فصل 7 · قراءة 8 د
الوحدة
والأمر الذي يلي هذا ممّا نحتاج إليه، إن كنّا نريد أن تُستجاب صلواتنا، هو — الوحدة. فإن لم يحبّ بعضنا بعضًا فلن تكون لنا قطعًا قدرة كبيرة مع الله في الصلاة. وإنّ من أشدّ الأمور مدعاةً للحزن في أيّامنا هذه ذلك الانقسام الذي في كنيسة الله. وأنت تلاحظ أنّ قوّة الله إنّما حلّت على الكنيسة الأولى حين كان الجميع معًا بنفس واحدة. وإنّي لأومن أنّ بركة يوم الخمسين ما كانت لتُعطى البتّة لولا روح الوحدة تلك. فلو كانوا منقسمين متخاصمين فيما بينهم، أفتظنّ أنّ الروح القدس كان يأتي، وأنّ تلك الألوف كانت تهتدي؟ وقد لاحظتُ في عملنا نحن أنّنا متى ذهبنا إلى بلدة من البلدان قد اتّحدت فيها ثلاث كنائس معًا، كانت البركة عندنا أعظم ممّا لو كانت كنيسة واحدة وحدها هي المتعاطفة معنا. وإذا اتّحدت اثنتا عشرة كنيسةً، تضاعفت البركة أربعة أضعاف؛ فقد كانت البركة على الدوام بمقدار ما ظهر من روح الوحدة بينهم. وأمّا حيث تكون المشاحنات والانقسامات، وحيث تغيب روح الوحدة، فهناك تكون البركة قليلةً جدًّا والتسبيح قليلًا.
وقد ضرب الدكتور غثري لهذه الحقيقة مثلًا يوضّحها، فقال: «فرّق الذرّات التي تتألّف منها المطرقة، فتقع كلّ واحدة منها على الحجر كأنّها ندفة من ندف الثلج؛ ولكن الحمها كلّها في مطرقة واحدة، وضعها في ذراع عامل المحجر القويّة الثابتة، فإنّها تشقّ الصخور الضخمة وتفلقها فلقًا. وفرّق مياه نياغارا وردّها إلى قطرات متمايزة منفردة، فلا تكون عندئذ أكثر من مطر يهطل من السماء؛ ولكنّها في جسدها الواحد المتّحد تطفئ نيران بركان فيزوف، ويفضل منها بعدُ ما تُطفأ به براكين جبال أخرى غيره».
ويخبرنا التاريخ أنّه قد اتُّفق بين جيشي الرومان والألبان على أن يُجعل الفصل في الأمر كلّه إلى معركة بين ستّة إخوة — ثلاثة من هذه الجهة، وهم بنو كوراتيوس، وثلاثة من الجهة الأخرى، وهم بنو هوراتيوس. فما دام بنو كوراتيوس متّحدين مجتمعين، وإن كانوا ثلاثتهم قد جُرحوا جراحًا بالغةً، قتلوا اثنين من بني هوراتيوس. وأمّا الثالث فأخذ يفرّ هاربًا على عقبيه، مع أنّه لم يكن قد أُصيب بأذى البتّة؛ فلمّا رآهم يتبعونه ببطء، واحدًا في إثر واحد، من أجل ما بهم من الجراح ومن ثقل السلاح، كرّ عليهم وحمل على كلّ واحد منهم على حدة فقتلهم ثلاثتهم. فهذه هي حيلة إبليس الماكرة ودهاؤه: أن يفرّقنا لكي يهلكنا.
وينبغي لنا أن نحتمل كثيرًا وأن نضحّي بالكثير، بدلًا من أن نسمح للشقاق والانقسام أن يسودا في قلوبنا. يقول مارتن لوثر: «إذا التقى تيسان على جسر ضيّق فوق ماء عميق، فماذا يصنعان؟ فلا واحد منهما يستطيع أن يرجع القهقرى، ولا يستطيع أحدهما أن يجتاز الآخر، لأنّ الجسر أضيق من ذلك؛ ولو تناطحا لسقطا كلاهما في الماء وغرقا. فقد علّمتهما الطبيعة إذًا أنّ أحدهما إن اضطجع وترك الآخر يعبر فوقه، بقيا كلاهما سالمين لا أذى بهما. وهكذا ينبغي للناس أن يحتملوا أن يُداس عليهم، لا أن يقعوا في الجدال والشقاق بعضهم مع بعض».
