فصل 6 · قراءة 13 د

الغفران

والأمر الذي يلي هذا هو لعلّه أصعب هذه الأمور جميعًا معالجةً — وأعني به الغفران. وإنّي لأعتقد أنّ هذا الأمر بعينه يحول بين الناس وبين أن تكون لهم قدرة مع الله أكثر من أيّ أمر آخر سواه — أي أنّهم لا يرضون أن يربّوا في أنفسهم روح الغفران. فإن نحن سمحنا لأصل مرارة أن ينبت في قلوبنا على أحد من الناس، فإنّ صلاتنا لا تُستجاب. وقد لا يكون من السهل علينا أن نحيا في شركة حلوة مع كلّ من نخالطهم ونلقاهم في هذه الحياة؛ ولكنّ نعمة الله إنّما أُعطيت لنا لهذا الأمر عينه.

وصلاة التلاميذ امتحان للبنوّة؛ فإن نحن استطعنا أن نصلّيها كلّها من القلب، كان لنا سبب حسن أن نظنّ أنّنا قد وُلدنا من الله. فما من إنسان يقدر أن يدعو الله أبًا إلّا بالروح. ومع أنّ هذه الصلاة قد كانت بركةً عظيمةً للعالم، فإنّي أعتقد أنّها قد كانت أيضًا فخًّا عظيمًا؛ إذ يعثر بها كثيرون فيسقطون إلى الهلاك. فهم لا يزنون معناها، ولا يأخذون حقائقها إلى قلوبهم أخذًا صحيحًا. ولستُ أشاطر البتّة أولئك الذين يقولون بالبنوّة العامّة — أي أنّ جميع الناس أبناء الله. فإنّ الكتاب المقدّس يعلّم بكلّ وضوح أنّنا إنّما نُتبنّى في عائلة الله. فلو كان الجميع أبناءً لما احتاج الله أن يتبنّى أحدًا. صحيح أنّنا كلّنا لله من جهة الخلق؛ ولكن حين يعلّم الناس أنّ كلّ إنسان يستطيع أن يقول: «أبانا الذي في السماوات»، سواء أوُلد من الله أم لم يولد، فإنّي أحسب ذلك مناقضًا للكتاب. «لأنّ كلّ الذين ينقادون بروح الله، فأولئك هم أبناء الله». إنّ البنوّة في العائلة امتياز للمؤمن وحده. يقول الرسول: «بهذا أولاد الله ظاهرون وأولاد إبليس». فإن كنّا عاملين مشيئة الله فتلك علامة حسنة جدًّا على أنّنا مولودون من الله. وأمّا إن لم تكن لنا رغبة البتّة في عمل تلك المشيئة، فكيف نقدر أن ندعو الله «أبانا»؟

وأمر آخر. إنّنا لا نقدر حقًّا أن نصلّي لكي يأتي ملكوت الله ما لم نكن نحن أنفسنا فيه. فلو صلّينا لأجل مجيء ملكوت الله ونحن متمرّدون عليه، لما كنّا نطلب سوى دينونة أنفسنا. فما من إنسان غير مجدَّد يريد حقًّا أن تكون مشيئة الله على الأرض. بل إنّك تستطيع أن تكتب على باب كلّ بيت لرجل غير مخلَّص، وعلى محلّ تجارته: «مشيئة الله لا تُعمل ههنا».

ولو أنّ الأمم رفعت هذه الصلاة حقًّا لأمكن أن تُسرَّح جيوشها كلّها. يقولون لنا إنّ في الجيوش الدائمة في أوروبا وحدها نحو اثني عشر مليونًا من الرجال. ولكنّ الناس لا يريدون أن تكون مشيئة الله على الأرض كما هي في السماء؛ وتلك هي البليّة.

والآن دعونا نأتي إلى الجزء الذي أريد أن أقف عنده: «واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا». وهذا هو الجزء الوحيد من الصلاة الذي شرحه المسيح.

«فإنّه إن غفرتم للناس زلّاتهم، يغفر لكم أيضًا أبوكم السماويّ. وإن لم تغفروا للناس زلّاتهم، لا يغفر لكم أبوكم أيضًا زلّاتكم».

