فصل 30 · قراءة 6 د
إلى ألفية جديدة
دخلنا عام 2000 في بيت ابنتنا في كانبرا بأستراليا. ولأن خط التاريخ الدولي يقع إلى الغرب من أستراليا مباشرة، كانت تلك البلاد من أوائل البلدان التي استقبلت الألفية الجديدة. أما التوجّس الذي شعر به كثيرون، من أن مآسي كبرى ستجتاح العالم بسبب انهيار الحواسيب وعدم جاهزية الشركات، فلم يتحقق قط، وشاهدنا على التلفاز احتفالات عظيمة من كل أنحاء العالم. وقد رفعت أستراليا رأسها عاليًا بكونها أول دولة كبرى تبثّ ترحيبها بالألفية.
ظهر ميناء سيدني على الشاشة مع اقتراب منتصف الليل. وفجأة ساد الظلام كل شيء، ثم أضاءت ألعاب نارية رائعة سماء الليل، وانتهت بعرض مبهر امتد على طول جسر ميناء سيدني الشهير كله. وبرزت كلمة واحدة – «الأبدية». ومعظم الأستراليين يعرفون مغزى هذه الكلمة، وإن كان معظم غيرهم لا يعرفونه.
فعلى مدى سنوات كثيرة، كان مَن يمشي في شوارع سيدني قد يجد هذه الكلمة الواحدة مكتوبة بالطباشير على الأرصفة. كانت من صنع رجل عجوز، كان في وقت ما مدمن كحول مشرَّدًا في الشوارع، ودخل مصادفةً قاعةَ إرسالية، فسمع المتكلم يعلن: «لو لم يكن بوسعي أن أكتب في السماوات إلا كلمة واحدة ليتأملها الجميع، لكانت كلمة ‹الأبدية› – أين ستقضيها؟»
وتغيّرت حياته نتيجة تأمّله في هذا السؤال، فكرّس نفسه لكتابة «الأبدية» حيثما ذهب شهادةً للآخرين. وكان أمرًا مدهشًا أن تستعمل الحكومة الأسترالية الكلمة نفسها للترحيب بالألفية الجديدة، وهي تعرف مغزاها لدى كثيرين جدًّا من شعبها!
وحين أنظر إلى الوراء إلى أربعة عقود من مسيرتي المسيحية، لا أنفكّ أبتهج بأمانة الله لي. فقد أخذني معه إلى جبال عالية كثيرة، واستخدمني في خدمات ما كنتُ لأحلم بها وأنا مؤمن شاب. وكان لكل عقد خدمته الخاصة، فتساءلتُ: ماذا يا تُرى يخبّئ لي القرن الـ21؟
في «الـ60»، كان لي امتياز خدمة جنود الغوركا في هونغ كونغ؛ وفي «الـ70»، استخدمنا الرب فيما صار كثيرون يسمّونه «نهضة» بين الشباب البالغين في بريدجيند بويلز؛ وفي «الـ80» علّمتُ في الأكاديمية اليهودية في تورونتو، مع ما أتاحته من فرصة رائعة لمشاركة الإنجيل مع الطلاب ومع الحاخام ساكنوفيتش؛ وفي «الـ90»، كنتُ على متن سفينة M/V أناستاسيس، وحظيتُ بفرح خاص في عقد مؤتمرات للرعاة في غرب أفريقيا، ولا سيما في سيراليون. كانت هذه كلها «قممًا» في سلسلة جبال عالية. فماذا ستحمل «الـ00» في الألفية الجديدة؟
في عام 2000، اشتركتُ في خدمة جديدة أسسها أدي أجالا، وهو صديق عزيز من نيجيريا صار يرعى كنيسة في دنفر بولاية كولورادو في الولايات المتحدة. كان اسمها «هاندز أون»، وكان هدفها زرع الكنائس في نيجيريا.
وكان عليّ أن أضع البرنامج التعليمي لهذه الخدمة، فقضيتُ بضعة أسابيع في دنفر أعمل على جزء منه. وفي زيارتي الثانية عام 2001، دُعيتُ أيضًا للانضمام إلى فريق عمل قاعدة «شباب مع رسالة» (YWAM) في كولورادو سبرينغز لأكون راعي القاعدة. بدت هذه فرصة رائعة، ولكن حين تأملتُ في كل تبعاتها، أدركتُ أن أحلام أولئك القادة لم تكن واقعية، وإذ شعرتُ بتحفّظ في روحي، اعتذرتُ عن الدعوة. فما كان بوسعي بأي حال أن أدير هاتين الخدمتين في الوقت نفسه.
ومن المؤسف أن أحلام «هاندز أون» أيضًا لم تتحقق قط، وإن كانت لأدي حتى الآن كنيسة نابضة بالحياة في دنفر. وجاءت في السنتين التاليتين زيارات أخرى إلى باخا كاليفورنيا والبرازيل، كل منها مشجّعة مثل زياراتي السابقة.
غير أن أبرز أحداث عام 2001 كان رحلة ثانية إلى الهند، هذه المرة إلى تشيناي في الجنوب، للخدمة في قاعدة أخرى من قواعد شباب مع رسالة. تخيّل دهشتي حين وجدتُ أن خمسة من طلاب المدرسة جاؤوا من جزيرة فانكوفر، ولم يكن أحدهم يعرف الآخر قبل مجيئهم! وقد تأثرتُ بالطلاب الهنود، بعضهم من عائلات من طبقة عليا وبعضهم من طبقة دنيا، وهم يجلسون معًا ويتشاركون معًا.