ويقول كودري: «كما هي الحال في الموسيقى، إذا لم يكن انسجام النغمات تامًّا كانت مؤذيةً للأذن المرهفة؛ هكذا المسيحيّون إذا اختلفوا فيما بينهم لم يكونوا مقبولين عند الله».
إنّ أنواع المواهب مختلفة — وهذا معلَّم بكلّ وضوح — ولكنّ الروح واحد. فإن كنّا جميعًا قد افتُدينا بدم واحد بعينه، فينبغي لنا أن نرى عينًا بعين في الأمور الروحيّة. يكتب بولس فيقول: «فأنواع مواهب موجودة، ولكنّ الروح واحد. وأنواع خدم موجودة، ولكنّ الربّ واحد».
وحيث يكون الاتّحاد، فلستُ أومن أنّ قوّةً ما من القوى، أرضيّةً كانت أو جهنّميّةً، تستطيع أن تقف في وجه ذلك العمل. فمتى اتّحدت الكنيسة، والمنبر، والمقاعد، وصار شعب الله كلّهم على فكر واحد ورأي واحد، صارت المسيحيّة ككرة محماة بالنار تتدحرج على وجه الأرض كلّها، فلا تستطيع أجناد الموت والجحيم كلّها أن تقف أمامها. وإنّي لأومن أنّ الناس عندئذ يأتون أفواجًا مزدحمين إلى الملكوت بالمئات وبالألوف. يقول المسيح: «بهذا يعرف الجميع أنّكم تلاميذي: إن كان لكم حبّ بعضًا لبعض». فإن نحن أحببنا بعضنا بعضًا وصلّى بعضنا لأجل بعض، كان لنا النجاح. فالله لا يخيّب رجاءنا.
ولا يمكن أن يكون في كنيسة المسيح الحقيقيّة انفصال ولا انقسام حقيقيّ البتّة؛ فقد افتُدوا جميعًا بثمن واحد، ويسكن فيهم جميعًا روح واحد. فإن كنتُ أنا من عائلة الله فقد اشتُريتُ أنا أيضًا بالدم عينه، وإن كنتُ لا أنتمي إلى الشيعة نفسها أو الحزب نفسه الذي ينتمي إليه غيري. وإنّما الذي نريد أن نفعله هو أن تُزال هذه الجدران الطائفيّة البائسة. فقد كان ضعفنا كلّه في انقسامنا؛ وحاجتنا هي ألّا يكون بين محبّي الربّ يسوع المسيح شقاق ولا انقسام. ونحن نقرأ في الرسالة الأولى إلى كورنثوس عن أوّل أعراض الروح الطائفيّة وهي تدخل إلى الكنيسة الأولى —
«ولكنّني أطلب إليكم أيّها الإخوة، باسم ربّنا يسوع المسيح، أن تقولوا جميعكم قولًا واحدًا، ولا يكون بينكم انشقاقات، بل كونوا كاملين في فكر واحد ورأي واحد. لأنّي أُخبرتُ عنكم يا إخوتي من أهل خلوي أنّ بينكم خصومات. فأنا أعني هذا: أنّ كلّ واحد منكم يقول: أنا لبولس، وأنا لأبلّوس، وأنا لصفا، وأنا للمسيح. هل انقسم المسيح؟ ألعلّ بولس صُلب لأجلكم، أم باسم بولس اعتمدتم؟»
فلاحظ كيف قال هذا الواحد منهم: «أنا لبولس»؛ وقال ذاك الآخر: «أنا لأبلّوس»؛ وقال ثالث: «أنا لصفا». فقد كان أبلّوس خطيبًا شابًّا، وكان الناس قد استهوتهم فصاحته وذهبت ببالهم وألبابهم. وقال قوم آخرون إنّ صفا، أي بطرس، إنّما هو من الخطّ الرسوليّ الصحيح، لأنّه كان مع الربّ نفسه، وأمّا بولس فلم يكن معه. فانقسموا لأجل ذلك فرقًا، فكتب بولس إليهم هذه الرسالة ليفصل في هذه المسألة ويقطعها.