ولاحظ أنّك حين تدخل من باب ملكوت الله، إنّما تدخل من باب الغفران. وما عرفتُ قطّ في حياتي كلّها إنسانًا نال بركةً في نفسه وهو غير راضٍ أن يغفر لغيره من الناس. فإن كنّا نحن غير راضين أن نغفر لغيرنا، فالله لا يقدر أن يغفر لنا. ولستُ أدري كيف يمكن أن يكون الكلام أوضح وأصرح ممّا هو عليه في هذه الكلمات التي قالها ربّنا. وإنّي لأومن إيمانًا راسخًا أنّ كثيرًا جدًّا من الصلوات لا تُستجاب لأنّنا نحن غير راضين أن نغفر لأحد من الناس. فأرجع بفكرك إلى ما مضى من أيّامك، وطُف بدائرة معارفك واحدًا واحدًا؛ أثمّ أحد من الناس تضمر له في قلبك ضغينةً وتجد عليه في نفسك موجدةً؟ أثمّ أصل مرارة نابت فيك على إنسان لعلّه قد أساء إليك يومًا من الأيّام؟ ولعلّك قد ظللت شهورًا أو سنين طوالًا ترضع هذه الروح التي لا تغفر وتغذّيها في صدرك؛ فكيف تجرؤ أنت بعد ذلك أن تسأل الله أن يغفر لك؟ فإن كنتُ أنا غير راضٍ أن أغفر لمن لعلّه لم يسئ إليّ إلّا إساءةً واحدةً، فأيّ أمر دنيء حقير أن أسأل الله أن يغفر لي عشرة آلاف خطيّة قد جنيتُها أنا!

ولكنّ المسيح يمضي إلى أبعد من ذلك بعدُ. فيقول: «فإن قدّمت قربانك إلى المذبح، وهناك تذكّرت أنّ لأخيك شيئًا عليك، فاترك هناك قربانك قدّام المذبح، واذهب أوّلًا اصطلح مع أخيك، وحينئذ تعال وقدّم قربانك». ولعلّك تقول في نفسك: «لستُ أعلم أنّ لي على أحد من الناس شيئًا». حسنًا؛ ولكن، هل لأحد من الناس عليك أنت شيء؟ أثمّ إنسان يظنّ أنّك قد ظلمته وأسأت إليه؟ لعلّك في الحقيقة لم تظلمه ولم تسئ إليه البتّة؛ ولكن لعلّه هو مع ذلك يظنّ أنّك قد فعلت. وسأخبرك بما كنتُ فاعلًا أنا لو كنتُ مكانك قبل أن أنام هذه الليلة: كنتُ أمضي إليه في الحال وأراه وجهًا لوجه وأقطع المسألة قطعًا. وستجد أنّك تُبارَك بركةً عظيمةً في هذا العمل عينه.

وهبْ أنّ الحقّ معك وأنّهم هم على الباطل؛ فإنّك قد تربح أخاك أو أختك. فليقلع الله من قلوبنا كلّها هذه الروح التي لا تغفر.

جاءني رجل منذ زمن ليس بالبعيد، وطلب إليّ أن أكلّم امرأته في أمر نفسها وخلاصها. وقد بدت لي تلك المرأة في مثل قلق أشدّ من رأيتُ من الناس قلقًا واهتمامًا، فظننتُ أنّه لن يطول بي الأمر حتّى أقودها إلى النور؛ ولكن يظهر أنّي كلّما أطلتُ الكلام معها ازدادت الظلمة التي هي فيها. فذهبتُ لأراها في اليوم التالي، فوجدتُها في ظلمة نفس أشدّ ممّا كانت. فقلتُ لا بدّ أن يكون في الطريق شيء لم أكتشفه بعدُ، فطلبتُ إليها أن ترتّل معي صلاة التلاميذ هذه. وقلتُ في نفسي: إن استطاعت أن تصلّي هذه الصلاة من القلب فإنّ الربّ يلاقيها بالسلام. فأخذتُ أرتّلها جملةً بعد جملة، وهي ترتّلها ورائي، حتّى بلغتُ هذه الطلبة: «واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا». فوقفت عندها. فأعدتُها ثانيةً وانتظرتُ أن تقولها ورائي؛ فقالت إنّها لا تستطيع أن تقولها. فقلتُ: «وما الأمر؟» فأجابت: «ثمّ امرأة واحدة لن أغفر لها أبدًا». فقلتُ: «آه، قد بلغتُ الآن موضع الداء عندك؛ ولا فائدة من أن أمضي في الصلاة، فإنّ صلواتك لن ترتفع فوق رأسي. فالله يقول إنّه لا يغفر لكِ ما لم تغفري أنتِ لغيرك. فإن لم تغفري لهذه المرأة فلن يغفر الله لكِ أبدًا. ذلك هو قضاء السماء». فقالت: «أتعني أنّي لا أستطيع أن أنال غفرانًا حتّى أغفر لها؟» فقلتُ: «لا، لستُ أنا أقول ذلك؛ بل الربّ يقوله، وهو سلطان أعلى منّي كثيرًا». فقالت: «إذًا لن يُغفر لي أبدًا». وخرجتُ من ذلك البيت ولم أترك في نفسها أثرًا من الآثار. وبعد سنوات قلائل من ذلك اليوم سمعتُ أنّ هذه المرأة قد صارت في مأوى من مآوي المجانين. وإنّي لأعتقد أنّ روح عدم الغفران هذه هي بعينها التي أذهبت عقلها.

