج، فإنّي قد تعلّمتُ أن أكون مكتفيًا بما أنا فيه. أعرف أن أتّضع، وأعرف أيضًا أن أستفضل؛ في كلّ شيءٍ وفي جميع الأشياء قد تدرّبتُ أن أشبع وأن أجوع، وأن أستفضل وأن أنقص. أستطيع كلّ شيءٍ في الذي يقوّيني.

فبمَ تفرح إذن يا بولس العظيم؟ بمَ تفرح؟ وبمَ تتغذّى، أيّها الإنسان المتجدّد للمعرفة بالله حسب صورة خالقكَ، أيّها النفس الحيّة ذات العفّة العظيمة، أيّها اللسان الشبيه بالطيور الطائرة، الناطق بالأسرار؟ (فلمثل هذه الخلائق يحقّ هذا الطعام؛) ما الذي يغذّيكَ؟ الفرح. لنسمع ما يلي: غير أنّكم فعلتم حسنًا إذ اشتركتم في ضيقتي. بهذا يفرح، وبهذا يتغذّى؛ لأنّهم فعلوا حسنًا، لا لأنّ ضيقه قد فُرّج، هو الذي يقول لكَ: في الضيق رحّبتَ لي؛ لأنّه كان يعرف أن يستفضل وأن ينقص، فيكَ أنتَ الذي تقوّيه. فأنتم أيضًا تعلمون أيّها الفيلبّيّون (يقول) أنّه في بدء الإنجيل، لمّا خرجتُ من مكدونية، لم تشاركني كنيسةٌ واحدة في حساب العطاء والأخذ إلا أنتم وحدكم. فإنّكم في تسالونيكي أيضًا أرسلتم إليَّ مرّةً ومرّتين لحاجتي. فهو يفرح الآن بأنّهم عادوا إلى هذه الأعمال الصالحة، ويبتهج بأنّهم أزهروا من جديد، كما يستعيد الحقل الخصيب خضرته.

أكان ذلك من أجل حاجاته هو، لأنّه قال: أرسلتم إليَّ لحاجتي؟ أيفرح بذلك؟ كلّا، حقًّا ليس بذلك. ولكن كيف نعرف هذا؟ لأنّه هو نفسه يقول في الحال: ليس أنّي أطلب العطيّة، بل أطلب الثمر. لقد تعلّمتُ منكَ يا إلهي أن أميّز بين العطيّة والثمر. العطيّة هي الشيء نفسه الذي يعطيه مَن يقدّم لنا هذه الضروريّات، كالمال، والطعام، والشراب، واللباس، والمأوى، والعون؛ أمّا الثمر فهو إرادة المعطي الصالحة المستقيمة. فإنّ المعلّم الصالح لم يقل فقط: مَن يقبل نبيًّا، بل أضاف: باسم نبيّ؛ ولم يقل فقط: مَن يقبل بارًّا، بل أضاف: باسم بارّ. فهكذا حقًّا ينال الأوّل أجر نبيّ، والآخر أجر بارّ. ولم يقل فقط: مَن سقى أحد صغاريّ كأس ماءٍ بارد، بل أضاف: باسم تلميذ؛ ثمّ يختم هكذا: الحقّ أقول لكم إنّه لا يضيع أجره. فالعطيّة هي أن تقبل نبيًّا، وأن تقبل بارًّا، وأن تعطي تلميذًا كأس ماءٍ بارد؛ أمّا الثمر فأن تفعل هذا باسم نبيّ، وباسم بارّ، وباسم تلميذ. بالثمر أُطعم إيليّا من الأرملة التي عرفت أنّها تُطعم رجل الله، ولذلك أطعمته؛ أمّا من الغراب فأُطعم بعطيّة. ولم يكن الإنسان الداخليّ لإيليّا هو الذي أُطعم هكذا، بل الخارجيّ فقط، الذي كان يمكن أيضًا أن يهلك لو عدم ذلك الطعام.

