مع المسيح في مدرسة الصلاة
المسيح الذبيحة

فصل 29 · قراءة 7 د

المسيح الذبيحة

«وَقَالَ: يَا أَبَا ٱلْآبُ، كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لَكَ، فَأَجِزْ عَنِّي هَذِهِ ٱلْكَأْسَ. وَلَكِنْ لِيَكُنْ لَا مَا أُرِيدُ أَنَا، بَلْ مَا تُرِيدُ أَنْتَ»—مرقس 14:36.

يا له من تباين في غضون ساعات قليلة! ويا له من انتقال من ذلك السموّ الهادئ الذي فيه «رَفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ ٱلسَّمَاءِ وَقَالَ: … أَيُّهَا ٱلْآبُ أُرِيدُ»، إلى ذلك الخرور على الأرض والصراخ في الجهاد: «يَا أَبَتَاهُ… لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا». ففي الأولى نرى رئيس الكهنة داخل الحجاب في شفاعته الغالبة على كل شيء؛ وفي الثانية نرى الذبيحة على المذبح تفتح الطريق عبر الحجاب المشقوق. والطلبة الكهنوتية «أَيُّهَا ٱلْآبُ أُرِيدُ» تسبق في ترتيب الزمن الطلبة الذبائحية «يَا أَبَتَاهُ… لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا»؛ غير أنّ ذلك لم يكن إلا على سبيل الاستباق، ليُظهر ما ستكون عليه الشفاعة متى قُدّمت الذبيحة. أما في الحقيقة فإنّ تلك الصلاة عند المذبح، «يَا أَبَتَاهُ… لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا»، هي التي منها استمدّت الصلاةُ أمام العرش، «أَيُّهَا ٱلْآبُ أُرِيدُ»، أصلَها وقوّتها. فمن التسليم الكامل لمشيئته في جثسيماني نال رئيسُ الكهنة الجالسُ على العرش القدرةَ على أن يطلب ما يريد، والحقَّ في أن يُشرك شعبه في تلك القدرة أيضًا، فيطلبوا هم أيضًا ما يريدون.

ولكل من يريد أن يتعلّم الصلاة في مدرسة يسوع، يُعدّ درس جثسيماني هذا من أقدس الدروس وأثمنها. وقد يبدو للتلميذ السطحي أنه ينزع منه الشجاعة على الصلاة بالإيمان. فإن كانت طلبة الابن الحارّة نفسها لم تُستجب، وإن كان الحبيب نفسه قد اضطرّ أن يقول: «لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا»، فكم بالأحرى نحتاج نحن أن نتكلّم هكذا! ومن ثَمّ يبدو مستحيلًا أن تكون المواعيد التي أعطاها الرب قبل ساعات قليلة فقط، «مَهْمَا سَأَلْتُمْ»، «مَا تُرِيدُونَ»، قد قُصد بها معناها الحرفي. غير أنّ نظرة أعمق في معنى جثسيماني تعلّمنا أننا نجد هنا بالذات الأساس الأكيد والطريق المفتوح إلى اليقين باستجابة صلاتنا. فلنقترب في دهشة خاشعة ساجدة لنتأمّل هذا المنظر العظيم: ابن الله يقدّم هكذا طلبات وتضرّعات بصراخ شديد ودموع، ولا ينال ما يطلبه. إنه هو نفسه معلّمنا، وسيكشف لنا سرّ ذبيحته المقدسة كما أُعلن في هذه الصلاة العجيبة.

ولكي نفهم هذه الصلاة، لنلاحظ الفرق غير المحدود بين ما صلّى به ربنا منذ قليل بوصفه رئيس كهنة ملكيًّا، وما يتضرّع به هنا في ضعفه. هناك صلّى لأجل تمجيد الآب، ولأجل تمجيد نفسه وشعبه، إتمامًا لمواعيد صريحة كانت قد أُعطيت له. لقد طلب ما كان يعلم أنه بحسب كلمة الآب ومشيئته، فكان له أن يقول بجرأة: «أَيُّهَا ٱلْآبُ أُرِيدُ». أما هنا فيصلّي لأجل أمر لم تتّضح له فيه مشيئة الآب بعد. فعلى قدر ما يعلم، مشيئة الآب أن يشرب الكأس. وكان قد حدّث تلاميذه عن الكأس التي ينبغي أن يشربها، وبعد قليل سيقول ثانية: «ٱلْكَأْسُ ٱلَّتِي أَعْطَانِي ٱلْآبُ أَلَا أَشْرَبُهَا؟». ولأجل هذا جاء إلى هذه الأرض. ولكن حين انقضّت عليه كآبة النفس التي لا يُعبَّر عنها، إذ أقبل عليه سلطان الظلمة، وابتدأ يذوق أولى قطرات الموت بوصفه غضب الله على الخطية، ارتعدت طبيعته البشرية أمام الحقيقة الرهيبة، حقيقة أن يصير لعنة، فعبّرت في صرخة الألم هذه عن رغبتها في أن يُعفى من تلك الكأس الرهيبة، إن أمكن أن يتمّ قصد الله بدونها: «فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هَذِهِ ٱلْكَأْسُ». وكانت تلك الرغبة البرهانَ على حقيقة ناسوته العميقة. أما «لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا» فهي التي حفظت تلك الرغبة من أن تكون خطية: فبينما هو يصرخ متوسّلًا: «كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لَكَ»، ويعود ثانية إلى صلاة أشدّ لجاجة أن تُرفع الكأس، فإنّ قوله المكرّر ثلاث مرات «لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا» هو الذي يكوّن جوهر ذبيحته وقيمتها. لقد طلب أمرًا لم يستطع أن يقول فيه: أعلم أنها مشيئتك. لقد احتجّ بقدرة الله ومحبته، ثم عاد فسحب طلبته في قوله الأخير: «فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ». فالصلاة أن تعبر الكأس لم يكن ممكنًا أن تُستجاب؛ أما صلاة الخضوع أن تكون مشيئة الله فقد سُمعت، واستُجيبت استجابة مجيدة في غلبته أولًا على الخوف، ثم على سلطان الموت.

