فصل 10 · قراءة 57 د
الكتاب العاشر
الفصل الأول
ليتني أعرفك يا رب، يا من تعرفني؛ ليتني أعرفك كما عرفت. يا قوة نفسي، ادخل إليها وهيئها لك، لكي تقتنيها وتمسكها بلا دنس ولا غضن. هذا هو رجائي، ولذلك أتكلم؛ وبهذا الرجاء أفرح، حين يكون فرحي فرحا صحيحا. أما سائر أمور هذه الحياة، فكلما ازداد الحزن عليها قل ما تستحقه منه، وكلما قل حزن الناس عليها ازداد ما تستحقه منه. فها أنت تحب الحق، ومن يعمله يقبل إلى النور. هذا ما أريد أن أعمله في قلبي أمامك بالاعتراف، وفي كتابتي أمام شهود كثيرين.
الفصل الثاني
وأنت يا رب، يا من هاوية ضمير الإنسان عريانة أمام عينيك، ماذا كان يمكن أن يخفى عنك في ولو أبيت أن أعترف به؟ إنما كنت أخفيك أنت عن نفسي، لا أخفي نفسي عنك. أما الآن، وأنيني شاهد على أني ساخط على نفسي، فإنك تشرق وترضي وتحب ويشتاق إليك؛ حتى أخجل من نفسي وأنبذها وأختارك، فلا أرضيك ولا أرضي نفسي إلا فيك. فأنا إذن مكشوف لك يا رب، أيا كنت؛ وأما بأي ثمر أعترف لك فقد قلته. ولست أفعل ذلك بكلمات الجسد وأصواته، بل بكلمات نفسي وصراخ الفكر الذي تعرفه أذنك. فإني حين أكون شريرا، لا يكون اعترافي لك إلا سخطي على نفسي؛ وحين أكون تقيا، لا يكون إلا ألا أنسب ذلك إلى نفسي: لأنك أنت يا رب تبارك البار، ولكنك أولا تبرره وهو فاجر. فاعترافي إذن يا إلهي أمام وجهك يجري صامتا وغير صامت: صامتا في الصوت، صارخا في المحبة. فإني لا أنطق للناس بشيء مستقيم إلا وقد سمعته أنت مني قبلا؛ ولا تسمع أنت مني شيئا من ذلك إلا وقد قلته أنت لي أولا.
الفصل الثالث
فما لي وللناس حتى يسمعوا اعترافاتي — كأنهم يقدرون أن يشفوا جميع أسقامي — وهم قوم فضوليون في معرفة سير غيرهم، متكاسلون عن إصلاح سيرهم؟ لماذا يطلبون أن يسمعوا مني ما أنا، وهم لا يريدون أن يسمعوا منك ما هم؟ وكيف يعلمون، إذا سمعوا مني عن نفسي، أصادق أنا أم لا، والحال أنه لا أحد يعرف ما في الإنسان إلا روح الإنسان الذي فيه؟ أما إن سمعوا منك عن أنفسهم، فلا يستطيعون أن يقولوا: «الرب يكذب». إذ ما معنى أن يسمعوا منك عن أنفسهم إلا أن يعرفوا أنفسهم؟ ومن ذا الذي يعرف ثم يقول: «هذا باطل»، إلا إذا كان هو نفسه كاذبا؟ ولكن لأن المحبة تصدق كل شيء (أعني بين الذين تجعلهم واحدا إذ تربطهم بها)، فإني أنا أيضا يا رب أعترف لك على نحو يسمعه الناس، وإن كنت لا أستطيع أن أبرهن لهم أني أعترف بالحق؛ غير أن الذين تفتح المحبة آذانهم لي يصدقونني.
ولكن بين لي أنت يا طبيبي الباطني أي ثمر أجنيه من ذلك. فإن اعترافات خطاياي الماضية، التي غفرتها وسترتها لكي تغبطني فيك، مغيرا نفسي بالإيمان وبسرك، إذا قرئت وسمعت، تنهض القلب لئلا ينام في اليأس ويقول: «لا أستطيع»، بل ليستيقظ في محبة رحمتك وعذوبة نعمتك، التي بها يقوى كل ضعيف متى أدرك بها ضعفه. والصالحون يسرون بأن يسمعوا عن شرور الماضي عند الذين تحرروا منها الآن، لا لأنها شرور، بل لأنها كانت ولم تعد. فبأي ثمر إذن يا رب إلهي، يا من يعترف له ضميري كل يوم، متكلا على رجاء رحمتك أكثر من اتكاله على براءته، بأي ثمر، أسألك، أعترف في هذا الكتاب للناس أيضا في حضرتك بما أنا عليه الآن، لا بما كنته من قبل؟ فذلك الثمر الآخر قد رأيته وتكلمت عنه. أما ما أنا عليه الآن، في هذا الوقت عينه الذي أكتب فيه هذه الاعترافات، فكثيرون يرغبون في معرفته، ممن عرفوني أو لم يعرفوني، ممن سمعوا مني أو سمعوا عني؛ ولكن آذانهم ليست عند قلبي حيث أكون أنا، أيا كنت. فهم إذن يريدون أن يسمعوني أعترف بما أنا في داخلي، حيث لا تبلغ عينهم ولا أذنهم ولا فهمهم؛ يريدون ذلك مستعدين للتصديق — ولكن هل يعرفون؟ إن المحبة التي بها هم صالحون تقول لهم إني لا أكذب في اعترافاتي؛ وهي فيهم تصدقني.
الفصل الرابع
ولكن لأي ثمر يريدون أن يسمعوا هذا؟ أيرغبون أن يفرحوا معي حين يسمعون كم أقترب إليك بعطيتك؟ وأن يصلوا لأجلي حين يسمعون كم يعوقني ثقلي؟ لمثل هؤلاء أكشف نفسي. فليس ثمرا هينا يا رب إلهي أن يقدم لك كثيرون الشكر عنا، وأن يتضرع إليك كثيرون لأجلنا. فليحب في القلب الأخوي ما تعلم أنت أنه يستحق الحب، وليندب في ما تعلم أنت أنه يستحق الندب. قلب أخوي لا غريب، لا قلب البنين الغرباء الذين تكلمت أفواههم بالباطل، ويمينهم يمين كذب، بل ذلك القلب الأخوي الذي إذا استحسنني فرح لي، وإذا استنكرني حزن علي؛ لأنه، استحسن أم استنكر، يحبني. لمثل هؤلاء أكشف نفسي: فيتنفسون الصعداء لأعمالي الصالحة، ويتنهدون لأعمالي الرديئة. أعمالي الصالحة هي تدبيراتك وعطاياك؛ وأعمالي الرديئة هي زلاتي وأحكامك. فليتنفسوا الصعداء لتلك، وليتنهدوا لهذه؛ ولتصعد التسابيح والدموع أمام وجهك من قلوب إخوتي، مجامرك. وأنت يا رب، ارتض بعطر هيكلك المقدس، وارحمني حسب عظيم رحمتك من أجل اسمك؛ ولا تترك ما بدأته، بل أكمل نقائصي.
هذا هو ثمر اعترافاتي بما أنا عليه، لا بما كنته: أن أعترف بهذا لا أمامك وحدك، في ابتهاج خفي برعدة، وحزن خفي برجاء، بل في مسامع بني البشر المؤمنين أيضا، شركاء فرحي، ورفقائي في مائتيتي، مواطني وزملائي في الغربة، من سبقوا منهم ومن سيلحقون، رفاق طريقي. هؤلاء عبيدك وإخوتي، الذين شئت أن يكونوا بنيك؛ سادتي الذين أمرتني أن أخدمهم إن أردت أن أحيا معك وبك. ولكن كلمتك هذه كانت تكون قليلة لو أنها أمرت بالقول فقط ولم تتقدم بالفعل. فهذا إذن أفعله بالعمل والقول، هذا أفعله تحت جناحيك؛ وفي خطر جسيم جدا لولا أن نفسي خاضعة لك تحت جناحيك، وضعفي معروف لديك. إني صغير، ولكن أبي حي أبدا، وحارسي كاف لي. فهو نفسه الذي ولدني ويحميني؛ وأنت نفسك كل خيري، أنت القدير الذي معي، بل قبل أن أكون أنا معك. فلأولئك الذين تأمرني أن أخدمهم أكشف إذن، لا ما كنته، بل ما أنا عليه الآن وما زلت عليه. ولكني لا أحكم في نفسي أيضا. هكذا إذن أريد أن يسمع لي.
الفصل الخامس
فإنك أنت يا رب تحكم في: لأنه، وإن كان لا أحد يعرف أمور الإنسان إلا روح الإنسان الذي فيه، ففي الإنسان مع ذلك شيء لا يعرفه حتى روح الإنسان الذي فيه. أما أنت يا رب فتعرفه كله، أنت الذي صنعته. وأنا، وإن كنت أمام وجهك أحتقر نفسي وأحسبها ترابا ورمادا، فإني أعرف عنك شيئا لا أعرفه عن نفسي. وحقا إننا ننظر الآن في مرآة في لغز، لا وجها لوجه بعد. فما دمت متغربا عنك، فأنا أكثر حضورا لنفسي مني لك؛ ومع ذلك أعرفك أنك لا تقبل الألم بوجه من الوجوه؛ أما أنا فلا أعرف أي التجارب أقدر أن أقاومها، وأيها لا أقدر. وهناك رجاء، لأنك أمين، لا تدعنا نجرب فوق ما نستطيع، بل تجعل مع التجربة أيضا المنفذ، لنستطيع أن نحتمل. فسأعترف إذن بما أعرفه عن نفسي، وسأعترف أيضا بما لا أعرفه عن نفسي. وذلك لأن ما أعرفه عن نفسي إنما أعرفه بإشراقك علي؛ وما لا أعرفه عن نفسي يبقى مجهولا لدي حتى تصير ظلمتي كالظهيرة أمام وجهك.
الفصل السادس
لا بشك بل بيقين وثيق أحبك يا رب. لقد طعنت قلبي بكلمتك فأحببتك. بل ها إن السماء والأرض وكل ما فيها تدعوني من كل ناحية أن أحبك؛ ولا تكف عن قول ذلك للجميع، لكي يكونوا بلا عذر. ولكنك أعمق من ذلك ترحم من ترحم، وتتراءف على من تراءفت عليه؛ وإلا ففي آذان صماء تتكلم السماء والأرض بتسابيحك. ولكن ماذا أحب حين أحبك؟ لا جمال الأجساد، ولا بهاء الزمان المتناسق، ولا إشراق النور البهيج لعيوننا هذه، ولا الألحان العذبة من شتى الأغاني، ولا عبير الأزهار والأدهان والأطياب، ولا المن والعسل، ولا الأعضاء المقبولة لعناق الجسد. لا شيء من هذه أحب حين أحب إلهي؛ ومع ذلك أحب نورا ما، ولحنا ما، وعبيرا ما، وطعاما ما، وعناقا ما حين أحب إلهي: نور إنساني الباطن ولحنه وعبيره وطعامه وعناقه، حيث يشرق لنفسي ما لا يسعه مكان، ويرن ما لا يحمله الزمان بعيدا، ويفوح ما لا تبدده الأنفاس، ويذاق ما لا ينقصه الأكل، ويلتصق ما لا يفرقه الشبع. هذا هو ما أحبه حين أحب إلهي.
وما هو هذا؟ سألت الأرض فأجابتني: «لست أنا هو»؛ وكل ما فيها اعترف بالمثل. سألت البحر والأعماق والدبابات الحية، فأجابت: «لسنا نحن إلهك، اطلب فوقنا». سألت الهواء المتحرك، فأجاب الهواء كله بسكانه: «لقد ضل أنكسيمانس، لست أنا الله». سألت السماوات والشمس والقمر والنجوم، فقالت: «ولا نحن الإله الذي تطلبه». وقلت لكل الأشياء التي تحيط بباب جسدي: «لقد أخبرتموني عن إلهي أنكم لستم هو، فأخبروني عنه شيئا». فصرخت بصوت عظيم: «هو صنعنا». وكان سؤالي إياها تأملي فيها، وكان جمال صورتها هو الجواب. ثم التفت إلى نفسي، وقلت لنفسي: «من أنت؟» فأجبت: «إنسان». وها هما يمثلان لي في: نفس وجسد، أحدهما في الخارج والآخر في الداخل. فبأيهما ينبغي لي أن أطلب إلهي؟ لقد طلبته بالجسد من الأرض إلى السماء، إلى حيث استطعت أن أرسل رسلا، أشعة عيني. ولكن الباطن هو الأفضل، إذ إليه، بوصفه الرئيس والقاضي، رفع جميع رسل الجسد أجوبة السماء والأرض وكل ما فيهما، القائلة: «لسنا نحن الله، ولكنه هو صنعنا». هذه الأمور عرفها إنساني الباطن بخدمة الخارج: أنا الباطن عرفتها، أنا العقل، بحواس جسدي. سألت هيكل العالم كله عن إلهي، فأجابني: «لست أنا هو، ولكنه هو صنعني».