فإن كان ثمّ إنسان له عليك شيء، فامضِ إليه في الحال واصطلح معه. وإن كان لك أنت على أحد شيء، فاكتب إليه رسالةً تخبره فيها أنّك قد غفرت له، وأرِح ضميرك من هذا الأمر. وإنّي لأذكر أنّي كنتُ في غرفة السائلين منذ سنين، وكنتُ في ركن من أركان الغرفة أكلّم فتاةً شابّة. وقد بدا أنّ في الطريق شيئًا، ولكنّي لم أستطع أن أهتدي إلى ما هو. وأخيرًا قلتُ لها: «أليس ثمّ أحد لا تغفرين له؟» فرفعت بصرها إليّ وقالت: «وما الذي حملك على هذا السؤال؟ أأخبرك أحد عنّي بشيء؟» فقلتُ: «لا؛ ولكنّي ظننتُ أنّ ذلك لعلّه هو الأمر، إذ إنّك أنتِ لم تنالي الغفران بعدُ». فقالت مشيرةً إلى ركن آخر من الغرفة، حيث كانت تجلس فتاة أخرى: «إنّه قد كان بيني وبين تلك الفتاة شيء؛ وما تكلّمنا الواحدة مع الأخرى منذ زمن طويل». فقلتُ: «آه، قد صار الأمر كلّه واضحًا لي الآن؛ فإنّك لا تستطيعين أن تنالي الغفران حتّى ترضي أن تغفري لها». وكان ذلك عليها جهادًا عظيمًا وصراعًا شديدًا. ولكنّك تعلم أنّه كلّما عظم الصليب عظمت البركة معه. فمن شأن الإنسان أن يخطئ ويزلّ، ومن شأن المسيح أن يغفر ويُغفَر له. وأخيرًا قالت هذه الفتاة: «سأمضي إليها وأغفر لها». ومن العجيب أنّ ذلك الصراع عينه كان يجري في نفس الفتاة الأخرى في الجهة الأخرى من الغرفة. فرجعت كلتاهما إلى صوابها في الوقت نفسه تقريبًا. والتقتا في وسط الغرفة. وحاولت إحداهما أن تقول إنّها قد غفرت للأخرى، فلم تستطيعا أن تُتمّا الكلام؛ فارتمت كلّ واحدة منهما في أحضان الأخرى. ثمّ جثونا نحن الأربعة — الطالبتان والعاملتان — على ركبنا معًا، فكان لنا اجتماع مجيد. ومضت هاتان مبتهجتين.