كانت هناك شابة رُصدت مكافأة لمن يقتلها لأنها تحوّلت إلى المسيح من خلفيتها العائلية الهندوسية. إن صليب يسوع يتحدّى دائمًا مثل هذه الحواجز الثقافية الشريرة. وتأثرتُ أكثر بعد بالغناء المتناغم لبعض الشبان الهنود، فسألتهم أين تعلّموا أن يرنّموا هكذا – فقد كادوا يبدون وكأنهم ويلزيون! فأخبروني أنهم من ناغالاند في الشمال، وأن المؤمنين هناك تعلّموا الترنيم بهذه الطريقة على أيدي المرسَلين المشيخيين الويلزيين الذين حملوا إليهم الإنجيل بعد النهضة الويلزية في 1904/5.
خدمتُ في مدرستين مختلفتين من مدارس شباب مع رسالة خلال زيارتي التي استمرت ثلاثة أسابيع، وتكلمتُ أمام قيادة شباب مع رسالة في كلية لاهوت على تلة القديس توما، موضع استشهاد الرسول توما، وزرتُ أحياء فقيرة يقومون فيها بعمل كثير، واغتنمتُ الفرصة لزيارة دار أبنعزر والإقامة فيها مدة قصيرة. وهذا الميتم يرعاه بفخر مارتن، ابن عم آن، ويقوده رجل رائع هو القس فيجاي.
التفّ حولي نحو 100 طفل صغير يجرّبون إنجليزيتهم المحدودة، ويملؤونني فرحًا عظيمًا. ولعبتُ معهم الكريكيت، لكنني لم أُبهرهم. والشيء الوحيد الذي لم يجلب لي فرحًا كبيرًا كان الطعام اليومي من الأرز وصلصة الكاري. أنا أحب الكاري، لكن هذا كان حارًّا «جدًّا» – ولأنني حُذّرتُ من شرب الماء المحلي، كان يُقدَّم دائمًا مع الكوكا كولا، وهي ليست أفضل رفيق للكاري!
ومن بين الكنائس التي تكلمتُ فيها كنيسة ماراناثا، وهي كنيسة لشعب التاميل. كان راعيها رجلًا رائعًا، لكنه رجل له ماضٍ. فقد حاول الانتحار مرتين، حين أُصيبت زوجته أولًا ثم ابنه البكر بالسرطان، وقيل لكليهما إنه لم يبقَ لهما إلا وقت قصير. وفي كل مرة فشلت محاولته، إذ وجده الجيران قبل أن يُتمّ ما عزم عليه. ونتيجة لنجاته بأعجوبة، تحوّل إلى المسيح من خلفيته الهندوسية، صارخًا ليرى هل يستطيع الرب أن يعينه. ولم ينقذه الرب فحسب، بل شُفيت زوجته وابنه كلاهما من السرطان. فأخذ يفتح كنائس حيثما استطاع، بين أولئك الناس الذين كان يقودهم إلى الرب، وحين وصلتُ إلى هناك كان قد أسس أكثر من عشر كنائس. وكان ابنه البكر آنذاك مبشّرًا في جنوب الهند، بينما كان ابنه الأصغر مترجمي. وفي ختام عظتي عن العلّيّة، وجّهتُ دعوة استجاب لها بعض الناس. ثم وقف الراعي ليكلّم شعبه.
فوقف نحو ثماني نساء وعشرة رجال وتقدّموا إلى الأمام. فسألتُ مترجمي ماذا قال أبوه بالضبط، ولماذا تقدّم هؤلاء الناس، فأجابني: «قال أبي إن الوقت قد حان لكي يكفّوا عن الوقوف على الحياد، مترددين بين آلهتهم الهندوسية والمسيح. فاليوم هو اليوم الذي يجب أن يختاروا فيه من يعبدون». «هؤلاء جميعًا تقدّموا ليسلّموا حياتهم ليسوع المسيح ربًّا ومخلّصًا لهم». فقفز قلبي فرحًا بامتياز أن أتكلم في كنيسة كهذه.
في نوفمبر من عام 2001، تلقّيتُ دعوة للتكلم في زمالة إنترفارسيتي المسيحية (IVCF) بجامعة فيكتوريا في مساء يوم جمعة. وصلتُ في الموعد، لكن مضيفي، الموظف المسؤول، استقبلني بحرج، لأن الطلاب كانوا قد دعوا طالبًا آخر من كلية أخرى ليخدم تلك الأمسية. وقال الموظف: «طلبتُ منه أن يقتصر على عشرين دقيقة، حتى يبقى لك وقت وافر لرسالتك». فأكّدتُ له أنني أفضّل أن يدع الطالب المتكلم يقول ما يريد قوله، وأنه لن يضيرني أبدًا ألا أتكلم تلك الأمسية. بل سيسعدني أن أستمع إلى ذلك الشاب.
وبطبيعة الحال، دُعيتُ نتيجة لذلك أن آتي مرة أخرى بعد وقت قصير، وكانت تلك أولى دعوات كثيرة للتكلم أمام تلك المجموعة الرائعة من الطلاب.
ثم توالت دعوات للتكلم في مآدب عيد الميلاد التي تقيمها IVCF، في أربع سنوات من السنوات الست التالية. وأتساءل: هل كنتُ سأحظى بمثل هذه الحظوة بين أولئك الطلاب لو أصررتُ على التكلم في مساء الجمعة الأول ذاك! وما كنتُ أدرك قط أن هذه الحظوة ستؤدي دورًا كبيرًا في بلوغي قمة الجبل التي خطّطها الله لهذا العقد!
اكتمل الفصل 30
إلى ألفية جديدة