فصل 4 · قراءة 2 د
معموديات جديدة بالروح القدس، أو الامتلاء المتجدّد من الروح القدس
ففي الأصحاح الثاني من سفر أعمال الرسل، في العدد الرابع، نقرأ: «وامتلأ الجميع من الروح القدس، وابتدأوا يتكلمون»، إلى آخر ما هناك. وكان هذا إتمامًا لما جاء في أعمال 1:5: «وأما أنتم فستتعمّدون بالروح القدس ليس بعد هذه الأيام بكثير». وكان بطرس واحدًا من أولئك الذين ذُكروا بأسمائهم على أنهم «امتلأوا من الروح القدس» (أعمال 2:4)، أو «اعتمدوا بالروح القدس» (أعمال 1:5) في ذلك الحين. ثم إذا انتقلنا إلى الأصحاح الرابع، إلى العدد الثامن، قرأنا: «حينئذ امتلأ بطرس من الروح القدس وقال لهم»، إلى آخر الكلام. فها هنا اختبر بطرس امتلاءً جديدًا من الروح القدس.
ثم نعود فنقرأ في العدد الحادي والثلاثين من هذا الأصحاح عينه: «ولما صلّوا تزعزع المكان الذي كانوا مجتمعين فيه، وامتلأ الجميع من الروح القدس».
وبطرس مذكور بوصفه واحدًا من هذه الجماعة (العددان 19 و23)، فنرى إذًا أن بطرس قد اختبر ها هنا امتلاءً ثالثًا من الروح القدس. ومن الواضح أنه لا يكفي أن يعتمد الإنسان بالروح القدس مرّة واحدة. فكلّما نشأت في الخدمة ضرورات جديدة وأحوال طارئة، وجب أن تكون هناك امتلاءات جديدة من الروح. وقد أدّى الإخفاق في إدراك هذه الحقيقة إلى نتائج بالغة الحزن والخطورة في خدمة كثيرين من الناس. فقد اعتمد الواحد منهم بالروح القدس في فترة من فترات حياته، ثم راح يجاهد أن يقطع بقيّة حياته كلها بقوّة ذلك الاختبار الواحد.
ولهذا السبب في الأكثر نرى كثيرين من الرجال كانوا فيما مضى يعملون بقوّة الروح القدس بلا شكّ ولا مراء، ثم هم اليوم لا يقدّمون إلا دليلًا ضئيلًا على أنهم لا يزالون حائزين تلك القوّة.
فلأجل كل اجتماع جديد يُقام، ولأجل كل نفس جديدة يُتعامَل معها، ولأجل كل خدمة جديدة تُؤدّى للمسيح، ولأجل كل يوم جديد وكل حالة طارئة جديدة في الحياة المسيحية والخدمة، ينبغي لنا أن نطلب طلبًا محدّدًا امتلاءً جديدًا من الروح القدس. ولستُ أنكر أن هناك «مسحة ثابتة» (1 يوحنا 2:27)، ولا أنكر دوام المواهب التي يهبها الروح القدس؛ إنما أؤكّد فقط، ببرهان من الكتاب المقدس واضح وغزير، فضلًا عن البرهان المستمدّ من الاختبار والملاحظة، أن هذه الموهبة يجب ألا «تُهمَل» (1 تيموثاوس 4:14)، بل أن تُستأنف من جديد وأن «تُضرَم» (2 تيموثاوس 1:6)؛ وأن الامتلاءات المتكرّرة من الروح القدس ضرورية لدوام القوّة وازديادها.
وهنا يبرز السؤال: أفتُسمّى هذه الامتلاءات الجديدة من الروح القدس «معموديات جديدة بالروح القدس»؟ من جهة، لا بدّ من الاعتراف بأن التعبير «امتلأوا من الروح القدس» في أعمال 2:4 قد استُعمل لوصف الاختبار الموعود به في أعمال 1:5، في القول: «ستتعمّدون بالروح القدس»، وأن التعبيرين إذًا مترادفان إلى هذا الحدّ. ومن جهة أخرى، ينبغي أن يُلاحَظ أن تعبير «معتمدون بالروح القدس» لم يُستعمل في الكتاب المقدس قطّ عن أي اختبار سوى الاختبار الأول، وأن كلمة «اعتمد» في ذاتها توحي باختبار ابتدائي أوّل.
ولذلك، مع أننا نتمسّك بالحقّ الذي يرمي إليه أولئك الذين يتكلّمون عن «معموديات جديدة بالروح القدس»، يبدو لنا أن الأحكم أن نتبع الاستعمال الكتابي المطّرد، فنتكلّم عن الاختبارات التي تلي الاختبار الأول بوصفها «امتلاءً من الروح القدس»، لا بوصفها «معمودية بالروح القدس».