أليست هذه الصورة الجسدية ظاهرة لكل من كانت حواسه سليمة؟ فلماذا لا تكلم الجميع بالكلام نفسه؟ إن الحيوانات، صغيرها وكبيرها، تراها، ولكنها لا تقدر أن تسألها، إذ ليس فوق حواسها عقل يقضي فيما تنقله إليه. أما الناس فيقدرون أن يسألوا، حتى ترى أمور الله غير المنظورة مدركة بالمصنوعات؛ ولكنهم بمحبتهم لها يخضعون لها، والخاضعون لا يقدرون أن يقضوا. ولا تجيب المخلوقات السائلين إلا إذا قدروا أن يقضوا؛ ولا تغير صوتها (أي منظرها) إذا كان رجل يرى فقط وآخر يرى ويسأل، فتبدو لهذا على نحو ولذاك على نحو آخر؛ بل إنها، وهي تبدو للاثنين على نحو واحد، تكون خرساء لهذا، ناطقة لذاك؛ بل الأصح أنها تكلم الجميع، ولكن لا يفهمها إلا الذين يقابلون صوتها المتلقى من الخارج بالحق الذي في الداخل. فالحق يقول لي: «لا السماء ولا الأرض ولا أي جسم آخر هو إلهك». وهذا ما تقوله طبيعتها نفسها لمن يراها: «إنها كتلة، والكتلة أصغر في جزء منها منها في الكل». والآن إليك أتكلم يا نفسي، أنت جزئي الأفضل: فإنك تحيين كتلة جسدي، معطية إياها الحياة، وهذا ما لا يقدر جسم أن يعطيه لجسم؛ أما إلهك فهو لك أنت أيضا حياة حياتك.
الفصل السابع
فماذا أحب إذن حين أحب إلهي؟ من هو ذاك الذي فوق رأس نفسي؟ بنفسي ذاتها سأصعد إليه. سأتجاوز تلك القوة التي بها أتحد بجسدي وأملأ هيكله كله حياة. فلا أستطيع بتلك القوة أن أجد إلهي، وإلا لوجده الفرس والبغل اللذان لا فهم لهما، إذ هي القوة نفسها التي بها تحيا أجسادهما أيضا. ولكن هناك قوة أخرى، لا تلك التي بها أحيي فحسب، بل تلك أيضا التي بها أمنح الحس لجسدي الذي جبله الرب لي: آمرا العين ألا تسمع، والأذن ألا ترى؛ بل العين لكي أرى بها، والأذن لكي أسمع بها؛ ولكل من الحواس الأخرى ما يخصها من مواضع ووظائف؛ وهذه، على اختلافها، أعملها أنا، العقل الواحد، بواسطتها. سأتجاوز قوتي هذه أيضا؛ فهذه أيضا للفرس والبغل، لأنهما يدركان هما أيضا بالجسد.
الفصل الثامن
سأتجاوز إذن قوة طبيعتي هذه أيضا، صاعدا بالدرجات إلى الذي صنعني. فآتي إلى حقول ذاكرتي وقصورها الفسيحة، حيث كنوز صور لا تحصى، أدخلت إليها من أشياء من كل صنف أدركتها الحواس. هناك مخزون كل ما نفكر فيه فضلا عن ذلك، سواء بتكبير ما بلغته الحواس أو تصغيره أو تغييره على أي نحو آخر؛ وكل ما سوى ذلك مما أودع واختزن، ولم يبتلعه النسيان بعد ويدفنه. فإذا دخلت هناك، طلبت أن يحضر ما أريد، فيأتي بعضه في الحال؛ وبعضه لا بد من طلبه مدة أطول، فيجلب كأنما من مخزن أعمق؛ وبعضه يندفع جماعات، وبينما يرغب في شيء آخر ويطلب، تثب هذه إلى الأمام كأنها تقول: «أتراني أنا المطلوب؟» فأطردها بيد قلبي عن وجه تذكري، حتى ينكشف ما أرغب فيه ويظهر للعيان من مكمنه. وأشياء أخرى تطلع بيسر، في نظام متصل، كما تستدعى؛ فيفسح المتقدم منها للاحق، وإذ يفسح يتوارى عن النظر، مستعدا أن يأتي متى شئت. وكل هذا يجري حين أتلو شيئا عن ظهر قلب.
هناك تحفظ الأشياء كلها متمايزة ومصنفة تحت أبوابها، وقد دخل كل منها من مدخله الخاص: كالنور وجميع ألوان الأجسام وأشكالها بالعينين؛ وبالأذنين جميع أنواع الأصوات؛ وكل الروائح من مدخل المنخرين؛ وكل الطعوم بالفم؛ وبحس الجسد كله ما هو صلب أو لين، حار أو بارد، أو خشن، ثقيل أو خفيف، سواء كان خارج الجسد أو داخله. كل هذه يتلقاها ذلك المرفأ العظيم، الذاكرة، في منعطفاتها الخفية التي لا تعد ولا يعبر عنها، لتكون حاضرة وتخرج عند الحاجة؛ وقد دخل كل منها من بابه واختزن هناك. غير أن الأشياء نفسها لا تدخل؛ إنما صور الأشياء المدركة هي المهيأة هناك ليستدعيها الفكر. فهذه الصور، كيف تتكون، من ذا الذي يستطيع أن يخبر، وإن كان يظهر جليا بأي حاسة أدخلت كل منها واختزنت؟ فإني حتى وأنا مقيم في الظلمة والصمت، أستطيع في ذاكرتي أن أحضر الألوان إن شئت، وأن أميز بين الأسود والأبيض وما شئت غيرهما؛ ولا تقتحم الأصوات فتشوش الصورة التي دخلت بعيني وأنا أستعرضها، مع أنها هي أيضا هناك، هاجعة ومختزنة كأنما على حدة. فإني أستدعي هذه أيضا، فتظهر في الحال. ومع أن لساني ساكن وحلقي أخرس، أستطيع أن أغني ما شئت؛ ولا تتطفل صور الألوان، مع أنها هناك، فتقاطع حين يستدعى مخزون آخر تدفق من الأذنين. وكذلك سائر الأشياء التي كدست واختزنت بسائر الحواس، أستدعيها متى شئت. بل إني أميز عبير الزنابق من عبير البنفسج وأنا لا أشم شيئا؛ وأفضل العسل على الخمر الحلوة، والأملس على الخشن، وأنا في ذلك الوقت لا أذوق ولا ألمس، بل أتذكر فقط.
هذه الأمور أفعلها في الداخل، في دار ذاكرتي الرحيبة تلك. فهناك حاضرة لدي السماء والأرض والبحر وكل ما استطعت أن أفكر فيه منها، ما عدا ما نسيته. وهناك أيضا ألتقي بنفسي وأتذكرها، ومتى وأين وماذا فعلت، وبأي مشاعر. هناك كل ما أتذكره، إما من اختباري الخاص وإما بتصديق غيري. ومن المخزون نفسه أؤلف أنا باستمرار مع الماضي صورا جديدة بعد جديدة لأشياء اختبرتها، أو صدقتها بناء على ما اختبرته؛ ومنها أستنتج أيضا أفعالا وأحداثا وآمالا مقبلة، وكل هذه أتأملها أيضا كأنها حاضرة. «سأفعل هذا أو ذاك»، أقول لنفسي في مخزن عقلي العظيم ذاك، الملآن بصور أشياء كثيرة جدا وعظيمة جدا، «وسيتبع هذا أو ذاك». «ليت هذا أو ذاك يكون!» «أبعد الله هذا أو ذاك!» هكذا أكلم نفسي؛ وحين أتكلم، تكون صور كل ما أتكلم عنه حاضرة من كنز الذاكرة نفسه؛ ولا كنت لأتكلم عن شيء منها لو غابت الصور.
عظيمة هي قوة الذاكرة هذه، عظيمة جدا يا إلهي؛ حجرة واسعة لا حدود لها! من ذا الذي سبر غورها قط؟ ومع ذلك فهي قوة من قواي، وتنتمي إلى طبيعتي؛ وأنا نفسي لا أحيط بكل ما أنا عليه. فالعقل إذن أضيق من أن يسع نفسه. فأين يكون ذلك الذي لا يسعه من نفسه؟ أهو خارجه لا داخله؟ فكيف إذن لا يحيط بنفسه؟ دهشة عجيبة تغشاني، وذهول يستولي علي من هذا. والناس يخرجون ليتعجبوا من ارتفاع الجبال، وأمواج البحر العاتية، ومجاري الأنهار العريضة، واتساع المحيط، ومدارات النجوم، ويتجاوزون أنفسهم؛ ولا يتعجبون من أني حين تكلمت عن كل هذه الأشياء لم أكن أراها بعيني، ومع ذلك ما كنت لأتكلم عنها لو لم أكن حينئذ أرى فعلا، في الداخل في ذاكرتي، الجبال والأمواج والأنهار والنجوم التي رأيتها، وذلك المحيط الذي أصدق بوجوده، وبالمسافات الشاسعة نفسها بينها، كأني أراها في الخارج. ولكني لم أجتذبها إلى نفسي بالرؤية حين أبصرتها بعيني؛ وليست هي نفسها معي، بل صورها فقط. وأعرف بأي حاسة من حواس الجسد انطبعت في كل منها.
الفصل التاسع
ولكن ليست هذه وحدها ما تحفظه سعة ذاكرتي التي لا تقاس. فهنا أيضا كل ما تعلمته من العلوم الحرة ولم أنسه بعد، وقد نقل كأنما إلى مكان داخلي ليس بمكان؛ وليست هذه صورها، بل الأشياء نفسها. فما هو الأدب، وما هو فن الجدل، وكم نوعا من المسائل هناك، كل ما أعرفه من هذه موجود في ذاكرتي على نحو لم آخذ فيه الصورة وأترك الشيء؛ ولا هو كصوت رن ثم عبر، وقد ثبتته في الأذن تلك البصمة التي بها يستعاد كأنه يرن وقد كف عن الرنين؛ ولا كرائحة تؤثر في حاسة الشم وهي تعبر وتتبدد في الهواء، فتنقل منها إلى الذاكرة صورة لها نجددها بالتذكر؛ ولا كطعام لا طعم له الآن في البطن حقا، ومع ذلك ما زال يذاق على نحو ما في الذاكرة؛ ولا كأي شيء يدركه الجسد باللمس، وتبقى الذاكرة تتصوره بعد أن يبعد عنا. فتلك الأشياء لا تنتقل إلى الذاكرة، بل صورها وحدها تلتقط بسرعة عجيبة، وتختزن كأنما في خزائن عجيبة، ومن هناك تخرج على نحو عجيب بفعل التذكر.
الفصل العاشر
ولكن حين أسمع الآن أن للمسائل ثلاثة أنواع: «هل الشيء موجود؟ ما هو؟ ومن أي نوع هو؟» فإني أحفظ حقا صور الأصوات التي تتألف منها تلك الكلمات، وأعرف أن تلك الأصوات عبرت في الهواء بضجيج ولم تعد الآن. أما الأشياء نفسها التي تدل عليها تلك الأصوات، فلم أبلغها قط بأي حاسة من حواس جسدي، ولا أدركتها قط إلا في عقلي؛ ومع ذلك خزنت في ذاكرتي لا صورها بل ذواتها. فكيف دخلت إلي؟ فلتقل هي إن استطاعت؛ فإني قد طفت على جميع مداخل جسدي، ولا أجد من أيها دخلت. فالعينان تقولان: «إن كانت تلك الصور ملونة، فنحن أخبرنا عنها». والأذنان تقولان: «إن كانت تصوت، فنحن أعلمنا بها». والمنخران يقولان: «إن كانت تفوح، فقد مرت بنا». والذوق يقول: «إن لم يكن لها طعم، فلا تسألني». واللمس يقول: «إن لم يكن له حجم فلم ألمسه، وإن لم ألمسه فلم أعلم به». فمن أين وكيف دخلت هذه الأشياء إلى ذاكرتي؟ لا أعرف كيف. فإني حين تعلمتها لم أصدق عقل إنسان آخر، بل عرفتها في عقلي؛ وإذ استحسنتها حقا أودعتها إياه، مختزنا إياها كأنما حيث أستطيع أن أخرجها متى شئت. فقد كانت إذن في قلبي حتى قبل أن أتعلمها، ولكنها لم تكن في ذاكرتي. فأين كانت إذن؟ أو لماذا، حين قيلت، عرفتها وقلت: «هو كذلك، هذا حق»، إلا لأنها كانت في الذاكرة من قبل، ولكنها كانت مدفوعة إلى الوراء ومدفونة كأنما في تجاويف أعمق، حتى إنه لولا أن تنبيه غيري أخرجها، لربما عجزت عن تصورها؟
الفصل الحادي عشر
لذلك نجد أن تعلم هذه الأشياء، التي لا نستقي صورها بحواسنا، بل ندركها في الداخل بذواتها، بلا صور، كما هي، ليس إلا أن نتلقى بالتصور، وأن ننتبه بالملاحظة، حتى إن تلك الأشياء التي كانت الذاكرة تحويها من قبل مبعثرة غير مرتبة، تختزن كأنما في متناول اليد في الذاكرة نفسها التي كانت ترقد فيها من قبل مجهولة مشتتة مهملة، فتحضر بيسر إلى العقل الذي ألفها. وكم من هذه الأشياء تحمل ذاكرتي مما قد وجد من قبل، ووضع، كما قلت، كأنما في متناول اليد، مما يقال إننا تعلمناه وعرفناه؛ فإن كففت مدة وجيزة عن استحضارها، عادت فدفنت وانزلقت كأنما إلى التجاويف الأعمق، حتى إنه يجب أن تستخرج من هناك بالفكر من جديد كأنها جديدة، إذ ليس لها مسكن آخر؛ بل يجب أن تجمع ثانية لكي تعرف، أي يجب أن تلم كأنما من تشتتها؛ ومن هنا اشتقت كلمة «التفكير». فإن cogo (أجمع) وcogito (أعيد الجمع) بينهما النسبة نفسها التي بين ago وagito، وبين facio وfactito. غير أن العقل خص نفسه بهذه الكلمة (التفكير)، حتى إنه لا يقال بحق إنه مفكر فيه ما «جمع» على أي نحو كان، بل ما «أعيد جمعه»، أي ما ضم بعضه إلى بعض في العقل.