ويقول جنكن في تفسيره لرسالة يهوذا: «إنّ الشركاء في «الخلاص العامّ»، الذين هم ههنا متّفقون على طريق واحدة إلى السماء، والذين ينتظرون أن يكونوا فيما بعدُ في سماء واحدة، ينبغي لهم أن يكونوا قلبًا واحدًا. وهذا هو ما يستنتجه الرسول في رسالة أفسس. فأيّ شقاء عجيب أن يختلف الذين يتّفقون في الإيمان المشترك اختلاف الأعداء المتنافرين! وأن يعيش المسيحيّون كأنّ الإيمان قد نفى المحبّة! إنّ هذا الإيمان المشترك ينبغي أن يهدّئ أرواحنا ويلطّفها في كلّ خلافاتنا. وينبغي أن يعدّل من نفوسنا، وإن كان بيننا تفاوت في العلاقات الأرضيّة. فما أقوى ذلك الدافع الذي قدّمه إخوة يوسف إليه ليغفر لهم خطيّتهم، إذ كانوا إخوته وعبيد إله أبيه معًا! فإن كانت أنفاسنا نحن لا تقدر أن تطفئ شمعة الخصام، فيا ليت دم المسيح يطفئها!»
فيا لَها من حال غريبة عجيبة كان يجدها بولس وصفا وأبلّوس لو أنّهم جاءوا إلى العالم في يومنا هذا! إنّ تلك الشجيرة الصغيرة التي نبتت هناك في كورنثوس قد نمت وصارت شجرةً كشجرة نبوخذنصّر، وقد اجتمعت في أغصانها كثير من طيور السماء. فهبْ أنّ بولس وصفا نزلا إلينا الآن، فإنّهما يسمعان في الحال كلامًا عن أهل الكنيسة وعن المنشقّين عنها. فيقول بولس: «منشقّ! وما هذا الذي تقول؟» «إنّ عندنا كنيسة إنكلترا، وثمّ قوم ينشقّون عن الكنيسة». «حقًّا! أفههنا إذًا طبقتان من المسيحيّين؟» «يؤسفني أن أقول إنّ ثمّ انقسامات أكثر من ذلك بكثير جدًّا. فالمنشقّون أنفسهم منقسمون فرقًا وشيعًا. فمنهم الوسليّون، والمعمدانيّون، والمشيخيّون، والمستقلّون، وهلمّ جرًّا؛ بل إنّ هؤلاء أنفسهم منقسمون فيما بينهم». فيقول بولس: «أيمكن أن تكون الانقسامات كلّ هذه الكثرة؟» «نعم؛ بل إنّ كنيسة إنكلترا نفسها منقسمة انقسامًا غير قليل. فثمّ الكنيسة الواسعة، والكنيسة العليا، والكنيسة الدنيا، وأصحاب المنزلة بين المنزلتين. ثمّ بعد ذلك الكنيسة اللوثريّة؛ وهناك في بلاد روسيا لهم الكنيسة اليونانيّة، وهلمّ جرًّا». وإنّي لأقول بصراحة إنّي لا أدري ماذا كان يخطر لبولس وصفا لو أنّهما رجعا إلى العالم؛ فإنّهما كانا يجدان حالًا غريبةً عجيبةً. وإنّ من أشدّ الأمور إذلالًا لنا في أيّامنا هذه أن نرى كيف انقسمت عائلة الله وتمزّقت. فإن كنّا حقًّا نحبّ الربّ يسوع المسيح فإنّ همّ قلوبنا سيكون أن يقرّب الله بعضنا من بعض، حتّى يحبّ بعضنا بعضًا ونرتفع فوق كلّ روح حزبيّة وشيعيّة.
ولمّا كانوا يرمّمون كنيسةً في أحد أحياء بوسطن، غُطّيت الكتابة التي كانت على الحائط وراء المنبر. وفي أوّل يوم للربّ بعد الترميم، همست الطفلة ذات الخمس السنين لأمّها فقالت: «إنّي أعرف لماذا قال الله لرجال الدهان أن يغطّوا تلك الآية الجميلة. إنّما ذلك لأنّ الناس لم يكن بعضهم يحبّ بعضًا». وكانت الكتابة هي: «وصيّةً جديدةً أنا أعطيكم: أن تحبّوا بعضكم بعضًا».