الفصل السابع والعشرون

فسأقول إذن ما هو حقٌّ في عينيكَ يا ربّ: إنّه حين يتولّى الجسديّون وغير المؤمنين (الذين لا بدّ لكسبهم وإدخالهم من أسرار الإدخال وأعمال المعجزات القديرة، التي نحسب أنّها يُدلّ عليها باسم الأسماك والحيتان) إنعاشَ خادمكَ جسديًّا، أو يغيثونه بشيءٍ نافعٍ لهذه الحياة الحاضرة، وهم يجهلون لماذا ينبغي أن يُفعل هذا ولأيّة غاية، فإنّهم لا يُطعمونه، ولا هو يتغذّى بهم؛ لأنّ أولئك لا يفعلون ذلك عن قصدٍ مقدّسٍ مستقيم، ولا هذا يفرح بعطاياهم التي لا يرى ثمرها بعدُ. فإنّ العقل إنّما يتغذّى بما يفرح به. ولذلك لا تتغذّى الأسماك والحيتان بمثل تلك الأطعمة التي لا تُخرجها الأرض إلا بعد أن تُفصل وتُفرز عن مرارة أمواج البحر.

الفصل الثامن والعشرون

ورأيتَ أنتَ يا الله كلّ ما صنعتَه، فإذا هو حسنٌ جدًّا. ونحن أيضًا نرى ذلك، فإذا كلّ الأشياء حسنةٌ جدًّا. وفي كلّ نوعٍ من أعمالكَ، لمّا قلتَ «لتكن» فكانت، رأيتَ كلًّا منها أنّه حسن. سبع مرّاتٍ عددتُ أنّه مكتوبٌ أنّكَ رأيتَ أنّ ما صنعتَه حسن؛ وهذه هي الثامنة، أنّكَ رأيتَ كلّ ما صنعتَه، فإذا هو ليس حسنًا فقط، بل حسنٌ جدًّا أيضًا، إذ صار الآن جملةً واحدة. فإنّها كلٌّ على حدة كانت حسنةً فقط؛ أمّا مجتمعةً فحسنةٌ، وحسنةٌ جدًّا. وكلّ الأجسام الجميلة تعبّر عن الأمر نفسه؛ إذ إنّ الجسم المؤلّف من أعضاءٍ كلّها جميلة أجملُ بكثيرٍ من تلك الأعضاء نفسها منفردةً، التي باختلاطها المنتظم يكتمل الكلّ؛ مع أنّ الأعضاء أيضًا جميلةٌ كلٌّ على حدة.

الفصل التاسع والعشرون

وتفحّصتُ بدقّةٍ لأجد هل رأيتَ سبع مرّاتٍ أم ثماني أنّ أعمالكَ حسنة، إذ أرضتكَ؛ ولكنّي لم أجد في رؤيتكَ أزمنةً أفهم بها أنّكَ رأيتَ ما صنعتَه مرّاتٍ بهذا العدد. فقلتُ: «يا ربّ، أليس كتابكَ هذا حقًّا، إذ أنتَ حقّ، وأنتَ الحقّ قد أذعتَه؟ فلماذا إذن تقول لي: ‹إنّه ليس في رؤيتكَ أزمنة›، بينما كتابكَ هذا يخبرني أنّ ما صنعتَه في كلّ يوم رأيتَ أنّه حسن، وحين عددتُها وجدتُ كم مرّة؟» فتجيبني أنتَ عن هذا، لأنّكَ إلهي، وبصوتٍ قويٍّ تقول لعبدكَ في أذنه الداخلية، خارقًا صممي وصارخًا: «أيّها الإنسان، ما يقوله كتابي أقوله أنا؛ ومع ذلك فهو يتكلّم في الزمن، أمّا كلمتي فلا صلة للزمن بها؛ لأنّ كلمتي قائمةٌ معي في أزليةٍ متساوية. فالأشياء التي ترونها بروحي أراها أنا، كما أنّ ما تقولونه بروحي أقوله أنا. وهكذا حين ترون تلك الأشياء في الزمن، لا أراها أنا في الزمن؛ كما أنّكم حين تتكلّمون في الزمن، لا أقولها أنا في الزمن.»

الفصل الثلاثون

فسمعتُ يا ربّ إلهي، وارتشفتُ قطرةً من العذوبة من حقّكَ، وفهمتُ أنّ هناك قومًا يستكرهون أعمالكَ، ويقولون إنّكَ صنعتَ كثيرًا منها مضطرًّا بحكم الضرورة، كبناء السماوات وتناسق النجوم؛ وإنّكَ لم تصنعها ممّا هو لكَ، بل إنّها خُلقت في موضعٍ آخر ومن مصادر أخرى، لتجمعها أنتَ وتضمّها وتؤلّف بينها، حين أقمتَ من أعدائكَ المغلوبين أسوار الكون، لكي لا يستطيعوا، وهم مقيَّدون بالبناء، أن يتمرّدوا عليكَ ثانية. وأمّا أشياء أخرى فيقولون إنّكَ لم تصنعها ولا حتى ضممتَها، ككلّ جسدٍ وكلّ الخلائق الدقيقة جدًّا، وكلّ ما له جذرٌ في الأرض؛ بل إنّ عقلًا معاديًا لكَ، وطبيعةً أخرى لم تخلقها أنتَ ومضادّةً لكَ، هي التي ولدت هذه الأشياء وصاغتها في طبقات العالم السفلى هذه. مجانين هم القائلون بهذا، لأنّهم لا يرون أعمالكَ بروحكَ، ولا يعرفونكَ فيها.