الفصل الثاني عشر
والذاكرة تحوي أيضا نسب الأعداد والأبعاد وقوانينها التي لا تحصى، ولم تطبع أي حاسة جسدية واحدا منها، إذ ليس لها لون ولا صوت ولا طعم ولا رائحة ولا ملمس. لقد سمعت صوت الكلمات التي يدل بها عليها حين تناقش، ولكن الأصوات غير الأشياء. فالأصوات في اليونانية غيرها في اللاتينية، أما الأشياء فليست يونانية ولا لاتينية ولا من أي لغة أخرى. ورأيت خطوط المهندسين، أدقها، كخيط العنكبوت؛ ولكن تلك غير هذه، فليست صور تلك الخطوط التي أرتنيها عين الجسد: إنما يعرفها كل من يتعرفها في داخله دون أي تصور لجسم أيا كان. وأدركت أيضا بجميع حواس جسدي أعداد الأشياء التي نعدها؛ ولكن تلك الأعداد التي بها نعد مختلفة، وليست صور هذه، ولذلك فهي موجودة حقا. فليسخر مني من لا يراها لقولي هذه الأمور، وأنا أرثي له وهو يسخر مني.
الفصل الثالث عشر
كل هذه الأشياء أتذكرها، وأتذكر كيف تعلمتها. وسمعت أيضا أمورا كثيرة اعترض بها عليها بأشد الباطل، وأتذكرها؛ وهي وإن كانت باطلة، فليس باطلا أني أتذكرها؛ وأتذكر أيضا أني ميزت بين تلك الحقائق وهذه الأباطيل المعترض بها عليها. وأدرك أن تمييزي لهذه الأمور الآن غير تذكري أني ميزتها مرارا حين فكرت فيها مرارا. فأنا إذن أتذكر أني فهمت هذه الأمور مرارا؛ وما أميزه الآن وأفهمه أختزنه في ذاكرتي، لكي أتذكر فيما بعد أني أفهمه الآن. وهكذا أتذكر أيضا أني تذكرت؛ كما أني إذا استحضرت فيما بعد أني استطعت الآن أن أتذكر هذه الأمور، فبقوة الذاكرة أستحضر ذلك.
الفصل الرابع عشر
والذاكرة نفسها تحوي أيضا انفعالات عقلي، لا على النحو الذي يحويها به عقلي نفسه حين يشعر بها، بل على نحو مختلف جدا، بحسب قوة خاصة بها. فإني من غير أن أفرح أتذكر أني فرحت، ومن غير حزن أستعيد حزني الماضي. وما خفته مرة أستعرضه بلا خوف، وأستحضر شهوة ماضية بلا شهوة. وأحيانا، على العكس، أتذكر بفرح حزني السالف، وبحزن فرحي. وهذا ليس عجيبا فيما يخص الجسد، فالعقل شيء والجسد شيء آخر. فإن تذكرت إذن بفرح ألما جسديا ماضيا، فليس ذلك عجيبا جدا. أما الآن، وهذه الذاكرة نفسها هي العقل (إذ حين نوصي بحفظ شيء في الذاكرة نقول: «احرص أن تحفظه في عقلك»؛ وحين ننسى نقول: «لم يخطر على عقلي»، و«أفلت من عقلي»، مسمين الذاكرة نفسها عقلا)، فإذا كان الأمر كذلك، فكيف يكون، حين أتذكر بفرح حزني الماضي، أن العقل فيه فرح والذاكرة فيها حزن؛ فالعقل فرح بالفرح الذي فيه، أما الذاكرة فليست حزينة بالحزن الذي فيها؟ ألعل الذاكرة لا تنتمي إلى العقل؟ من يقول ذلك؟ فالذاكرة إذن هي، كأنما، بطن العقل، والفرح والحزن كالطعام الحلو والمر؛ فإذا أودعا الذاكرة، صارا كأنما انتقلا إلى البطن، حيث يختزنان ولكن لا يذاقان. ومن المضحك أن نتخيل هذين متشابهين؛ ولكنهما مع ذلك ليسا مختلفين تماما.
ولكن هوذا من ذاكرتي أخرجه حين أقول إن للعقل أربعة اضطرابات: الشهوة والفرح والخوف والحزن؛ وكل ما أستطيع أن أجادل فيه بشأنها، بتقسيم كل منها إلى أنواعه الفرعية وبتعريفه، أجد في ذاكرتي ما أقوله، ومن هناك أخرجه؛ ومع ذلك لا يضطربني أي من هذه الاضطرابات حين أتذكرها باستحضارها؛ بل إنها كانت هناك قبل أن أستحضرها وأستعيدها، ولذلك أمكن أن تستخرج من هناك بالتذكر. فلعله إذن، كما يستخرج الطعام من البطن بالاجترار، كذلك تستخرج هذه من الذاكرة بالتذكر. فلماذا إذن لا يذوق المجادل، وهو يتذكر هكذا، في فم تأمله حلاوة الفرح أو مرارة الحزن؟ أيكون التشبيه غير متشابه في هذا لأنه ليس متشابها من كل وجه؟ فمن ذا الذي يرضى أن يتكلم عنهما، لو كنا كلما سمينا الحزن أو الخوف اضطررنا أن نحزن أو نخاف؟ ومع ذلك ما كنا لنستطيع أن نتكلم عنهما لو لم نجد في ذاكرتنا، لا أصوات الأسماء بحسب الصور التي طبعتها حواس الجسد فحسب، بل معاني الأشياء نفسها التي لم نتلقها قط من أي مدخل للجسد، بل أدركها العقل نفسه باختبار انفعالاته الخاصة فأودعها الذاكرة، أو احتفظت بها الذاكرة من تلقاء نفسها دون أن تودع لديها.
الفصل الخامس عشر
ولكن أبالصور أم لا، من ذا الذي يستطيع أن يقول بسهولة؟ فإني أسمي حجرا، وأسمي الشمس، والأشياء نفسها ليست حاضرة لحواسي، بل صورها حاضرة لذاكرتي. وأسمي ألما جسديا، وهو ليس حاضرا لدي إذ لا شيء يؤلمني؛ ومع ذلك لولا أن صورته حاضرة لذاكرتي لما عرفت ماذا أقول فيه، ولا ميزت في الحديث بين الألم واللذة. وأسمي صحة الجسد، وأنا سليم الجسد، فالشيء نفسه حاضر لدي؛ ومع ذلك لولا أن صورته حاضرة أيضا في ذاكرتي، لما استطعت بأي حال أن أستعيد ما ينبغي أن يدل عليه صوت هذا الاسم. ولا كان المرضى، حين تسمى الصحة، ليتعرفوا ما قيل، لولا أن الصورة نفسها محفوظة بقوة الذاكرة، مع أن الشيء نفسه غائب عن الجسد. وأسمي الأعداد التي بها نعد، فليست صورها بل ذواتها هي الحاضرة في ذاكرتي. وأسمي صورة الشمس، فتلك الصورة حاضرة في ذاكرتي. فإني لا أستحضر صورة صورتها، بل الصورة نفسها حاضرة لدي حين أستحضرها. وأسمي الذاكرة، فأتعرف ما أسميه. وأين أتعرفه إلا في الذاكرة نفسها؟ أتكون هي أيضا حاضرة لنفسها بصورتها لا بذاتها؟
الفصل السادس عشر
وماذا حين أسمي النسيان وأتعرف في الوقت نفسه ما أسميه؟ فمن أين أتعرفه لو لم أكن أتذكره؟ لست أتكلم عن صوت الاسم، بل عن الشيء الذي يدل عليه، الذي لو نسيته لما استطعت أن أتعرف ما يدل عليه ذلك الصوت. فحين أتذكر الذاكرة، تكون الذاكرة نفسها حاضرة لنفسها بنفسها؛ أما حين أتذكر النسيان، فيحضر كلاهما، الذاكرة والنسيان: الذاكرة التي بها أتذكر، والنسيان الذي أتذكره. ولكن ما النسيان إلا فقدان الذاكرة؟ فكيف يكون حاضرا حتى أتذكره، وأنا إذا حضر لا أستطيع أن أتذكر؟ ولكن إن كنا نحفظ في الذاكرة ما نتذكره، ومع ذلك لولا أننا نتذكر النسيان لما استطعنا قط عند سماع اسمه أن نتعرف الشيء الذي يدل عليه، فالنسيان إذن محفوظ في الذاكرة. فهو حاضر إذن لئلا ننسى، وإذ هو كذلك ننسى. ويفهم من هذا أن النسيان، حين نتذكره، ليس حاضرا للذاكرة بذاته بل بصورته، لأنه لو كان حاضرا بذاته لما جعلنا نتذكر بل ننسى. فمن ذا الذي يستقصي هذا الآن؟ ومن ذا الذي يدرك كيف هو؟
يا رب، إني حقا أكد في ذلك، بل أكد في نفسي؛ لقد صرت أرضا ثقيلة تقتضي عرق جبين كثيرا. فلسنا الآن نستقصي أقاليم السماء، ولا نقيس أبعاد النجوم، ولا نبحث عن موازين الأرض. إنما أنا نفسي الذي يتذكر، أنا العقل. وليس عجيبا جدا أن يكون بعيدا عني ما ليس هو أنا. ولكن ما الأقرب إلي من نفسي؟ وهوذا قوة ذاكرتي أنا لا أفهمها، مع أني لا أستطيع حتى أن أسمي نفسي بدونها. فماذا أقول، وقد اتضح لي أني أتذكر النسيان؟ أأقول إن ما أتذكره ليس في ذاكرتي؟ أم أقول إن النسيان في ذاكرتي لهذا الغرض، لكي لا أنسى؟ كلاهما في غاية السخف. فأي طريق ثالث هناك؟ كيف أستطيع أن أقول إن صورة النسيان هي المحفوظة في ذاكرتي، لا النسيان نفسه، حين أتذكره؟ وكيف أستطيع أن أقول هذا أيضا، والحال أنه متى انطبعت صورة شيء في الذاكرة، وجب أن يكون الشيء نفسه حاضرا أولا لتنطبع منه تلك الصورة؟ فهكذا أتذكر قرطاج، وهكذا كل الأماكن التي كنت فيها، وهكذا وجوه الناس الذين رأيتهم، والأشياء التي نقلتها الحواس الأخرى؛ وهكذا صحة الجسد أو مرضه. فحين كانت هذه الأشياء حاضرة، تلقت ذاكرتي منها صورا، حتى إذا حضرت لدي نظرت إليها واستعدتها في عقلي حين أتذكرها في غيابها. فإن كان هذا النسيان إذن محفوظا في الذاكرة بصورته لا بذاته، فمن الواضح أنه هو نفسه كان حاضرا مرة لتؤخذ صورته. ولكن حين كان حاضرا، كيف كتب صورته في الذاكرة، والنسيان بحضوره يمحو حتى ما يجده مدونا من قبل؟ ومع ذلك، بأي طريقة كانت، وإن كانت تلك الطريقة تفوق التصور والتفسير، فإني على يقين من أني أتذكر النسيان نفسه أيضا، الذي به يمحى ما نتذكره.
