فصل 5 · قراءة 7 د
الشكر
والأمر التالي الذي أودّ أن أذكره عنصرًا من عناصر الصلاة هو الشكر. فإنّه ينبغي لنا أن نكون أشكر ممّا نحن عليه الآن لما ننال من الله من الخيرات. ولعلّ بعضكنّ، أيّتها الأمّهات، لها في بيتها ولد لا يزال يتشكّى ويتذمّر في كلّ حين — ولا يشكر البتّة. وأنتنّ تعلمن جيّدًا أنّه ليس في صنع شيء لولد كهذا كثير سرور. وإن أنت لقيت شحّاذًا لا يزال يتبرّم، ولا يبدو عليه قطّ أنّه شاكر لما تعطيه، فما أسرع ما تُغلق الباب في وجهه إغلاقًا تامًّا. فالجحود من أقسى ما نلقاه في هذه الحياة. وقد قال شاعر الإنكليز العظيم:
«هُبّي، هُبّي، يا ريح الشتاء — لستِ في القسوة كجحود الإنسان؛ وما نابُك بهذا الحدّ من الحدّة، لأنّك غير منظورة، وإن كان نَفَسك جافيًا».
ولا نستطيع أن نتكلّم في هذا الشرّ بأصرح ممّا ينبغي، وهو شرّ يُحطّ حطًّا من قدر المذنبين به. بل إنّه ليُرى منه شيء كثير جدًّا حتّى في المسيحيّين أنفسهم. فها نحن أولاء ننال البركات من الله يومًا بعد يوم بلا انقطاع؛ ومع ذلك، ما أقلّ التسبيح والشكر في كنيسة الله!
ويقول غورنال، في كتابه سلاح المسيحيّ، مشيرًا إلى هذه الكلمات: «اشكروا في كلّ شيء»: «إنّ «بالمستقيمين يليق التسبيح». و«القدّيس غير الشاكر» عبارة تحمل في ذاتها تناقضًا. فالشرّ والجحود توأمان يعيشان معًا ويموتان معًا؛ فمتى كفّ أحد عن أن يكون شرّيرًا، ابتدأ في الحال أن يكون شاكرًا. وهذا هو الأمر الذي يتوقّعه الله من يديك أنت؛ فلهذه الغاية عينها صنعك. فلمّا صدر القرار في السماء بأن تكون — بل بأن يكون لك كيان سعيد في المسيح! — إنّما كان ذلك على هذا الأساس: أن تكون له اسمًا وتسبيحًا على الأرض في الزمان، وفي السماء إلى الأبد. فلو أخطأ الله هذه الغاية، لأخفق في قسم رئيسيّ من قصده كلّه. فما الذي يحمله على أن يمنحك كلّ رحمة من رحماته، إلّا أن يهبك مادّةً تنظم منها أنشودةً لتسبيحه؟ «إنّهم شعبي، بنون لا يخونون. فصار لهم مخلّصًا».
«إنّه يتوقّع منك أنت معاملةً كريمة. فمن ذا الذي يأتمنه الأب على سمعته إن لم يأتمن ابنه هو؟ وأين يرتجي الأمير الكرامة إن لم يرتجها عند خاصّته وأحبّائه؟ فإنّ حالك أنت من العلوّ بحيث إنّ أصغر رحمة نلتها هي أعظم من هذا العالم كلّه بما فيه. فأنت أيّها المسيحيّ، وإخوتك القليلون، تقتسمون السماء والأرض جميعًا فيما بينكم! فأيّ شيء عند الله يحجبه عنكم؟ الشمس والقمر والنجوم قد أُقيمت كلّها لتعطيكم أنتم نورًا؛ والبحر والبرّ لهما كنوزهما لأجل منفعتكم؛ وغيركم إنّما هم متعدّون عليها، وأمّا أنتم فورثتها الشرعيّون؛ وهي تئنّ أن يخدم بها سواكم. والملائكة، أشرارها وأخيارها، إنّما تخدمكم أنتم؛ فالأشرار منها، على غير إرادتها، تُساق كالخدم الوضعاء، حين تجرّبكم، إلى أن تجلو نعمكم وتصقلها لكم، وتفتح الطريق لتعزيات هي أعظم لكم؛ وأمّا الملائكة الأخيار فهم خدّام لأبيكم السماويّ، ولا يأنفون أن يحملوكم على أذرعتهم. وإلهكم نفسه لا يحجب ذاته عنكم؛ فهو نصيبكم — أبًا لكم وزوجًا وصديقًا. فالله هو سعادة نفسه بنفسه، وهو مع ذلك يأذن لكم أن تتمتّعوا به. فيا لَه من إكرام عظيم أن يشرب الرعيّة من كأس أميرهم! «ومن نهر نعمك تسقيهم». وهذا كلّه ليس هو ثمن عرقكم ودمكم؛ فالوليمة قد دفع ثمنها غيركم، وهو إنّما يتوقّع منكم الشكر لمن أقامها. فلا ذبيحة خطيّة مفروضة عليكم تحت الإنجيل؛ إنّما ذبائح الشكر وحدها هي كلّ ما يطلبه منكم».