الفصل الحادي والثلاثون

أمّا الذين يرون هذه الأشياء بروحكَ، فأنتَ ترى فيهم. فحين يرون أنّ هذه الأشياء حسنة، ترى أنتَ أنّها حسنة؛ وكلّ ما يُرضي من أجلكَ ترضيه أنتَ فيهم، وما يرضينا بروحكَ يرضيكَ فينا. فإنّه مَن مِن الناس يعرف أمور الإنسان إلا روح الإنسان الذي فيه؟ هكذا أيضًا أمور الله لا يعرفها أحدٌ إلا روح الله. ونحن (يقول) لم نأخذ روح هذا العالم، بل الروح الذي من الله، لنعرف الأشياء الموهوبة لنا من الله. وأُنبَّه: «حقًّا، أُمُورُ ٱللهِ لَا يَعْرِفُهَا أَحَدٌ إِلَّا رُوحُ ٱللهِ؛ فكيف إذن نعرف نحن أيضًا ما هي الأشياء الموهوبة لنا من الله؟» فيُجاب لي: «لأنّ الأشياء التي نعرفها بروحه، حتى هذه لا يعرفها أحدٌ إلا روح الله. فكما يُقال بحقٍّ للذين كانوا سيتكلّمون بروح الله: لستم أنتم المتكلّمين، كذلك يُقال بحقٍّ للذين يعرفون بروح الله: ‹لستم أنتم العارفين›. وكذلك يُقال بحقٍّ أيضًا للذين يرون بروح الله: ‹لستم أنتم الناظرين›؛ فكلّ ما يرونه بروح الله أنّه حسن، ليسوا هم، بل الله هو الذي يرى أنّه حسن.» فأمرٌ أن يظنّ الإنسان أنّ ما هو حسنٌ رديء، كما يفعل المذكورون آنفًا؛ وأمرٌ آخر أن يرى الإنسان ما هو حسنٌ أنّه حسن (كما أنّ خلائقكَ ترضي كثيرين لأنّها حسنة، ولكنّكَ أنتَ لا ترضيهم فيها، إذ يؤثرون التمتّع بها على التمتّع بكَ)؛ وأمرٌ آخر أن يرى الله فيه، حين يرى الإنسان شيئًا أنّه حسن، أنّه حسن؛ أي على نحوٍ يُحَبّ فيه هو في ما صنعه، هو الذي لا يمكن أن يُحَبّ إلا بالروح القدس الذي أعطاه. لأنّ محبّة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا؛ الذي به نرى أنّ كلّ ما هو كائنٌ بأيّ قدرٍ فهو حسن. فإنّه منه يكون، هو الذي لا يكون هو نفسه بقدرٍ ما، بل ما هو كائنٌ فهو كائن.