الفصل السابع عشر
عظيمة هي قوة الذاكرة، أمر مهيب يا إلهي، كثرة عميقة لا حد لها؛ وهذا الشيء هو العقل، وهذا هو أنا نفسي. فماذا أنا إذن يا إلهي؟ أي طبيعة أنا؟ حياة متنوعة متعددة، شاسعة جدا. هوذا في سهول ذاكرتي ومغاورها وكهوفها، التي لا تحصى، والمملوءة بما لا يحصى من أصناف الأشياء التي لا تحصى، إما بالصور كجميع الأجسام، وإما بالحضور الفعلي كالفنون، وإما بمعان أو انطباعات ما كانفعالات العقل، التي تحفظها الذاكرة حتى حين لا يشعر بها العقل، مع أن كل ما في الذاكرة هو في العقل أيضا — في كل هذه أجري وأطير، وأغوص من هنا ومن هناك ما استطعت، ولا نهاية. هكذا عظيمة قوة الذاكرة، هكذا عظيمة قوة الحياة، حتى في حياة الإنسان المائتة. فماذا أفعل إذن، يا حياتي الحقة، يا إلهي؟ سأتجاوز حتى قوتي هذه التي تدعى الذاكرة؛ نعم، سأتجاوزها لكي أقترب إليك أيها النور العذب. ماذا تقول لي؟ ها أنا أرتقي بعقلي نحوك، أنت المقيم فوقي. نعم، سأتجاوز الآن قوتي هذه التي تدعى الذاكرة، راغبا في أن أبلغك من حيث يمكن أن تبلغ، وأن ألتصق بك من حيث يمكن أن يلتصق بك. فإن للبهائم والطيور أيضا ذاكرة، وإلا لما استطاعت أن تعود إلى أوجرتها وأعشاشها، ولا إلى أشياء أخرى كثيرة اعتادتها؛ بل ما كانت لتعتاد شيئا إلا بالذاكرة. سأتجاوز إذن الذاكرة أيضا لكي أبلغ الذي ميزني عن ذوات الأربع وجعلني أحكم من طيور السماء؛ سأتجاوز الذاكرة أيضا، وأين أجدك، أيها الصلاح الحق والعذوبة الأكيدة؟ وأين أجدك؟ إن وجدتك خارج ذاكرتي، فأنا لا أحفظك في ذاكرتي. وكيف أجدك إن كنت لا أتذكرك؟
الفصل الثامن عشر
فالمرأة التي أضاعت درهمها وطلبته بسراج، لولا أنها كانت تتذكره لما وجدته قط. إذ حين وجد، من أين كانت تعرف أهو نفسه أم لا، لولا أنها تتذكره؟ إني أتذكر أني طلبت أشياء كثيرة ووجدتها؛ وأعرف من ذلك أني حين كنت أطلب شيئا منها وسئلت: «أهذا هو؟» «أذاك هو؟» ظللت أقول: «لا»، حتى قدم لي ما كنت أطلبه. ولو لم أكن أتذكره، أيا كان، لما وجدته ولو قدم لي، لأني ما كنت لأتعرفه. وهكذا الأمر دائما حين نطلب شيئا ضائعا ونجده. غير أنه متى ضاع شيء مصادفة عن النظر لا عن الذاكرة (كأي جسم منظور)، فإن صورته تبقى محفوظة في الداخل، ويطلب حتى يرد إلى النظر؛ فإذا وجد عرف بالصورة التي في الداخل؛ ولا نقول إننا وجدنا ما كان ضائعا ما لم نتعرفه، ولا نستطيع أن نتعرفه ما لم نتذكره. ولكن هذا كان ضائعا عن العينين، محفوظا في الذاكرة.
الفصل التاسع عشر
ولكن ماذا حين تفقد الذاكرة نفسها شيئا، كما يحدث حين ننسى ونطلب لكي نتذكر؟ أين نبحث في النهاية إلا في الذاكرة نفسها؟ وهناك، إن عرض علينا شيء مكان آخر، رفضناه حتى يلاقينا ما نطلبه؛ فإذا لاقانا قلنا: «هذا هو»؛ وما كنا لنقول ذلك لو لم نتعرفه، ولا لنتعرفه لو لم نتذكره. فمن المؤكد إذن أننا كنا قد نسيناه. أم ترى لم يفلت منا كله، بل بالجزء الذي كنا ممسكين به طلب الجزء الضائع، إذ شعرت الذاكرة أنها لا تحمل معا كل ما اعتادت أن تحمله، وكأنها مبتورة بنقصان عادتها القديمة، فطالبت برد ما افتقدته؟ مثال ذلك: إذا رأينا أحدا نعرفه أو فكرنا فيه، وقد نسينا اسمه، فحاولنا أن نستعيده، فإن كل ما يخطر غير ذلك لا يتصل به، لأنه لم يعتد أن يفكر فيه معه، ولذلك يرفض، حتى يحضر ذاك الذي تستقر عليه المعرفة مطمئنة كأنه موضوعها المألوف. ومن أين يحضر ذاك إلا من الذاكرة نفسها؟ فإننا حتى حين نتعرفه إذ يذكرنا به غيرنا، فمن هناك يأتي. لأننا لا نصدقه كشيء جديد، بل نقر، بعد أن نتذكر، بأن ما سمي صحيح. ولو انمحى من العقل تماما لما تذكرناه ولو ذكرنا به. فإننا لم ننس بعد تماما ما نتذكر أننا نسيناه. أما ما نسيناه تماما، فلا نستطيع حتى أن نطلبه، وإن كان ضائعا.
الفصل العشرون
فكيف إذن أطلبك يا رب؟ فإني حين أطلبك يا إلهي، أطلب الحياة السعيدة. سأطلبك لكي تحيا نفسي. فجسدي يحيا بنفسي، ونفسي تحيا بك. فكيف إذن أطلب الحياة السعيدة، وهي ليست لي حتى أستطيع أن أقول، حيث ينبغي أن أقول: «كفى»؟ كيف أطلبها؟ أبالتذكر، كأني نسيتها، متذكرا أني نسيتها؟ أم راغبا في أن أتعلمها كشيء مجهول، إما لم أعرفه قط، وإما نسيته حتى إني لا أتذكر أني نسيته؟ أليست الحياة السعيدة هي ما يريده الجميع، ولا أحد لا يريده البتة؟ أين عرفوها حتى يريدوها هكذا؟ أين رأوها حتى يحبوها هكذا؟ حقا إنها لنا، ولست أعرف كيف. نعم، هناك طريقة أخرى، إذا نالها بها المرء صار سعيدا؛ وهناك من هم مغبوطون بالرجاء. هؤلاء ينالونها على نحو أدنى من الذين ينالونها بالفعل؛ ومع ذلك هم أحسن حالا من الذين ليسوا سعداء لا بالفعل ولا بالرجاء. بل هؤلاء أيضا، لو لم تكن لهم على نحو ما، لما أرادوا هكذا أن يكونوا سعداء، وأنهم يريدون ذلك أمر في غاية اليقين. فقد عرفوها إذن، لست أعرف كيف، ولذلك هي لهم بنوع من المعرفة، لست أعرف ما هو، وأنا حائر أهي في الذاكرة؛ فإن كانت فيها، فقد كنا سعداء مرة؛ أكنا كذلك كل واحد على حدة، أم في ذلك الإنسان الذي أخطأ أولا، والذي فيه أيضا متنا جميعا، ومنه ولدنا جميعا مع الشقاء، فهذا ما لا أبحث فيه الآن؛ بل أبحث فقط: أهي الحياة السعيدة في الذاكرة؟ فما كنا لنحبها لو لم نعرفها. نسمع الاسم، ونعترف جميعا بأننا نرغب في الشيء، لأننا لا نسر بمجرد الصوت. فإن اليوناني إذا سمعه باللاتينية لا يسر، إذ لا يعرف ما يقال؛ أما نحن اللاتين فنسر، كما يسر هو أيضا لو سمعه باليونانية، لأن الشيء نفسه، الذي يتوق إليه اليونان واللاتين وأهل سائر الألسنة بهذه الحرارة، ليس يونانيا ولا لاتينيا. فهو إذن معروف لدى الجميع، إذ لو سئلوا بصوت واحد: «أيريدون أن يكونوا سعداء؟» لأجابوا بلا تردد: «يريدون». وما كان هذا ليكون لو لم يكن الشيء نفسه الذي هذا اسمه محفوظا في ذاكرتهم.
الفصل الحادي والعشرون
ولكن أيكون ذلك كما يتذكر قرطاج من رآها؟ لا. فالحياة السعيدة لا ترى بالعين، لأنها ليست جسما. أفكما نتذكر الأعداد إذن؟ لا. فهذه من كانت في معرفته لا يطلب أن يبلغها أكثر؛ أما الحياة السعيدة فهي في معرفتنا، ولذلك نحبها، ومع ذلك ما زلنا نرغب في بلوغها لكي نكون سعداء. أفكما نتذكر الفصاحة إذن؟ لا. فمع أن بعض الناس، عند سماع هذا الاسم أيضا، يستحضرون الشيء وهم لم يصيروا فصحاء بعد، وكثيرون يرغبون أن يكونوا كذلك، ومن هنا يظهر أنها في معرفتهم؛ إلا أن هؤلاء قد لاحظوا بحواسهم الجسدية أن آخرين فصحاء، فسروا بذلك، ويرغبون أن يكونوا مثلهم (وإن كانوا في الحقيقة لا يسرون لولا معرفة باطنية ما بها، ولا يتمنون أن يكونوا مثلهم لو لم يسروا هكذا)؛ أما الحياة السعيدة فلا نختبرها في غيرنا بأي حاسة جسدية. أفكما نتذكر الفرح إذن؟ لعل ذلك؛ فإني أتذكر فرحي حتى وأنا حزين، كما أتذكر الحياة السعيدة وأنا شقي؛ ولم أر فرحي قط ولم أسمعه ولم أشمه ولم أذقه ولم ألمسه بحاسة جسدية، بل اختبرته في عقلي حين فرحت؛ ولصقت معرفته بذاكرتي، حتى إني أستطيع أن أستحضره أحيانا باشمئزاز، وأحيانا بشوق، بحسب طبيعة الأشياء التي أتذكر أني فرحت بها. فإني قد غمرت بنوع من الفرح حتى من أمور قبيحة، أمقتها الآن وألعنها إذ أستحضرها؛ وأحيانا في أمور صالحة شريفة، أستحضرها بشوق، وإن لم تعد ربما حاضرة، ولذلك أستحضر الفرح السابق بحزن.
فأين إذن ومتى اختبرت حياتي السعيدة حتى أتذكرها وأحبها وأتوق إليها؟ وليس أنا وحدي، أو قلة غيري، بل كلنا نود أن نكون سعداء؛ ولو لم نكن نعرف ذلك بمعرفة أكيدة ما، لما رغبنا فيه بإرادة أكيدة هكذا. ولكن كيف يكون هذا: إنه إذا سئل رجلان أيريدان الذهاب إلى الحرب، لربما أجاب أحدهما أنه يريد، والآخر أنه لا يريد؛ أما إذا سئلا أيريدان أن يكونا سعيدين، فكلاهما يقول في الحال بلا أدنى تردد إنه يريد؛ ولا لسبب آخر يذهب أحدهما إلى الحرب ولا يذهب الآخر إلا ليكون سعيدا. ألعله، كما يطلب أحدهم فرحه في هذا الشيء وآخر في ذاك، يتفق الجميع في رغبتهم في أن يكونوا سعداء، كما يتفقون (لو سئلوا) في أنهم يتمنون أن يكون لهم فرح، وهذا الفرح يسمونه الحياة السعيدة؟ فمع أن واحدا ينال هذا الفرح بوسيلة وآخر بوسيلة أخرى، فللجميع غاية واحدة يجتهدون في بلوغها، أعني الفرح. وإذ هو شيء لا بد أن يقول الجميع إنهم اختبروه، فلذلك يوجد في الذاكرة، ويتعرف كلما ذكر اسم الحياة السعيدة.
الفصل الثاني والعشرون
حاشا يا رب، حاشا لقلب عبدك الذي يعترف لك هنا، حاشا أن أحسب نفسي سعيدا لأجل أي فرح كان. فإن هناك فرحا لا يعطى للأشرار، بل للذين يحبونك لأجل ذاتك، الذين فرحهم هو أنت نفسك. وهذه هي الحياة السعيدة: أن نفرح إليك، وبك، ولأجلك؛ هذه هي، ولا حياة غيرها. فالذين يظنون أن هناك غيرها يطاردون فرحا آخر لا الفرح الحق. ومع ذلك فإرادتهم لا تنصرف عن شبه ما من الفرح.
الفصل الثالث والعشرون
فليس من المؤكد إذن أن الجميع يريدون أن يكونوا سعداء، إذ إن الذين لا يريدون أن يفرحوا بك، وهو وحده الحياة السعيدة، لا يرغبون حقا في الحياة السعيدة. أم إن الناس جميعا يرغبون في هذا، ولكن لأن الجسد يشتهي ضد الروح والروح ضد الجسد، حتى لا يستطيعوا أن يفعلوا ما يريدون، ينقلبون إلى ما يستطيعونه ويقنعون به، لأن ما لا يستطيعون فعله لا يريدونه بقوة تكفي لتجعلهم قادرين عليه؟ فإني أسأل أي إنسان: أيؤثر أن يفرح بالحق أم بالباطل؟ فلن يترددوا في أن يقولوا: «بالحق»، كما لا يترددون في أن يقولوا: «إنهم يرغبون في أن يكونوا سعداء»، لأن الحياة السعيدة هي الفرح بالحق، إذ هي فرح بك، أنت الحق، يا الله نوري، خلاص وجهي، إلهي. هذه هي الحياة السعيدة التي يرغب فيها الجميع؛ هذه الحياة التي وحدها سعيدة يرغب فيها الجميع؛ والفرح بالحق يرغب فيه الجميع. لقد صادفت كثيرين يريدون أن يخدعوا، أما من يريد أن يخدع فلا أحد. فأين إذن عرفوا هذه الحياة السعيدة إلا حيث يعرفون الحق أيضا؟ فإنهم يحبونه هو أيضا، إذ لا يريدون أن يخدعوا. وحين يحبون الحياة السعيدة، التي ليست إلا الفرح بالحق، فإنهم يحبون الحق أيضا؛ وما كانوا ليحبوه لو لم يكن له أثر ما في ذاكرتهم. فلماذا إذن لا يفرحون به؟ لماذا ليسوا سعداء؟ لأنهم منشغلون بقوة أكبر بأشياء أخرى لها قدرة أعظم على أن تجعلهم أشقياء مما لذلك الذي يتذكرونه بضعف شديد على أن يجعلهم سعداء. فما زال في الناس قليل من النور؛ فليسيروا، فليسيروا، لئلا يدركهم الظلام.