ويقول تشارنوك، في بحثه عن العبادة الروحيّة: «إنّ تسبيح الله هو أفضل الذبائح وأفضل العبادة جميعًا، تحت تدبير النعمة الفادية. فهو القسم الأوّل والأبديّ من العبادة تحت الإنجيل. وصاحب المزمور، إذ يتكلّم عن أزمنة الإنجيل، إنّما يحضّ الناس على هذا الضرب من العبادة، فيقول: «غنّوا للربّ ترنيمةً جديدة؛ ليبتهج بنو صهيون بملكهم؛ ليبتهج الأتقياء بمجد؛ ليرنّموا على مضاجعهم؛ تنويهات الله في أفواههم». وهو يبتدئ هذين المزمورين كليهما ويختمهما جميعًا بـهلّلويا! فلا يمكن أن تكون تلك عبادةً روحيّةً إنجيليّة البتّة، إن لم يكن فيها شيء من تسبيح الله في القلب. وإنّ التأمّل في كمالات الله البديعة التي أُعلنت لنا في الإنجيل سيجعلنا نأتي إليه بجدّيّة هي أعظم، ونستجدي منه البركات بثقة هي أعظم، ونطير إليه بإيمان ومحبّة مجنّحين، ونمجّده تمجيدًا أشدّ روحيّةً في كلّ وقوفنا بين يديه».
وفي الكتاب المقدّس من الكلام عن التسبيح أكثر بكثير جدًّا ممّا فيه عن الصلاة؛ ومع ذلك، ما أقلّ اجتماعات التسبيح التي عندنا! فداود في مزاميره لا يزال في كلّ موضع يمزج التسبيح بالصلاة. وقد غلبت صلاة سليمان عند الله غلبةً عظيمة عند تدشين الهيكل؛ ولكنّ صوت التسبيح هو الذي أنزل ذلك المجد الذي ملأ البيت؛ فإنّنا نقرأ: «وكان لمّا خرج الكهنة من القدس، لأنّ جميع الكهنة الموجودين تقدّسوا، لم تُلاحظ الفرق. واللاويّون المغنّون أجمعون: آساف وهيمان ويدوثون وبنوهم وإخوتهم، لابسين كتّانًا، بالصنوج والرباب والعيدان واقفين شرقيّ المذبح، ومعهم من الكهنة مئة وعشرون ينفخون في الأبواق. وكان لمّا صوّت المبوّقون والمغنّون كواحد صوتًا واحدًا لتسبيح الربّ وحمده، ورفعوا صوتًا بالأبواق والصنوج وآلات الغناء والتسبيح للربّ: «لأنّه صالح لأنّ إلى الأبد رحمته»، أنّ البيت، بيت الربّ، امتلأ سحابًا. ولم يستطع الكهنة أن يقفوا للخدمة بسبب السحاب، لأنّ مجد الربّ ملأ بيت الله».
ونقرأ أيضًا عن يهوشافاط الملك أنّه ظفر على جيوش عمّون وموآب إنّما ظفر عليها بالتسبيح، وهو تسبيح أثاره فيه الإيمان والشكر لله.
«وبكّروا صباحًا وخرجوا إلى برّيّة تقوع. وعند خروجهم وقف يهوشافاط وقال: اسمعوا يا يهوذا وسكّان أورشليم، آمنوا بالربّ إلهكم فتأمنوا. آمنوا بأنبيائه فتفلحوا. ولمّا استشار الشعبَ أقام مغنّين للربّ ومسبّحين في زينة مقدّسة عند خروجهم أمام المتجرّدين وقائلين: احمدوا الربّ لأنّ إلى الأبد رحمته. ولمّا ابتدأوا في الغناء والتسبيح جعل الربّ أكمنةً على بني عمّون وموآب وجبل ساعير الآتين على يهوذا فانكسروا».
ويُقال إنّه في زمان اكتأب فيه أوّل المستوطنين في نيو إنجلاند اكتئابًا شديدًا، اقتُرح في اجتماع من اجتماعاتهم العامّة أن يُنادى بصوم. فقام حينئذ فلّاح شيخ؛ وتكلّم عن إغاظتهم السماء بشكاواهم وتذمّرهم، واستعرض ما جرى عليهم من الأمور، وأظهر لهم أنّ عندهم أشياء كثيرة يشكرون الله عليها، ثمّ اقترح أنّهم عوض أن يعيّنوا يومًا للصوم، يعيّنوا يومًا للشكر. فصُنع ذلك بالفعل؛ وقد بقيت هذه العادة متّبعة عندهم منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا.