الفصل الثاني والثلاثون

شكرًا لكَ يا ربّ. إنّنا نعاين السماء والأرض، سواءٌ الجزء الجسديّ الأعلى والأدنى، أو الخليقة الروحية والجسدية؛ وفي تزيين هذه الأجزاء، التي يتكوّن منها بناء العالم كلّه، أو بالحريّ الخليقة كلّها، نرى النور قد صُنع وفُصل عن الظلمة. نرى جلَد السماء، سواءٌ كان ذلك الجسم الأوّل للعالم، بين المياه العليا الروحية والمياه السفلى الجسدية، أو (إذ يُسمّى هذا أيضًا سماءً) هذا الفضاء الجوّيّ الذي تجول فيه طيور السماء، بين تلك المياه التي تُحمَل فوقه بخارًا وتقطر في الليالي الصافية ندًى، وتلك المياه الأثقل التي تجري على وجه الأرض. نعاين وجه المياه مجتمعةً في رحاب البحر؛ واليابسة، خاليةً أوّلًا، ثم مصوَّرةً بحيث تُرى وتتناسق، بل ومادة العشب والشجر. نعاين الأنوار تضيء من فوق، الشمس لتكفي النهار، والقمر والنجوم لتؤنس الليل؛ وأنّ بهذه كلّها تُعلَّم الأزمنة ويُدلّ عليها. نعاين في كلّ ناحيةٍ عنصرًا رطبًا مملوءًا بالأسماك والوحوش والطيور؛ لأنّ كثافة الهواء، الذي يحمل طيران الطيور، تتكاثف ببخار المياه. نعاين وجه الأرض مزيَّنًا بالخلائق الأرضية، والإنسانَ، المخلوق على صورتكَ وشبهكَ، قائمًا بصورتكَ وشبهكَ هذين عينهما (أي بقوّة العقل والفهم) فوق كلّ الخلائق غير العاقلة. وكما أنّ في نفسه قوّةً تسود بالتدبير، وأخرى جُعلت خاضعةً لكي تطيع، كذلك صُنعت للرجل، جسديًّا أيضًا، امرأةٌ تكون لها في عقل فهمها الناطق مساواةٌ في الطبيعة، ولكنّها بجنس جسدها تكون خاضعةً على هذا النحو لجنس زوجها، كما أنّ نزوع الفعل يطلب أن يتلقّى مهارة حسن الفعل من عقل الذهن. هذه الأشياء نعاينها، وهي حسنةٌ كلٌّ على حدة، ومجتمعةً حسنةٌ جدًّا.

الفصل الثالث والثلاثون

لتسبّحكَ أعمالكَ لكي نحبّكَ، ولنحبّكَ لكي تسبّحكَ أعمالكَ، التي لها من الزمن بدايةٌ ونهاية، وشروقٌ وغروب، ونموٌّ واضمحلال، وصورةٌ وعدمُ صورة. فلها إذن تعاقبها من صباحٍ ومساء، بعضه خفيّ، وبعضه ظاهر؛ لأنّها صُنعت من العدم، بكَ لا منكَ؛ لا من مادةٍ ليست لكَ، أو كانت من قبل، بل من مادةٍ مخلوقةٍ معها (أي مخلوقةٍ منكَ في الوقت نفسه)، لأنّكَ أعطيتَ حالها العديمة الصورة صورةً بلا أيّ فاصلٍ من الزمن. فإذ كانت مادة السماء والأرض شيئًا، وصورتها شيئًا آخر، صنعتَ المادة من العدم المحض، وصورة العالم من المادة العديمة الصورة؛ ولكنّكَ صنعتَهما معًا، بحيث تتبع الصورةُ المادةَ بلا أيّ فاصلٍ من التأخير.

الفصل الرابع والثلاثون

وقد تفحّصنا أيضًا ما شئتَ أن يُرمز إليه، سواءٌ بخلق الأشياء أو بروايتها على هذا الترتيب. ورأينا أنّ الأشياء كلٌّ على حدة حسنة، ومجتمعةً حسنةٌ جدًّا، في كلمتكَ، في وحيدكَ، السماءَ والأرضَ كلتيهما، الرأسَ وجسدَ الكنيسة، في سابق تعيينكَ قبل كلّ الأزمنة، بلا صباحٍ ولا مساء. ولكن حين بدأتَ تُنفذ في الزمن ما سبق تعيينه، لكي تكشف الخفايا وتقوّم ما اختلّ فينا، إذ كانت خطايانا مخيّمةً علينا، وكنّا قد غرقنا في الغمر المظلم، وكان روحكَ الصالح محمولًا فوقنا ليعيننا في حينه، بَرَّرتَ الفجّار وفصلتَهم عن الأشرار؛ وجعلتَ جلَد سلطان كتابكَ بين الذين في العلاء، الذين كان عليهم أن يكونوا طيّعين لكَ، والذين تحت، الذين كان عليهم أن يخضعوا لأولئك؛ وجمعتَ جماعة غير المؤمنين في تآمرٍ واحد، لكي تظهر غيرة المؤمنين، ولكي يُخرجوا أعمال الرحمة، حتى يوزّعوا على الفقراء غناهم الأرضيّ لينالوا السماويّ. وبعد هذا أوقدتَ أنوارًا في الجلَد، قدّيسيكَ، الذين لهم كلمة الحياة، المضيئين بسلطانٍ سامٍ مرفوعٍ في العلاء بالمواهب الروحية؛ ثمّ بعد ذلك، لإدخال الأمم غير المؤمنة، أخرجتَ من المادة الجسدية الأسرارَ، والمعجزاتِ المنظورة، وصيغَ الكلام بحسب جلَد كتابكَ، التي بها يتبارك المؤمنون ويتكاثرون. ثمّ صوّرتَ النفس الحيّة للمؤمنين، بأهواءٍ حسنة الترتيب بقوّة العفّة؛ وبعد ذلك جدّدتَ على صورتكَ وشبهكَ العقلَ الخاضع لكَ وحدكَ، الذي لا حاجة به إلى الاقتداء بسلطانٍ بشريّ؛ وأخضعتَ أفعاله العاقلة لسموّ الفهم، كما تخضع المرأة للرجل؛ وشئتَ أن يُعطى، من المؤمنين أنفسهم، لكلّ وظائف خدمتكَ الضرورية لتكميل المؤمنين في هذه الحياة، ما يسدّ حاجاتهم الزمنية من خيراتٍ تثمر لهم في الزمان الآتي. هذه كلّها نراها، وهي حسنةٌ جدًّا، لأنّكَ أنتَ تراها فينا، أنتَ الذي أعطيتَنا روحكَ، الذي به نراها، ونحبّكَ فيها.