ولكن لماذا «يولد الحق البغضاء»، ويصير رجلك الذي يكرز بالحق عدوا لهم، مع أن الحياة السعيدة محبوبة، وهي ليست إلا الفرح بالحق؟ أليس لأن الحق محبوب على نحو يجعل الذين يحبون شيئا آخر يودون أن يكون ما يحبونه هو الحق، ولأنهم لا يريدون أن يخدعوا، لا يريدون أن يقنعوا بأنهم مخدوعون؟ لذلك يبغضون الحق لأجل ذلك الشيء الذي أحبوه بدلا من الحق. يحبون الحق حين ينيرهم، ويبغضونه حين يوبخهم. فإنهم إذ لا يريدون أن يخدعوا، ويريدون أن يخدعوا، يحبونه حين يكشف نفسه لهم، ويبغضونه حين يكشفهم. ولذلك يجازيهم بأن الذين لم يريدوا أن ينكشفوا به يكشفهم رغما عنهم، ولا ينكشف هو لهم. هكذا، هكذا، نعم هكذا يريد عقل الإنسان، الأعمى المريض هكذا، القبيح المشوه، أن يختفي، أما أن يختفي عنه شيء فلا يريده. ولكنه يجازى بالعكس: فلا يختفي هو عن الحق، بل يختفي الحق عنه. ومع ذلك فهو، حتى في شقائه هذا، يؤثر أن يفرح بالحقائق على أن يفرح بالأباطيل. فسيكون سعيدا إذن حين يفرح، بلا تشتت يعترض، بذلك الحق الوحيد الذي به كل الأشياء حق.
الفصل الرابع والعشرون
انظر أي مدى جبته في ذاكرتي طالبا إياك يا رب؛ ولم أجدك خارجها. ولم أجد عنك شيئا إلا ما حفظته في الذاكرة منذ أن عرفتك. فإني منذ أن عرفتك لم أنسك. لأني حيث وجدت الحق هناك وجدت إلهي، الحق نفسه، الذي لم أنسه منذ عرفته. فمنذ أن عرفتك إذن وأنت مقيم في ذاكرتي؛ وهناك أجدك حين أستحضرك، فأتلذذ بك. هذه هي لذاتي المقدسة التي وهبتها لي برحمتك، ناظرا إلى فقري.
الفصل الخامس والعشرون
ولكن أين تقيم في ذاكرتي يا رب، أين تقيم هناك؟ أي مسكن صنعت لنفسك؟ أي مقدس بنيت لنفسك؟ لقد منحت ذاكرتي هذا الشرف أن تقيم فيها؛ أما في أي ناحية منها تقيم، فذلك ما أتأمله. فإني في تفكيري فيك تجاوزت تلك الأجزاء منها التي للبهائم أيضا، إذ لم أجدك هناك بين صور الأشياء الجسدية؛ وأتيت إلى تلك الأجزاء التي أودعتها انفعالات عقلي، فلم أجدك هناك. ودخلت إلى مقر عقلي ذاته (الذي له في ذاكرتي، بما أن العقل يتذكر نفسه أيضا)، فلم تكن هناك أيضا: فكما أنك لست صورة جسدية، ولا انفعال كائن حي (كما حين نفرح أو نتوجع أو نشتهي أو نخاف أو نتذكر أو ننسى أو ما شابه ذلك)، كذلك لست العقل نفسه، لأنك أنت الرب إله العقل؛ وكل هذه تتغير، أما أنت فتبقى غير متغير فوق الكل، ومع ذلك تنازلت أن تسكن في ذاكرتي منذ أن عرفتك. ولماذا أبحث الآن في أي مكان منها تسكن، كأن فيها أماكن؟ إني على يقين من أنك تسكن فيها، إذ إني أتذكرك منذ أن عرفتك، وهناك أجدك حين أستحضرك.
الفصل السادس والعشرون
فأين وجدتك إذن حتى أعرفك؟ فإنك لم تكن في ذاكرتي قبل أن أعرفك. فأين وجدتك إذن حتى أعرفك إلا فيك، فوقي؟ لا مكان هناك البتة؛ نذهب إلى الوراء وإلى الأمام، ولا مكان. في كل مكان، أيها الحق، تصغي إلى جميع الذين يستشيرونك، وتجيب الجميع في آن واحد، وإن سألوا مشورتك في أمور شتى. بوضوح تجيب، وإن كان الجميع لا يسمعون بوضوح. الجميع يستشيرونك فيما يريدون، وإن كانوا لا يسمعون دائما ما يريدون. خير عبيدك هو من لا يتطلع إلى أن يسمع منك ما يريده هو، بقدر ما يتطلع إلى أن يريد ما يسمعه منك.
الفصل السابع والعشرون
متأخرا أحببتك، أيها الجمال القديم الأيام، والجديد أبدا! متأخرا أحببتك! وهوذا كنت أنت في الداخل وأنا في الخارج، وهناك بحثت عنك؛ وكنت أنا المشوه أنغمس بين تلك الصور الجميلة التي صنعتها. كنت معي، ولم أكن معك. أشياء أبقتني بعيدا عنك، وهي لو لم تكن فيك لما كانت البتة. دعوت وصرخت وخرقت صممي. لمعت وأشرقت وبددت عماي. فحت بعبيرك، فاستنشقت ولهثت شوقا إليك. ذقت، فأنا أجوع وأعطش. لمستني، فاحترقت شوقا إلى سلامك.
الفصل الثامن والعشرون
حين ألتصق بك بكل ذاتي، لن يكون لي في أي مكان حزن ولا تعب؛ وتحيا حياتي حياة كاملة، إذ تكون مملوءة منك كلها. أما الآن، فبما أنك ترفع من تملؤه، ولأني لست مملوءا منك، فأنا ثقل على نفسي. أفراح تستحق الرثاء تصارع أحزانا مفرحة، ولست أعرف في أي جانب النصر. ويل لي! يا رب ارحمني. أحزاني الشريرة تصارع أفراحي الصالحة، ولست أعرف في أي جانب النصر. ويل لي! يا رب ارحمني. ويل لي! ها أنا لا أخفي جراحي؛ أنت الطبيب وأنا المريض؛ أنت الرحيم وأنا الشقي. أليست حياة الإنسان على الأرض كلها تجربة؟ من ذا الذي يتمنى المتاعب والمشقات؟ إنك تأمر بأن تحتمل، لا بأن تحب. لا أحد يحب ما يحتمله، وإن كان يحب أن يحتمل. فمع أنه يفرح بأنه يحتمل، يؤثر ألا يكون هناك ما يحتمله. في الشدة أتوق إلى الرخاء، وفي الرخاء أخشى الشدة. فأي موضع وسط بين هذين لا تكون فيه حياة الإنسان كلها تجربة؟ ويل لرخاء العالم، مرة ومرتين، من خوف الشدة، ومن فساد الفرح! ويل لشدائد العالم، مرة ومرتين وثلاثا، من التوق إلى الرخاء، ولأن الشدة نفسها أمر عسير، ولئلا تحطم الاحتمال. أليست حياة الإنسان على الأرض كلها تجربة، بلا أي فترة؟
الفصل التاسع والعشرون
وكل رجائي ليس في مكان إلا في رحمتك العظيمة جدا. أعط ما تأمر به، وأمر بما تشاء. إنك تأمرنا بالعفة؛ وقد قال واحد: لما علمت أنه لا يستطيع أحد أن يكون عفيفا ما لم يعطه الله ذلك، كان هذا أيضا من الحكمة، أن أعرف عطية من هي. فبالعفة حقا نجمع ونرد إلى الواحد الذي منه تبددنا إلى الكثير. فإن من يحب معك شيئا لا يحبه لأجلك يحبك قليلا جدا. أيها الحب الذي يتقد دائما ولا ينطفئ أبدا! أيتها المحبة، يا إلهي، أضرميني. إنك تأمر بالعفة: فأعطني ما تأمر به، وأمر بما تشاء.
الفصل الثلاثون
حقا إنك تأمرني بالعفة عن شهوة الجسد، وشهوة العيون، وطموح العالم. تأمر بالعفة عن التسري؛ وبشأن الزواج نفسه أشرت بما هو أفضل مما أذنت به. ولأنك أعطيت ذلك، فقد تم، حتى قبل أن أصير موزعا لسرك. ولكن ما زالت تحيا في ذاكرتي (التي تكلمت عنها كثيرا) صور تلك الأمور التي ثبتتها فيها عادتي الرديئة؛ وهي تطاردني بلا قوة وأنا يقظ، أما في النوم فلا حتى تحدث لذة فحسب، بل حتى تنال الرضى، وما يشبه الواقع جدا. نعم، إن وهم الصورة يبلغ من السطوة في نفسي وفي جسدي أن الرؤى الكاذبة تقنعني وأنا نائم بما لا تقدر الحقيقية أن تقنعني به وأنا يقظ. أفلست أنا إذن أنا نفسي يا رب إلهي؟ ومع ذلك ما أعظم الفرق بيني وبين نفسي في تلك اللحظة التي أنتقل فيها من اليقظة إلى النوم، أو أعود من النوم إلى اليقظة! فأين العقل إذن، الذي يقاوم وهو يقظ مثل هذه الإيحاءات؟ ولو ألحت عليه الأشياء نفسها لبقي راسخا لا يتزعزع. أيغلق مع العينين؟ أيهجع مع حواس الجسد؟ ومن أين يكون أننا كثيرا ما نقاوم حتى في النوم، ونذكر عزمنا، ونثبت فيه بكل عفة، فلا نرضى بمثل هذه الإغراءات؟ ومع ذلك فالفرق عظيم هكذا، حتى إنه إذا حدث غير ذلك، عدنا عند اليقظة إلى سلام الضمير، واكتشفنا بهذا الفرق نفسه أننا لم نفعل ما نأسف مع ذلك على أنه قد حدث فينا على نحو ما.
ألست قديرا، أيها الإله القدير، حتى تشفي جميع أمراض نفسي، وتطفئ بنعمتك الأوفر حتى حركات نومي النجسة! إنك ستزيد يا رب عطاياك في أكثر فأكثر، لكي تتبعني نفسي إليك، متخلصة من دبق الشهوة، فلا تتمرد على نفسها، ولا ترتكب حتى في الأحلام، بصور الحس، تلك الفواحش المذلة إلى حد تنجيس الجسد، بل لا ترضى بها حتى. فأن لا يكون لشيء من هذا النوع على المشاعر الطاهرة حتى عند النائم أدنى تأثير، ولا حتى ذلك الذي يكفه فكر — أن يصنع هذا لا في أثناء الحياة فحسب بل حتى في سني الحاضرة، فليس عسيرا على القدير، أنت القادر أن تفعل فوق كل ما نطلب أو نفتكر. ولكن ما زلت عليه في هذا النوع من شري قد اعترفت به لربي الصالح، فرحا برعدة بما أعطيتني، ونائحا على ما زلت فيه ناقصا، راجيا أن تكمل مراحمك في حتى السلام الكامل الذي سيكون لإنساني الخارج والداخل معك، حين يبتلع الموت إلى غلبة.
الفصل الحادي والثلاثون
وهناك شر آخر لليوم، ليته كان كافيا له. فبالأكل والشرب نرمم ما يتلف من جسدنا كل يوم، إلى أن تبيد البطن والأطعمة كليهما، حين تقتل فراغي بملء عجيب، وتلبس هذا الفاسد عدم فساد أبديا. أما الآن فالضرورة عذبة لي، وأنا أحارب هذه العذوبة لئلا أؤخذ أسيرا؛ وأخوض حربا يومية بالأصوام، مستعبدا جسدي مرارا؛ وآلامي تزال باللذة. فالجوع والعطش آلام على نحو ما، يحرقان ويقتلان كالحمى، ما لم يأت دواء الأغذية لنجدتنا. ولأنه في متناولنا بتعزيات عطاياك، التي بها تخدم اليابسة والماء والهواء ضعفنا، فإن بليتنا تسمى متعة.