ففي إنكار مشيئته هذا، في هذا التسليم الكامل لمشيئته لمشيئة الآب، بلغت طاعة المسيح أسمى كمالها. ومن ذبيحة المشيئة في جثسيماني تستمدّ ذبيحة الحياة على الجلجثة قيمتها. هنا، كما يقول الكتاب، تعلّم الطاعة، وصار لجميع الذين يطيعونه سبب خلاص أبدي. ولأنه هناك، في تلك الصلاة، أطاع حتى الموت، موت الصليب، رفّعه الله أيضًا، وأعطاه القدرة على أن يطلب ما يريد. ففي تلك الطلبة «يَا أَبَتَاهُ… لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا» نال القدرة على تلك الطلبة الأخرى «أَيُّهَا ٱلْآبُ أُرِيدُ». وبرضى المسيح في جثسيماني ألّا تكون مشيئته، ضمن لشعبه الحق في أن يقول لهم: «تَطْلُبُونَ مَا تُرِيدُونَ».

لأتأمّل ثانية تلك الأسرار العميقة التي تعرضها جثسيماني أمام ناظريّ. هوذا الأول: الآب يقدّم لحبيبه الكأس، كأس الغضب. والثاني: الابن، المطيع على الدوام، يتراجع ويتوسّل ألّا يُضطرّ إلى شربها. والثالث: الآب لا يمنح الابن طلبته، بل يعطيه الكأس مع ذلك. ثم الأخير: الابن يُخضع مشيئته، ويرضى ألّا تكون مشيئته، ويخرج إلى الجلجثة ليشرب الكأس. آه يا جثسيماني! فيكِ أرى كيف استطاع ربّي أن يعطيني هذا اليقين غير المحدود باستجابة صلواتي. لقد ربحه لي بوصفه ضامني، إذ ارتضى أن تبقى طلبته بلا استجابة.

وهذا متّفق مع تدبير الفداء كله. فربّنا يربح لنا دائمًا عكس ما تألّم به. قُيِّد لكي نمضي نحن أحرارًا. جُعل خطية لكي نصير نحن برّ الله. مات لكي نحيا. حمل لعنة الله لكي تكون بركة الله لنا. احتمل ألّا تُستجاب صلاته، لكي تجد صلواتنا استجابة. نعم، لقد قال: «لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا»، لكي يقول لنا: «إِنْ ثَبَتُّمْ فِيَّ… تَطْلُبُونَ مَا تُرِيدُونَ فَيَكُونُ لَكُمْ».

نعم، «إِنْ ثَبَتُّمْ فِيَّ»؛ فهنا في جثسيماني تكتسب هذه الكلمة قوة وعمقًا جديدين. المسيح هو رأسنا، الذي يقف في مكاننا بوصفه ضامنًا، ويحمل ما كان ينبغي أن نحمله نحن إلى الأبد. لقد كنا نستحقّ أن يصمّ الله أذنه عنا، وألّا يسمع صراخنا أبدًا. فيأتي المسيح ويحتمل هذا أيضًا عنا: يحتمل ما كنا نستحقّه؛ ولأجل خطايانا يتألّم تحت ثقل تلك الصلاة غير المستجابة. أما الآن فإنّ احتماله هذا ينفعني: فما حمله هو قد رُفع عني؛ واستحقاقه ربح لي الاستجابة لكل صلاة، إن ثبتُّ فيه.