الفصل الخامس والثلاثون

أيّها الربّ الإله، أعطِنا السلام (فإنّكَ أعطيتَنا كلّ شيء)؛ سلام الراحة، سلام السبت، الذي لا مساء له. فإنّ كلّ هذا النظام البهيّ جدًّا من الأشياء الحسنة جدًّا، متى أكمل أشواطه، سيزول؛ لأنّه كان فيها صباحٌ ومساء.

الفصل السادس والثلاثون

أمّا اليوم السابع فلا مساء له، ولا غروب؛ لأنّكَ قدّستَه ليدوم إلى الأبد؛ لكي يُنبئنا صوت كتابكَ مسبقًا بأنّ ما فعلتَه أنتَ بعد أعمالكَ التي كانت حسنةً جدًّا، إذ استرحتَ في اليوم السابع، مع أنّكَ صنعتَها وأنتَ في راحةٍ لا تنقطع، سنفعله نحن أيضًا، فبعد أعمالنا (الحسنة جدًّا لأنّكَ أنتَ أعطيتَنا إيّاها) سنستريح فيكَ أنتَ أيضًا في سبت الحياة الأبدية.

الفصل السابع والثلاثون

فحينئذٍ تستريح أنتَ فينا، كما تعمل الآن فينا؛ وهكذا تكون تلك راحتكَ بنا، كما أنّ هذه أعمالكَ بنا. أمّا أنتَ يا ربّ فتعمل دائمًا، وأنتَ دائمًا في راحة. فلا ترى في الزمن، ولا تتحرّك في الزمن، ولا تستريح في زمن؛ ومع ذلك فأنتَ تصنع الأشياء المرئية في الزمن، بل الأزمنة نفسها، والراحة التي تنتج عن الزمن.

الفصل الثامن والثلاثون

فنحن إذن نرى هذه الأشياء التي صنعتَها لأنّها كائنة؛ أمّا هي فكائنةٌ لأنّكَ تراها. ونحن نرى من خارجٍ أنّها كائنة، ومن داخلٍ أنّها حسنة؛ أمّا أنتَ فقد رأيتَها هناك مصنوعةً، حيث رأيتَها مزمعةً أن تُصنع. ونحن قد تحرّكنا في وقتٍ لاحقٍ إلى فعل الخير، بعد أن حبلت قلوبنا من روحكَ؛ أمّا في الوقت السابق فكنّا نتحرّك إلى فعل الشرّ، تاركين إيّاكَ؛ وأمّا أنتَ، أيّها الإله الواحد الصالح، فلم تكفّ قطّ عن فعل الخير. ولنا نحن أيضًا بعض الأعمال الصالحة، من عطيّتكَ، ولكنّها ليست أزلية؛ وبعدها نرجو أن نستريح في تقديسكَ العظيم. أمّا أنتَ، أيّها الخير الذي لا يحتاج إلى خير، فأنتَ دائمًا في راحة، لأنّ راحتكَ هي أنتَ نفسكَ. وأيّ إنسانٍ يستطيع أن يعلّم إنسانًا أن يفهم هذا؟ أو أيّ ملاكٍ ملاكًا؟ أو أيّ ملاكٍ إنسانًا؟ ليُطلب منكَ، ويُلتمس فيكَ، ويُقرع عليه عندكَ؛ هكذا، هكذا يُنال، هكذا يوجد، هكذا يُفتح. آمين.

Gratias Tibi Domine

صفحة 1 / 1 · 43 دقيقة متبقية في الفصل