أيّها الصديق العزيز، أهذا هو السبب في أنّ صلواتك لا تُستجاب؟ أثمّ صديق، أو فرد من أفراد أهل بيتك، أو أحد في الكنيسة، لم تغفر له؟ إنّنا نسمع أحيانًا عن أعضاء في كنيسة واحدة لم يكلّم أحدهم الآخر منذ سنين. فكيف ننتظر من الله أن يغفر لنا والحال هذه؟

وإنّي لأذكر بلدةً زرتُها أنا والسيّد سانكي. فمضى علينا أسبوع كأنّنا فيه إنّما نضرب الهواء؛ ما كانت في الاجتماعات قوّة البتّة. وأخيرًا قلتُ في أحد الأيّام لعلّ ههنا إنسانًا يربّي في نفسه هذه الروح التي لا تغفر. فقام رئيس لجنتنا، وكان جالسًا إلى جانبي، وخرج من الاجتماع على مرأى من الجمهور كلّه. فقد أصاب السهم المرمى، ونفذ إلى قلب رئيس اللجنة. فقد كان بينه وبين رجل شيء منذ نحو ستّة أشهر. فمضى من فوره وفتّش عن ذلك الرجل وطلب إليه أن يغفر له. ثمّ جاءني والدموع في عينيه وقال: «إنّي أشكر الله على أنّك جئت إلى ههنا». وفي تلك الليلة غصّت غرفة السائلين بالناس. وصار ذلك الرئيس واحدًا من أحسن العاملين الذين عرفتُهم في حياتي، وما زال إلى اليوم نشيطًا في خدمة المسيح.

ومنذ سنين عدّة أرسلت كنيسة إنكلترا مرسلًا متفانيًا في خدمته إلى بلاد نيوزيلندا. وبعد بضع سنين من التعب والنجاح، كان في أحد أيّام الربّ يقيم خدمة العشاء الربّانيّ في ناحية من النواحي لم يكن قد مضى على المهتدين فيها زمن طويل منذ كانوا قومًا متوحّشين. وفيما كان المرسل قائمًا بالخدمة، لاحظ واحدًا من أولئك الرجال، وقد هَمَّ أن يجثو عند الدرابزين، إذ وثب فجأةً واقفًا على قدميه ومضى مسرعًا إلى الطرف الآخر من الكنيسة. ثمّ رجع بعد حين وأخذ مكانه في هدوء وسكون. فلمّا انتهت الخدمة أخذه الكاهن جانبًا وسأله عن سبب هذا التصرّف الغريب. فأجاب قائلًا: «لمّا هممتُ أن أجثو على ركبتيّ عرفتُ في الرجل الذي كان إلى جانبي رئيس قبيلة مجاورة لنا، وهو الذي كان قد قتل أبي وشرب دمه؛ وكنتُ قد أقسمتُ بالآلهة كلّها أن أقتل ذلك الرجل في أوّل فرصة تسنح لي. فكادت شهوة الانتقام في أوّل الأمر تغلبني وتقهرني، فأسرعتُ خارجًا، كما رأيتني بعينك، هربًا من سلطانها عليّ. ولمّا وقفتُ هناك في الطرف الآخر من الغرفة وتأمّلتُ في الغرض الذي اجتمعنا لأجله، ذكرتُ ذاك الذي صلّى لأجل قاتليه هو فقال: ‹يا أبتاه، اغفر لهم، لأنّهم لا يعلمون ماذا يفعلون›. فعندئذ شعرتُ أنّي أستطيع أن أغفر لقاتل أبي، فجئتُ وجثوتُ إلى جانبه».

وكما قال أحدهم: «ثمّ في العالم ضرب قبيح من الغفران — غفران هو أشبه شيء بغفران القنفذ، يُقذف به كما تُقذف الأشواك. فالناس يأخذون ذاك الذي أساء إليهم، ويقعدونه أمام منفاخ سخطهم وغيظهم، فيلفحونه بناره ويحرقون ذنبه فيه حرقًا؛ فإذا عجنوه بقبضاتهم عجنًا كافيًا، فعندئذ يتنازلون هم فيغفرون له».

ولمّا كان أبو فردريك الأكبر مضطجعًا على فراش الموت، حذّره السيّد رولوف، مرشده الروحيّ، وأنذره بأنّه ملزم أن يغفر لأعدائه. فاضطرب الملك من ذلك جدًّا وضاق به، ثمّ قال للملكة بعد صمت لحظة: «أنتِ يا فيكين تستطيعين أن تكتبي إلى أخيك (ملك إنكلترا) بعد أن أموت، وتخبريه أنّي قد غفرتُ له، وأنّي متُّ وأنا في سلام معه». فقال له السيّد رولوف في لطف ورفق: «خير من ذلك أن يكتب جلالتكم إليه في الحال». فأجابه الملك بحزم وشدّة: «لا. بل اكتبي بعد أن أموت. فذلك أسلم لي».

