فصل 37 · قراءة 4 د
ملامسة جذوري
عند عودتي من اسكتلندا في ديسمبر 2008، ذهبتُ لزيارة طبيب المسالك البولية كما هو مطلوب، وأنا مؤمن تمامًا بأنني شُفيتُ من السرطان، فدُهشتُ كثيرًا حين وجد أنّ ثلاثة أورام قد ظهرت على جدار مثانتي. ولأنّ «الكشط» السابق كشف عن سرطان عالي الدرجة، قال: «يجب أن نستأصلها على وجه السرعة». ويبدو أنّ «وجه السرعة» عنده كان يعني خمسة أسابيع، إذ مع اقتراب عيد الميلاد وإجازاته المقرّرة، لن أدخل المستشفى قبل العام الجديد. وقد سبّبت الجراحة الثانية أشدّ تشنّج مؤلم عانيته في حياتي، لكنها كانت ناجحة على ما يبدو، إذ لا توجد فيّ الآن أيّ علامات للسرطان.
وعلى مدى الأشهر الثلاثة التالية، كنتُ أتلقّى كل أسبوع حقنة في المثانة من السلّ البقري، وهو على ما يبدو العلاج المعتاد لسرطان المثانة. وبعد علاج كهذا، من المعتاد أن يراجع المرء طبيب المسالك البولية كل ثلاثة أشهر مدة سنتين قبل أن تُمدَّد الفترة إلى كل ستة أشهر، وهكذا كان الحال حين تقدّمتُ بطلب خاص. فقد ظلّ ستيف إيفانز من كارديغان في ويلز على تواصل معي ليطمئنّ على حالي مع السرطان، وكان قد أخذ بجدّ التعليق الذي قلته حين كنتُ عنده. فدعاني إلى العودة إلى ويلز لأتكلّم في «مؤتمر نهضة» في كنيسته، وأن أبقى بعده لأخدم في كنيسته مدة طويلة.
سأكون منغمسًا في ثقافة ناطقة بالويلزية، كما كان حلمي الذي عبّرتُ عنه. وأضاف أنّ سيارة ستكون تحت تصرّفي، وأنّ في وسعي أن أرعى بيت ديك في غيابه، إذ كان ذاهبًا في إجازة تفرّغ مدتها سبعة أسابيع في الولايات المتحدة. وهكذا سألتُ طبيب المسالك البولية إن كان من الممكن أن أبقى في بريطانيا حتى الأسبوع الأول من أغسطس، حين تحتفل كاريس، ابنة أخي آن، بعيد ميلادها الـ50، أي بعد موعد زيارتي المقرّرة التالية بثلاثة أسابيع. فوافق بسهولة قائلًا: «يا غاريث، إنّ موقفك وأسلوب حياتك يقنعانني بأنّ السرطان لن يعود، وحتى إن عاد، فسيكون لدينا متّسع من الوقت لعلاجه. اذهبا واستمتعا بوقتكما».
وصلتُ أنا وآن إلى كارديغان في الأسبوع الأول من مايو 2009، ولم نكن نعلم أننا سنعدّ هذه الأشهر الثلاثة لاحقًا «أروع عطلة قضيناها في حياتنا!» ومنذ البداية «وقعنا في حبّ» أهل كنيسة جبل صهيون المعمدانية، حيث كان إحساسي أنّ «النهضة وشيكة». تكلّمتُ هناك مرات كثيرة، لكن أعظم بركة نلتها كانت حين وعظ ستيف إيفانز أربع عظات عن «وادي العظام اليابسة». يا لها من مسحة كانت على وعظه! (يمكنكم الاستماع إلى هذه العظات على صفحتي على الإنترنت – «روابط» www.garethevansministries.org) وكانت اجتماعات الصلاة مشجّعة جدًّا، إذ كان يحضرها كل أسبوع أكثر من 25 شخصًا (من جماعة تعدّ نحو 100)، أما الترنيم فكان... حسنًا، ويلزيًّا! – قويًّا، حماسيًّا، متناغمًا، متّقدًا. كنتُ في أحسن حالاتي! وكان بيت ديك كوخًا جميلًا يطلّ على وادٍ ضيّق يجري فيه نهر تيفي الصامت العميق في طريقه إلى البحر مارًّا ببلدة كارديغان.