هذا ما علمتنيه: أن أتناول الطعام كما يتناول المرء الدواء. ولكن بينما أنا أعبر من ضيق الفراغ إلى رضى الامتلاء، ففي العبور نفسه يترصدني فخ الشهوة. فذلك العبور لذة، ولا طريق آخر للعبور إلى حيث لا بد لنا أن نعبر. ومع أن الصحة هي علة الأكل والشرب، فإن لذة خطرة تنضم إليها كتابع، وهي في الغالب تسعى إلى أن تتقدمها، حتى أفعل لأجلها ما أقول إني أفعله، أو أريد أن أفعله، لأجل الصحة. وليس لكلتيهما القدر نفسه، فما يكفي للصحة قليل جدا للذة. وكثيرا ما يكون غير مؤكد أهي عناية الجسد الضرورية التي ما زالت تطلب القوت، أم خداع الشره الشهواني الذي يعرض خدماته. وفي هذا الالتباس تفرح النفس الشقية، وتعد فيه عذرا تتترس به، مسرورة بأنه لا يظهر ما يكفي لاعتدال الصحة، حتى تستر تحت رداء الصحة أمر المتعة. هذه التجارب أجتهد كل يوم في مقاومتها، وأدعو يمينك، وإليك أرفع حيراتي، لأنه ليس لي بعد رأي مستقر في هذا.
أسمع صوت إلهي آمرا: لا تثقل قلوبكم في خمار وسكر. أما السكر فبعيد عني؛ وسترحمني لئلا يقترب مني. ولكن التخمة تزحف أحيانا على عبدك؛ وسترحمني لكي تبتعد عني. فلا يستطيع أحد أن يكون عفيفا ما لم تعطه أنت. أشياء كثيرة تعطينا إياها ونحن نصلي لأجلها؛ وكل خير نلناه قبل أن نصلي، فمنك نلناه؛ بل لكي نعرف هذا فيما بعد نلناه من قبل. لم أكن قط سكيرا، ولكني عرفت سكيرين جعلتهم أنت صاحين. فمنك إذن كان أن الذين لم يكونوا كذلك قط لم يصيروا كذلك، كما أنه منك كان أن الذين كانوا كذلك لم يبقوا كذلك أبدا؛ ومنك كان أن يعرف الفريقان من الذي كان ذلك منه. وسمعت صوتا آخر لك: لا تتبع شهواتك، وعن لذتك ارجع. نعم، بنعمتك سمعت ما أحببته كثيرا: إن أكلنا لا نزيد، وإن لم نأكل لا ننقص؛ أي أن هذا لن يغنيني، ولا ذاك يشقيني. وسمعت أيضا آخر: لأني قد تعلمت أن أكون مكتفيا بما أنا فيه؛ أعرف أن أستفضل وأعرف أن أنقص. أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني. هوذا جندي من المعسكر السماوي، لا التراب الذي هو نحن. ولكن اذكر يا رب أننا تراب، وأنك من التراب صنعت الإنسان؛ وكان ضالا فوجد. ولم يكن يستطيع هذا من نفسه، لأن ذاك الذي أحببته كثيرا، القائل هذا بنفخة وحيك، كان من التراب نفسه. أستطيع كل شيء (يقول) في الذي يقويني. قوني لكي أستطيع. أعط ما تأمر به، وأمر بما تشاء. إنه يعترف بأنه قد أخذ، وحين يفتخر ففي الرب يفتخر. وسمعت آخر يتوسل لكي يأخذ. انزع عني (يقول) شهوات البطن؛ ومن هنا يظهر يا إلهي القدوس أنك أنت تعطي، حين يعمل ما تأمر بأن يعمل.
لقد علمتني أيها الآب الصالح أن كل شيء طاهر للطاهرين، ولكنه شر للإنسان الذي يأكل بعثرة؛ وأن كل خليقة لك جيدة، ولا يرفض شيء إذا أخذ مع الشكر؛ وأن الطعام لا يقدمنا إلى الله؛ وأنه لا يحكم علينا أحد في أكل أو شرب؛ وأن من يأكل فلا يزدر بمن لا يأكل، ومن لا يأكل فلا يدن من يأكل. هذه الأمور تعلمتها، فلك الشكر ولك الحمد يا إلهي، يا معلمي، القارع على أذني، المنير قلبي؛ نجني من كل تجربة. لست أخاف نجاسة الطعام، بل نجاسة الشهوة. أعلم أن نوحا أذن له أن يأكل كل صنف من اللحم يصلح طعاما؛ وأن إيليا قد أطعم لحما؛ وأن يوحنا، الموهوب زهدا عجيبا، لم يتنجس بالتغذي بمخلوقات حية، هي الجراد. وأعلم أيضا أن عيسو خدع باشتهائه العدس؛ وأن داود لام نفسه على اشتهائه جرعة ماء؛ وأن ملكنا جرب لا في اللحم بل في الخبز. ولذلك استحق الشعب في البرية أيضا أن يوبخ، لا لاشتهائه اللحم، بل لأنه في اشتهاء الطعام تذمر على الرب.
فإذ أنا موضوع إذن وسط هذه التجارب، أجاهد كل يوم ضد الشهوة في الأكل والشرب. فهي ليست من الطبيعة التي تسمح لي بأن أعزم على قطعها مرة واحدة إلى الأبد وألا ألمسها بعد ذلك قط، كما استطعت مع التسري. فلجام الحلق إذن ينبغي أن يمسك معتدلا بين الإرخاء والشد. ومن هو يا رب الذي لا ينجرف قليلا إلى ما وراء حدود الضرورة؟ أيا كان فهو عظيم؛ فليعظم اسمك. أما أنا فلست كذلك، لأني رجل خاطئ. ومع ذلك فأنا أيضا أعظم اسمك؛ والذي غلب العالم يشفع لديك في خطاياي، عادا إياي بين أعضاء جسده الضعيفة، لأن عينيك رأتا ما هو ناقص منه، وفي سفرك يكتب الجميع.
الفصل الثاني والثلاثون
أما مغريات الروائح فلا تشغلني كثيرا. إذا غابت لا أفتقدها، وإذا حضرت لا أرفضها، ولكني مستعد دائما أن أستغني عنها. هكذا أبدو لنفسي؛ ولعلي مخدوع. فتلك أيضا ظلمة محزنة تخفى بها عني قدراتي التي في داخلي، حتى إن عقلي إذ يستقصي في نفسه عن قواه لا يجرؤ بسهولة على أن يصدق نفسه، لأن ما فيه هو أيضا مخفي في الغالب ما لم تكشفه التجربة. ولا ينبغي لأحد أن يكون آمنا في تلك الحياة التي تسمى كلها تجربة، لئلا يكون من استطاع أن يصير من أسوأ إلى أفضل قادرا كذلك أن يصير من أفضل إلى أسوأ. رجاؤنا الوحيد، وثقتنا الوحيدة، ووعدنا الأكيد الوحيد، هو رحمتك.
الفصل الثالث والثلاثون
أما لذات الأذن فقد كانت أحكمت شباكها حولي وأخضعتني أكثر؛ ولكنك حللتني وأعتقتني. والآن، في تلك الألحان التي تنفخ فيها كلماتك روحا، حين ترتل بصوت عذب متقن، أستريح قليلا؛ لكن لا بحيث تمسكني، بل بحيث أستطيع أن أفلت منها متى شئت. غير أنها مع الكلمات التي هي حياتها والتي بها تجد مدخلا إلي، تطلب لنفسها في مشاعري موضعا ذا شيء من المنزلة، وبالكاد أستطيع أن أعين لها موضعا لائقا. فأحيانا أبدو لنفسي أني أعطيها كرامة أكثر مما يليق، إذ أشعر أن عقولنا ترتفع بأكثر قداسة وحرارة إلى لهيب التقوى بالكلمات المقدسة نفسها حين ترتل هكذا منها حين لا ترتل؛ وأن لمختلف مشاعر روحنا، بتنوع عذب، مقاييسها الخاصة في الصوت والترتيل، التي بتناسب خفي ما تستثار. ولكن متعة الجسد هذه، التي لا ينبغي أن تسلم النفس إليها فتخور، كثيرا ما تخدعني، إذ لا يخدم الحس العقل خدمة من يتبعه بصبر، بل وقد أدخل لأجله فقط، يسعى حتى إلى أن يسبقه ويقوده. وهكذا أخطأ في هذه الأمور من غير أن أدري، ثم أدري بعد ذلك.
وفي أحيان أخرى، إذ أتجنب هذا الخداع نفسه بقلق مفرط، أضل بصرامة زائدة جدا، وأحيانا إلى حد أن أتمنى أن يطرد من أذني كل لحن الموسيقى العذبة التي يرتل بها مزامير داود، ومن أذني الكنيسة أيضا؛ ويبدو لي أسلم ذلك الأسلوب الذي أتذكر أنه طالما حكي لي عن أثناسيوس أسقف الإسكندرية، الذي كان يجعل قارئ المزمور يلفظه بتنغيم للصوت خفيف جدا حتى إنه كان أقرب إلى الكلام منه إلى الترتيل. ولكني حين أتذكر أيضا الدموع التي ذرفتها عند ترتيل المزامير في كنيستك، في بداية إيماني المستعاد؛ وكيف أتأثر في هذا الوقت، لا بالترتيل، بل بالأمور المرتلة، حين ترتل بصوت صاف وتنغيم ملائم جدا، أعترف بعظم فائدة هذا الترتيب. وهكذا أتأرجح بين خطر اللذة ونفع مجرب، مائلا بالأحرى (وإن لم يكن ذلك حكما لا رجعة فيه) إلى استحسان عادة الترتيل في الكنيسة، حتى ترتفع العقول الأضعف بمتعة الأذنين إلى شعور التقوى. ولكن حين يحدث لي أن أتأثر بالصوت أكثر من الكلمات المرتلة، أعترف بأني أخطأت خطيئة تستوجب العقاب، وحينئذ أؤثر ألا أسمع الموسيقى. فانظروا الآن حالي؛ ابكوا معي وابكوا لأجلي، أنتم الذين تضبطون مشاعركم في الداخل حتى يتبعها العمل الصالح. أما أنتم الذين لا تعملون، فهذه الأمور لا تمسكم. ولكن أنت يا رب إلهي، أصغ؛ انظر وأبصر، وارحم واشفني، أنت الذي صرت في حضرتك معضلة لنفسي، وهذا هو ضعفي.
الفصل الرابع والثلاثون
بقيت لذة عيني الجسديتين هاتين، التي عليها أقدم اعترافاتي على مسامع آذان هيكلك، تلك الآذان الأخوية التقية؛ وبذلك أختم تجارب شهوة الجسد التي ما زالت تهاجمني، وأنا أئن مشتاقا أن ألبس فوقها مسكني الذي من السماء. العينان تحبان الصور الجميلة المتنوعة، والألوان الزاهية الناعمة. فلا تشغل هذه نفسي؛ بل ليشغلها الله الذي صنع هذه الأشياء، حسنة جدا حقا، ولكنه هو خيري لا هي. وهذه تؤثر في وأنا يقظ النهار كله، ولا راحة لي منها كما لي راحة من الأصوات الموسيقية، بل أحيانا في الصمت من جميع الأصوات. فملكة الألوان هذه، النور، الذي يغمر كل ما نبصره، أينما كنت في النهار، ينساب بجانبي في صور متنوعة، ويلاطفني وأنا منشغل بأمور أخرى لا ألاحظه. وهو يتشبث بقوة حتى إنه إذا سحب فجأة طلب بشوق، وإذا غاب طويلا أحزن العقل.
أيها النور الذي رآه طوبيا حين علم ابنه طريق الحياة، وعيناه هاتان مغمضتان، وتقدمه هو نفسه بقدمي المحبة لا يحيد قط. أو الذي رآه إسحاق، حين ثقلت عيناه الجسديتان وأغمضتهما الشيخوخة، فأعطي أن يبارك ابنيه لا عارفا إياهما، بل أن يعرفهما بالمباركة. أو الذي رآه يعقوب، حين كان هو أيضا أعمى من فرط الشيخوخة، فأنار بقلب مستنير، في أشخاص بنيه، الأسباط المختلفة للشعب الآتي، المرموز إليها فيهم؛ ووضع يديه، مصالبتين على نحو سري، على حفيديه من يوسف، لا كما صححهما أبوهما بعينه الخارجية، بل كما ميز هو في داخله. هذا هو النور، إنه واحد، والذين يرونه ويحبونه جميعهم واحد. أما ذلك النور الجسدي الذي تكلمت عنه، فإنه يتبل حياة هذا العالم لعشاقه العميان بعذوبة مغرية خطرة. ولكن الذين يعرفون أن يسبحوك لأجله، «أيها الرب خالق الكل»، يرفعونه في تسابيحك، ولا ينشغلون به في نومهم. هكذا أود أن أكون. هذه الإغراءات للعينين أقاومها، لئلا تعلق في الشرك قدماي اللتان أسير بهما في طريقك؛ وأرفع إليك عيني غير المنظورتين لكي تنتشل قدمي من الشرك. وأنت تنتشلهما مرة بعد مرة، لأنهما تعلقان في الشرك. لا تكف عن انتشالهما، بينما أنا كثيرا ما أوقع نفسي في الأشراك المنصوبة من كل جانب؛ لأنك أنت حافظ إسرائيل لا تنعس ولا تنام.