نعم، فيه، وهو منحنٍ هناك في جثسيماني، ينبغي أن أثبت. فبوصفه رأسي، لم يتألّم لأجلي مرة واحدة فحسب، بل هو حيّ فيّ على الدوام، يبثّ فيّ أنا أيضًا فكره وطبعه ويعمل بهما فيّ. والروح الأزلي، الذي به قدّم نفسه لله، هو الروح الساكن فيّ أنا أيضًا، والذي يجعلني شريكًا في الطاعة عينها، وفي ذبيحة المشيئة لله. هذا الروح يعلّمني أن أُخضع مشيئتي بالكامل لمشيئة الآب، وأن أتخلّى عنها حتى الموت، لأكون في المسيح ميتًا عنها. وكل ما هو فكري أنا ورأيي أنا ومشيئتي أنا، ولو لم يكن خطية مباشرة، يعلّمني أن أخشاه وأهرب منه. ويفتح أذني لأنتظر، بوداعة عظيمة وقابلية للتعلّم في النفس، ما يريد الآب أن يقوله لي ويعلّمني إيّاه يومًا فيومًا. ويكشف لي كيف أنّ الاتحاد بمشيئة الله في محبتها هو اتحاد بالله نفسه؛ وكيف أنّ التسليم الكامل لمشيئة الله هو حقّ الآب، ومثال الابن، والسعادة الحقيقية للنفس. ويقود مشيئتي إلى شركة موت المسيح وقيامته، فتموت مشيئتي فيه، لكي تحيا فيه من جديد. ويبثّ فيها، بوصفها مشيئة متجدّدة ومُحياة، بصيرةً مقدسة في مشيئة الله الكاملة، وفرحًا مقدسًا بأن تُسلم نفسها لتكون أداة لتلك المشيئة، وحريةً مقدسة وقوة على أن تتمسّك بمشيئة الله لاستجابة الصلاة. وبكل مشيئتي أتعلّم أن أحيا لأجل مصالح الله وملكوته، وأن أمارس قوة تلك المشيئة، المصلوبة ولكن القائمة ثانية، في الطبيعة وفي الصلاة، على الأرض وفي السماء، مع الناس ومع الله. وكلما دخلت أعمق في «يَا أَبَتَاهُ… لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا» التي في جثسيماني، وفي ذاك الذي نطق بها، لأثبت فيه، كان دخولي الروحي أكمل إلى قوة قوله: «أَيُّهَا ٱلْآبُ أُرِيدُ». وتختبر النفس أنّ المشيئة التي صارت لا شيء لكي تكون مشيئة الله هي الكل، هي بعينها التي تصير الآن مُلهَمة بقوة إلهية لتريد حقًّا ما يريده الله، ولتطالب بما وُعدت به باسم المسيح.

آه، لنُصغِ إلى المسيح في جثسيماني وهو ينادي: «إِنْ ثَبَتُّمْ فِيَّ… تَطْلُبُونَ مَا تُرِيدُونَ فَيَكُونُ لَكُمْ». أن نكون فكرًا واحدًا وروحًا واحدًا معه في تخلّيه عن كل شيء لمشيئة الله، وأن نحيا مثله في الطاعة والتسليم للآب: هذا هو الثبات فيه؛ وهذا هو سرّ القوة في الصلاة.

«يَارَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ».

أيها الرب يسوع المبارك! كانت جثسيماني مدرستك، حيث تعلّمت أن تصلّي وأن تطيع. ولا تزال هي مدرستك، تقود إليها كل تلاميذك الذين يشتاقون أن يتعلّموا الطاعة والصلاة كما تعلّمتهما أنت. يا رب! علّمني هناك أن أصلّي، بالإيمان بأنك قد كفّرت عن مشيئتنا الذاتية وغلبتها، وبأنك قادر حقًّا أن تعطينا نعمة لنصلّي مثلك.

يا حمل الله! إني أريد أن أتبعك إلى جثسيماني، لأصير هناك واحدًا معك، ولأثبت فيك وأنت تُخضع مشيئتك للآب حتى الموت. معك، وبك، وفيك، أُخضع مشيئتي في تسليم مطلق وكامل لمشيئة الآب. وإذ أعي ضعفي، والقوة الخفية التي بها تحاول المشيئة الذاتية أن تفرض نفسها وتعود فتتّخذ مكانها على العرش، أطالب بالإيمان بقوة غلبتك. لقد انتصرت عليها وأنقذتني منها. في موتك أريد أن أحيا كل يوم؛ وفي حياتك أريد أن أموت كل يوم. وإذ أثبت فيك، لتكن مشيئتي، بقوة روحك الأزلي، الأداة المضبوطة الأوتار التي تستجيب لكل لمسة من مشيئة إلهي. وبكل نفسي أقول معك وفيك: «يَا أَبَتَاهُ… لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ».

ثم يا رب المبارك! افتح قلبي وقلوب شعبك كله، لتتقبّل تمامًا مجد هذه الحقيقة: أنّ المشيئة المسلَّمة لله هي مشيئة مقبولة عند الله ليستخدمها في خدمته، لكي تشتهي وتقصد وتعزم وتريد ما هو بحسب مشيئة الله. مشيئةٌ عليها، بقوة الروح القدس، الله الساكن فينا، أن تمارس امتيازها الملكي في الصلاة، فتحلّ وتربط في السماء وعلى الأرض، وتطلب ما تريد، وتقول: إنه يكون.

أيها الرب يسوع! علّمني أن أصلّي. آمين.

صفحة 1 / 1 · 7 دقيقة متبقية في الفصل