وثمّ قصّة أخرى تُروى عن رجل ظنّ أنّه مشرف على الموت، فأعلن غفرانه لمن كان قد أساء إليه، ولكنّه أضاف بعد ذلك قائلًا: «ولكن انتبه أنت، فإن أنا شُفيتُ من مرضي هذا فالحقد القديم باقٍ على حاله».

يا أصدقائي، ليس هذا بغفران البتّة، ولا هو منه في شيء. وإنّي لأومن أنّ الغفران الحقيقيّ يتضمّن نسيان الإساءة نفسها — أي طرحها بجملتها خارج قلوبنا وذاكرتنا معًا.

يقول متّى هنري: «إنّنا لا نغفر لأخينا المسيء غفرانًا صحيحًا ولا مقبولًا إن لم نغفر له من القلب، فإنّ ذلك هو ما ينظر الله إليه. فلا يجوز أن يُضمَر هناك حقد، ولا سوء نيّة لأحد؛ ولا يجوز أن تُفرَّخ هناك مقاصد للانتقام ولا رغبات فيه، كما هي الحال في كثيرين ممّن يبدون في الظاهر مسالمين مصطلحين. بل يجب علينا أن نطلب من القلب خير الذين أساءوا إلينا ونسعى فيه».

ولو كان غفران الله على مثال الغفران الذي كثيرًا ما نُظهره نحن بعضنا لبعض، لما كان يساوي شيئًا يُذكر. فهبْ أنّ الله قال: «سأغفر لك، ولكنّي لن أنسى ذلك أبدًا؛ وسأظلّ أذكّرك به مدى الأبديّة كلّها»؛ لما شعرنا أنّ ذلك غفران البتّة. فلاحظ ما يقوله الله: «ولا أذكر خطاياهم وتعدّياتهم في ما بعد». وفي موضع من حزقيال يقول: «كلّ معاصيه التي فعلها لا تذكر عليه»؛ أليس هذا شبيهًا بالله؟ وإنّي لأحبّ أن أكرز بهذا الغفران — بذلك الحقّ الحلو، أنّ الخطيّة قد مُحيت للزمان وللأبديّة، ولن تُذكر علينا مرّةً واحدة. ونقرأ في كتاب آخر: «ولن أذكر خطاياهم وتعدّياتهم في ما بعد». ثمّ إنّك متى رجعت إلى الأصحاح الحادي عشر من الرسالة إلى العبرانيّين، وقرأت سجلّ الشرف عند الله، وجدت أنّه لم تُذكر خطيّة واحدة من خطايا أولئك الرجال أهل الإيمان. فإبراهيم يُذكر بأنّه رجل الإيمان؛ ولكن لم يُذكر كيف أنكر امرأته هناك في مصر؛ فقد غُفر ذلك كلّه. وموسى مُنع من دخول أرض الموعد لأنّه فقد صبره؛ ولكنّ هذا لا يُذكر في العهد الجديد، مع أنّ اسمه وارد في سجلّ الشرف عند الرسول. وشمشون أيضًا مذكور هناك، ولكنّ خطاياه لم تُنشر ولم تُبعث ثانيةً. بل إنّنا نقرأ حتّى عن «لوط البارّ»؛ وما كان يبدو في قصّة العهد القديم شبيهًا كثيرًا بالرجل البارّ، ولكنّه قد غُفر له كلّ ذلك، وقد جعله الله «بارًّا». فمتى غفر الله لنا مرّةً واحدة لم تُذكر علينا خطايانا في ما بعد. هذا هو قضاء الله الأبديّ.