ما أكثر ما أضافه الناس من الألاعيب التي لا تحصى، المصنوعة بفنون وصناعات شتى، في ملابسنا وأحذيتنا وآنيتنا وكل صنف من المصنوعات، وفي الصور أيضا والتماثيل المختلفة، وهي تتجاوز كثيرا كل حاجة ضرورية واستعمال معتدل وكل معنى تقوي، ليغروا بها عيونهم؛ متبعين في الخارج ما يصنعونه، تاركين في الداخل الذي صنعوا هم به، ومهلكين ما صنعوا هم عليه! أما أنا، يا إلهي ومجدي، فإني من هنا أيضا أرتل لك تسبيحا، وأكرس الحمد لمن يكرسني، لأن تلك النماذج الجميلة التي تنتقل عبر نفوس الناس إلى أيديهم الماهرة تأتي من ذلك الجمال الذي هو فوق نفوسنا، والذي تتنهد نفسي إليه نهارا وليلا. ولكن صانعي الجمالات الخارجية ومتبعيها يستمدون من هناك قاعدة الحكم عليها، لا قاعدة استعمالها. وهو هناك، وإن كانوا لا يدركونه، لكي لا يضلوا، بل يحفظوا قوتهم لك، ولا يبددوها في إعياء ملذ. وأنا، وإن كنت أتكلم بهذا وأراه، أشبك خطواتي بهذه الجمالات الخارجية؛ ولكنك تنتشلني يا رب، تنتشلني؛ لأن رحمتك أمام عيني. فإني أؤخذ على نحو بائس، وأنت تنتشلني برحمة؛ أحيانا دون أن أشعر، حين أكون قد وقعت عليها وقوعا خفيفا؛ وأحيانا بألم، لأني كنت قد علقت فيها بشدة.
الفصل الخامس والثلاثون
ويضاف إلى هذا صنف آخر من التجربة أكثر خطرا وأشد تنوعا. فإنه فضلا عن شهوة الجسد تلك القائمة في لذة جميع الحواس والملذات، التي يهلك فيها عبيدها ويضمحلون إذ يبتعدون عنك، للنفس بواسطة حواس الجسد نفسها رغبة باطلة فضولية ما، مستترة تحت اسم المعرفة والعلم، لا في التلذذ بالجسد، بل في إجراء التجارب بواسطة الجسد. ولما كان مقرها في شهوة المعرفة، وكان البصر هو الحاسة المستعملة أولا لتحصيل المعرفة، فإنها تسمى في اللغة الإلهية شهوة العيون. فالرؤية تختص بالعينين، ولكننا نستعمل هذه الكلمة للحواس الأخرى أيضا حين نستخدمها في طلب المعرفة. فإننا لا نقول: اسمع كيف يلمع، أو شم كيف يتوهج، أو ذق كيف يشرق، أو المس كيف يتألق؛ لأن هذه كلها يقال إنها ترى. ومع ذلك لا نقول فقط: انظر كيف يشرق، وهذا لا تدركه إلا العينان؛ بل نقول أيضا: انظر كيف يرن، انظر كيف يفوح، انظر كيف طعمه، انظر كم هو صلب. ولذلك يسمى اختبار الحواس عامة، كما قيل، شهوة العيون، لأن وظيفة الرؤية، التي للعينين فيها الصدارة، تتخذها الحواس الأخرى لنفسها على سبيل التشبيه حين تبحث عن أي معرفة.
ولكن بهذا يمكن أن يميز بوضوح أكبر متى تكون اللذة ومتى يكون الفضول غاية الحواس: فاللذة تطلب الأشياء الجميلة والمطربة والعطرة والشهية والناعمة؛ أما الفضول فيطلب، لأجل التجربة، أضدادها أيضا، لا ليقاسي الأذى، بل عن شهوة التجربة والمعرفة. فأي لذة في أن ترى في جثة ممزقة ما يجعلك ترتعد؟ ومع ذلك إذا كانت ملقاة قريبا، تقاطروا إليها ليحزنوا ويشحبوا. بل يخافون أن يروها حتى في النوم. كأنما أجبرهم أحد وهم يقظون على رؤيتها، أو اجتذبهم إليها خبر عن جمالها! وهكذا أيضا في الحواس الأخرى، التي يطول استعراضها. من داء الفضول هذا تأتي كل تلك المشاهد الغريبة التي تعرض في المسرح. ومن هنا يمضي الناس إلى استقصاء قوى الطبيعة الخفية (وهذا خارج عن غايتنا)، التي لا تنفع معرفتها، والتي لا يرغب الناس فيها إلا في المعرفة. ومن هنا أيضا يستشار بالفنون السحرية لتلك الغاية نفسها، غاية المعرفة المنحرفة. ومن هنا أيضا، في الدين نفسه، يجرب الله حين تطلب منه الآيات والعجائب، لا رغبة فيها لأي غاية صالحة، بل لمجرد التجربة.
في هذه البرية الشاسعة جدا، المملوءة أشراكا وأخطارا، ها قد قطعت كثيرا منها وطردته من قلبي، كما أعطيتني يا إله خلاصي. ومع ذلك متى أجرؤ أن أقول، وأشياء كثيرة من هذا النوع تطن من كل جانب حول حياتنا اليومية — متى أجرؤ أن أقول إن لا شيء من هذا القبيل يشغل انتباهي أو يثير في اهتماما باطلا؟ صحيح أن المسارح لم تعد تجرفني الآن، ولا أعبأ بمعرفة مسارات النجوم، ولم تستشر نفسي قط أرواح الموتى؛ وكل الأسرار المدنسة أمقتها. ولكن بأي حيل وإيحاءات يعاملني العدو لكي أطلب آية منك، يا رب إلهي، الذي أدين لك بخدمة متواضعة خالصة القلب! ولكني أتوسل إليك بملكنا، وبوطننا الطاهر المقدس، أورشليم، أن يكون كل رضى بذلك بعيدا عني، كما هو بعيد، بل أن يزداد بعدا أبدا. أما حين أصلي إليك لأجل خلاص أحد، فغايتي ونيتي مختلفة جدا. إنك تعطيني وستعطيني أن أتبعك طوعا، فاعلا ما تشاء.
ومع ذلك، في كم من الأمور التافهة الحقيرة يجرب فضولنا كل يوم، وكم مرة نستسلم، من ذا الذي يستطيع أن يحصي؟ كم مرة نبدأ كأننا نحتمل أناسا يروون حكايات باطلة، لئلا نعثر الضعفاء، ثم شيئا فشيئا نهتم بها! لم أعد أذهب الآن إلى الميدان لأرى كلبا يطارد أرنبا؛ ولكن في الحقل، إن مررت، فلعل تلك المطاردة تشتتني حتى عن فكر خطير وتجتذبني وراءها، لا بحيث أحول جسم دابتي، بل أميل عقلي إلى هناك. ولولا أنك، إذ أريتني ضعفي، تنبهني سريعا، إما أن أرتفع نحوك بتأمل ما من خلال المنظر نفسه، وإما أن أحتقره تماما وأتجاوزه، لبقيت واقفا فيه ببلادة. وماذا حين يستولي على انتباهي كثيرا، وأنا جالس في البيت، سحلية تصطاد الذباب، أو عنكبوت يشبكه وهو يندفع إلى شباكه؟ أيختلف الأمر لأنها مخلوقات صغيرة فقط؟ إني أنتقل منها إلى تسبيحك، أيها الخالق العجيب ومدبر الكل، ولكن هذا ليس ما يجتذب انتباهي أولا. فالنهوض سريعا شيء، وعدم السقوط شيء آخر. ومن مثل هذه الأمور حياتي مملوءة، ورجائي الوحيد رحمتك العظيمة العجيبة. فإنه متى صار قلبنا وعاء لمثل هذه الأشياء، وأثقل بجموع هذا الباطل الكثير، فإن صلواتنا أيضا كثيرا ما تنقطع بسببه وتتشتت، وبينما نوجه صوت قلبنا إلى أذنيك في حضرتك، ينقطع هذا الأمر العظيم باقتحام أفكار باطلة لا أدري ما هي. أفنحسب هذا أيضا من الأمور الهينة، أم يردنا شيء إلى الرجاء سوى رحمتك الكاملة، إذ قد بدأت أن تغيرنا؟
الفصل السادس والثلاثون
وأنت تعلم إلى أي حد قد غيرتني، أنت الذي شفيتني أولا من شهوة الانتصار لنفسي، لكي تغفر كل ما بقي من آثامي، وتشفي كل أمراضي، وتفدي من الحفرة حياتي، وتكللني بالرحمة والرأفة، وتشبع بالخير رغبتي؛ أنت الذي كبحت كبريائي بخوفك، وروضت عنقي لنيرك. والآن أحمله وهو خفيف علي، لأنك هكذا وعدت وهكذا صنعته؛ وحقا كان كذلك، ولم أكن أعلم، حين كنت أخاف أن أحمله.
ولكن يا رب، يا من أنت وحدك الرب بلا كبرياء، لأنك وحدك الرب الحق الذي لا رب له، أترى هذا النوع الثالث من التجربة قد كف عني، أو يمكن أن يكف في هذه الحياة كلها؟ أعني أن نرغب في أن يخافنا الناس ويحبونا، لا لغاية أخرى إلا أن يكون لنا في ذلك فرح ليس بفرح؟ ما أشقاها حياة، وما أقبحه تبجحا! ومن هنا خاصة يأتي أن الناس لا يحبونك ولا يخافونك بطهارة. ولذلك تقاوم المستكبرين وتعطي المتواضعين نعمة؛ بل ترعد على مطامع العالم فترتعد أسس الجبال. ولأن بعض وظائف المجتمع البشري تجعل من الضروري أن يحبنا الناس ويخافونا، فإن عدو سعادتنا الحقة يلح علينا بشدة، ناصبا في كل مكان أشراكه من «أحسنت، أحسنت»، حتى إذا تلقفناها بشراهة أخذنا على غرة، وفصلنا فرحنا عن حقك، ووضعناه في خداع الناس، وسررنا بأن نكون محبوبين ومهابين، لا لأجلك بل بدلا منك؛ وهكذا إذ نصير مثله، يقتنيهم لنفسه، لا في ربط المحبة، بل في قيود العقاب: هو الذي عزم أن يضع عرشه في الشمال، لكي يخدموه في الظلمة والبرد، مقلدا إياك على نحو منحرف معوج. أما نحن يا رب، فها نحن قطيعك الصغير؛ اقتننا لك، وابسط جناحيك علينا، ودعنا نطير تحتهما. كن أنت مجدنا؛ لنحب لأجلك، ولتهب كلمتك فينا. من يريد أن يمدحه الناس حين تلومه أنت، لن يدافع عنه الناس حين تدينه أنت، ولن ينقذ حين تحكم عليه. ولكن حين — لا يمدح الخاطئ في شهوات نفسه، ولا يبارك من يفعل الإثم، بل — يمدح إنسان لأجل عطية أعطيته إياها، فيفرح بالمديح لنفسه أكثر من فرحه بأن له العطية التي يمدح لأجلها، فهو أيضا يمدح بينما أنت تذمه؛ وخير منه ذاك الذي مدح من هذا الذي مدح. فذاك سر بعطية الله في الإنسان، وهذا سر بعطية الإنسان أكثر من عطية الله.
الفصل السابع والثلاثون
بهذه التجارب نهاجم كل يوم يا رب؛ بلا انقطاع نهاجم. أتوننا اليومي هو لسان الناس. وفي هذا أيضا تأمرنا بالعفة. أعط ما تأمر به، وأمر بما تشاء. أنت تعلم في هذا الأمر أنات قلبي وسيول عيني. فإني لا أستطيع أن أعرف إلى أي حد تطهرت أكثر من هذا الوباء، وأخاف كثيرا من خطاياي الخفية التي تعرفها عيناك ولا تعرفها عيناي. ففي أصناف التجارب الأخرى لي وسيلة ما لفحص نفسي؛ أما في هذا فبالكاد. فإني في كف عقلي عن لذات الجسد والفضول الباطل، أرى إلى أي حد بلغت حين أستغني عنها، تاركا إياها أو غير مالك لها. إذ حينئذ أسأل نفسي: كم يزعجني أكثر أو أقل ألا تكون لي؟ ثم الغنى، الذي يرغب فيه لكي يخدم واحدة أو اثنتين أو الثلاث كلها من الشهوات، إن لم تستطع النفس أن تميز هل تحتقره حين تملكه، فيمكن أن يطرح جانبا لكي تمتحن نفسها. أما أن نكون بلا مديح، ونختبر في ذلك قوانا، أفيجب أن نعيش عيشة رديئة، بل منحلة شنيعة إلى حد ألا يعرفنا أحد إلا ويمقتنا؟ أي جنون أعظم من هذا يمكن أن يقال أو يتصور؟ ولكن إن كان المديح معتادا أن يرافق الحياة الصالحة والأعمال الصالحة، وينبغي له ذلك، فلا ينبغي لنا أن نترك رفقته أكثر مما نترك الحياة الصالحة نفسها. ومع ذلك لا أعرف هل أستطيع أن أستغني عن شيء بسهولة أو بعسر ما لم يكن غائبا.