ومهما عظمت مصاعبنا، بل مهما عمقت أحزاننا، فثمّ عندنا متّسع للشكر. وقد قال توماس آدامز: «اذخر في تابوت ذاكرتك لا قسط المنّ وحده، وهو خبز الحياة؛ بل اذخر فيه عصا هارون أيضًا، وهي سوط التأديب عينه الذي به صرت أنت أفضل ممّا كنت. تبارك الربّ، لا في عطائه فقط، بل في أخذه أيضًا، يقول أيّوب. فالله، إذ يرى أنّه ليس ثمّ سير على الورود إلى السماء، إنّما يضع أولاده في طريق التأديب؛ وبنار التقويم يأكل عنهم صدأ الفساد. فالله يرسل الضيق، ثمّ يأمرنا أن ندعوه؛ ثمّ يَعِد بإنقاذنا؛ وأخيرًا، فكلّ ما يطلبه منّا بعد ذلك أن نمجّده هو. ادعني في يوم الضيق أنقذك فتمجّدني». ونحن، كالبلبل، نستطيع أن نغنّي في الليل نفسه، وأن نقول مع جون نيوتن:
«ما دام كلّ ما ألقاه سيعمل لخيري، فالمرّ حلو، والدواء طعام؛ وإن كان موجعًا في الحاضر، فسينقضي عن قريب، وحينئذ — آه، ما أعذبها! — أنشودة الغالب».
ولم يتألّم أحد من الرسل جميعًا مثل ما تألّم بولس؛ ومع ذلك، ما من واحد منهم نجده يرفع الشكر مثل ما يرفعه هو. فخذ أنت رسالته إلى أهل فيلبّي. واذكر ما احتمله في فيلبّي نفسها؛ كيف وضعوا عليه ضربات كثيرة، ثمّ ألقوه في السجن. ومع ذلك كلّه، ما من أصحاح واحد في تلك الرسالة إلّا وهو يتكلّم عن الفرح وعن رفع الشكر. وثمّ ذلك الموضع المعروف: «لا تهتمّوا بشيء، بل في كلّ شيء بالصلاة والدعاء مع الشكر، لتُعلَم طلباتكم لدى الله». وكما قال واحد من الناس، ههنا ثلاث أفكار ثمينة: «لا تهتمّ بشيء؛ وصلِّ في كلّ شيء؛ واشكر على أيّ شيء». فنحن ننال دائمًا أكثر ممّا ننال متى كنّا شاكرين لما صنعه الله لنا. ويقول بولس أيضًا في موضع آخر: «نشكر الله وأبا ربّنا يسوع المسيح كلّ حين، مصلّين لأجلكم». فقد كان يرفع الشكر بلا انقطاع. فخذ أيّ رسالة من رسائله تجدها مملوءة تسبيحًا لله.
ولو لم يكن ثمّ شيء آخر البتّة يدعو إلى الشكر، لكان في هذا وحده سبب وافٍ له: أنّ يسوع المسيح قد أحبّنا وبذل نفسه لأجلنا. فقد وُجد فلّاح مرّةً جاثيًا عند قبر جنديّ بالقرب من مدينة ناشفيل. فجاءه رجل وقال له: «لماذا تُعنى بهذا القبر كلّ هذه العناية؟ أدُفن ابنك أنت ههنا؟» فقال له: «لا. ففي أثناء الحرب مرض أهل بيتي جميعًا، فلم أدرِ كيف أتركهم وأمضي. وقد وقعت عليّ القرعة للتجنيد. فجاء واحد من جيراني إليّ وقال: «أنا أذهب عوضًا عنك؛ فليس لي أهل ولا عيال». فمضى هو عنّي. وقد جُرح في موقعة تشيكاماوغا. فحُمل إلى المستشفى، وهناك مات. وقد جئت أنا، يا سيّدي، مسافةً بعيدة جدًّا، لكي أكتب على قبره هذه الكلمات: «لقد مات عوضًا عنّي.»
وهذا هو ما يستطيع المؤمن أن يقوله دائمًا عن مخلّصه المبارك، وفي هذه الحقيقة عينها له أن يفرح كلّ الفرح ويبتهج. «فلنقدّم به في كلّ حين لله ذبيحة التسبيح، أي ثمر شفاه معترفة باسمه».
تسبيح الله
«تكلّمي يا شفتيّ!
وأذيعي في الأرض
تسابيح إلهي.
تكلّم يا لساني الألثغ!
بأبهج نغمة،
أذِعْ تسابيحه العُلى.
«تكلّمي أيّها البحر والأرض!
وأنتِ يا أقصى نجوم السماء،
تكلّمي من عوالمك البعيدة!
خذي النغمة،
وأرسليها دائرةً
إلى أبعد تخوم الخليقة.
«تكلّمي يا سماء السماوات!
يا حيث اتّخذ إلهنا
مسكنه البهيّ.
تكلّموا أيّها الملائكة، تكلّموا!
وأعلنوا بالأناشيد
اسمه الأبديّ.
«تكلّم يا ابن التراب!
فقد أخذ جسدك
وترك السماء لأجلك.
تكلّم يا ابن الموت!
فقد مات موتك أنت،
فبارك أنت المصلوب».
— الدكتور بونار.