ويقول بروكس متكلّمًا عن غفران الله الممنوح لشعبه: «إنّ الله متى غفر الخطيّة نزعها نزعًا تامًّا وأزالها إزالةً؛ حتّى إنّها لو طُلبت وفُتّش عنها لما وُجدت؛ كما يقول النبيّ إرميا: ‹في تلك الأيام وفي ذلك الزمان، يقول الربّ، يطلب إثم إسرائيل فلا يكون، وخطيّة يهوذا فلا توجد، لأنّي أغفر لمن أبقيه›. وكما أنّ داود لمّا رأى في مفيبوشث ملامح صديقه يوناثان لم يلتفت إلى عرجه ولا إلى شيء آخر ممّا فيه من عيب أو تشويه؛ هكذا الله أيضًا، إذ يرى في شعبه صورة ابنه المجيدة، يغضّ الطرف عن كلّ عيوبهم وتشويهاتهم؛ وهذا هو الذي حمل لوثر على أن يقول: ‹افعل بي ما تشاء، ما دمتَ قد غفرت لي خطيّتي›. وما معنى أن يغفر الله الخطيّة إلّا ألّا يذكر الخطيّة البتّة؟»

ونقرأ في إنجيل متّى: «وإن أخطأ إليك أخوك فاذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما. إن سمع منك فقد ربحت أخاك». ثمّ نقرأ بعد ذلك بقليل أنّ بطرس تقدّم إلى المسيح وقال: «يا ربّ، كم مرّةً يخطئ إليّ أخي وأنا أغفر له؟ هل إلى سبع مرّات؟» فأجاب يسوع: «لا أقول لك إلى سبع مرّات، بل إلى سبعين مرّةً سبع مرّات». ويظهر أنّ بطرس لم يكن يحسب أنّ هو في خطر السقوط في الخطيّة؛ إنّما كان سؤاله: كم مرّةً ينبغي لي أن أغفر لأخي؟ ولكن لم يمضِ زمن طويل حتّى سمعنا أنّ بطرس قد سقط. وإنّي لأتخيّل أنّه لمّا سقط جاءه ذلك الفكر الحلو، وهو ما قاله المعلّم عن الغفران إلى سبعين مرّةً سبع مرّات. إنّ صوت الخطيّة قد يكون عاليًا، ولكنّ صوت الغفران أعلى منه.

فلندخل في اختبار داود، إذ يقول: «طوبى للّذي غفر إثمه وسترت خطيّته. طوبى لرجل لا يحسب له الربّ خطيّةً، ولا في روحه غشّ. لمّا سكتُّ بليت عظامي من زفيري اليوم كلّه، لأنّ يدك ثقلت عليّ نهارًا وليلًا. تحوّلت رطوبتي إلى يبوسة القيظ. أعترف لك بخطيّتي ولا أكتم إثمي. قلتُ: أعترف للربّ بذنبي، وأنت رفعت آثام خطيّتي».

لقد كان داود يستطيع أن ينظر إلى تحت وإلى فوق وإلى ورائه وإلى أمامه؛ إلى الماضي والحاضر والمستقبل؛ وأن يعلم أنّ الأمر كلّه على خير ما يرام. فلنعقد العزم على أن لا نستريح حتّى تُقطع مسألة الخطيّة هذه إلى الأبد، فنستطيع أن نرفع أبصارنا وندّعي الله أبًا لنا غافرًا. ولنرضَ أن نغفر لغيرنا حتّى نستطيع أن ندّعي الغفران من الله، ذاكرين كلمات الربّ يسوع إذ قال: «فإنّه إن غفرتم للناس زلّاتهم، يغفر لكم أيضًا أبوكم السماويّ. وإن لم تغفروا للناس زلّاتهم، لا يغفر لكم أبوكم أيضًا زلّاتكم».

العفو

«الآن، يا للفرح! قد غُفرت خطاياي!
الآن أقدر أن أومن، بل أنا مؤمن!
كلّ ما لي، وكلّ ما أنا، وكلّ ما سأكون،
لربّي الكريم أهبه وأبذله؛
هو أيقظني من نعاسي المميت،
وبدّد ليل نفسي المظلم؛
وهمس لي بالسلام، وجذبني إليه،
وجعل نفسه أعظم لذّاتي.

«فلينسَ الطفل أمّه،
وليهجر العريس عروسه؛
أمّا أنا فأبقى له وفيًّا، لا أحبّ سواه،
ملتصقًا بجنبه التصاقًا وثيقًا.
يا يسوع، اسمع اعتراف نفسي؛
ضعيف أنا، ولكنّ القوّة قوّتك؛
فعلى ذراعيك، طلبًا للقوّة والغوث،
لتستكنّ نفسي في هدوء!»

ألبرت ميدلين.
صفحة 1 / 10 · 13 دقيقة متبقية في الفصل