فبماذا أعترف لك إذن يا رب في هذا النوع من التجربة؟ بماذا إلا أني أسر بالمديح، ولكني أسر بالحق نفسه أكثر من المديح؟ فلو عرض علي أأريد، وأنا مخبول في الضلال في كل شيء، أن يمدحني جميع الناس، أم، وأنا ثابت راسخ جدا في الحق، أن يلومني الجميع، لرأيت أيهما أختار. ومع ذلك وددت ألا يزيد استحسان غيري فرحي بأي خير في. ولكني أعترف أنه يزيده، وليس ذلك فحسب، بل إن الذم ينقصه. وحين أضطرب من شقائي هذا، يخطر لي عذر، أما ما قيمته فأنت يا الله تعلم، لأنه يتركني في شك. فبما أنك أمرتنا لا بالعفة وحدها، أي عما نكف عنه محبتنا، بل بالبر أيضا، أي على ماذا نسبغها، وشئت أن نحب لا إياك وحدك بل قريبنا أيضا، فكثيرا ما أبدو لنفسي، حين أسر بمديح فهم، أني أسر بتقدم قريبي أو بحسن استعداده، أو أحزن لشر فيه حين أسمعه يذم ما لا يفهمه أو ما هو صالح. فإني أحيانا أحزن لمديحي نفسه، إما حين تمدح في تلك الأمور التي لا أرضى فيها عن نفسي، وإما حين تقدر خيرات أصغر وأهون أكثر مما ينبغي. ولكن كيف أعرف أيضا هل أتأثر هكذا لأني لا أريد أن يخالفني مادحي في رأيي في نفسي، لا لأني مدفوع بالاهتمام به، بل لأن تلك الخيرات نفسها التي ترضيني في نفسي ترضيني أكثر حين ترضي غيري أيضا؟ فإني على نحو ما لا أمدح حين لا يمدح حكمي على نفسي، إذ تمدح إما تلك الأمور التي لا ترضيني، وإما تمدح أكثر تلك التي ترضيني أقل. أفأنا إذن في شك من نفسي في هذا الأمر؟
هوذا فيك أيها الحق أرى أنه لا ينبغي أن أتأثر بمدائحي لأجل نفسي، بل لأجل خير قريبي. أما هل الأمر كذلك معي، فلست أعرف. فإني في هذا أعرف عن نفسي أقل مما أعرف عنك. أتوسل إليك الآن يا إلهي، اكشف لي نفسي أيضا، لكي أعترف لإخوتي الذين سيصلون لأجلي بما أجد نفسي فيه مبتورا. فلأفحص نفسي ثانية باجتهاد أكبر. إن كنت في مديحي أتأثر بخير قريبي، فلماذا أتأثر أقل إذا ذم غيري ظلما مني إذا ذممت أنا؟ لماذا تلسعني الإهانة الملقاة علي أكثر من تلك الملقاة على غيري بالظلم نفسه أمامي؟ أفلا أعرف هذا أيضا؟ أم إني في النهاية أخدع نفسي، ولا أعمل الحق أمامك في قلبي ولساني؟ أبعد عني هذا الجنون يا رب، لئلا يكون فمي أنا لي زيت الخاطئ الذي يدهن رأسي. إني فقير ومسكين؛ ولكني أفضل حالا حين أسخط على نفسي في أنات خفية، وألتمس رحمتك، حتى يتجدد ما ينقص حالي الناقصة ويكمل، إلى ذلك السلام الذي لا تعرفه عين المتكبر.
الفصل الثامن والثلاثون
ومع ذلك فإن الكلمة الخارجة من الفم، والأعمال المعروفة لدى الناس، تحمل معها تجربة في غاية الخطر بسبب حب المديح، الذي يلتمس أصوات الناس ويجمعها ليثبت لنا فضلا ما خاصا. وهو يجرب حتى حين أستنكره أنا في نفسي، وذلك على أساس أنه مستنكر نفسه؛ وكثيرا ما يفتخر افتخارا أكثر بطلا باحتقار المجد الباطل نفسه؛ وهكذا لا يعود احتقارا للمجد الباطل ذلك الذي يفتخر به، لأنه لا يحتقر حين يفتخر.
الفصل التاسع والثلاثون
وفي الداخل أيضا، في الداخل، شر آخر ناشئ من تجربة مشابهة، به يصير الناس باطلين، معجبين بأنفسهم في أنفسهم، وإن كانوا لا يرضون غيرهم، أو يسخطونهم، أو لا يبالون بإرضائهم. ولكنهم إذ يعجبون بأنفسهم يسخطونك كثيرا، لا بتلذذهم بأمور غير صالحة كأنها صالحة فحسب، بل بخيراتك كأنها خيراتهم؛ أو حتى إن حسبوها لك، فكأنها لاستحقاقاتهم؛ أو حتى إن حسبوها من نعمتك، فلا بفرح أخوي، بل حاسدين غيرهم على تلك النعمة. في كل هذه الأخطار والمشقات وما شابهها ترى ارتعاد قلبي؛ وأنا أشعر بالأحرى أن جراحي تشفى منك، لا أني لا أجرح نفسي.
الفصل الأربعون
أين لم تسر معي أيها الحق، معلما إياي مما أحترز وماذا أرغب، حين كنت أرفع إليك ما استطعت أن أكتشفه هنا في الأسفل وأستشيرك؟ بحواسي الخارجية، كما استطعت، استعرضت العالم، ولاحظت الحياة التي لجسدي مني، ولحواسي هذه. ومن هناك دخلت إلى خفايا ذاكرتي، تلك الحجرات المتعددة الفسيحة، المؤثثة على نحو عجيب بمخزونات لا تحصى؛ فتأملت ووقفت مذهولا، إذ لم أقدر أن أميز شيئا من هذه الأمور بدونك، ولم أجد أيا منها هو أنت. ولم أكن أنا نفسي، الذي اكتشف هذه الأمور، الذي جاب عليها كلها، وكد ليميز كل شيء ويقدره بحسب قيمته، آخذا بعض الأمور بخبر حواسي، مستفسرا عن غيرها مما شعرت أنه ممتزج بي، عادا المخبرين أنفسهم ومميزا بينهم، ومقلبا بعض الأمور في خزانة ذاكرتي الواسعة، مختزنا غيرها، مستخرجا غيرها. لم أكن أنا نفسي حين فعلت هذا، أعني قوتي تلك التي بها فعلته، ولا كانت هي أنت، لأنك النور الثابت الذي استشرته في كل هذه: هل هي موجودة، وما هي، وكيف تقدر؛ وسمعتك توجهني وتأمرني؛ وهذا ما أفعله كثيرا، وهذا يبهجني، وبقدر ما أتحرر من الواجبات الضرورية ألجأ إلى هذه المسرة. ولا أجد في كل هذه التي أجوبها مستشيرا إياك موضعا آمنا لنفسي إلا فيك، حيث تجمع أعضائي المشتتة، ولا يفارقك شيء مني. وأحيانا تدخلني في شعور غير مألوف جدا في أعماق نفسي، يرتفع إلى عذوبة غريبة، لو اكتملت في لما عرفت ما فيها لا ينتمي إلى الحياة الآتية. ولكني بسبب أثقالي البائسة أهبط ثانية إلى هذه الأمور السفلى، وتجرفني العادة السابقة إلى الوراء، فأمسك، وأبكي كثيرا، ولكني أمسك كثيرا. هكذا يثقلنا عبء العادة الرديئة. هنا أستطيع أن أبقى ولا أريد؛ وهناك أريد ولا أستطيع؛ شقي في الحالين.
الفصل الحادي والأربعون
هكذا إذن تأملت أمراض خطاياي في تلك الشهوة المثلثة، ودعوت يمينك لنجدتي. فإني بقلب جريح أبصرت بهاءك، وإذ ارتددت مصعوقا قلت: «من يستطيع أن يبلغ إلى هناك؟ إِنِّي قَدِ ٱنْقَطَعْتُ مِنْ قُدَّامِ عَيْنَيْكَ». أنت الحق الذي يرئس على الكل، أما أنا فبطمعي لم أشأ حقا أن أتخلى عنك، بل أردت أن أقتني معك كذبا؛ كما أنه لا أحد يريد أن يكذب على نحو يجهل هو معه الحق. وهكذا أضعتك، لأنك لا ترتضي أن تقتنى مع كذب.
الفصل الثاني والأربعون
من كنت أجد ليصالحني معك؟ أكان علي أن ألجأ إلى الملائكة؟ بأي صلوات؟ بأي أسرار؟ كثيرون ممن سعوا إلى الرجوع إليك، وعجزوا عنه من أنفسهم، جربوا هذا، كما أسمع، فسقطوا في شهوة الرؤى الفضولية، واستحقوا أن يخدعوا. فإنهم إذ كانوا متشامخين طلبوك بكبرياء العلم، منتفخين بدل أن يقرعوا صدورهم، وهكذا اجتذبوا إلى أنفسهم، بموافقة قلبهم، رؤساء سلطان الهواء، شركاءهم في مؤامرة كبريائهم، الذين خدعوهم بتأثيرات سحرية، وهم يطلبون وسيطا به يتطهرون، ولم يكن هناك وسيط. فقد كان ذلك إبليس، مغيرا شكله إلى شبه ملاك نور. وقد أغرى الجسد المتكبر كثيرا أنه لم يكن له جسد من لحم. فإنهم كانوا مائتين وخطأة؛ أما أنت يا رب، الذي طلبوا بكبرياء أن يصالحوا معك، فخالد وبلا خطيئة. ولكن الوسيط بين الله والإنسان لا بد أن يكون فيه شيء يشبه الله، وشيء يشبه الناس؛ لئلا يكون، إذ يشبه الإنسان في الأمرين، بعيدا عن الله، أو إذ يشبه الله في الأمرين، بعيدا جدا عن الإنسان، فلا يكون وسيطا. فذلك الوسيط المخادع، الذي به استحقت الكبرياء بأحكامك الخفية أن تخدع، له شيء واحد مشترك مع الإنسان، وهو الخطيئة؛ وشيء آخر يريد أن يبدو مشتركا فيه مع الله؛ وإذ ليس لابسا مائتية الجسد، يتباهى بأنه خالد. ولكن بما أن أجرة الخطيئة هي موت، فهذا مشترك بينه وبين الناس: أن يحكم عليه معهم بالموت.
الفصل الثالث والأربعون
أما الوسيط الحق، الذي أظهرته برحمتك الخفية للمتواضعين، وأرسلته لكي يتعلموا بمثاله أيضا ذلك التواضع عينه، ذلك الوسيط بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح، فقد ظهر بين الخطأة المائتين والبار الخالد: مائتا مع الناس، بارا مع الله؛ لكي، بما أن أجرة البر حياة وسلام، يبطل ببر متحد بالله موت الخطأة الذين صاروا الآن أبرارا، ذلك الموت الذي شاء أن يشاركهم فيه. ومن هنا أظهر للقديسين الأقدمين، لكي يخلصوا هم بالإيمان بآلامه الآتية، كما نخلص نحن بالإيمان بها وقد مضت. فبوصفه إنسانا كان وسيطا؛ أما بوصفه الكلمة فليس في الوسط بين الله والإنسان، لأنه مساو لله، وإله مع الله، ومعا إله واحد.
كيف أحببتنا أيها الآب الصالح، يا من لم تشفق على ابنك الوحيد، بل بذلته لأجلنا نحن الفجار! كيف أحببتنا، نحن الذين لأجلهم أخضع حتى موت الصليب ذاك الذي لم يحسب مساواته لك خلسة، هو وحده الحر بين الأموات، الذي له سلطان أن يضع نفسه وله سلطان أن يأخذها أيضا: لأجلنا صار لك غالبا وضحية، وغالبا لأنه الضحية؛ لأجلنا صار لك كاهنا وذبيحة، وكاهنا لأنه الذبيحة؛ جاعلا إيانا لك، من عبيد، أبناء بمولده منك وبخدمته لنا. فحقا إن رجائي فيه قوي، أنك ستشفي كل أمراضي بالذي يجلس عن يمينك ويشفع فينا؛ وإلا لكنت أيأس. فأمراضي كثيرة وعظيمة، كثيرة هي وعظيمة؛ ولكن دواءك أقوى. لقد كان يمكن أن نتخيل أن كلمتك بعيد عن أي اتحاد بالإنسان، فنيأس من أنفسنا، لو لم يصر جسدا ويحل بيننا.
وإذ ارتعبت من خطاياي ومن ثقل شقائي، كنت قد قلبت الأمر في قلبي وعزمت أن أهرب إلى البرية؛ ولكنك منعتني وقويتني قائلا: لذلك مات المسيح لأجل الجميع، كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم، بل للذي مات لأجلهم. هوذا يا رب ألقي همي عليك، لكي أحيا وأرى عجائب من شريعتك. أنت تعلم جهلي وأمراضي؛ علمني واشفني. هو، ابنك الوحيد، المذخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم، قد افتداني بدمه. فلا يتكلم علي المتكبرون بالسوء، لأني أتأمل في فديتي، وآكلها وأشربها وأوزعها؛ وأنا فقير اشتهيت أن أشبع منه، بين الذين يأكلون ويشبعون، ويسبح الرب طالبوه.
اكتمل الفصل 10
الكتاب العاشر