وكان جانبا الوادي مكسوّين بالأشجار، والعلامة الوحيدة الأخرى على وجود سكن هي قلعة كيلغيران القديمة عاليًا على التلّ. وكان ديك وزوجته الغواتيمالية غلاديس ثنائيًّا مميّزًا. فقد جاءا ليبذلا حياتهما في الصلاة من أجل أرض ليس لأيّ منهما فيها جذور، لكنّ الرب وضعها على قلبيهما، إلى أن تأتي النهضة مرة أخرى. وحتى وقت كتابة هذه السطور، يمكنكم متابعة كل ما يقومان به على موقعهما على الإنترنت، www.walesawakening.org .
كثيرة هي أبرز لحظات ذلك الوقت الرائع – المشي على الجروف على امتداد الساحل الوعر، وزيارة دورين الضريرة، القدّيسة المصلّية، واستكشاف شوارع بلدة السوق العتيقة الساحرة – والتكلّم بالويلزية! نعم، استطعتُ أن أتمرّن على كل ما تعلّمته في دروس الويلزية على BBC ويلز، بمساعدة ستيف وسولوين، ومن خلال حضور صفّ «للطلاب المتوسّطين».
وهناك قدّمتُ عرضًا أمام الصفّ، متكلّمًا بالويلزية فقط، وبلكنة جيدة جدًّا، على ما يبدو، بحسب المعلّم. وكان موضوعي هوايتي آنذاك – تعلّم اللغات. وبعد عودة ديك وغلاديس من الولايات المتحدة، استُضفنا أسبوعًا في نُزُل جميل للمبيت والإفطار أبعد على الساحل، بجزء يسير من التكلفة المعتادة، قبل أن نرعى «القصر» المحلي أسبوعين – بيتًا فخمًا يملكه أحد أعضاء الكنيسة.
لقد تباركنا كثيرًا بكل هؤلاء الأعزّاء! وذات يوم كان زوجان واقفين أمام كنيسة جبل صهيون يتأمّلان لوحة الإعلانات، حين خرجت أرلين، إحدى العضوات، من الكنيسة، ولمّا رأت اهتمامهما الكبير أخذت تتحدّث إليهما.
كانا مارَّين بكارديغان في رحلة على امتداد الساحل مع ابنهما الذي يعيش في المملكة المتحدة. وأضافا أنهما من كندا، فلمّا التقت أرلين بآن لاحقًا، أخبرتها بحديثهما، وقالت إنهما دخلا للتوّ المكتبة المسيحية المحلية المقابلة للكنيسة. فدخلت آن المكتبة وأخذت تتحدّث إليهما.
كانا من خليج برينتوود، على بُعد أميال قليلة من بيتنا في فيكتوريا! ولمّا سمعا اسمي، هتفت المرأة بشيء من الحماسة: «إننا نصلّي من أجله منذ أربعة أشهر!» ويبدو أنهما سمعا بإصابتي بالسرطان والتزما بالصلاة من أجلي مع أنهما لا يعرفانني شخصيًّا. ما أعظم بركة الانتماء إلى عائلة الله، عالمين أنه لا غرباء في هذه العائلة، بل إخوة لم نلتقهم بعد.
وقبل العودة إلى لوغور في الوقت المناسب لعيد ميلاد كاريس، قرّرنا أن نقوم برحلة عبر المملكة المتحدة لزيارة ابن عمّي كريستوفر وزوجته (الدام) إلسبيث توماس. وكانت إلسبيث قد نالت من الملكة لقب الفروسية تقديرًا لخدماتها للصليب الأحمر البريطاني الذي كانت رئيسته. وكانت أيضًا تعرف الأميرة ديانا معرفة جيدة قبل وفاتها المبكرة. وكان كريستوفر وإلسبيث قد دعوانا، آن وأنا، إلى الإقامة عندهما في كامبريدجشير بضعة أيام، وهي دعوة كنّا متلهّفين إلى قبولها.
وفي الطريق زرنا آيفور وماي شيروود، وهما من «قرّاء الكتاب المقدس» المتقاعدين، وكنّا قد التقيناهما أول مرة حين كنّا في ألمانيا سنة 1964، وماريون (وجون) بالمر، صديقة آن منذ أيام المدرسة، وابنة عمّي الأخرى سينثيا (وبيل براون)، ومعهم ابن عمّ آن غويليم (وسو) إدواردز. يا لها من رحلة رائعة، مليئة بالذكريات، وخاتمة لائقة لعطلتنا الويلزية. ولم يبقَ إلا أمر واحد – أن نستمتع بعيد ميلاد كاريس الـ50، الذي احتفلنا به مع أصدقائها الكثيرين في عشاء رائع. وعدنا إلى البيت لنتلقّى الخبر السارّ بأنّ السرطان لم يُظهر أيّ علامات على العودة.
اكتمل الفصل 37
ملامسة جذوري