ويقول أحد وعّاظ بوسطن إنّه وعظ مرّةً في «التعارف بين الأصدقاء في الحياة الآتية»، فقال له أحد السامعين بعد الخدمة إنّه كان أجدر به أن يعظ في التعارف بين الأصدقاء ههنا، إذ إنّه هو قد كان في الكنيسة عشرين سنةً وما عرف أحدًا من أعضائها.
وقد كنتُ في بلدة صغيرة منذ زمن ليس بالبعيد، وبينما كنتُ خارجًا ذات ليلة من الاجتماع، رأيتُ بناءً آخر والناس خارجون منه أيضًا. فقلتُ لصديق كان معي: «أعندكم ههنا كنيستان؟» فقال: «نعم، عندنا كنيستان». فقلتُ: «وكيف حالكم معًا؟» فقال: «إنّنا على أحسن حال». فقلتُ: «يسرّني جدًّا أن أسمع ذلك. أكان أخوك الواعظ في الاجتماع الليلة؟» فقال: «كلّا، إنّنا لا شأن لنا بعضنا ببعض البتّة. وقد وجدنا أنّ ذلك خير طريقة». وهم يسمّون ذلك «أحسن حال»! آه، ليجعلنا الله قلبًا واحدًا وفكرًا واحدًا! ولتكن قلوبنا كقطرات الماء يجري بعضها إلى بعض حتّى تصير واحدًا. إنّ الوحدة بين شعب الله إنّما هي ضرب من ذوق السماء قبل الوصول إليها. فنحن لن نجد هناك معمدانيّين ولا ميثوديّين ولا جماعيّين ولا أسقفيّين؛ بل سنكون جميعًا واحدًا في المسيح. فإنّنا نترك وراءنا أسماء أحزابنا كلّها متى تركنا هذه الأرض. فيا ليت روح الله يكنس سريعًا هذه الجدران البائسة كلّها التي ما زلنا نبنيها ونعليها!
أما لاحظتَ قطّ أنّ آخر صلاة صلّاها يسوع المسيح على هذه الأرض، قبل أن يقودوه إلى الجلجثة، إنّما كانت أن يكون تلاميذه جميعًا واحدًا؟ فقد كان يستطيع أن ينظر إلى أسفل مجرى الزمان فيرى الانقسامات وهي آتية بعدُ — وكيف يحاول الشيطان أن يفرّق قطيع الله ويشتّته. وليس شيء يسكت الملحدين بأسرع من أن يكون المسيحيّون في كلّ مكان متّحدين. فحينئذ يكون لشهادتنا ثقل ووزن عند الفجّار والمتهاونين. وأمّا حين يرون كيف انقسم المسيحيّون فإنّهم لا يصدّقون شهادتهم. وعندئذ يحزن الروح القدس؛ وحيث لا وحدة فالقوّة قليلة.
ولو ظننتُ أنّ في عروقي قطرةً واحدةً من دم طائفيّ لأرقتُها وأخرجتُها منها قبل أن أذهب الليلة إلى فراشي؛ ولو كان في رأسي شعرة واحدة طائفيّة لنتفتُها من رأسي ورميتُها. فلندخل نحن مباشرةً إلى قلب يسوع المسيح نفسه؛ فحينئذ تكون صلواتنا مقبولةً عند الله، وتنزل علينا أمطار البركات غزيرةً.
الاتّحاد
«فلا تُعرف أسماء الأحزاب بعدُ
بين الجمع المفتدى؛
فإنّ يسوع يطالب بهم لنفسه؛
وله هم جميعًا ينتمون.
«وهم واحد في رأس عهدهم وملكهم،
فينبغي أن يكونوا واحدًا في القلب؛
وبخلاص واحد ينبغي أن يترنّموا جميعًا،
وكلّ واحد يدّعي نصيبه منه.
«خبز واحد، وعائلة واحدة، وصخرة واحدة،
وبنيان واحد، شادته المحبّة،
وحظيرة واحدة، وراعٍ واحد، بل قطيع واحد،
وسيكونون واحدًا في العلاء.»
جوزيف آيرونز.